بعد توقُّف 3 سنوات... مصير مجهول يُغلِّف الصحافة الورقية بالسودان

الوضع الاقتصادي وانتشار المنصات الرقمية يصعِّبان عودتها

صحف ورقية كانت تصدر بالسودان قبل اندلاع الحرب (أرشيفية - وكالة السودان للأنباء)
صحف ورقية كانت تصدر بالسودان قبل اندلاع الحرب (أرشيفية - وكالة السودان للأنباء)
TT

بعد توقُّف 3 سنوات... مصير مجهول يُغلِّف الصحافة الورقية بالسودان

صحف ورقية كانت تصدر بالسودان قبل اندلاع الحرب (أرشيفية - وكالة السودان للأنباء)
صحف ورقية كانت تصدر بالسودان قبل اندلاع الحرب (أرشيفية - وكالة السودان للأنباء)

في صبيحة 15 أبريل (نيسان) 2023، كانت سيارات النقل المحمَّلة بالصحف تغادر المطابع في طريقها إلى مراكز التوزيع والمكتبات؛ ومع سماع دوي الرصاص في العاصمة الخرطوم عادت أدراجها، ومن حينها لم تلمس أيدي القراء صحيفة ورقية.

ورغم مرور عام على عودة الحياة «شبه طبيعية» في الخرطوم، فإن الصحف الورقية لا تزال في احتجاب كامل، دون أفق أو مؤشرات على عودتها في القريب العاجل.

عَودٌ منشود

ويأمل الصحافي عثمان ميرغني، مالك صحيفة «التيار» التي كانت تصدر يومياً حتى ساعة اندلاع الحرب، في إطلاق نسخة ورقية من صحيفته في المستقبل القريب، وقال: «سنعود قريباً إلى طباعة النسخة الورقية لتصدر من الخرطوم وتوزَّع إلى جميع الولايات».

واستطرد ميرغني، وهو رئيس تحرير الصحيفة، قائلاً لــ«الشرق الأوسط» إن الصحافة المطبوعة «لا غنى عنها»، وتوقَّع أن تلعب دوراً محورياً بعد انتهاء الحرب.

سيدة ترفع لافتة خلال فعالية في نيروبي بكينيا بمناسبة دخول الحرب بالسودان عامها الرابع يوم 15 أبريل 2026 (أ.ب)

وقال صاحب إحدى دور النشر والتوزيع، طالباً عدم ذكر اسمه، إن الصحافة الورقية قبل الحرب «كانت تلفظ أنفاسها»، إذ تدنى التوزيع والانتشار إلى درجة «غير مسبوقة»، عازياً ذلك إلى تدهور الأوضاع الاقتصادية الذي انعكس في ارتفاع أسعار منتجات الطباعة من ورق وأحبار يجري استيرادها من الخارج.

واستدرك قائلاً إنه في السنوات الأخيرة لنظام الرئيس المعزول عمر البشير، تقلَّصت طباعة الصحف الورقية إلى أكثر من النصف، وتوقفت العشرات من الصحف عن الصدور بسبب الأوضاع، مما دفع أصحاب الصحف للاستغناء عن أعداد كبيرة من الصحافيين.

وقبيل اندلاع الحرب بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في أبريل 2023، كانت تصدر في البلاد نحو 20 صحيفة سياسية ورياضية بشكل غير منتظم، بعدما توقف الكثير منها نظراً لارتفاع تكاليف الإنتاج.

الصحافة الإلكترونية

ويرى نقيب الصحافيين السودانيين، عبد المنعم أبو إدريس، أن من الصعب عودة الصحافة الورقية إلى سابق عهدها لأسباب عديدة منها الوضع الاقتصادي، مشيراً إلى متغيرات من أبرزها تحوُّل الجمهور إلى تلقي المعلومات من الصحافة الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي التي انتشرت بكثافة في السنوات الأخيرة.

الدخان يتصاعد من داخل مطار الخرطوم خلال اشتباكات سابقة بين «قوات الدعم السريع» والجيش السوداني (أرشيفية - رويترز)

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن غياب الصحافة الورقية أسهم إسهاماً مباشراً في تراجع التغطية المهنية المتوارثة عبر أجيال من الكفاءات في هذا المجال.

وتابع: «هذا الغياب أفقد أعداداً كبيرة من الصحافيين والصحافيات وظائفهم، والظروف المعيشية الصعبة أجبرتهم على البحث عن مهن بديلة».

وفي هذا الصدد، أشار إلى أنه مع غياب الكفاءات، واعتماد الجمهور على مواقع التواصل الاجتماعي في استقاء المعلومات، انفتح الباب أمام انتشار الشائعات والأخبار الزائفة والمضللة.

ورغم ظهور العديد من المواقع الصحافية الإلكترونية في الآونة الأخيرة، فإنها لم تستوعب المئات من الصحافيين الذين أقعدهم إغلاق الصحف الورقية عن العمل.

رجل يقف الجمعة الماضي على سطح مسجد تضرر جرَّاء الحرب في أم درمان بالسودان (أ.ب)

غير أن المشرف العام على أعمال «المجلس القومي للصحافة والمطبوعات الصحافية» بالإنابة، عمر طيفور، صرَّح بأن عدداً من مُلَّاك وناشري الصحف تواصلوا معه معبِّرين عن رغبتهم في العودة إلى النسخة الورقية في وقت قريب.

وأضاف أنه في حال عودة الصحف للصدور مرة أخرى، فإنها قد لا تستوعب إلا عدداً قليلاً من الصحافيين نظراً للظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد.

واستطرد قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إنه قبل اندلاع الحرب، كانت لوائح «مجلس الصحافة» تشترط التعاقد مع 18 صحافياً على الأقل لإصدار تصريح عمل لصحيفة يومية. وتابع: «قطعنا شوطاً كبيراً بشأن إعداد قانون شامل للإعلام سيصدر قريباً».

صعوبة المنافسة

الأمين العام السابق لــ«مجلس الصحافة»، عبد العظيم عوض، يرى أن الظروف الراهنة لا تتيح إمكانية عودة الصحف الورقية إلى سابق عهدها، عازياً ذلك إلى ما تسببت فيه الحرب من دمار وخراب في كل المجالات، بما في ذلك قطاع الصحافة والنشر.

وقال: «لا أعتقد في ظل الوضع القائم أن تعود الصحافة المطبوعة في المنظور القريب»، مشيراً إلى عدم قدرتها على منافسة التطور الكبير واللافت في الصحافة الإلكترونية والرقمية وسهولة تعامل الجمهور معها عبر الأجهزة الذكية.

واستدرك: «صحيح لا تزال الصحف الورقية تصدر في كثير من دول العالم، وتصارع من أجل الصمود لفترة أطول، لكنها ستواجه إشكالات بتكاليف الإنتاج والتوزيع وقلة العائد».

وأوضح أن صناعة الصحافة المطبوعة ورقياً مكلفة، مقارنة بالصحافة الرقمية والمنصات الإخبارية المنتشرة في الفضاء الإلكتروني.

اقتراح الدمج

ولتجاوز الأوضاع التي يمكن أن تقف حائلاً أمام عودة الصحافة المطبوعة، اقترح الأمين العام السابق لــ«مجلس الصحافة» دمج الصحف التي كانت تصدر قبل اندلاع الحرب، في صحيفتين أو أكثر، إلى جانب تدخل الدولة ودعم ما سماه بــ«الصحافة القومية» التي تنافس صحف القطاع الخاص.

فتى يقف يوم الجمعة الماضي خلف حطام سيارة دمرتها الحرب في أم درمان (أ.ب)

وقال عوض إنه مهما تطورت الصحافة الإلكترونية، ستظل للصحافة الورقية أهمية وأدوار مؤثرة في المجتمعات.

بدوره، توقَّع الصحافي، خالد سعد، عودةً محدودةً للصحف الورقية بعد الحرب، لافتاً إلى أن الأوضاع الاقتصادية ستحول دون رجوعها إلى ما كانت عليه من قبل.

وتحدَّث سعد عن التغيرات الهائلة التي حدثت في البيئة السياسية والإعلامية، وتأثير الوسائط الرقمية على الجمهور. وقال: «أعتقد أن التغير الديمغرافي سيكون من العوامل المؤثرة مستقبلاً»، لافتاً إلى أن طبيعة الجيل الحالي لا تفضل الصحافة الورقية بقدر اهتمامها بالصحافة الإلكترونية.


مقالات ذات صلة

المنشق «السافنا» يصل إلى الخرطوم ويعمق أزمة «الدعم السريع»

شمال افريقيا العميد محمد رزق الله «السافنا» المنشق عن قوات «الدعم السريع» وصل الخرطوم (فيسبوك) p-circle 00:44

المنشق «السافنا» يصل إلى الخرطوم ويعمق أزمة «الدعم السريع»

وصل القائد الميداني السابق بقوات «الدعم السريع» علي رزق الله الشهير بـ«السافنا»، إلى العاصمة السودانية الخرطوم، بعد أيام من إعلانه الانسلاخ عن تلك القوات.

أحمد يونس (كمبالا)
خاص تجمعات باعة المياه الذين يستخدمون عربات الكارو للحصول على المياه وبيعها (الشرق الأوسط)

خاص العطش يحاصر سكان الخرطوم في عام الحرب الرابع

تزداد حياة السودانيين تعقيداً في ظل الانقطاع الطويل للتيار الكهربائي، وبات الحصول على المياه معركة يومية لا تقل قسوة عن أصوات المدافع والقذائف.

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)
شمال افريقيا الفريق ياسر العطا خلال لقائه في وقت سابق حاكم إقليم النيل الأزرق (فيسبوك) p-circle

العطا يتفقد جبهة النيل الأزرق وسط تصاعد هجمات «الدعم السريع»

جدد عضو مجلس السيادة السوداني رئيس هيئة أركان الجيش، الفريق أول ياسر العطا، تعهده بمواصلة دعم العمليات العسكرية في إقليم النيل الأزرق بجنوب شرقي البلاد.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
خاص البرهان وآبي أحمد خلال لقاء سابق في الخرطوم (مكتب رئيس وزراء إثيوبيا)

خاص اتهامات وتحشيد عسكري... هل يقترب السودان وإثيوبيا من المواجهة؟

تشهد العلاقات بين السودان وإثيوبيا تصعيداً غير مسبوق، بعد تبادل الاتهامات السياسية والعسكرية بين البلدين بشأن دعم جماعات مسلحة وشن هجمات بطائرات مسيرة.

خاص رئيس «حركة تحرير السودان» وحاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي (الشرق الأوسط)

خاص مناوي: حملنا السلاح «مجبرين»... والسودان ينهار تحت وطأة الحرب

وصف رئيس «حركة تحرير السودان» وحاكم إقليم دارفور، مشاركة قواته في الحرب إلى جانب الجيش بأنها «ضرورة»، وقال إن الاستهداف طال أرواح السودانيين وتاريخهم.

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)

المنشق «السافنا» يصل إلى الخرطوم ويعمق أزمة «الدعم السريع»

TT

المنشق «السافنا» يصل إلى الخرطوم ويعمق أزمة «الدعم السريع»

العميد محمد رزق الله «السافنا» المنشق عن قوات «الدعم السريع» وصل الخرطوم (فيسبوك)
العميد محمد رزق الله «السافنا» المنشق عن قوات «الدعم السريع» وصل الخرطوم (فيسبوك)

وصل القائد الميداني السابق بقوات «الدعم السريع»، العميد علي رزق الله الشهير بـ«السافنا»، إلى العاصمة السودانية الخرطوم، بعد أيام من إعلانه الانسلاخ عن تلك القوات التي يقودها محمد حمدان دقلو (حميدتي)، في خطوة يرى مراقبون أنها تمثل تحولاً لافتاً في مسار الحرب، وتكشف عن تصاعد الانشقاقات داخل «الدعم السريع» على المستويين القيادي والميداني.

وكان «السافنا» قد أعلن، لدى انشقاقه الأسبوع الماضي، أنه لن ينحاز إلى أي من طرفي الصراع، مكتفياً بالقول إنه «انحاز لإرادة الشعب»، غير أن وصوله إلى الخرطوم اعتبره كثير من المراقبين مؤشراً عملياً على انضمامه إلى صفوف الجيش السوداني، بما يشكل ضربة جديدة لقوات «الدعم السريع» التي تواجه، خلال الأشهر الأخيرة، موجة متزايدة من الانشقاقات.

وقالت مصادر صحافية إن «السافنا» وصل إلى الخرطوم من دون كشف تفاصيل رسمية بشأن تحركاته المقبلة، إلا أن توقيت وصوله، بالتزامن مع تصاعد العمليات العسكرية في عدد من المحاور، عزز التقديرات بشأن وجود تحولات داخلية مؤثرة في بنية قوات «الدعم السريع».

توقعات بانشقاقات جديدة

وقال اللواء المنشق من «الدعم السريع»، النور أحمد آدم، المعروف بـ«النور القبة»، في تصريحات صحافية، إن «السافنا» يعدّ من أبرز القادة الميدانيين داخل قوات «الدعم السريع»، وإن انشقاقه أثار زخماً إعلامياً واسعاً نظراً لثقله العسكري وتأثيره داخل القوات. ووصفه بأنه «من الرجال الأقوياء وأصحاب المواقف»، متوقعاً أن يشكل انضمامه إلى الجيش «إضافة حقيقية للقوات المسلحة وللشعب السوداني». ولوّح «القبة» بانشقاقات جديدة مرتقبة داخل قوات «الدعم السريع»، قائلاً إن الأيام المقبلة ستشهد تطورات جديدة بعد انضمام «السافنا» إلى الجيش، في إشارة إلى احتمال التحاق قيادات أخرى بالقوات المسلحة السودانية.

صورة متداولة للمنشق السافنا بين قواته أثناء عمليات عسكرية قبل انسلاخه عن قوات «الدعم السريع»

ويعد «السافنا» من أبرز القادة الميدانيين الذين برزوا في إقليم كردفان منذ اندلاع الحرب في أبريل (نيسان) 2023، حيث قاد عدداً من العمليات العسكرية ضد الجيش، وأسهم في تمدد قوات «الدعم السريع» في مناطق واسعة بالإقليم. ويعتبر رابع قائد بارز يعلن انشقاقه عن قوات «الدعم السريع» خلال الفترة الأخيرة، بعد قائد «درع السودان» أبو عاقلة كيكل، الذي أعلن انضمامه إلى الجيش في أكتوبر (تشرين الأول) 2024، ثم اللواء النور أحمد آدم «القبة»، وأخيراً القائد الميداني بشارة الهويرة، الذي انشق بدوره والتحق بالقوات المسلحة.

كما سبق للزعيم القبلي موسى هلال، القائد السابق لميليشيا «الجنجويد»، إعلان دعمه للجيش، بعد انتقاله إلى بورتسودان عقب سيطرة قوات «الدعم السريع» على بلدته «مستريحة» في دارفور، في تطور اعتبره مراقبون من العوامل التي أسهمت في اتساع حالة التململ والانقسام داخل قوات «الدعم السريع». ويرى مراقبون أن استهداف قوات «الدعم السريع» لمناطق نفوذ موسى هلال وقواته ألقى بظلاله على التوازنات القبلية والعسكرية في إقليم دارفور، وأسهم بصورة غير مباشرة في تسارع الانشقاقات داخل القوات.

لا تعليق للجيش

ولم يصدر تعليق رسمي من الجيش السوداني أو قوات «الدعم السريع» بشأن وصول «السافنا» إلى الخرطوم، غير أن «الدعم السريع» كان قد وصفه، في بيان سابق عبر منصة «تلغرام»، بأنه «جنرال مهزوم»، في وقت بثّت فيه منصات موالية لـ«القوات» مقاطع مصورة تظهر عناصر من مجموعته القتالية تعلن رفضها لانشقاقه.

ودخلت الحرب بين الجيش السوداني وقوات «الدعم السريع» شهرها الأول من عامها الرابع، وسط تدهور متواصل للأوضاع الإنسانية والأمنية في البلاد. وتشير تقديرات المنظمة الدولية للهجرة إلى أن الحرب تسببت في نزوح أكثر من 14 مليون شخص، بينهم نحو 4 ملايين لجأوا إلى دول الجوار، بينما وصفت الأمم المتحدة الأزمة السودانية بأنها «أكبر كارثة إنسانية» يشهدها العالم حالياً.

وبحسب تقديرات غير رسمية، أسفرت الحرب عن مقتل نحو 150 ألف مدني، فضلاً عن آلاف القتلى من المقاتلين في صفوف الطرفين، في ظل غياب إحصاءات دقيقة بشأن الخسائر العسكرية.

 

 


ليبيون يتساءلون حول فرص توحيد المؤسسة العسكرية قريباً

وزير الدفاع التركي يتوسط الزوبي (إلى اليمين) وصدام حفتر (وزارة الدفاع التركية)
وزير الدفاع التركي يتوسط الزوبي (إلى اليمين) وصدام حفتر (وزارة الدفاع التركية)
TT

ليبيون يتساءلون حول فرص توحيد المؤسسة العسكرية قريباً

وزير الدفاع التركي يتوسط الزوبي (إلى اليمين) وصدام حفتر (وزارة الدفاع التركية)
وزير الدفاع التركي يتوسط الزوبي (إلى اليمين) وصدام حفتر (وزارة الدفاع التركية)

أعاد حديث مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية، مسعد بولس، حول مساعي توحيد المؤسسات العسكرية في ليبيا طرح تساؤلات عدة، تتعلق بمدى إمكانية تحقق ذلك خلال الأشهر القليلة المقبلة بشكل ملموس.

وتأتي هذه الأسئلة بعد مصافحة جرت بين صدام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني»، وعبد السلام الزوبي، وكيل وزارة الدفاع بحكومة «الوحدة» المؤقتة، خلال مشاركتهما في فعالية بمدينة إسطنبول التركية مؤخراً؛ إذ رأى متابعون أن هذه «المصافحة الودية لا تنفي استمرار انعدام الثقة بين طرفين سبق أن خاضا مواجهة مسلحة في 2019». بينما دعا آخرون إلى التمييز بين «توحيد حقيقي» للمؤسسة العسكرية نابع من إرادة ليبية يخدم مستقبل البلاد، وآخر «مرحلي وشكلي يُبقي التوترات قائمة على الأرض، ولا يتجاوز كونه استجابة لأجندات واشنطن ودول إقليمية أخرى، مثل تركيا».

ويرى عضو لجنة الدفاع والأمن القومي بمجلس النواب الليبي، علي التكبالي، أن لقاء صدام حفتر والزوبي «يندرج ضمن المقاربة الأميركية لتوحيد المؤسسة العسكرية، أو ما يُعرف إعلامياً بمبادرة بولس».

وأشار التكبالي، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن واشنطن «حصرت تعاملاتها مع القوى الفاعلة في شرق البلاد وغربها فقط». ودعا إلى «التعامل بواقعية مع هذا المسار»، مشيراً إلى أن «الولايات المتحدة ودولاً أخرى تسعى لاستقرار ليبيا بما يخدم مصالحها، سواء في مواجهة النفوذ الروسي، أو ضمان تدفق النفط، أو مكافحة الهجرة غير الشرعية».

وتعيش ليبيا انقساماً سياسياً بين حكومتين متنافستين؛ الأولى «الوحدة الوطنية» برئاسة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس غرب البلاد، والأخرى مكلفة من البرلمان برئاسة أسامة حماد في الشرق وبعض الجنوب، وتحظى بدعم القائد العام لـ«الجيش الوطني»، خليفة حفتر.

وأقرّ التكبالي بوجود «جدل مجتمعي» حيال هذا التقارب بين شرق ليبيا وغربها، بالنظر إلى «الخصومة السابقة»، إضافة إلى أن المبادرة الأميركية «تبدو كصفقة ضيقة بين القوى الفاعلة في الشرق والغرب».

ودعا إلى «استثمار هذه الفرصة لإيصال السفينة إلى بر الأمان»، وتحويلها من حل سريع بصناعة أيادٍ خارجية إلى حل دائم، قائم على توافق وطني واسع.

بدوره، عدّ رئيس المركز الليبي للدراسات الأمنية والعسكرية، أشريف بوفردة، أن «لقاء إسطنبول لم يكن بروتوكولياً عابراً، بالنظر إلى جمعه طرفي المعادلة العسكرية في شرق البلاد وغربها»، مذكراً بلقائهما الأول على هامش تمرين «فلينتلوك»، الذي تم برعاية «أفريكوم» في سرت الشهر الماضي.

وأشار بوفردة لـ«الشرق الأوسط» إلى الجهة الراعية وهي أنقرة، و«كيف اجتمعا بمسؤولين أتراك بارزين، بينهم رئيس جهاز الاستخبارات التركي إبراهيم قالن، فضلاً عن استقبال واشنطن لهما بشكل منفرد العام الماضي». وشدد على أن بناء جيش محترف «لا يمكن اختزاله في صور مصافحة بين حين وآخر»، وأنه يحتاج إلى «مسار طويل قائم على توافق وطني واسع، وتخلي عناصر الشرق والغرب عن الولاء لقياداتهم الراهنة لصالح الوطن».

وخلص بوفردة إلى أن ما يجري أقرب إلى «صفقة مصالح بين القوى الفاعلة مدفوعة بضغوط دولية»، محذراً من أن غياب «الإرادة الوطنية قد يطيح بهذا التنسيق المرحلي، خاصة في ظل وجود معارضين بارزين للمبادرة الأميركية في شرق البلاد وغربها».

وأثار لقاء صدام حفتر والزوبي ردود فعل متباينة بين الترحيب والرفض، في حين أشارت أصوات إلى ورود اسميهما في تقرير لجنة الخبراء الأممية، المتضمن اتهامات لقيادات سياسية وعسكرية ليبية بالسيطرة غير المشروعة على الموارد النفطية، وتسهيل شبكات التهريب.

ويرى الباحث في المعهد الملكي للخدمات المتحدة، جلال حرشاوي، أن واشنطن أرادت أن يكون أبريل (نيسان) الماضي «شهر الحسم للملف الليبي». وقال لـ«الشرق الأوسط»، إن «الخطة الأميركية قامت على التوصل إلى إطار موحد للإنفاق العام، ثم تدريبات مشتركة في سرت، يعقبها إعلان هيكل حوكمة جديد، إلا أن الخطوة الأخيرة تعثرت؛ ما انعكس على مسار الدبلوماسية الأميركية».

ويرى الباحث المتخصص في الشأن الليبي أن الحضور التركي «بات أكثر جرأة؛ إذ تتحرك أنقرة وفق أجندتها الخاصة، ولن تكتفي فقط بدعم مبادرة واشنطن». معتقداً أن «تركيا أكثر دقة في مفاوضاتها لتعدد مصالحها بالساحة الليبية وطموحها بالبقاء هناك»، ومشيراً إلى أنها «تسعى لضمان موافقة الشرق الليبي والبرلمان هناك على مذكرة الحدود البحرية الموقعة عام 2019، كما تمتلك حضوراً عسكرياً في مالي والنيجر».

وانتهى حرشاوي إلى أن «ما تناقشه القوى الدولية حالياً أقرب إلى إعلان شكلي، يُراد منه إظهار ليبيا أكثر وحدة على الورق فقط، وليس مساراً حقيقياً».

وتقضي المبادرة المنسوبة إلى بولس بإيجاد تفاهمات اقتصادية وعسكرية تدريجية بين سلطتي بنغازي وطرابلس، وتولي صدام حفتر منصب رئيس المجلس الرئاسي، وتشكيل حكومة موحدة برئاسة الدبيبة.


مصر تنشد دفع التعاون مع روسيا في «الضبعة» و«اقتصادية قناة السويس»

وزير الخارجية المصري خلال لقائه نظيره الروسي في نيودلهي الجمعة (وزارة الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري خلال لقائه نظيره الروسي في نيودلهي الجمعة (وزارة الخارجية المصرية)
TT

مصر تنشد دفع التعاون مع روسيا في «الضبعة» و«اقتصادية قناة السويس»

وزير الخارجية المصري خلال لقائه نظيره الروسي في نيودلهي الجمعة (وزارة الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري خلال لقائه نظيره الروسي في نيودلهي الجمعة (وزارة الخارجية المصرية)

تنشد مصر دفع التعاون مع روسيا للإسراع في تنفيذ مشروعات مشتركة، من بينها «محطة الضبعة» و«المنطقة الاقتصادية الروسية» بقناة السويس.

وبحث وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره الروسي سيرغي لافروف يوم الجمعة «تطوير مسار الشراكة الاستراتيجية بين القاهرة وموسكو»، وأكد الوزيران «مواصلة الدفع بأوجه التعاون الثنائي في مختلف المجالات».

ويرى خبراء أن «القاهرة تعوّل على الخبرات الروسية في عدد من المجالات لتنفيذ مشروعات تنموية»، وقالوا إن «التنسيق المصري - الروسي تجاه التوترات في الشرق الأوسط ضروري في هذا التوقيت».

والتقى عبد العاطي بلافروف على هامش اجتماع وزراء خارجية دول «مجموعة البريكس» في نيودلهي بالهند، مؤكداً «أهمية الإسراع في تفعيل التعاون المصري - الروسي في المشروعات المشتركة، ومن بينها (محطة الضبعة النووية)، و(المنطقة الاقتصادية الروسية) بقناة السويس».

وشدد على «أهمية جذب مزيد من الاستثمارات الروسية في القطاعات ذات الأولوية لمصر»، حسب بيان لـ«الخارجية المصرية».

جانب من «محطة الضبعة النووية» (وزارة الكهرباء المصرية)

وتقيم روسيا عدداً من المشروعات التنموية الكبرى في مصر، من بينها «محطة الضبعة النووية» (شمال البلاد) لإنتاج طاقة كهربائية بقدرة 4800 ميغاواط، إلى جانب «المنطقة الاقتصادية الروسية» بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، ووقّع البلدان اتفاقاً لإقامتها في عام 2018 باستثمارات تبلغ 4.6 مليار دولار.

وأشاد عبد العاطي بالتعاون القائم بين بلاده وموسكو في عدد من المشروعات، ومن بينها مجال استيراد الحبوب، لافتاً إلى «تطلع بلاده لتعزيز تداول الحبوب مع روسيا، ودراسة إنشاء (مركز لوجستي للحبوب) بمساهمة الجانب الروسي»، ومؤكداً «أهمية تعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري والاستثماري بين البلدين».

وقال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في أبريل (نيسان) الماضي إن بلاده «تدرس إنشاء مركز للحبوب والطاقة داخل مصر»، وأشار حينها إلى أن «روسيا ستؤمّن إمدادات الحبوب للجانب المصري».

وأكد لافروف يوم الجمعة «تقدير بلاده لمسار التعاون مع مصر»، وشدد على «مواصلة التشاور والتنسيق بين بلاده والقاهرة إزاء القضايا محل الاهتمام المشترك»، وفق «الخارجية المصرية».

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال استقبال نظيره المصري عبد الفتاح السيسي في أكتوبر 2024 (الرئاسة المصرية)

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، يوسف الشرقاوي، أن «مصر تعمل على تطوير علاقات الشراكة مع روسيا دون أن تتأثر علاقاتها بأي أطراف دولية أخرى».

ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «القاهرة تعوّل على الخبرات الروسية في عدد من المجالات لتنفيذ مشروعات تنموية»، ويشير إلى أن «مصر تعمل على تشجيع وتنويع الاستثمارات الروسية، كما تحرص على التشاور والتنسيق مع موسكو في عدد من الملفات الإقليمية». ويلفت إلى أنه «من المهم مناقشة تطورات ملفات المنطقة في هذا التوقيت، ولا سيما الأوضاع في غزة، وتداعيات الحرب الإيرانية، والأوضاع في القرن الأفريقي».

وتناولت المحادثات المصرية - الروسية، الجمعة، تطورات الأوضاع الإقليمية. وحسب «الخارجية المصرية»، شدد عبد العاطي على «أهمية التمسك بالمسار الدبلوماسي والتفاوضي بين أميركا وإيران لدعم الأمن والاستقرار الإقليمي».

كما أكد «ضرورة الحفاظ على وحدة السودان وسلامة أراضيه ودعم مؤسساته الوطنية»، وأشار إلى «أهمية توحيد المؤسسات الوطنية الليبية، والتوصل إلى تسوية سياسية شاملة تمهد لإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية بالتزامن».

محادثات مصرية - روسية في نيودلهي الجمعة (وزارة الخارجية المصرية)

ويعتقد أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة، طارق فهمي، أن «هناك تقارباً في مواقف القاهرة وموسكو تجاه عدد من الملفات الإقليمية، من بينها الأوضاع في القرن الأفريقي وفي ليبيا». ويشير إلى أن «الجانب الروسي يمكن التعويل عليه في تسوية الحرب الإقليمية الأخيرة بإيران».

كما تناول وزيرا خارجية مصر وروسيا، الجمعة، تطورات الأوضاع في منطقة القرن الأفريقي، وأكد عبد العاطي «دعم بلاده للجهود الرامية لتحقيق الاستقرار في الصومال»، وشدد على أن «أمن البحر الأحمر يظل مسؤولية الدول المشاطئة له».

ويرى فهمي أن «مصر تعوّل على سرعة إنجاز الاستثمارات الروسية على أراضيها». ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «هناك مشروعات كبرى مثل (محطة الضبعة النووية)، تستهدف القاهرة سرعة بدء تشغيلها من أجل توفير مصادر متجددة للطاقة الكهربائية»، إلى جانب تسريع وتيرة العمل بـ«المنطقة الاقتصادية الروسية» بقناة السويس.