«نريد العدالة»... ناجون من الهجوم الكيماوي بسوريا يتحدثون لأول مرة

رجل وطفل في مستشفى محاصر في مدينة الغوطة الشرقية في 25 فبراير 2018 (أرشيفية - رويترز)
رجل وطفل في مستشفى محاصر في مدينة الغوطة الشرقية في 25 فبراير 2018 (أرشيفية - رويترز)
TT

«نريد العدالة»... ناجون من الهجوم الكيماوي بسوريا يتحدثون لأول مرة

رجل وطفل في مستشفى محاصر في مدينة الغوطة الشرقية في 25 فبراير 2018 (أرشيفية - رويترز)
رجل وطفل في مستشفى محاصر في مدينة الغوطة الشرقية في 25 فبراير 2018 (أرشيفية - رويترز)

تحدث ناجون من الهجوم الكيماوي الذي تعرض له سوريون في الغوطة الشرقية بدمشق عام 2018 عن أحاسيسهم لأول مرة بعد سقوط نظام بشار الأسد، مطالبين بتحقيقات جديدة في الهجوم و«إقرار العدالة».

ويقول توفيق ديام، وهو أحد الضحايا إن تلك هي المرة الأولى التي يتمكن فيها من التحدث بحرية عما حدث لعائلته في عام 2018، في دوما في ضاحية الغوطة الشرقية بدمشق. ويتابع لهيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي»: «لو تحدثت من قبل، لكانت قوات بشار الأسد قد قطعت لساني. كانوا ليذبحوني. لم يُسمح لنا بالحديث عن ذلك».

وقُتلت زوجة توفيق وأطفاله الأربعة الذين تتراوح أعمارهم بين 8 و12 عاماً - جودي ومحمد وعلي وقمر - في هجوم كيميائي في 7 أبريل (نيسان) 2018.

وقالت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، وهي هيئة مراقبة عالمية، في تقرير العام الماضي إنها تعتقد أن مروحية تابعة للقوات الجوية السورية غادرت قاعدة الضمير الجوية القريبة بعد الساعة 19:00 بقليل من ذلك اليوم وأسقطت أسطوانتين صفراوين أصابتا مبنيين سكنيين، وأطلقتا غاز الكلور عالي التركيز.

وقال توفيق إن عائلته كانت خارج منزله في الطابق الأرضي عندما سقطت القنابل، وتابع: «سمعت انفجاراً وصرخ الناس في الشوارع «كيماويات، كيماويات». خرجت راكضاً. كانت هناك رائحة كريهة. رأيت رغوة صفراء تخرج من أفواه الناس. لم يكن أطفالي قادرين على التنفس، كانوا يختنقون. رأيت أشخاصاً يفرون في الشارع».

أسرة سورية تفر من قصف النظام على بلدة حمورية بالغوطة الشرقية المحاصرة (أرشيفية - أ.ف.ب)

وتقول منظمة حظر الأسلحة الكيميائية إن 43 شخصاً على الأقل قتلوا. ويقول توفيق إن عدد القتلى تجاوز 100، ويتابع: «حتى أنا كدت أموت. بقيت في المستشفى لمدة 10 أيام. نجا خمسة أو ستة رجال فقط في هذا المجمع».

ونفت حكومة الأسد استخدام الأسلحة الكيماوية على الإطلاق. وقالت حليفتها روسيا إن هجوم دوما كان «مدبراً».

وكانت الغوطة الشرقية واحدة من أكثر المناطق التي شهدت صراعاً عنيفاً لمدة خمس سنوات طويلة خلال الحرب الأهلية في سوريا.

وفي نهاية المطاف حاصرها النظام، وقصفها مع حليفته روسيا بشكل عشوائي في محاولة للسيطرة عليها من مقاتلي المتمردين. ولحق الدمار بأغلب المباني. ومن الصعب أن تجد مبنى واحداً لا يحمل ندوب الحرب، فقد قصف العديد منها بشدة، حتى أنها أصبحت مجرد هياكل.

في أكثر من مناسبة في الغوطة الشرقية، استخدمت الأسلحة الكيميائية - المحظورة بموجب بروتوكول جنيف واتفاقية الأسلحة الكيميائية - لمهاجمة دوما. واستولت قوات بشار الأسد على دوما بعد وقت قصير من هجوم الكلور، ولم تُسمع قصص الضحايا بالكامل منذ ذلك الحين.

تصاعد الدخان من الغوطة الشرقية المحاصرة في دمشق 27 فبراير (رويترز)

ويقول توفيق وهو يسحب الصورة الوحيدة التي لديه لهم، وعيناه تدمعان بالدموع: «لا يمر يوم دون أن أفكر في أطفالي».

وفي هذا الصدد، يقول خالد ناصر إن ابنته الرضيعة نور وابنه عمر البالغ من العمر عامين وزوجته الحامل فاطمة قُتلوا أيضاً في هجوم الكلور عام 2018.

ويقول خالد بكلمات غاضبة بسبب اضطراره لكتمه لمدة ست سنوات خلال حديثه: «كان معظم القتلى من الأطفال والنساء. يعرف العالم أجمع أن بشار الأسد ظالم وكاذب، وأنه قتل شعبه. قُتلت زوجتي قبل يومين من موعد ولادتها لطفلنا».

ولم يكن هجوم غاز الكلور المرة الوحيدة التي استخدمت فيها الأسلحة الكيميائية في المنطقة. ففي عام 2013، أطلقت صواريخ تحتوي على غاز الأعصاب السارين على عدة ضواحٍ يسيطر عليها المتمردون في الغوطة الشرقية والغربية، مما أسفر عن مقتل مئات الأشخاص. وأكد خبراء الأمم المتحدة استخدام غاز السارين ولكن لم يُطلب منهم توجيه أي لوم، وفق «بي بي سي».

مبنى مدمر بجدارية خلال إحياء الذكرى العاشرة للهجوم الكيماوي على الغوطة (أرشيفية - د.ب.أ)

أنكر النظام السوري أن قواته أطلقت الصواريخ، لكنه وافق على التوقيع على اتفاقية الأسلحة الكيميائية وتدمير الترسانة الكيميائية المعلنة لسوريا.

وبين عامي 2013 و2018، وثقت منظمة «هيومن رايتس ووتش» ما لا يقل عن 85 هجوماً بالأسلحة الكيميائية في سوريا، متهمة الحكومة السورية بالمسؤولية عن غالبية هذه الهجمات.

بالإضافة إلى دوما في عام 2018، حدد فريق التحقيق والتحديد التابع لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية الجيش السوري باعتباره مرتكباً لأربع حالات أخرى من استخدام الأسلحة الكيميائية في عامي 2017 و2018. ووجدت بعثة تقصي الحقائق السابقة، والتي لم تكن مكلفة بتحديد هوية الجناة، أن الأسلحة الكيميائية استخدمت في 20 حالة.

وأفادت «بي بي سي» أنه يمكن رؤية قطع العظام وسط منطقة اعتبرت مقبرة جماعية لضحايا الهجوم، ويقول توفيق: «هذه هي المرة الأولى التي تطأ فيها قدمي هنا، أقسم بالله. لو حاولت المجيء إلى هنا في وقت سابق، لكانوا (النظام) قد أعدموني. في العيد، عندما كنت أفتقد عائلتي، كنت أركب على جانب هذا الطريق وألقي نظرة سريعة نحو هذا (التل). كان ذلك يجعلني أبكي».

ويريد توفيق حفر القبور، حتى يتمكن من إقامة جنازة كريمة لعائلته، فيما يقول خالد: «نريد تحقيقات جديدة في الهجوم»، ويقول إن الشهادات التي قدمها كثيرون لبعثة تقصي الحقائق التابعة لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية في عام 2019 لم تكن موثوقة.

توفيق ديام يحمل هاتفه وعليه صورة لعائلته التي قتلت في الهجوم الكيماوي على الغوطة الشرقية عام 2018 في سوريا (بي بي سي)

هذا ادعاء أكده عبد الرحمن حجازي، أحد شهود العيان الذين أدلوا بشهاداتهم أمام البعثة، والذي يقول إنه أُجبر على تقديم رواية النظام للأحداث، وقال: «احتجزني ضباط المخابرات وأمروني بالكذب. أخبروني أن الناس قُتلوا بسبب استنشاق الغبار وليس المواد الكيميائية. وهددوني بأنه إذا لم أوافق، فلن تكون عائلتي في مأمن. أخبروني بأن منزلي كان محاطاً برجال النظام».

تنص إحدى النتائج الواردة في تقرير منظمة حظر الأسلحة الكيميائية لعام 2019 عن دوما على ما يلي: «ذكر بعض الشهود أن العديد من الأشخاص لقوا حتفهم في المستشفى في 7 أبريل نتيجة للقصف العنيف و/أو الاختناق بسبب استنشاق الدخان والغبار».

يقول عبد الرحمن إن المجتمع نبذه هو وعائلته لسنوات بعد أن أدلى بشهادته. ووجد صعوبة في الحصول على وظيفة. والآن يريد تحقيقاً جديداً. ويتابع: «أريد أن تظهر الحقيقة. لا أستطيع النوم. أريد العدالة لكل والد».


مقالات ذات صلة

صدام حفتر يؤكد للشيباني استعداد «القيادة العامة» لدعم الشعب السوري

شمال افريقيا صدام حفتر نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني» الليبي مستقبلاً وزير خارجية سوريا أسعد الشيباني في مقر القيادة ببنغازي الأحد (القيادة العامة)

صدام حفتر يؤكد للشيباني استعداد «القيادة العامة» لدعم الشعب السوري

في أول زيارة له إلى بنغازي، بحث وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني مع صدام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني» الليبي، عدداً من الملفات الأمنية.

جمال جوهر (القاهرة)
المشرق العربي انتشار لقوى الأمن الداخلي السورية خلال مظاهرات يوم الجمعة في الحسكة (مديرية الإعلام في الحسكة)

الحسكة: «المكوّن العربي» يشكو استمرار «هيمنة قسد»

أكد نائب محافظ الحسكة السورية، أحمد الهلالي، السبت، أن مطالب الأهالي، خلال المظاهرات التي خرجت الجمعة، «مشروعة»، نافياً سيطرة «قسد» على المحافظة.

موفق محمد (دمشق)
المشرق العربي رجل أمن يتبع لوزارة الداخلية في ضواحي قرية الصورة الصغيرة بريف السويداء يوم 15 سبتمبر الماضي (رويترز)

من المستفيد من نشر الفوضى في سوريا؟

لائحة المستفيدين من إضعاف الحكم السوري تشمل «داعش» وإسرائيل وإيران وبقايا نظام الأسد... وتشديد على ضرورة سرعة المعالجة.

موفق محمد (دمشق)
المشرق العربي عناصر من قوات الأمن السورية (أ.ف.ب- أرشيفية)

سوريا: توقيف 16 طياراً بسلاح الجو السابق في أقل من شهر

أعلنت السلطات الأمنية السورية عن تنفيذ سلسلة عمليات ضمن حملة لملاحقة ضباط سلاح الجو السابق، أسفرت عن توقيف 16 ضابطاً بينهم قادة، خلال أقل من شهر.

سعاد جروس (دمشق)
شؤون إقليمية جانب من المباحثات الموسعة بين وزيري الخارجية السوري أسعد الشيباني والتركي هاكان فيدان في دمشق في 13 سبتمبر بحضور وفدي البلدين (الخارجية التركية)

تركيا: الأولوية القصوى في سوريا حالياً هي توقف «قسد» عن كونها تهديداً

أكدت تركيا أن الأولوية القصوى في سوريا حالياً هي أن تتوقف «قوات سوريا الديمقراطية» عن كونها تهديداً، عادّةً أن إسرائيل تشكل الخطر الأكبر على استقرار جارتها

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

إسرائيل تهدد بإخلاء الضاحية وتهجير مليون شيعي لبناني

أرشيفية لوزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في مخيم طولكرم بشمال الضفة (الجيش الإسرائيلي)
أرشيفية لوزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في مخيم طولكرم بشمال الضفة (الجيش الإسرائيلي)
TT

إسرائيل تهدد بإخلاء الضاحية وتهجير مليون شيعي لبناني

أرشيفية لوزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في مخيم طولكرم بشمال الضفة (الجيش الإسرائيلي)
أرشيفية لوزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في مخيم طولكرم بشمال الضفة (الجيش الإسرائيلي)

صعّد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، تهديداته، أمس، متوعداً بتوجيه ضربة قاسية إلى «حزب الله» وتوسيع نطاق السيطرة العسكرية في الجنوب، فضلاً عن إخلاء الضاحية الجنوبية لبيروت وتهجير أكثر من مليون لبناني من الطائفة الشيعية، في حال انضم الحزب إلى أي هجوم إيراني محتمل على إسرائيل، قائلاً إن «أكثر من مليون شيعي سيتحولون إلى نازحين داخل لبنان».

وفي موازاة ذلك، أثار إعلان «حزب الله» عن تقديم مساعدات مالية للنازحين والمتضرّرين، تساؤلات حول مصادر الأموال وآليات وصولها وتوزيعها، فيما شكّك متحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية للمرة الثانية في غضون أيام، في وجودها أصلاً.

وقال المتحدث باسم الخارجية الأميركية إن «الأموال المزعوم وصولها من إيران غير موجودة أساساً». وأضاف أنه «حتى لو امتلك الحزب الأموال، فسيستخدمها لشراء الأسلحة لتهديد إسرائيل وترهيب خصومه... أسلحته لم تجلب للبنان سوى البؤس والدمار».


لاكروا: يجب البدء بالمحادثات حول مستقبل بعثة حفظ السلام في لبنان قريباً

وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام جان بيير لاكروا خلال مقابلة مع وكالة «أسوشييتد برس» في بيروت يوم 14 أكتوبر 2026 (أ.ب)
وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام جان بيير لاكروا خلال مقابلة مع وكالة «أسوشييتد برس» في بيروت يوم 14 أكتوبر 2026 (أ.ب)
TT

لاكروا: يجب البدء بالمحادثات حول مستقبل بعثة حفظ السلام في لبنان قريباً

وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام جان بيير لاكروا خلال مقابلة مع وكالة «أسوشييتد برس» في بيروت يوم 14 أكتوبر 2026 (أ.ب)
وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام جان بيير لاكروا خلال مقابلة مع وكالة «أسوشييتد برس» في بيروت يوم 14 أكتوبر 2026 (أ.ب)

حث وكيل أمين عام الأمم المتحدة لعمليات السلام، جان بيير لاكروا، اليوم الأربعاء، مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة على بدء مفاوضات حول مستقبل قوات حفظ السلام المنتشرة في لبنان، في الوقت الذي تسعى فيه بيروت إلى تمديد تفويضها المقرر أن ينتهي في نهاية هذا العام، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

وتنتشر قوة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، المعروفة باسم «يونيفيل»، في جنوب لبنان منذ 1978، لكن مجلس الأمن أمر البعثة العام الماضي بالبدء في الانسحاب في نهاية 2026.

ومنذ اندلاع حرب جديدة في مارس (آذار) بين إسرائيل وجماعة «حزب الله» اللبنانية المدعومة من إيران، تحشد الحكومة اللبنانية الجهود من أجل تمديد تفويض «يونيفيل»، مشيرة إلى دورها في مراقبة الأعمال القتالية وتسهيل إيصال المساعدات إلى القرى الواقعة في المناطق التي تحتلها إسرائيل.

وقدّم الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش هذا العام مقترحات لاستمرار وجود قوات الأمم المتحدة في لبنان، لكن لاكروا قال لوكالة «رويترز» في بيروت إنه لم يتم اتخاذ أي إجراء حتى الآن.

وأضاف: «هذه المقترحات معروضة على طاولة مجلس الأمن. لم تحدث أي تحركات في مجلس الأمن حتى الآن، لكنني أعتقد أن المفاوضات ستبدأ... قريباً وبجدية».

وتابع: «أعتقد أنه من الأفضل اتخاذ قرار قريباً بدلاً من تأجيله، أليس كذلك؟ لأن ذلك سيوضح لنا الرؤية المستقبلية أيضاً، وبالتأكيد من وجهة نظر أكثر محدودية تتعلق بتخطيطنا».


رئيس «العدالة الانتقالية» ينفي وصول مسودة القانون إلى الصيغة النهائية

شاركت «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في 5 أكتوبر في إحياء الذكرى الثانية عشرة لمجزرة قرية المتراس بريف طرطوس التي وقعت عام 2013 وراح ضحيتها أكثر من 100 شخص (الهيئة)
شاركت «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في 5 أكتوبر في إحياء الذكرى الثانية عشرة لمجزرة قرية المتراس بريف طرطوس التي وقعت عام 2013 وراح ضحيتها أكثر من 100 شخص (الهيئة)
TT

رئيس «العدالة الانتقالية» ينفي وصول مسودة القانون إلى الصيغة النهائية

شاركت «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في 5 أكتوبر في إحياء الذكرى الثانية عشرة لمجزرة قرية المتراس بريف طرطوس التي وقعت عام 2013 وراح ضحيتها أكثر من 100 شخص (الهيئة)
شاركت «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في 5 أكتوبر في إحياء الذكرى الثانية عشرة لمجزرة قرية المتراس بريف طرطوس التي وقعت عام 2013 وراح ضحيتها أكثر من 100 شخص (الهيئة)

نفى رئيس «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في سوريا، عبد الباسط الويس، ما تداولته بعض المواقع عن إنجاز قانون العدالة الانتقالية ورفعه إلى الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية، لافتاً إلى أن «المشروع لا يزال قيد التداول والمناقشات، ولم يصل إلى صيغته النهائية».

وأوضح الويس لـ«الشرق الأوسط» أن الهيئة تتبنى «مساراً ديناميكياً في تطوير مسودات قانون العدالة الانتقالية المقترحة، عبر لقاءات تشاورية مستمرة مع المؤسسات المعنية التي تتقاطع معها، مثل وزارات الداخلية والعدل و(هيئة المفقودين)، بهدف تحديث وتجديد بنوده، قبل إحالته رسمياً للأمانة العامة لرئاسة الجمهورية ومجلس الشعب».

تصريحات الويس جاءت بعد تداول الحديث عن إنجاز الهيئة لمشروع قانون العدالة الانتقالية ووصوله إلى البرلمان، بعد ما أثارته مسودة المشروع الأخيرة من ردود فعل داخل الأوساط الحقوقية التي وضعت بنوده تحت مجهر التحليل، لتفتح أبواب النقاش والتحذير من وجود ثغرات بنيوية تمس جوهر القانون.

وركزت الانتقادات حول «عمومية النصوص»، خاصة المتعلقة بمساري «الإصلاح المؤسسي وكشف الحقيقة»، الواردة ضمن المسودات السابقة، إلى جانب حفظ الذاكرة الوطنية، ونطاق ملاحقة الانتهاكات الجسيمة، إلى جانب آليات المحاسبة وعدم الإفلات من العقاب وحصرها بين الفترة من 1970 حتى سقوط نظام بشار الأسد 2024، واستقلال الهيئات القضائية المختصة، وتداخل البنود المتعلقة بالعزل السياسي.

جلسة تشاورية في محافظة درعا بمشاركة عائلات المفقودين والناجين والمتضررين ومنظمات المجتمع المدني (الهيئة الوطنية للمفقودين)

الباحث في مجال القانون الجنائي الدولي المعتصم الكيلاني، يرى من جهته أن الإبقاء على مفاهيم أساسية مثل كشف الحقيقة والإصلاح المؤسسي، بصياغة عامة دون تحديد مضمونها القانوني وآليات تنفيذها، يشكل خطراً على فاعلية القانون وقدرته على تحقيق أهدافه، «فالمشكلة لا تكمن في استخدام هذه المفاهيم، وإنما في غياب الالتزامات القانونية الواضحة المترتبة، وترك تفسيرها وتطبيقها للسلطة التقديرية»، معتبراً أن التحدي الأساسي أمام أي قانون شامل للعدالة الانتقالية في سوريا، لا يتمثل فقط بالاعتراف بالانتهاكات الماضية، إنما في بناء منظومة قانونية قادرة على منع تكرارها، وضمان خضوع جميع المسؤولين عن الجرائم للمساءلة وفق القانون، وإعادة الاعتبار للضحايا، واستعادة الثقة بالمؤسسات العامة.

ويوضح الكيلاني أن «النصوص العامة لا توفر حماية كافية للضحايا، ولا تمنع إساءة استخدام السلطة، ولهذا يجب تحويل المبادئ العامة إلى حقوق قابلة للإنفاذ والتقاضي والتزامات محددة على المؤسسات، وإجراءات واضحة للمساءلة والرقابة».

لجنتا «ضحايا الثورة السورية» و«هيئة العدالة الانتقالية» تبحثان مشروع قانون العدالة الانتقالية بحضور عبد الباسط الويس (الهيئة)

الإصلاح والعزل السياسي

ويرى الكيلاني أن كشف الحقيقة ليس مجرد جمع للشهادات أو إعداد تقارير توثيقية، بل هو حق للضحايا وذويهم وللمجتمع في معرفة الوقائع المتعلقة بالانتهاكات الجسيمة، وظروف ارتكابها، والجهات المسؤولة عنها، ومصير المفقودين والمختفين قسرياً، وإذا لم يتضمن القانون ضمانات واضحة للوصول إلى الوثائق والأرشيفات الرسمية، وحماية الشهود، وإلزام المؤسسات بالتعاون، وتحديد العلاقة بين نتائج لجان الحقيقة والإجراءات القضائية، «فقد يتحول كشف الحقيقة إلى عملية توثيق رمزية لا تنتج آثاراً قانونية فعلية».

أما بالنسبة إلى الإصلاح المؤسسي فإن «ترك (المصطلح) دون تعريف ومعايير محددة قد يعيد إنتاج مؤسسات ساهمت بارتكاب الانتهاكات، أو استخدام الإصلاح وسيلة للإقصاء السياسي والإداري، ولذلك ينبغي أن يرتكز الإصلاح على تقييم فردي للمسؤوليات، ومعايير شفافة للنزاهة والكفاءة، وضمانات الاعتراض والطعن، مع إخضاع المؤسسات الأمنية والعسكرية والقضائية لرقابة قانونية مستقلة».

«الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» تبحث مع أهالي جسر الشغور بمحافظة إدلب سبل تعزيز السلم الأهلي (الهيئة)

يستند الكيلاني في حديثه إلى الفقرات التي أشارت في نص المسودة إلى المادة الـ20 من إجراءات وتبعات فحص السجلات والمواد 19 و18 و17، من باب التقييم وضمان عدم التكرار التي تنص على إحداث لجنة ثلاثية لتقصي الحقائق لفحص جهازي أمني أو إداري، دون أن يمنح حق الطعن أو المراجعة للموظف الذي يعزل أو يطرد، إضافة إلى المادتين 21 و22 مدخل العزل السياسي التي تمنح لجنة تقصي الحقائق صلاحيات واسعة، وتفرض عقوبات دون وجود مستند قضائي.

قبل سقوط النظام وبعده

إلى جانب هذه البنود، فقد أثارت المدة الزمنية المحددة بفترة حكم نظام الأسدين، وربطها حصرياً بجهة سياسية أو أمنية معينة، إشكالية حقوقية تتعلق بمبدأ المساواة أمام القانون، وحق جميع الضحايا في الوصول إلى العدالة والإنصاف.

ولا يعني ذلك، بحسب الباحث، التقليل من حجم الانتهاكات التي ارتكبها النظام السابق، وإنما بترسيخ مبدأ العدالة فوق الجميع، وفق معيار قانوني واضح يكون بطبيعة الانتهاك وجسامته والمسؤولية الفردية عن ارتكابه، وبالتالي يجب أن يتوسع نطاق المساءلة ليشمل جميع الانتهاكات، بما فيها التي قد تكون ارتكبت بعد سقوط النظام السابق.

ويوضح أن معالجة هذه الإشكالية تشريعياً يكون من خلال اعتماد تعريف شامل للانتهاكات الجسيمة، وتحديد اختصاصات واضحة للتحقيق والملاحقة، بحيث لا يؤدي النطاق الزمني للعدالة الانتقالية إلى تعطيل اختصاص القضاء في الجرائم الواقعة خارجه، ويجب أن يتم ذلك مع احترام مبدأ الشرعية الجنائية، وعدم رجعية التجريم والعقوبة، وضمانات المحاكمة العادلة.

بدوره، يؤكد رئيس «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في سوريا، عبد الباسط الويس، أن «ورقة المشروع لا تزال حية وقابلة للتعديل، وقد جرى عليها الكثير من التطوير والتحديث، حتى المسودة الأخيرة التي طرحت مؤخراً لا تزال المناقشات حول بنودها والتحسينات مستمرة».

ورغم الانتقادات المتزايدة حول المماطلة في تشريع قانون عدالة انتقالية شامل في سوريا، يجد حقوقيون وخبراء قانون أن تأخر صدور القانون ليس خطراً حقيقياً، بقدر ما يكون عليه وجود قانون يكرّس عدالة جزئية، أو يؤسس لمؤسسات تفتقر إلى الاستقلال، أو يمنح الضحايا اعترافاً رمزياً دون حقوق قابلة للإنفاذ.