العرب في إسرائيل... ازدهار بين نكبتين

مارست السلطات الإسرائيلية سياسة تمييز عنصري تجاههم على مدار 76 سنة

فلسطينيون في مسيرة 3 أميال إلى طولكرم بعد نقلهم بشاحنات إلى هذه النقطة من قرية عربية غير قتالية بالقرب من حيفا وقد وفرت «منظمة الصليب الأحمر» الدولية ممراً آمناً لهم (غيتي)
فلسطينيون في مسيرة 3 أميال إلى طولكرم بعد نقلهم بشاحنات إلى هذه النقطة من قرية عربية غير قتالية بالقرب من حيفا وقد وفرت «منظمة الصليب الأحمر» الدولية ممراً آمناً لهم (غيتي)
TT

العرب في إسرائيل... ازدهار بين نكبتين

فلسطينيون في مسيرة 3 أميال إلى طولكرم بعد نقلهم بشاحنات إلى هذه النقطة من قرية عربية غير قتالية بالقرب من حيفا وقد وفرت «منظمة الصليب الأحمر» الدولية ممراً آمناً لهم (غيتي)
فلسطينيون في مسيرة 3 أميال إلى طولكرم بعد نقلهم بشاحنات إلى هذه النقطة من قرية عربية غير قتالية بالقرب من حيفا وقد وفرت «منظمة الصليب الأحمر» الدولية ممراً آمناً لهم (غيتي)

عندما سجل الأديب إميل حبيبي وصيته في مدينة الناصرة التي أحبها، وأمضى فيها جُل حياته، طلب أن يُدفن في حيفا، وأن يُنقش على شاهد الضريح «باقٍ في حيفا». بهذه الوصية، كان كعادته يقرأ المستقبل، ويعلن بصوته الجهوري المجلجل: «حتى في مماتي لن أبرح حيفا». ولم تأتِ الصرخة من فراغ، بل يعبّر فيها عن قلق دفين عاش معه منذ النكبة الفلسطينية الأولى عام 1948، ولم يبرحه يوماً حتى لحظة وفاته في 1996، فهو ابن تلك النكبة.

وحيفا، التي احتلت في السنة الأخيرة العناوين، لما تساقط عليها من صواريخ أُطلقت من لبنان، كانت يومها أيضاً ثالث أكبر مدن فلسطين التاريخية بعدد السكان. في أيام الانتداب البريطاني، نما عدد سكان المدينة من 10447 نسمة عام 1916 إلى 150 ألف نسمة لحظة سقوطها بأيدي المنظمات اليهودية عام 1948، يتوزعون بين 70 ألفاً من العرب ونحو 80 ألفاً من اليهود. وتعود زيادة نسبة اليهود إلى العرب في تلك الفترة لقيام الوكالة اليهودية بتركيز هجرة يهود العالم إلى فلسطين في حيفا، طيلة 3 عقود سبقت تاريخ النكبة لأهميتها الاستراتيجية وموقعها.

احتجاجات في إسرائيل ضد تفشّي الجريمة المنظمة في المجتمع العربي مارس 2021 (غيتي)

الاحتلال الإسرائيلي للمدينة ترافق مع عملية ترحيل شنيعة تشبه عمليات الترحيل التي نشهدها هذه الأيام في غزة ولبنان. وقد أسفرت عن هجرة ما يزيد على 96 في المائة من العرب، ليصبع عدد سكانها 97 ألفاً غالبيتهم من اليهود.

وإميل حبيبي كان واحداً من 2500 عربي بقوا فيها بإصرار. بعضهم ألقوا بأجسادهم أمام عربات الترحيل، وصمدوا. كان شاباً في السابعة والعشرين من العمر. بحسب قرار تقسيم فلسطين، ضُمت حيفا للدولة اليهودية. وكان يُفترض أن تبقى مدينة مختلطة، يعيش فيها اليهود والعرب بسلام. ومع أنه كان من تلك الأقلية السياسية التي وافقت على قرار التقسيم، عصبة التحرر الوطني، فقد ذاق على جلده النكبة التي حلت بالفلسطينيين. فتمزقت عائلته أيدي سبأ، ما بين رام الله وبيروت والولايات المتحدة. ورغم كل شيء، خلص إلى أنه اختار الطريق السليم: «باقٍ في حيفا». ولم يغمض عيناً عن رؤية خطر المخططات الرامية إلى إفراغ حيفا وأخواتها من البلدات العربية من أهلها العرب الذين صاروا يُعْرفون بالمواطنين العرب في إسرائيل أو فلسطينيي 48.

قلنا إنه كان يقرأ المستقبل؟ أجل. فعلى مدار 48 عاماً من عمره، عاش السياسة الإسرائيلية بدمه ولحمه وذكائه الوقاد. اختار الانخراط في حزب يهودي عربي مشترك، يضم أناساً يؤمنون بالحياة المشتركة، ويعارضون المخططات الصهيونية، حزب «ماكي» الذي انقسم ليصبح «ركح» ثم «الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة» ثم ترك التنظيمات الحزبية وقيودها، وأعلن أنه أصبح حراً. حسب خصومه، تغير إميل حبيبي، وحاد عن الطريق، لكنه في الحقيقة كان يقرأ الواقع بعقلية جدلية لامعة، ويطور مفاهيمه وأدوات نضاله، وظل أميناً مخلصاً لمبادئه الوطنية. ومن خلال العين الثاقبة التي تميَّز بها، ظل قلقاً من أن يفقد حيفا.

إميل حبيبي مع ياسر عرفات في معرض فناني فلسطين في مصر (أرشيفية)

لقد حرص على تعلم اللغة العبرية، ودرس وتعمق في قراءة السياسة الإسرائيلية العميقة. احتك بالسياسة والسياسيين الإسرائيليين، وخاض معارك طاحنة معهم، واحتك بالسياسة والسياسيين الفلسطينيين، وخاض معارك طاحنة معهم. كان يدرك أن غالبية القادة الإسرائيليين لم يتخلوا عن فكرة التخلص من العرب الباقين في إسرائيل، والذين قاربوا نسبة 19 في المائة من السكان، فيحاربهم. وكان يحارب الفلسطينيين والعرب الذين يقودون سياسات تساعد الإسرائيليين على تبرير سياستهم. وفي الوقت نفسه، أبقى الأمل حياً، بأن يأتي يوم يكتفي فيه البشر بأنهار الدم التي سالت ويفتحون صفحة جديدة في العلاقات، بشرط أن يبقى هو في حيفا في حياته وفي مماته، فالبقاء في حيفا هو الهم وهو القلق وهو العنوان.

ومن يحسن قراءة الواقع، اليوم، يقلق على حيفا وأخواتها أيضاً، الناصرة ويافا واللد والرملة وأم الفحم والطيبة ورهط. ومن يتابع تعليمات الناطق باللغة العربية بلسان الجيش الإسرائيلي، لسكان قطاع غزة وجنوب لبنان والضاحية والبقاع وبعلبك، لا يستطيع أن يبقى متفرجاً، بل ينتابه القلق على بيته وبلدته من تلك القيادة المنفلتة، التي لا تلجم مجانينها.

ضابط شرطة إسرائيلي أمام مبنى سكني في مدينة الطيرة العربية وسط إسرائيل تعرّض لأضرار بسبب شظايا اعتراضات الصواريخ التي أُطلقت من لبنان (أرشيفية - إ.ب.أ)

حيفا تهتز

مؤخراً اهتزت حيفا كما لو أنها تتعرض لزلزال. الصواريخ الإيرانية قصفتها من طهران ومن غزة ومن لبنان، والصواريخ الإسرائيلية تصدت لها. بعضها أصاب وبعضها خاب، لكن الصائب والخائب منها هز الأرض والسماء؛ فالصاروخ الواحد الذي يدمَّر أو يدمِّر، ينشر مئات الشظايا الفتاكة القاتلة، ويُحدث دماراً، ويزرع الرعب في نفوس الكبار قبل الصغار، ويهز ضريح إميل حبيبي في «مقبرة كفر أسمير» جنوب المدينة. من ذلك البحر، الذي يشهد غروب الشمس الساحر، تنهال النيران الحارقة.

الشاعر توفيق زياد، رفيق درب إميل حبيبي كتب في قصيدته «أناديكم»، يقول: «ومأساتي التي أحيا نصيبي من مآسيكم». وهو نصيب صغير إذا ما قورن بنصيب غزة وبيروت، لكنه كبير إذا قيس بما حصل في النكبة الأولى قبل 76 سنة وبالنكبة الثانية المصنوعة طيلة السنة الأخيرة وما تخبئه للسنين الآتية. والعرب في إسرائيل يعيشون الآن ما بين النكبتين. وما أشبه اليوم بالأمس. فهناك شعور يتنامى بأن الحكومة الإسرائيلية تعد للعرب في إسرائيل نكبة أخرى، بعد الانتهاء من هذه الحرب. وهناك أساس لهذه المخاوف، ليس من التاريخ فحسب، بل من الحاضر أيضاً.

أرشيفية لميناء حيفا (رويترز)

خلال ثلاثة أرباع القرن، كبر فلسطينيو 48، وتكاثروا، من مجموعة شتات تعيش بغياب قيادة تضم 154 ألفاً في سنة 1949، إلى مجتمع متكامل مليء بالقدرات والإنجازات قوامه 1.9 مليون نسمة اليوم، ويشكلون نسبة 19 في المائة من سكان إسرائيل. في البداية، كانت الحكومات الإسرائيلية محتارة فيما ستفعله معهم. هل تبقيهم مواطنين؟ هل تمنحهم الجنسية أم تبقيهم رعايا، مع حق إقامة أو حقوق مواطنة؟ أم تتخلص منهم في أول مناسبة أو أول حرب مقبلة؟ وبسبب هذه المعضلة، لم يسنوا قانون المواطنة إلا بعد سنتين من قيام الدولة. وفي البداية، لم يشمل القانون جميع السكان العرب، وتجاهل عرب النقب والمواطنين الذين رحلوا في عام 1948 ثم عادوا إلى الوطن بمختلف الطرق. وانطلقت مظاهرات في الناصرة وحيفا وعكا والطيبة تطالب بالحصول على الجنسية الإسرائيلية، لأنهم أدركوا أن هذه الجنسية هي عربون البقاء في الوطن. وفقط في سنة 1952 حصل جميع المواطنين العرب عليها، وتم عدُّهم مواطنين فعلاً.

لكن السلطات الإسرائيلية ظلت تنظر إليهم كأنهم مشبوهون، وكانت تخشى من مشاركتهم في الحروب العربية ضد إسرائيل. وفي فترة العدوان الثلاثي على مصر سنة 1956، نفذت قوات عسكرية مذبحة كفر قاسم، التي قُتل فيها 49 شخصاً، بينهم نساء وشيوخ، كمحاولة لدب الفزع فيهم حتى يرحلوا. وفشلت المحاولة، لأن الناس تمسكوا ببيوتهم وأراضيهم.

متظاهرون في إسرائيل خلال أغسطس 2023 احتجاجاً على انتشار الجريمة في البلدات العربية (أ.ف.ب)

عاشوا أول 18 عاماً في ظل حكم عسكري بغيض تَحَكَّمَ في كل جوانب حياتهم. لم يكن بمقدور أي منهم أن يسافر من بلدة إلى أخرى، للعمل أو التعليم أو العلاج الطبي، إلا بتصريح خاص من الحاكم العسكري اليهودي المعيّن في كل منطقة، والحصول على تصريح يتم عبر مسار إذلال وضغوط سياسية وابتزاز. وحتى عندما أُلْغِيَ الحكم العسكري في سنة 1966، استبدلته المخابرات. وعشية حرب 1967، أقدمت هذه المخابرات على اعتقال أكثر من 500 شخص من القادة السياسيين الوطنيين، اعتقالاً احترازياً، خوفاً من أن يفتحوا جبهة ضد إسرائيل، وهي تحارب شعبهم الفلسطيني وأمتهم العربية.

وفقط عندما احتلت إسرائيل سيناء المصرية والجولان السوري والضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة، في غضون 6 أيام خلال تلك الحرب، خففت السلطات الإسرائيلية القمع والاضطهاد ضد المواطنين العرب، فقد انشغلت في تثبيت الاحتلال لبقية الأراضي وسكانها. وخلال سنوات طويلة منعت القوى الوطنية العربية في إسرائيل من دخول المناطق المحتلة حديثاً، بأمر من الحاكم العسكري، حتى لا يؤثروا على سكانها، ويهبوا ضد الاحتلال، لكن هذا الفصل فشل. وفي نهاية المطاف انخرط الفلسطينيون على طرفي الحدود، ومعهم السوريون الذين بقوا في أراضيهم في الجولان، وتزاوجوا وتلاحموا بوصفهم أبناء شعب واحد، رغم اختلاف ظروف كل منهم.

مسيرة ضد مشروع قانون إصلاح قضائي أثار الجدل في حيفا (أرشيفية - غيتي)

مسيرة الازدهار

لقد مارست السلطات الإسرائيلية سياسة تمييز عنصري تجاه المواطنين العرب على مدار 76 سنة وحتى اليوم، ولم تفِ بتعهداتها في «وثيقة الاستقلال» التي نصت على المساواة للجميع. وحرصت في البداية على تدمير أكثر من 400 قرية عن بكرة أبيها، تماماً كما تفعل اليوم في غزة وجنوب لبنان والضاحية، ومنعت عودة السكان إليها. واليوم يوجد أكثر من 300 ألف عربي لاجئ في الوطن لا يستطيع السكنى في بلدته. وصادرت أكثر من 80 في المائة من أراضيهم، واستخدمتها في البداية أغراضاً عسكرية، ثم أقامت بلدات يهودية تحيط بقراهم ومدنهم من كل جانب. وتدخلت في أماكن عملهم وفي اختيار المعلمين في مدارسهم، وفرضت نظام ملاحقة عليهم في جميع مجالات الحياة. وحطمت فروع الزراعة في بلداتهم، وحولتهم إلى العمل في المدن اليهودية، وفرضت قيوداً على التعليم الجامعي لديهم.

ولكن كل هذه القيود لم تكسر شوكتهم، بل كانت في كثير من الأحيان محفزاً لتحقيق الإنجازات. وخاضوا نضالات كبيرة وقوية لأجل الحق في العمل، ثم لأجل تدريس اللغة العربية في مدارسهم. وشق المواطنون العرب في إسرائيل طريقهم، وحققوا إنجازات هائلة في جميع مجالات الحياة. اليوم يشكل العرب 19 في المائة من سكان الدولة، لكنهم يشكلون نسبة 35 في المائة من الأطباء في المستشفيات، وهناك 4 مستشفيات يهودية في إسرائيل يديرها أطباء عرب ونحو 30 دائرة كبرى في مستشفيات يهودية يديرها أطباء عرب، إضافة إلى 4 مستشفيات عربية في الناصرة. ويصل العرب إلى نسبة 45 في المائة من الصيادلة و30 في المائة من المحامين و35 في المائة من مقاولي البناء و20 في المائة من المهندسين. ويشكل العرب نحو 20 في المائة من الطلبة في الجامعات والكليات الأكاديمية في إسرائيل، وهذا إضافة إلى نحو 30 ألف طالب يدرسون في جامعات فلسطينية وأردنية، وكذلك في أوروبا والولايات المتحدة وروسيا... وغيرها.

وبحسب دراسة أُجريت في معهد «طاوب» صار معدل الحصول على شهادة الثانوية لدى النساء العربيات الإسرائيليات أعلى من معدل النساء اليهوديات، منذ سنة 2018. وكثير من النساء العربيات في إسرائيل يخترن التخصصات العلمية والهندسية في المدرسة الثانوية التي ترتبط باحتمال ارتفاع الأجور في المستقبل. وتظهر الدراسة أن أكثر من 70 في المائة من النساء العربيات الإسرائيليات اللواتي يتأهلن للحصول على شهادة الثانوية العامة يدرسن هذه التخصصات، مقابل 39 في المائة فقط من النساء اليهوديات. كما ارتفع معدل التحاق النساء العربيات في مؤسسات التعليم العالي بشكل ملحوظ بين عامي 2008 و2013، وقد زادت على نسبة 50 في المائة.

وهناك عالم عربي في الهندسة الكيميائية، البروفيسور حسام حايك، الذي سُجِّلت باسمه 35 اختراعاً عالمياً، أشهرها الأنف الإلكتروني، الذي يشم مرض السرطان. وهو الذي انتُخب شخصية العام في إسرائيل، ويقود في نطاق عمله في معهد الهندسة التطبيقية التخنيون في حيفا، فريق أبحاث مكوناً من 46 باحثاً وباحثة من حملة الدكتوراه، وهو يعد من أكبر وأقوى فرق الأبحاث في المعاهد العلمية المحلية والعالمية. وهناك العالم الاقتصادي العربي، البروفيسور سامر حاج يحيى، الذي شغل منصب رئيس مجلس إدارة أكبر بنك في إسرائيل «بنك لئومي»، وكان أحد أقوى المرشحين لمنصب عميد «بنك إسرائيل». البروفيسور منذر بولص مدير وحدة الألكتروفيزيولوجيا ومنظمات القلب في مستشفى «رمبام» وهناك نحو 300 بروفيسور عربي في إسرائيل. وهناك نجاحات أخرى في مجال الثقافة، الأدب والشعر والتمثيل والموسيقى والفن والرياضة.

كل هذه النجاحات، ما كانت لتتم لولا توفُّر شرطين أساسيين: الأول أن العربي عمل بشكل مضاعف عن زميله اليهودي في المجال نفسه حتى تمكن من تحقيق الإنجاز والتفوق المهني، والثاني أن هناك يهوداً عقلاء ومسؤولين قاوموا العنصرية المتبعة، ودفعوا بزملائهم العرب إلى الأمام فتبوأوا المناصب الرفيعة، وحققوا الإنجازات.

وفي الوقت نفسه، لا بد من الإشارة إلى أن سياسة التمييز تركت وما زالت تترك حتى اليوم أثراً بالغاً في حياة المواطنين العرب. والمصيبة هي أن هذه السياسة تستند إلى سلسلة قوانين عنصرية تمنح بشكل صريح حقوق تفوُّق للمواطن اليهودي على المواطن العربي.، مثل قانون القومية الذي سنَّه الكنيست في سنة 2018 في عهد نتنياهو، أو قوانين الجنسية وقانون الأراضي وقانون الضرائب... وغيرها.

وتحاول القيادات السياسية العربية مقاومة هذه السياسة، علماً أن الأحزاب العربية الوطنية تضم 10 من مجموع 120 نائباً في الكنيست، وهم ينقسمون إلى تيارين: الأول يقوده تكتل الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة والحركة العربية للتغيير بقيادة النائبين أيمن عودة وأحمد الطيبي، الذي يقف في المعارضة، ويعتمد على النضال الشعبي السلمي، وتيار الحركة الإسلامية بقيادة النائب منصور عباس، الذي يؤمن بالعمل من الداخل، وانضم إلى الائتلاف الحكومي في فترة حكومة نفتالي بنيت ويائير لبيد.

وعلى الرغم من أن النواب العرب منتخبون من الشعب، والقوانين تتيح لهم حرية التعبير والعمل، فإن الغالبية اليمينية تناصبهم العداء، وتتعامل معهم كأنهم غير شرعيين. وكثيراً ما تم إنزالهم بالقوة عن منصة الكنيست، وطردهم من القاعة، عندما تفوّهوا بكلام لا يروق اليمين. وهم يخوضون تحدياً كبيراً وخطيراً في السنوات الأخيرة عموماً ومنذ 7 أكتوبر (تشرين الأول) بشكل خاص. فهناك سلسلة قوانين لتقييد حرية التعبير وحرية التنظيم وكثير من القوانين العنصرية التي يتم سنُّها حالياً بوتيرة عالية مثيرة للقلق؛ فالعرب يشعرن اليوم بأن قيادة الشعب اليهودي لم تتعلم من دروس التاريخ؛ فهم الذين تعرَّضوا للعنصرية والتفوق العرقي في أوروبا، يمارسون العنصرية والتفوق العنصري ضد العرب.

العرب في إسرائيل خلال الحرب على غزة

يرى العرب في إسرائيل مشاهد الدمار والكارثة الإنسانية في القطاع، وهم يتأثرون بها كثيراً. فأولاً هذا شعبهم. على الرغم من أنهم لم يؤيدوا هجوم «حماس» على بلدات غلاف غزة، خصوصاً الاعتداءات الدامية على المدنيين، وكانوا عرضة لضربات «حماس» بشكل مباشر، إذ سقطت صواريخ «حماس» في بلدات النقب وصواريخ «حزب الله» في البلدات العربية في الجليل، وقتلت 18 شخصاً منهم، إلا أنهم عبَّروا عن الغضب والألم على ما أصاب أهل غزة وأهل لبنان من ممارسات عدوانية إسرائيلية. وكلما استمرت المأساة الإنسانية في القطاع، تفاقم الغضب لدى الجمهور العربي، وتصاعدت الحاجة إلى الاحتجاج ضد الحرب. فإلى جانب الاستنكارات الحادة التي يطلقها قادة الجمهور العربي، وانتظام الناس في محاولة لتوسيع المساعدات الإنسانية المرسلة إلى القطاع، كلفتهم الحرب ثمناً باهظاً على صعيد حياتهم اليومية؛ فالمجتمع الإسرائيلي اليهودي ما زال يعاني من الصدمة النفسية التي لحقت به في 7 أكتوبر 2023، وتنعكس بشكل حاد على تعامله مع الجيران العرب؛ فاليهود يخافون ليس فقط من الفلسطينيين القاطنين في بلدات حدودية مثل قلقيلية وطولكرم وجنين، بل أيضاً من البلدات العربية في إسرائيل، ويقولون: «ما ضمان ألا يهاجمنا سكان تلك البلدات كما فعلت (حماس) في غلاف غزة؟». وبالمقابل، يلاحظ العرب هذا الخوف في الاحتكاك اليومي وينشأ أيضاً لديهم خوف مقابل، فيسألون: «ما الذي يضمن ألا يفكر المتطرفون في الانتقام منا نحن على ما يجري في ساحات الحرب؟».

ويتحول القلق إلى كابوس عندما يستمعون إلى تصريحات الوزراء المتطرفين. وقد تضرر الشعور الشخصي بالأمان عندما أقدمت الحكومة على توزيع عشرات ألوف التراخيص لحمل السلاح الناري. فقط في نهاية أكتوبر الماضي، ضجت إسرائيل بحادث قيل إنه «محاولة دهس إرهابية قرب مقر (الموساد)»، قُتل فيها رجل مسن، وأصيب نحو الأربعين بجراح. وفي حينه داهمت سيارة شحن محطة ركاب في مفرق غليلوت، عندما كانت حافلة تفرغ ركابها. وقام رجل أمن بإطلاق الرصاص على السائق وأرداه قتيلاً، وجعلوا منه في إسرائيل بطلاً، وادعوا أنه أنقذ حياة العشرات. وبعد ثلاثة أسابيع من التحقيق، أعلنت الشرطة الإسرائيلية أن الرجل، وهو مواطن عربي من مدينة قلنسوة يحمل الجنسية الإسرائيلية، إنسان بريء. كان قد أجرى عملية قلب مفتوح، وأصيب بنوبة مفاجئة فداس على دواسة البنزين دون إرادة.

حتى قبل هذه الحادثة كان العرب في إسرائيل يشعرون بأنهم في خطر، نتيجة انفلات السلاح وارتفاع الخطاب اليميني العنصري. فكم بالحري اليوم، في وقت الحرب، التي رفعت احتمالات وقوع الأخطاء، والتعامل مع أيّ حالة إطلاق نار «من جانب العرب» على أنها عملية «إرهابية».

لكن إضافة إلى الأمن الشخصي هنا الضرر الاقتصادي؛ فقد أضرّت الحرب بالقدرة الاقتصادية للمواطنين العرب، أكثر من أي شريحة أخرى في المجتمع الإسرائيلي. وتشير معطيات بنك إسرائيل إلى أن نسبة البطالة لدى العرب تفاقمت مع بداية الحرب، وخصوصاً في صفوف الذكور، إذ انخفضت نسبة تشغيل هؤلاء في هذه المرحلة بنسبة 27 في المائة، مقارنةً بـ11 في المائة في أوساط الذكور من اليهود. وفي بداية سنة 2024 أيضاً، حين تم تسجيل انتعاش في سوق العمل، لوحظ انتعاش أبطأ في توظيف الرجال العرب، وهذا الانتعاش لم ينجح حتى في الوصول إلى مستواه قبل الحرب.

إن الحرب أوقفت عمل عشرات الوف العرب في الورش اليهودية. والمصالح التجارية العربية باتت تشكو من انخفاض كبير في الطلب من جانب المجتمع اليهودي، في ضوء الدعوات المنتشرة في وسائل التواصل الاجتماعي إلى مقاطعة المصالح التجارية العربية. يضاف إلى ذلك أن وزير المالية، بتسليل سموترتش، أجرى تقليصات شديدة في موازنات الوزارات الحكومية؛ ما أدى إلى أضرار جسيمة بالخطة الخمسية الهادفة إلى تعزيز اقتصاد المجتمع العربي، وتقليص هوة التمييز بحقهم.

وفوق كل هذا، بادرت المخابرات الإسرائيلية منذ اليوم الأول للحرب إلى حملة تكميم أفواه شديدة ضد العرب، عموماً وضد المؤثرين بشكل خاص. أكثر من 300 شخص اعتُقلوا بتهمة التعاطف مع الإرهاب، بينهم الفنانة دلال أبو آمنة، التي نشرت على حسابها الآية القرآنية «إن ينصركم الله فلا غالب لكم»، وبعد إغلاق الملف تعرضت لمظاهرات يومية أمام بيتها من اليمين العنصري المتطرف، والبروفيسورة نادرة شلهوب كيفوركيان، التي اعتُقلت لأنها انتقدت المجتمع اليهودي الذي لا يستنكر إبادة الشعب الجارية في قطاع غزة خلال الحرب، والممثلة ميساء عبد الهادي، ومجموعة من النواب السابقين في الكنيست، بينهم رئيس لجنة المتابعة العليا، محمد بركة، والرئيس الحالي لحزب التجمع الوطني، سامي أبو شحادة، والرئيس السابق، الدكتور مطانس شحادة، والنائب حنين زعبي، وكذلك عضو المكتب السياسي للحركة الإسلامية، محمود مواسي، وعضو قيادة التجمع، يوسف طاطور، والرئيس الأسبق للهيئة التمثيلية للطائفة المسيحية الأرثوذكسية في الناصرة، الدكتور عزمي حكيم... وغيرهم.

منظومة القبة الحديدية الإسرائيلية تعترض صاروخاً من لبنان على ميناء حيفا 26 نوفمبر 2024 (أ.ب)

وقد كان معهد أبحاث الأمن القومي في تل أبيب قد أجرى دراسة حول هذه القضية خرج منها بالاستنتاجات والتوصيات التالية: «إن علاقة كلّ من الدولة والأغلبية اليهودية بالمجتمع العربي ترتبط مباشرةً بالأمن القومي. هناك خطر استراتيجي كامن الآن في احتمالات التدهور نحو عنف متبادل من شأنه أن يحول البلد إلى ميدان مواجهة بين اليهود والعرب. تتحمل سلطات الدولة مسؤولية تحييد الجهات التي تعرّض استقرار العلاقات مع المجتمع العربي للخطر، والعمل على تعزيز العلاقات وتقويتها، استشرافاً للمستقبل. وذلك على أساس الاعتراف بأن العلاقات المستندة إلى ضبط النفس ولجمها، هي وسيلة لتحريك تسوية مستقبلية بين إسرائيل والفلسطينيين ما بعد الحرب. بناءً عليه، بات من المطلوب اليوم اتخاذ إجراء له تأثير في الوعي من أجل الحفاظ على الاستقرار الداخلي. إن توسيع نطاق المساعدات الاقتصادية الموجهة إلى السلطات المحلية العربية، والمصالح التجارية، والمحتاجين، سيؤثر بصورة إيجابية، وذلك إلى جانب الامتناع عن الإمعان في فرض القيود على حرية التعبير، وتصعيد النضال ضد الإجرام والعنف، ولجم الجهات المتطرفة من الجانبين، وتلافي المضايقات والمواجهات المتبادلة التي من شأنها أن تشعل النار في البلد».

يتلقون الضربات من الطرفين

المواطنون العرب في إسرائيل يدفعون في كل حرب ثمناً مضاعفاً، يعبّر عن حالتهم الفريدة؛ فهم يتلقون الضربات من الطرفين، باستمرار. في حرب لبنان الثانية، على سبيل المثال، قُتل 44 مواطناً مدنياً و12 جندياً في إسرائيل. قسم كبير من صواريخ «حزب الله» سقط داخل البلدات العربية، الناصرة وحيفا ومجد الكروم وشفا عمرو وغيرها. وقد قُتل 19 عربياً في هذا القصف، أي 43 في المائة من مجموع القتلى المدنيين. ويضاف إلى ذلك أن أقارب هؤلاء المصابين، سكان الجنوب اللبناني ومخيمات اللاجئين، تعرَّضوا للقصف الإسرائيلي.

في الحرب على غزة سنة 2014، التي سميت في إسرائيل «الجرف الصامد»، قُتل 6 مدنيين، أحدهم عامل أجنبي من تايلاند والثاني مواطن من فلسطينيي 48 من النقب، عودة الودج (31 عاماً)، وأصيب 3 من أبناء عائلته بجراح. وتبين لاحقاً أن 3 من أقاربه الذين يعيشون في قطاع غزة قُتلوا من القصف الإسرائيلي في الحرب نفسها.

في الحرب الحالية حصل الأمر نفسه وأكثر. فمن مجموع 33 مواطناً قُتلوا من جراء الحرب في الشمال، بلغ عدد العرب 22 (بينهم 13 طفلاً من بلدة مجدل شمس السورية المحتلة في الجولان).

هذه النتيجة تعكس حال فلسطينيي 48، بوصفهم مواطنين يقعون في ملتقى الضربات، ويتلقون الإصابات من الجميع. في بعض الأحيان، يبدو ذلك وضعاً شائكاً مليئاً بالتعقيدات. وهناك من يقول إن «العرب في إسرائيل ممزَّقون ما بين مواطنتهم الإسرائيلية، التي تحتم عليهم قواعد حياة ونضال مختلفة عن بقية شرائح شعبهم، وبين انتمائهم العربي والفلسطيني الذي يحتم عليهم اتخاذ موقف مغاير ومعاكس للمواقف والسياسة والممارسات الإسرائيلية. لكن هناك من يرى الأمور بطريقة مختلفة، ويعدُّون هذه الحالة تحدياً يستحق التضحية لأجله. فهم، ومن باب الإخلاص لانتمائهم القومي والوطني والإخلاص لمواطنتهم في الدولة العبرية ينتمون إلى معسكر السلام الإسرائيلي الذي يناضل ضد الاحتلال ومن أجل الاستقلال الفلسطيني في دولة عاصمتها القدس الشرقية، والسعي إلى سلام حقيقي بين إسرائيل والعالم العربي والإسلامي. وهم يقولون في هذا الصدد: «التعايش السلمي بين اليهود والعرب في إسرائيل المبني على المساواة والاحترام المتبادل، هو ضرورة حيوية لا تنازُل عنها. فإذا لم ينجح اليهود والعرب في إسرائيل بالعيش معاً بسلام، وتقديم نموذج للحياة المشتركة، فلن يتحقق سلام حقيقي بين إسرائيل والفلسطينيين وسائر العرب».


مقالات ذات صلة

تركيا والأردن يؤكدان ضرورة الاستمرار في تنفيذ خطة السلام في غزة

شؤون إقليمية الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقبال العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في إسطنبول السبت (الرئاسة التركية)

تركيا والأردن يؤكدان ضرورة الاستمرار في تنفيذ خطة السلام في غزة

أكد الرئيس التركي رجب طيب إردوغان والعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني أهمية تنفيذ خطة السلام في غزة وضمان استمرار وقف إطلاق النار

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية صورة لعميلَي «الموساد» المزعومين وهما التركي من أصل فلسطيني فيصل كريم أوغلو (يميناً) والتركي محمد بوداك دريا (الداخلية التركية)

تركيا تعتقل عميلَين لـ«الموساد»... أحدهما من أصل فلسطيني

ألقت المخابرات التركية القبض على شخصين أحدهما فلسطيني كانا يعملان لمصلحة «الموساد» الإسرائيلي، في عملية مشتركة مع شعبة مكافحة الإرهاب ونيابة إسطنبول.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية مشاركون في مسيرة احتجاجية ضد تفشي الجريمة بالمجتمعات العربية في إسرائيل في تل أبيب يوم السبت (إ.ب.أ)

العرب في إسرائيل يستعدون لبدء عصيان مدني غداً

يستعد المواطنون العرب في إسرائيل، يوم غد (الاثنين)، لبدء «عصيان مدني» عبر الامتناع عن الشراء أو دفع أي التزامات ضريبية، لتصعيد احتجاجهم ضد الحكومة اليمينية.

نظير مجلي (تل أبيب:)
المشرق العربي فلسطينيون ينتظرون الحصول على طعام في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ب) p-circle

غزيون يشككون في قدرة مجلس السلام برئاسة ترمب على تغيير واقعهم المأساوي

يقوم الفلسطينيون اليائسون في أحد أحياء غزة بالحفر بأيديهم في مكب نفايات بحثاً عن أغراض بلاستيكية للاستعانة بها لمواجهة البرد في القطاع.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
المشرق العربي الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والمصري عبد الفتاح السيسي (أرشيفية - رويترز)

مصر توافق على الانضمام لمجلس السلام

أعلنت مصر اليوم (الأربعاء) قبولها دعوة الرئيس الأميركي دونالد ترمب للانضمام إلى «مجلس السلام» الذي يُشكّله من قادة العالم.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

القنابل الصوتية تحاصر أهالي قرى جنوب لبنان: رسائل ترهيب وتهجير

عناصر من الأمن الداخلي يحملون نعش زميلهم حسن جابر (38 عاماً) الذي قُتل يوم الاثنين مع ابنه علي (4 أعوام) بغارة جوية إسرائيلية بطائرة مسيّرة... خلال موكب جنازتهما في قرية يانوح جنوب لبنان يوم الثلاثاء (أ.ب)
عناصر من الأمن الداخلي يحملون نعش زميلهم حسن جابر (38 عاماً) الذي قُتل يوم الاثنين مع ابنه علي (4 أعوام) بغارة جوية إسرائيلية بطائرة مسيّرة... خلال موكب جنازتهما في قرية يانوح جنوب لبنان يوم الثلاثاء (أ.ب)
TT

القنابل الصوتية تحاصر أهالي قرى جنوب لبنان: رسائل ترهيب وتهجير

عناصر من الأمن الداخلي يحملون نعش زميلهم حسن جابر (38 عاماً) الذي قُتل يوم الاثنين مع ابنه علي (4 أعوام) بغارة جوية إسرائيلية بطائرة مسيّرة... خلال موكب جنازتهما في قرية يانوح جنوب لبنان يوم الثلاثاء (أ.ب)
عناصر من الأمن الداخلي يحملون نعش زميلهم حسن جابر (38 عاماً) الذي قُتل يوم الاثنين مع ابنه علي (4 أعوام) بغارة جوية إسرائيلية بطائرة مسيّرة... خلال موكب جنازتهما في قرية يانوح جنوب لبنان يوم الثلاثاء (أ.ب)

تتواصل الاعتداءات الإسرائيلية على القرى الحدودية في جنوب لبنان بوتيرة ممنهجة، عبر إمطار القرى الأمامية بالقنابل الصوتية، بالتزامن مع قصف مدفعي وتحركات عسكرية ميدانية، في مشهد يعكس ضغطاً أمنياً متصاعداً وترهيباً للسكان؛ بهدف تفريغ المناطق الحدودية ومنع عودة الأهالي بأي طريقة.

كثافة القنابل الصوتية

وأفادت «الوكالة الوطنية للإعلام»، الأربعاء، بأن مسيّرات إسرائيلية ألقت 5 قنابل صوتية على بلدة عيتا الشعب بقضاء بنت جبيل، بالقرب من جبانة البلدة، كما استهدفت محيط «الساحة» بقذيفتين، بالتزامن مع التحضيرات لتشييع عبد الله ناصر الذي قُتل الثلاثاء برصاص إسرائيلي.

وأشارت «الوطنية» إلى أن «قوة مشاة إسرائيلية توغلت في أطراف البلدة من جهة تلة شواط، وتزامن ذلك مع حضور الجيش وانتشاره في ساحة البلدة استجابة لمطالبة الأهالي بمواكبة التشييع وتأمينه».

مشيعون يحملون نعش الطفل علي حسن جابر البالغ من العمر 4 سنوات الذي قُتل مع والده العنصر في الأمن الداخلي خلال موكب جنازتهما بقرية يانوح جنوب لبنان يوم الثلاثاء 10 فبراير 2026 (أ.ب)

وفي سياق سياسة الترهيب نفسها، كانت كثافة القنابل الصوتية قد أدت قبل يومين إلى محاصرة شابين في محيط جبانة عيتا الشعب، إلى أن عملت قوة من الجيش اللبناني على إخراجهما في ظل تحليق مسيّرة إسرائيلية مسلحة على علو منخفض.

وفي تطور مماثل، كانت مسيّرة إسرائيلية قد ألقت ليلاً قنابل على منزل مأهول في بلدة بليدا؛ ما أدى إلى إخلائه من ساكنيه، قبل أن تتوغّل قوة إسرائيلية إلى المكان وتعمد إلى تفخيخه ونسفه. وكان المنزل قد تعرّض سابقاً لاستهداف بالقنابل الصوتية؛ مما يطرح تساؤلات بشأن طبيعة الرسائل الميدانية المرتبطة بهذه العمليات.

بالتوازي، أفادت وسائل إعلام لبنانية بأن قوات إسرائيلية تنفّذ أعمالاً هندسية وتحصينات في موقع مستحدث يُعدّ السادس من نوعه في منطقة خلة المحافر جنوب بلدة عديسة، في خطوة تعزز المخاوف من تثبيت نقاط عسكرية جديدة بمحاذاة الخط الأزرق.

وأتت هذه التحركات بعدما كان قد سُجّل ليلاً تحرّك دورية مشتركة من الجيش اللبناني و«قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل)» عند أطراف بلدة يارون، في محاولة لاحتواء أي تصعيد إضافي.

سياسة تهجير من تبقّى من السكان

ومنعت القنابل الصوتية، التي تحاصر المنطقة الحدودية وبلدة عيتا الشعب، مشاركة أهالي البلدة في تشييع الشاب عبد الله ناصر، وفق ما قال رئيس بلدية عيتا الشعب أحمد سرور لـ«الشرق الأوسط»، مشيراً إلى أن «البلدة تتعرض منذ يومين لتصعيد إسرائيلي متواصل». وأكد أن «أكثر من 10 قنابل صوتية سقطت على البلدة، بالتزامن مع تحرّك دبابات (ميركافا) باتجاهها»، عادّاً أن ذلك يأتي «في محاولة واضحة لتهجير من تبقّى من السكان وقطع أرزاقهم ومنعهم من زراعة أراضيهم».

تُجري قافلة تابعة لقوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة دوريات بمنطقة تقع في قرية الخيام الحدودية جنوب لبنان بالقرب من مستوطنة المطلة الإسرائيلية (د.ب.أ)

ولفت سرور إلى أن عدد المقيمين حالياً في البلدة لا يتجاوز 52 شخصاً من أصل نحو 15 ألفاً، موضحاً أن «الذين بقوا هم من الفقراء وكبار السن والمرضى، وهؤلاء لا يستطيعون مغادرة القرية».

وأضاف أن الضغوط الإسرائيلية «لا تقتصر على القنابل الصوتية والتحركات العسكرية، بعدما جرفوا الغابات والأراضي على طول الحدود، وصولاً إلى رشّها بالسموم لقطع الطريق أمام أي إمكانية لزراعتها»، وهو ما وصفه بأنه «استهداف مباشر لمقومات الصمود والبقاء».

وأشار إلى أن «هناك مركزاً للجيش اللبناني في عيتا الشعب، كما أن دوريات (يونيفيل) حاضرة بشكل دائم»، إلا إنه شدد على أن «إسرائيل لا تأبه بكل ذلك، وتستمر في سياسة التهجير وفرض الأمر الواقع على الأرض».

رسائل ترهيب وإنذار

وفي الإطار نفسه، يرى اللواء الركن المتقاعد عبد الرحمن شحيتلي أن القنابل الصوتية التي تُلقى على البلدات الحدودية «لا يمكن فصلها عن سياق أمني - سياسي أوسع»، واصفاً إياها بأنها تشكل «رسائل ترهيب وإنذار»؛ هدفها الضغط على من تبقى من السكان ودفعهم إلى النزوح التدريجي.

ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «إسرائيل تريد ألا تتم عودة الأهالي إلا بشروطها، وهي شروط لم تنضج بعد»، موضحاً أن «إسرائيل، تسعى إلى أن تكون العودة إما بإشراف مباشر منها وإما عبر وسطاء، بما يتيح لها الاطلاع على خرائط إعادة الإعمار وتفاصيل الأبنية الجديدة بطريقة غير مباشرة، لضمان معرفة كل المعطيات الميدانية والأمنية في القرى الحدودية».

ويرى أن عرقلة عودة سكان أهالي الجنوب تندرج ضمن «محاولة استكمال تفاهمات أوسع مع الدولة اللبنانية؛ سواء أكانت عسكرية أم سياسية أم أمنية أم حتى اقتصادية، خصوصاً بشأن المنطقة الحدودية التي تعدّها تل أبيب ذات أولوية استراتيجية».

من هنا، يلفت شحيتلي إلى أن «عرقلة إعادة بناء المنازل وتدمير ما تبقى من بعض الأبنية، لا سيما تلك التي تُقدّر إسرائيل أنها قد تُستخدم مستقبلاً لأغراض عسكرية أو لتخزين أسلحة، أمر يأتي في سياق فرض واقع أمني جديد على الأرض، يسبق أي عودة طبيعية ومستقرة للسكان».


معتقلون فلسطينيون يعانون الجوع رغم أمر قضائي بزيادة الطعام في السجون الإسرائيلية

سجن عوفر العسكري الإسرائيلي قرب رام الله في الضفة الغربية (رويترز)
سجن عوفر العسكري الإسرائيلي قرب رام الله في الضفة الغربية (رويترز)
TT

معتقلون فلسطينيون يعانون الجوع رغم أمر قضائي بزيادة الطعام في السجون الإسرائيلية

سجن عوفر العسكري الإسرائيلي قرب رام الله في الضفة الغربية (رويترز)
سجن عوفر العسكري الإسرائيلي قرب رام الله في الضفة الغربية (رويترز)

بعد مرور خمسة أشهر على حكم أصدرته المحكمة العليا الإسرائيلية بأن سجونها لا تقدم ما يكفي من الطعام للمعتقلين الفلسطينيين وأمرها بتحسين الأوضاع، لا يزال سجناء يخرجون وهم مصابون بالهزال ويروون قصصاً عن الجوع الشديد وسوء المعاملة.

وقال سامر خويره (45 عاماً) لوكالة «رويترز» إنه لم يكن يحصل سوى على 10 قطع رقيقة من الخبز خلال اليوم في سجنَي مجدو ونفحة الإسرائيليين، مع قليل من الحمص والطحينة، وبعض التونة مرتين في الأسبوع.

وتظهر مقاطع فيديو محفوظة على هاتف خويره وزنه الطبيعي قبل اعتقاله في مدينة نابلس بالضفة الغربية في أبريل (نيسان) ثم هزاله الشديد عند إطلاق سراحه.

خويره يعرض صورة لهيئته يوم أُفرج عنه من السجن قبل أربعة أسابيع بعدما قال إنه فقد 22 كيلوغراماً من وزنه خلال 9 أشهر في السجن (رويترز)

ويقول ‌إنه فقد ‌22 كيلوغراماً خلال 9 أشهر، وخرج قبل شهر مغطى بقروح ​الجرب، ‌ونحيلاً ⁠لدرجة أن ​ابنه ⁠عز الدين البالغ من العمر 9 سنوات لم يتعرف عليه.

ولم يتسنَّ لـ«رويترز» بشكل مستقل تحديد العدد الإجمالي للسجون التي ساد فيها نقص الغذاء، أو العدد الإجمالي للسجناء الذين عانوا من آثاره.

كما لم يتسنَّ للوكالة التحقق بشكل مستقل من الغذاء الذي تناوله خويره خلال تلك الفترة، أو أسباب فقدانه الشديد للوزن، أو مدى انتشار هذه التجربة بين نحو 9 آلاف فلسطيني محتجزين في السجون الإسرائيلية.

لكن ذلك جاء متسقاً مع ما ورد في بعض التقارير التي رفعها محامون بعد زيارات للسجون. وراجعت «رويترز» 13 تقريراً ⁠من هذا القبيل صدرت في ديسمبر (كانون الأول) ويناير (كانون الثاني)، ‌اشتكى فيها 27 سجيناً من نقص الطعام، وأكد معظمهم أن ‌المؤن لم تتغير منذ صدور أمر المحكمة.

واتهمت جمعية حقوق المواطن ​في إسرائيل التي شاركت في القضية التي ‌رفعت العام الماضي وشكلت سابقة وأدت إلى إصدار حكم يأمر بتحسين معاملة السجناء، الحكومة بالتستر ‌على «سياسة تجويع» متبعة في السجون.

ورفضت مصلحة السجون الإسرائيلية التعليق على قضية خويره بشكل فردي، لكنها قالت: «نرفض مزاعم التجويع أو الإهمال الممنهج. يتم تقديم التغذية والرعاية الطبية بناءً على المعايير المهنية والإجراءات التشغيلية».

خويره يشير إلى كمية الطعام التي كانت تُقدَّم له يومياً خلال احتجازه في سجن إسرائيلي (رويترز)

وقال متحدث إن المصلحة «تعمل وفقاً للقانون وأحكام المحاكم» ويتم التحقيق في جميع الشكاوى من خلال القنوات الرسمية.

وأضاف: «يتم توفير ‌الحقوق الأساسية، بما في ذلك الحصول على الغذاء والرعاية الطبية وظروف المعيشة اللائقة، وفقاً للقانون والإجراءات المعمول بها، من موظفين مدربين تدريباً مهنياً».

وقال ⁠خويره، وهو صحافي ⁠في محطة إذاعية بنابلس احتُجز دون توجيه تهمة إليه، إنه لم يتم إبلاغه قط بسبب اعتقاله خلال مداهمة ليلية لمنزله في أبريل. وامتنع الجيش الإسرائيلي عن التعليق.

تهمة ازدراء المحكمة

زادت صعوبة التحقق بشكل مستقل من معاملة المحتجزين منذ بداية حرب غزة عندما منعت إسرائيل زيارات اللجنة الدولية للصليب الأحمر للسجون، وهو دور تضطلع به اللجنة التي مقرها جنيف، في مناطق الصراعات المختلفة في العالم منذ نحو قرن.

وقدمت جمعية حقوق المواطن في إسرائيل التماساً إلى المحكمة العليا الإسرائيلية للسماح للصليب الأحمر بالوصول إلى المعتقلين الفلسطينيين. كما تقدمت بطلب إلى المحكمة لاتهام مصلحة السجون بازدراء المحكمة لعدم امتثالها لأمر صدر في سبتمبر (أيلول) بتحسين أوضاع وظروف الاعتقال.

الأسير الفلسطيني معزز عبيات عقب الإفراج عنه من سجن إسرائيلي قرب مدينة الخليل في الضفة الغربية (رويترز)

وقالت نوعا ستات، المديرة التنفيذية للجمعية، لـ«رويترز»: «كل المؤشرات التي نحصل عليها لا تشير إلى تغير يذكر» منذ ​صدور حكم المحكمة.

وأضافت: «لا يحصل السجناء على ​المزيد من الطعام إذا طلبوه. لم يتم إجراء أي فحص طبي لحالة السجناء، وما زالوا يعانون من الجوع».

ولم ترد المحكمة العليا على طلب للحصول على تعليق على القضية.


لاريجاني يلتقي رئيس المجلس القيادي لـ«حماس» في الدوحة

جانب من لقاء الوفد الإيراني ووفد من حركة «حماس» في الدوحة (موقع لاريجاني)
جانب من لقاء الوفد الإيراني ووفد من حركة «حماس» في الدوحة (موقع لاريجاني)
TT

لاريجاني يلتقي رئيس المجلس القيادي لـ«حماس» في الدوحة

جانب من لقاء الوفد الإيراني ووفد من حركة «حماس» في الدوحة (موقع لاريجاني)
جانب من لقاء الوفد الإيراني ووفد من حركة «حماس» في الدوحة (موقع لاريجاني)

قالت حركة «حماس» إن رئيس المجلس القيادي للحركة محمد درويش، التقى مع أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني في العاصمة القطرية الدوحة، وبحث معه آخر التطورات السياسية في المنطقة ومستجدات الوضع في قطاع غزة.

وذكرت «حماس»، في بيان، أن الجانبين ناقشا مجمل الأوضاع الميدانية والإنسانية في القطاع «في ظل استمرار الاحتلال في ارتكاب جرائمه بحق أبناء شعبنا الفلسطيني وتنصله من بنود اتفاق وقف إطلاق النار، وحرص الحركة على تنفيذ بنود الاتفاق وعدم العودة للحرب مرة أخرى».

لاريجاني مستقبلاً وفد «حماس» في الدوحة (موقع لاريجاني)

وأضافت «حماس» أن اللقاء تناول أيضاً التصعيد في القدس والضفة الغربية، في ظل استمرار سياسات إسرائيل وإجراءاتها، وآخرها مصادقة البرلمان (الكنيست) على قرارات تهدف إلى ضم أراض من الضفة الغربية «في خطوة خطيرة تمس الحقوق الوطنية الثابتة لشعبنا الفلسطيني».

وفيما يتعلق بالتوتر بين طهران وواشنطن، حذر درويش من أن أي هجوم على إيران أو على أي دولة أخرى في المنطقة «سيكون من شأنه زعزعة الأمن والاستقرار في المنطقة»، بحسب البيان.