حراك دبلوماسي أوروبي في دمشق... وفون دير لاين تدعو لـ«تكثيف» العلاقات مع السلطات الجديدة

TT

حراك دبلوماسي أوروبي في دمشق... وفون دير لاين تدعو لـ«تكثيف» العلاقات مع السلطات الجديدة

عناصر أمنية فرنسية خارج مبنى السفارة الفرنسية في دمشق اليوم (أ.ف.ب)
عناصر أمنية فرنسية خارج مبنى السفارة الفرنسية في دمشق اليوم (أ.ف.ب)

تشهد العاصمة السورية دمشق في الساعات الأخيرة، حراكاً دبلوماسياً أوروبياً غاب لأكثر من عقد، وذلك في أعقاب سقوط نظام الرئيس بشار الأسد، ومع تولي سلطة جديدة تقودها «هيئة تحرير الشام» إدارة البلاد.

ووصل وفد فرنسي إلى دمشق في وقت سابق اليوم (الثلاثاء)، فيما أعلنت برلين أن دبلوماسيين ألمانيين سيعقدون اجتماعا مع السلطات الجديدة في سوريا اليوم. ومن جانبها أعلنت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني استعداد بلادها للحديث مع السلطات الجديدة.

وبذلك تنضم فرنسا وألمانيا وإيطاليا إلى الولايات المتحدة وبريطانيا في إجراء اتصالات مع «هيئة تحرير الشام» التي قادت الإطاحة بالرئيس السوري السابق بشار الأسد هذا الشهر.

فرنسا: نقف إلى جانب السوريين

وصرّح المبعوث الفرنسي إلى سوريا جان فرنسوا غيوم لصحافيين بعد وصوله إلى دمشق، بأن «فرنسا تستعد للوقوف إلى جانب السوريين» خلال الفترة الانتقالية.

وأشار الوفد الفرنسي إلى أنه جاء «لإجراء اتصالات مع سلطات الأمر الواقع» في دمشق، في حين رفع العلم الفرنسي فوق السفارة الفرنسية بدمشق التي أغلقت منذ عام 2012، وفق ما أفادت صحافية في «وكالة الصحافة الفرنسية».

ووصل الوفد إلى مقر السفارة الواقع في منطقة المهاجرين في وقت سابق اليوم، حيث شاهد مصورو الوكالة مرافقين أمنيين يفتحون باب السفارة قبل دخول الوفد إليها، في خطوة جاءت عقب تولي سلطة انتقالية إدارة البلاد بعد إطاحة الرئيس بشار الأسد.

عناصر أمنية فرنسية خارج مبنى السفارة الفرنسية في دمشق اليوم (أ.ف.ب)

وفي سياق متصل، قالت وزارة الخارجية الألمانية في بيان لها اليوم، إن دبلوماسيين ألمانيين سوف يعقدون محادثات مع السلطات الجديدة في سوريا اليوم. وأوضحت الوزارة أن المحادثات ستركز على «عملية انتقالية شاملة في سوريا وحماية الأقليات»، بالإضافة إلى «احتمالات وجود دبلوماسي في دمشق».

وأضافت: «من المقرر أيضاً عقد اجتماعات مع المجتمع المدني السوري وممثلين للطوائف المسيحية». وأشارت إلى أنه يجب الحكم على جماعة «هيئة تحرير الشام» من خلال أفعالها، مشددة على أنها تصرفت في حتى الآن «بحذر». وأوضحت الوزارة أن أي تعاون مع «هيئة تحرير الشام»، «يفترض حماية الأقليات العرقية والدينية واحترام حقوق المرأة».

المبعوث الفرنسي الخاص إلى سوريا جان فرنسوا غيوم (يسار) عند مدخل مبنى السفارة الفرنسية في العاصمة السورية دمشق (أ.ف.ب)

وقالت الوزارة عن «هيئة تحرير الشام» التي أنهت حربا استمرت 13 عاماً في سوريا بالإطاحة بالأسد «يمكن القول في ضوء المتاح، إنهم يتصرفون بحكمة حتى الآن».

وأدى الصراع السوري إلى لجوء نحو مليون سوري إلى ألمانيا. وأثار انتهاء الصراع نقاشا في ألمانيا عن إجراءات اللجوء، المعلقة حاليا بالنسبة للسوريين لحين تقييم الوضع في بلدهم.

وقال متحدث باسم وزارة الخارجية إن ألمانيا «تتواصل بشكل وثيق مع شركائها، ومن بينهم الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا ودول عربية، بشأن سوريا».

انفتاح إيطالي

ومن جانبها، قالت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني أمام البرلمان اليوم، إن إيطاليا ترحب بسقوط نظام الرئيس السوري بشار الأسد، مضيفة أنها مستعدة للحديث مع حكام البلاد الجدد.

وأضافت «المؤشرات الأولية مشجعة (لكن) هناك حاجة لأقصى درجات الحذر».

وأشارت إلى أن إيطاليا هي البلد الوحيد ضمن مجموعة السبع الكبرى التي أعادت فتح سفارتها في دمشق، وكان ذلك قبل شهور من الإطاحة بالأسد.

وقالت ميلوني إن إيطاليا «مستعدة للتحاور مع القيادة السورية الجديدة، طبعا في سياق التقييمات والتدابير المتشاركة مع الشركاء الأوروبيين والدوليين»واعتبرت ميلوني أن «العنصر الحاسم سيكون الموقف إزاء الأقليات الإثنية والدينية». وقالت رئيسة الوزراء الإيطالية «أفكّر خصوصا في المسيحيين الذين سبق أن دفعوا ثمنا غاليا جدّا وغالبا ما كانوا موضع اضطهاد».وكانت إيطاليا قد أعادت فتح سفارتها في دمشق مطلع الصيف لتكون بذلك أوّل بلد بين دول مجموعة السبع يقدم على هذه الخطوة.

الاتحاد الأوروبي «لتكثيف» العلاقات

بدورها، أعلنت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لايين اليوم، إنه ينبغي للاتحاد الأوروبي «تكثيف» علاقاته مع «هيئة تحرير الشام» التي تتولى السلطة في سوريا منذ إطاحة بشار الأسد. وصرّحت بعد اجتماع مع الرئيس التركي رجب طيب إردوغان في أنقرة «علينا الآن تكثيف تعاملنا المباشر مع هيئة تحرير الشام وفصائل أخرى»، معتبرة أيضا أن الاتحاد الأوروبي وحلفاءه «لا يمكنهم السماح بعودة» تنظيم «داعش» في سوريا.

وبالأمس، أعلن وزير الخارجية البريطاني ديفيد لامي، أن بلاده أوفدت مسؤولين رفيعي المستوى إلى دمشق للقاء السلطات السورية الجديدة.

يذكر أن بريطانيا أعلنت، الأحد، عن حزمة مساعدات قيمتها 50 مليون جنيه إسترليني (63 مليون دولار) لمساعدة السوريين المحتاجين إلى الدعم، بعد أن أطاحت المعارضة، الأسبوع الماضي، بالرئيس بشار الأسد، وفقاً لـ«رويترز».

ويحتاج ملايين السوريين إلى مساعدات إنسانية بعد حرب أهلية دامت 13 عاماً، دمرت خلالها جانباً كبيراً من البنية التحتية، وشردت الملايين. ويعود حالياً بعض اللاجئين من دول مجاورة. وقالت بريطانيا في بيان، إن 30 مليون جنيه إسترليني ستوفر «مساعدة فورية لأكثر من مليون شخص تشمل الغذاء والمأوى والرعاية الصحية الطارئة والحماية».

وستدعم هذه الأموال، التي ستوزع في الغالب من خلال قنوات الأمم المتحدة، «الاحتياجات الناشئة بما في ذلك إعادة تأهيل الخدمات الأساسية مثل المياه والمستشفيات والمدارس». ومن المقرر تخصيص 10 ملايين جنيه إسترليني لبرنامج الأغذية العالمي في لبنان، و10 ملايين أخرى إلى الأردن عبر البرنامج نفسه ومفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.

وقال وزير الخارجية البريطاني، ديفيد لامي: «سقوط نظام الأسد المرعب يوفر فرصة لا تتكرر إلا مرة واحدة في كل جيل للشعب السوري. ونحن ملتزمون بدعم الشعب السوري وهو يرسم مساراً جديداً».


مقالات ذات صلة

رئيس «العدالة الانتقالية» ينفي وصول مسودة القانون إلى الصيغة النهائية

المشرق العربي شاركت «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في 5 أكتوبر في إحياء الذكرى الثانية عشرة لمجزرة قرية المتراس بريف طرطوس التي وقعت عام 2013 وراح ضحيتها أكثر من 100 شخص (الهيئة)

رئيس «العدالة الانتقالية» ينفي وصول مسودة القانون إلى الصيغة النهائية

رئيس «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في سوريا ينفي وصول مسودة القانون إلى البرلمان أو رفعه للرئاسة السورية، وبانتظار المزيد من النقاشات مع المؤسسات المعنية

منصور حسين (دمشق)
المشرق العربي رجل يعبئ سيارته بالوقود في محطة بنزين بدمشق كإجراء احترازي وسط الحرب الدائرة في الشرق الأوسط (أ.ف.ب)

«البنزين المغشوش» يثير المخاوف من مازوت متدني الجودة

الشركة السورية للبترول رفضت مؤخراً تفريغ ناقلتي «مازوت» بسبب مخالفتهما الشروط المطلوبة، وفق ما كشف مدير إدارة الإعلام في الشركة السورية للبترول عدي الصطوف

سعاد جرَوس (دمشق)
المشرق العربي  تشييع 4 عناصر أمن مساء الثلاثاء في كمين على طريق سلمية-أثريا من مشفى حماة الوطني بحضور رسمي وشعبي (مراسل الأمن في حماة)

محافظة حماه تشيّع 4 من عناصر أمن قضوا في كمين بريف السلمية

شيعت محافظة حماة، الأربعاء، 4 من عناصر أمن الطرق بوزارة الداخلية السورية، قضوا في كمينٍ خلال أداء مهامهم على طريق سلمية-أثريا، بريف حماة الشرقي ليل الثلاثاء.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي  وحدات الأمن الداخلي في مدينة الحسكة تنتشر في شوارع المدينة الثلاثاء في إطار تنفيذ قرار منع حمل السلاح والتجول به وحظر إطلاق النار تحت أي ظرف (مديرية إعلام الحسكة)

الأمن الداخلي في شوارع الحسكة يطبق قرار حظر حمل السلاح وإطلاق النار

يأتي هذا الإجراء بعد أيام من التوتر على خلفية أعمال شغب نفذها مسلحون في مدينة الحسكة استدعت الاستنفار الأمني.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي إزالة الركام والنفايات من مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين جنوب دمشق ديسمبر 2025 ضمن حملة واسعة تنفذها لجنة المخيم بالتعاون مع الدفاع المدني السوري (بواية اللاجئين الفلسطينيين)

تقرير حقوقي يحذر من طمس آثار الجرائم بإزالة الأنقاض في سوريا

حذر تقرير حقوقي من إزالة الأنقاض في المدن والبلدات السورية، ما قد يؤدي لفقدان أدلة مرتبطة بالانتهاكات المرتكَبة خلال سنوات الحرب تُعرقل جهود التحقيق والمساءلة

«الشرق الأوسط» (لندن)

إسرائيل تهدد بإخلاء الضاحية وتهجير مليون شيعي لبناني

أرشيفية لوزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في مخيم طولكرم بشمال الضفة (الجيش الإسرائيلي)
أرشيفية لوزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في مخيم طولكرم بشمال الضفة (الجيش الإسرائيلي)
TT

إسرائيل تهدد بإخلاء الضاحية وتهجير مليون شيعي لبناني

أرشيفية لوزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في مخيم طولكرم بشمال الضفة (الجيش الإسرائيلي)
أرشيفية لوزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في مخيم طولكرم بشمال الضفة (الجيش الإسرائيلي)

صعّد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، تهديداته، أمس، متوعداً بتوجيه ضربة قاسية إلى «حزب الله» وتوسيع نطاق السيطرة العسكرية في الجنوب، فضلاً عن إخلاء الضاحية الجنوبية لبيروت وتهجير أكثر من مليون لبناني من الطائفة الشيعية، في حال انضم الحزب إلى أي هجوم إيراني محتمل على إسرائيل، قائلاً إن «أكثر من مليون شيعي سيتحولون إلى نازحين داخل لبنان».

وفي موازاة ذلك، أثار إعلان «حزب الله» عن تقديم مساعدات مالية للنازحين والمتضرّرين، تساؤلات حول مصادر الأموال وآليات وصولها وتوزيعها، فيما شكّك متحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية للمرة الثانية في غضون أيام، في وجودها أصلاً.

وقال المتحدث باسم الخارجية الأميركية إن «الأموال المزعوم وصولها من إيران غير موجودة أساساً». وأضاف أنه «حتى لو امتلك الحزب الأموال، فسيستخدمها لشراء الأسلحة لتهديد إسرائيل وترهيب خصومه... أسلحته لم تجلب للبنان سوى البؤس والدمار».


لاكروا: يجب البدء بالمحادثات حول مستقبل بعثة حفظ السلام في لبنان قريباً

وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام جان بيير لاكروا خلال مقابلة مع وكالة «أسوشييتد برس» في بيروت يوم 14 أكتوبر 2026 (أ.ب)
وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام جان بيير لاكروا خلال مقابلة مع وكالة «أسوشييتد برس» في بيروت يوم 14 أكتوبر 2026 (أ.ب)
TT

لاكروا: يجب البدء بالمحادثات حول مستقبل بعثة حفظ السلام في لبنان قريباً

وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام جان بيير لاكروا خلال مقابلة مع وكالة «أسوشييتد برس» في بيروت يوم 14 أكتوبر 2026 (أ.ب)
وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام جان بيير لاكروا خلال مقابلة مع وكالة «أسوشييتد برس» في بيروت يوم 14 أكتوبر 2026 (أ.ب)

حث وكيل أمين عام الأمم المتحدة لعمليات السلام، جان بيير لاكروا، اليوم الأربعاء، مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة على بدء مفاوضات حول مستقبل قوات حفظ السلام المنتشرة في لبنان، في الوقت الذي تسعى فيه بيروت إلى تمديد تفويضها المقرر أن ينتهي في نهاية هذا العام، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

وتنتشر قوة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، المعروفة باسم «يونيفيل»، في جنوب لبنان منذ 1978، لكن مجلس الأمن أمر البعثة العام الماضي بالبدء في الانسحاب في نهاية 2026.

ومنذ اندلاع حرب جديدة في مارس (آذار) بين إسرائيل وجماعة «حزب الله» اللبنانية المدعومة من إيران، تحشد الحكومة اللبنانية الجهود من أجل تمديد تفويض «يونيفيل»، مشيرة إلى دورها في مراقبة الأعمال القتالية وتسهيل إيصال المساعدات إلى القرى الواقعة في المناطق التي تحتلها إسرائيل.

وقدّم الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش هذا العام مقترحات لاستمرار وجود قوات الأمم المتحدة في لبنان، لكن لاكروا قال لوكالة «رويترز» في بيروت إنه لم يتم اتخاذ أي إجراء حتى الآن.

وأضاف: «هذه المقترحات معروضة على طاولة مجلس الأمن. لم تحدث أي تحركات في مجلس الأمن حتى الآن، لكنني أعتقد أن المفاوضات ستبدأ... قريباً وبجدية».

وتابع: «أعتقد أنه من الأفضل اتخاذ قرار قريباً بدلاً من تأجيله، أليس كذلك؟ لأن ذلك سيوضح لنا الرؤية المستقبلية أيضاً، وبالتأكيد من وجهة نظر أكثر محدودية تتعلق بتخطيطنا».


رئيس «العدالة الانتقالية» ينفي وصول مسودة القانون إلى الصيغة النهائية

شاركت «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في 5 أكتوبر في إحياء الذكرى الثانية عشرة لمجزرة قرية المتراس بريف طرطوس التي وقعت عام 2013 وراح ضحيتها أكثر من 100 شخص (الهيئة)
شاركت «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في 5 أكتوبر في إحياء الذكرى الثانية عشرة لمجزرة قرية المتراس بريف طرطوس التي وقعت عام 2013 وراح ضحيتها أكثر من 100 شخص (الهيئة)
TT

رئيس «العدالة الانتقالية» ينفي وصول مسودة القانون إلى الصيغة النهائية

شاركت «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في 5 أكتوبر في إحياء الذكرى الثانية عشرة لمجزرة قرية المتراس بريف طرطوس التي وقعت عام 2013 وراح ضحيتها أكثر من 100 شخص (الهيئة)
شاركت «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في 5 أكتوبر في إحياء الذكرى الثانية عشرة لمجزرة قرية المتراس بريف طرطوس التي وقعت عام 2013 وراح ضحيتها أكثر من 100 شخص (الهيئة)

نفى رئيس «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في سوريا، عبد الباسط الويس، ما تداولته بعض المواقع عن إنجاز قانون العدالة الانتقالية ورفعه إلى الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية، لافتاً إلى أن «المشروع لا يزال قيد التداول والمناقشات، ولم يصل إلى صيغته النهائية».

وأوضح الويس لـ«الشرق الأوسط» أن الهيئة تتبنى «مساراً ديناميكياً في تطوير مسودات قانون العدالة الانتقالية المقترحة، عبر لقاءات تشاورية مستمرة مع المؤسسات المعنية التي تتقاطع معها، مثل وزارات الداخلية والعدل و(هيئة المفقودين)، بهدف تحديث وتجديد بنوده، قبل إحالته رسمياً للأمانة العامة لرئاسة الجمهورية ومجلس الشعب».

تصريحات الويس جاءت بعد تداول الحديث عن إنجاز الهيئة لمشروع قانون العدالة الانتقالية ووصوله إلى البرلمان، بعد ما أثارته مسودة المشروع الأخيرة من ردود فعل داخل الأوساط الحقوقية التي وضعت بنوده تحت مجهر التحليل، لتفتح أبواب النقاش والتحذير من وجود ثغرات بنيوية تمس جوهر القانون.

وركزت الانتقادات حول «عمومية النصوص»، خاصة المتعلقة بمساري «الإصلاح المؤسسي وكشف الحقيقة»، الواردة ضمن المسودات السابقة، إلى جانب حفظ الذاكرة الوطنية، ونطاق ملاحقة الانتهاكات الجسيمة، إلى جانب آليات المحاسبة وعدم الإفلات من العقاب وحصرها بين الفترة من 1970 حتى سقوط نظام بشار الأسد 2024، واستقلال الهيئات القضائية المختصة، وتداخل البنود المتعلقة بالعزل السياسي.

جلسة تشاورية في محافظة درعا بمشاركة عائلات المفقودين والناجين والمتضررين ومنظمات المجتمع المدني (الهيئة الوطنية للمفقودين)

الباحث في مجال القانون الجنائي الدولي المعتصم الكيلاني، يرى من جهته أن الإبقاء على مفاهيم أساسية مثل كشف الحقيقة والإصلاح المؤسسي، بصياغة عامة دون تحديد مضمونها القانوني وآليات تنفيذها، يشكل خطراً على فاعلية القانون وقدرته على تحقيق أهدافه، «فالمشكلة لا تكمن في استخدام هذه المفاهيم، وإنما في غياب الالتزامات القانونية الواضحة المترتبة، وترك تفسيرها وتطبيقها للسلطة التقديرية»، معتبراً أن التحدي الأساسي أمام أي قانون شامل للعدالة الانتقالية في سوريا، لا يتمثل فقط بالاعتراف بالانتهاكات الماضية، إنما في بناء منظومة قانونية قادرة على منع تكرارها، وضمان خضوع جميع المسؤولين عن الجرائم للمساءلة وفق القانون، وإعادة الاعتبار للضحايا، واستعادة الثقة بالمؤسسات العامة.

ويوضح الكيلاني أن «النصوص العامة لا توفر حماية كافية للضحايا، ولا تمنع إساءة استخدام السلطة، ولهذا يجب تحويل المبادئ العامة إلى حقوق قابلة للإنفاذ والتقاضي والتزامات محددة على المؤسسات، وإجراءات واضحة للمساءلة والرقابة».

لجنتا «ضحايا الثورة السورية» و«هيئة العدالة الانتقالية» تبحثان مشروع قانون العدالة الانتقالية بحضور عبد الباسط الويس (الهيئة)

الإصلاح والعزل السياسي

ويرى الكيلاني أن كشف الحقيقة ليس مجرد جمع للشهادات أو إعداد تقارير توثيقية، بل هو حق للضحايا وذويهم وللمجتمع في معرفة الوقائع المتعلقة بالانتهاكات الجسيمة، وظروف ارتكابها، والجهات المسؤولة عنها، ومصير المفقودين والمختفين قسرياً، وإذا لم يتضمن القانون ضمانات واضحة للوصول إلى الوثائق والأرشيفات الرسمية، وحماية الشهود، وإلزام المؤسسات بالتعاون، وتحديد العلاقة بين نتائج لجان الحقيقة والإجراءات القضائية، «فقد يتحول كشف الحقيقة إلى عملية توثيق رمزية لا تنتج آثاراً قانونية فعلية».

أما بالنسبة إلى الإصلاح المؤسسي فإن «ترك (المصطلح) دون تعريف ومعايير محددة قد يعيد إنتاج مؤسسات ساهمت بارتكاب الانتهاكات، أو استخدام الإصلاح وسيلة للإقصاء السياسي والإداري، ولذلك ينبغي أن يرتكز الإصلاح على تقييم فردي للمسؤوليات، ومعايير شفافة للنزاهة والكفاءة، وضمانات الاعتراض والطعن، مع إخضاع المؤسسات الأمنية والعسكرية والقضائية لرقابة قانونية مستقلة».

«الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» تبحث مع أهالي جسر الشغور بمحافظة إدلب سبل تعزيز السلم الأهلي (الهيئة)

يستند الكيلاني في حديثه إلى الفقرات التي أشارت في نص المسودة إلى المادة الـ20 من إجراءات وتبعات فحص السجلات والمواد 19 و18 و17، من باب التقييم وضمان عدم التكرار التي تنص على إحداث لجنة ثلاثية لتقصي الحقائق لفحص جهازي أمني أو إداري، دون أن يمنح حق الطعن أو المراجعة للموظف الذي يعزل أو يطرد، إضافة إلى المادتين 21 و22 مدخل العزل السياسي التي تمنح لجنة تقصي الحقائق صلاحيات واسعة، وتفرض عقوبات دون وجود مستند قضائي.

قبل سقوط النظام وبعده

إلى جانب هذه البنود، فقد أثارت المدة الزمنية المحددة بفترة حكم نظام الأسدين، وربطها حصرياً بجهة سياسية أو أمنية معينة، إشكالية حقوقية تتعلق بمبدأ المساواة أمام القانون، وحق جميع الضحايا في الوصول إلى العدالة والإنصاف.

ولا يعني ذلك، بحسب الباحث، التقليل من حجم الانتهاكات التي ارتكبها النظام السابق، وإنما بترسيخ مبدأ العدالة فوق الجميع، وفق معيار قانوني واضح يكون بطبيعة الانتهاك وجسامته والمسؤولية الفردية عن ارتكابه، وبالتالي يجب أن يتوسع نطاق المساءلة ليشمل جميع الانتهاكات، بما فيها التي قد تكون ارتكبت بعد سقوط النظام السابق.

ويوضح أن معالجة هذه الإشكالية تشريعياً يكون من خلال اعتماد تعريف شامل للانتهاكات الجسيمة، وتحديد اختصاصات واضحة للتحقيق والملاحقة، بحيث لا يؤدي النطاق الزمني للعدالة الانتقالية إلى تعطيل اختصاص القضاء في الجرائم الواقعة خارجه، ويجب أن يتم ذلك مع احترام مبدأ الشرعية الجنائية، وعدم رجعية التجريم والعقوبة، وضمانات المحاكمة العادلة.

بدوره، يؤكد رئيس «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في سوريا، عبد الباسط الويس، أن «ورقة المشروع لا تزال حية وقابلة للتعديل، وقد جرى عليها الكثير من التطوير والتحديث، حتى المسودة الأخيرة التي طرحت مؤخراً لا تزال المناقشات حول بنودها والتحسينات مستمرة».

ورغم الانتقادات المتزايدة حول المماطلة في تشريع قانون عدالة انتقالية شامل في سوريا، يجد حقوقيون وخبراء قانون أن تأخر صدور القانون ليس خطراً حقيقياً، بقدر ما يكون عليه وجود قانون يكرّس عدالة جزئية، أو يؤسس لمؤسسات تفتقر إلى الاستقلال، أو يمنح الضحايا اعترافاً رمزياً دون حقوق قابلة للإنفاذ.