إيران تعوّل على «آستانة» لحفظ نفوذها في سوريا

مصادر: طهران على تواصل مباشر مع فصائل في القيادة الجديدة

رجل إيراني يقرأ صحيفة «همشهري» التي توجه انتقادات لبشار الأسد في عنوانها الرئيسي
رجل إيراني يقرأ صحيفة «همشهري» التي توجه انتقادات لبشار الأسد في عنوانها الرئيسي
TT

إيران تعوّل على «آستانة» لحفظ نفوذها في سوريا

رجل إيراني يقرأ صحيفة «همشهري» التي توجه انتقادات لبشار الأسد في عنوانها الرئيسي
رجل إيراني يقرأ صحيفة «همشهري» التي توجه انتقادات لبشار الأسد في عنوانها الرئيسي

تعوّل طهران على إبقاء ما تبقى من نفوذها في سوريا عبر «مسار آستانة»، وذلك بعد الإطاحة بحليفها الأبرز في المنطقة، بشار الأسد.

وأبلغ وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، نواب البرلمان، بتمسك بلاده باستمرار محادثات «آستانة» حول الأزمة السورية، لكنه قال إن المسار الدبلوماسي يعتمد على تطورات الوضع في سوريا وقرارات الأطراف الثلاثة؛ إيران وروسيا وتركيا.

وقالت إيران، الأحد، إنها تتوقع استمرار العلاقات مع دمشق على أساس «نهج حكيم وبعيد النظر»، ودعت إلى تشكيل حكومة شاملة تمثل كل فئات المجتمع السوري.

وأجاب عراقجي، في جلسة مغلقة على أسئلة نواب البرلمان حول تطورات الوضع السوري. وقالت وسائل إعلام حكومية إنه قدم تقريراً عن الأنشطة الدبلوماسية خلال الأيام القليلة الماضية، خصوصاً «اجتماع الدوحة»، عشية سقوط نظام بشار الأسد.

وقال للصحافيين: «في هذه الجلسة طرح النواب أسئلة حول مسار وسرعة التطورات في سوريا، وأجبنا عليها وناقشنا بعض النقاط. بشكل عام، كان الاجتماع فرصة جيدة لتبادل الآراء».

صورة نشرها موقع البرلمان الإيراني من مشاركة عراقجي في جلسة مغلقة اليوم

وبشأن ما إذا كانت المعارضة السورية ستعترف بـ«مسار آستانة»، وتشارك في الجولة الجديدة، قال عراقجي: «في الأساس، الحكومة السورية لم تشارك أبداً في محادثات مسار آستانة، حيث كانت هذه العمليّة بين إيران وتركيا وروسيا. مسألة استمرار هذا المسار في المستقبل تعتمد على التطورات وقرارات الدول الثلاث. أما باقي الدول العربية فلم تكن أبداً جزءاً من مسار آستانة».

وقال عراقجي للتلفزيون الرسمي، مساء الأحد، إن بشار الأسد أبلغه «استغرابه وشكواه من أداء الجيش السوري».

وأن الاستخبارات الإيرانية والسورية كانتا على علم بتحركات إدلب، وتم إبلاغ الحكومة السورية بذلك. وأشار إلى أن ضعف الجيش السوري وسرعة التطورات كانا أسباباً لعامل المفاجأة.

وأنفق حكام إيران من رجال الدين مليارات الدولارات على دعم الأسد خلال «الحرب الأهلية» التي اندلعت في سوريا عام 2011، ونشروا فيها الحرس الثوري لإبقاء حليفهم في السلطة، والحفاظ على «محور المقاومة» الإيراني في مواجهة إسرائيل ونفوذ الولايات المتحدة بالشرق الأوسط.

وسقوط الأسد يكسر حلقة مهمة في سلسلة المقاومة الإيرانية بالمنطقة، التي كانت بمثابة طريق عبور مهم تزود طهران من خلاله حلفاءها، خصوصاً «حزب الله»، بالأسلحة والتمويل.

الاتصالات مع القيادة السورية

ونسبت وكالة «رويترز»، الاثنين، إلى مسؤول إيراني كبير، أن طهران فتحت قناة مباشرة للتواصل مع فصائل في القيادة الجديدة في سوريا. وأضاف أن هذا يمثل محاولة «لمنع مسار عدائي» بين البلدين.

ولا شك أن إيران تشعر بالقلق من أن تؤثر طريقة تغيير السلطة في دمشق على نفوذها في سوريا؛ العمود الفقري لنفوذها في المنطقة.

وقال ثلاثة مسؤولين إيرانيين لـ«رويترز» إن الأمر لا يدعو للذعر، وإن طهران ستتبع السبل الدبلوماسية للتواصل مع أشخاص وصفهم أحد المسؤولين بأنهم «داخل الجماعات الحاكمة الجديدة في سوريا الذين تقترب آراؤهم من (وجهات نظر) إيران».

وقال مسؤول إيراني ثان: «القلق الرئيسي بالنسبة لإيران هو ما إذا كان خليفة الأسد سيدفع سوريا للدوران بعيداً عن فلك طهران... هذا السيناريو تحرص إيران على تجنبه».

أشخاص يمشون أمام لوحة دعائية لصاروخ «فتاح» فرط الصوتي تحت شعار «إيران على خط المواجهة» في طهران

وإذا أصبحت سوريا ما بعد الأسد دولة معادية، فستحرم جماعة «حزب الله» اللبنانية من طريق الإمداد البري الوحيد لها، وستمنع إيران من الوصول إلى البحر المتوسط ​​و«خط المواجهة» مع إسرائيل.

وقال أحد المسؤولين الكبار إن حكام إيران، الذين يواجهون الآن فقدان حليف مهم في دمشق وعودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض في يناير (كانون الثاني)، منفتحون على التعامل مع القادة السوريين الجدد.

وأضاف: «هذا التواصل مفتاح لاستقرار العلاقات، وتجنب مزيد من التوترات الإقليمية».

وقال المسؤول إن إيران أقامت اتصالات مع جماعتين في القيادة الجديدة، وستقيم مستوى التفاعل في الأيام المقبلة بعد اجتماع في المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، وهو جهاز أمني كبير.

وذكر مسؤولان إيرانيان أن طهران تخشى من أن يستغل ترمب سقوط الأسد في زيادة الضغوط الاقتصادية والسياسية على إيران «إما لإجبارها على تقديم تنازلات أو لزعزعة استقرارها».

أسئلة وسيناريوهات

وتباينت عناوين الصحف الإيرانية حول سقوط بشار الأسد، لكنها حاولت الإجابة على جملة من الأسئلة المتعددة التي أجاب عليها الخبراء، من بينها سيناريوهات المرحلة المقبلة، وكيفية إعادة الأموال الذي أنفقتها إيران في تمويل حكومة الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد، فضلاً عن مستقبل نفوذ إيران.

وتحت عنوان «الفوضى تعم سوريا»، عدت صحيفة «كيهان» المحسوبة على مكتب المرشد الإيراني، سقوط الأسد، «نهاية مهمة الإرهابيين وبداية السلطة الأميركية». وقالت: «نتيجة هذا الحراك (...) ستكون بداية فوضى أساسية، ومن المحتمل مطولة». وفي إشارة إلى «هيئة تحرير الشام»، قالت «كيهان» إن «هذه المجموعة الإرهابية المكونة من 37 مجموعة أخرى، وتعمل تحت أمرة أميركا وإسرائيل، بدأت بنهب مختلف الأماكن من الساعات الأولى لسقوط دمشق».

أما صحيفة «همشهري»، التابعة لبلدية طهران، فقد أشارت إلى «التوصية التي لم تسمع». وأشارت إلى تحذير المرشد الإيراني علي خامنئي في نهاية مايو (آيار) الماضي بشأن «محاولات إقصاء سوريا من المعادلات الإقليمية».

من جانبها، عنونت صحيفة «آكاه» التابعة لمنظمة الدعاية في مكتب المرشد الإيراني، بـ«ثمن عدم خوض الحرب»، وقالت إن «سقوط دمشق تظهر أن الهزيمة نتيجة الامتناع عن المقاومة»، في إشارة ضمنية للانتقادات التي طالت الأسد بسبب موقفه من الحرب الإسرائيلية مع «حزب الله» و«حماس».

ودون الإشارة إلى الدور الإيراني في سوريا، قالت صحيفة «دنياي اقتصاد»، في مقالها الافتتاحي، إن أحداث سوريا «أظهرت مرة أخرى أن القوة السياسية دون دعم شعبي تكون غير مستقرة... رغم أنه يبدو أن كل شيء تحت السيطرة، فإن عدم الاستقرار المحتمل قد يتحوّل فجأة إلى واقع».

وأضافت: «سوريا الآن في واحدة من تلك اللحظات الحرجة التي إذا التزم حكامها الجدد بنظرة وطنية شاملة تركز على التنمية والانفتاح، وأدرجوا اقتصادهم في سلسلة القيمة العالمية، يمكنهم إنقاذ ملايين المواطنين من حياتهم الحالية». وحذرت من أن عدم حدوث ذلك، يضع «الشعب السوري تحت رحمة ديكتاتورية جديدة، وستستمر المعاناة المظلمة لشعب الشام».

وأشارت الصحيفة تحت عنوانها الرئيسي «نهاية شام الأسد» إلى عدة أسباب لسقوط بشار، منها غياب «حزب الله» نتيجة الحرب الأخيرة، وانخفاض المقاتلات الجوية الروسية المنشغلة بالحرب الأوكرانية. ورأت الصحيفة أنهما كانا أساسيين في سيطرة قوات الجيش السوري على حلب قبل سبع سنوات.

وبرز عنوان «سقوط الأسد» على أولى صفحات صحيفة «سازندكي» الناطقة باسم فصيل الرئيس الأسبق علي أكبر هاشمي رفسنجاني، وقال وكيل أمين عام حزب «كاركزاران سازندكي» إن سوريا قد تشهد سيناريو مماثلاً لعراق ما بعد صدام حسين، متوقعاً صعود هيكل سياسي يضم المكونات العرقية والطوائف بما يشمل العلويين وأهل السنة والأكراد، محذراً من أن انهيار هذا النهج «سيزعزع النظام الإقليمي في المنطقة».

طغى الحدث السوري وتأثيره على إيران في غالبية الصحف الصادرة في طهران صباح الاثنين (أ.ف.ب)

وكان لافتاً أن الصحيفة أشارت إلى التوقعات بشأن الموقف العربي والروسي والإسرائيلي حيال سوريا الجديدة، دون التطرق للموقف الإيراني.

وقال المحلل السياسي أحمد زيد آبادي في افتتاحية صحيفة «هم ميهن» الإصلاحية إن «الأسد انتهى لكنها بداية لإيران». ودعا إلى إجابة صريحة وواضحة بشأن «الأخطاء التي وقعت وما أنفقته إيران»، داعياً إلى تشكيل مجموعة عمل تضم خبراء مستقلين للإجابة على هذا السؤال.

وأضاف: «إيران وحيدة تماماً، يبدو أن جميع الأطراف المعنية كانت تعلم ما سيحدث في سوريا باستثناء إيران».

وأشار إلى مقال نشرته وكالة «فارس» التابعة لـ«الحرس الثوري» صباح الأحد. وكتب زيد آبادي: «منبر خبري عسكري حمّل المسؤولية للرئيس بشار الأسد لتبرير الهزيمة»، وكتب: «رئيس الجمهورية السورية لم يُظهر اهتماماً كافياً بتوصيات الجمهورية الإسلامية بشأن الديمقراطية والدفاع الشعبي».

ديون إيران

بدوره، دعا النائب السابق حشمت الله فلاحت بيشه، الذي ترأس لجنة الأمن القومي سابقاً، إلى إقامة قنوات تواصل مع القوى السورية، لافتاً إلى أنه حذر المسؤولين الإيرانيين بعد زيارته إلى دمشق بشأن ضرورة استعادة الأموال الإيرانية خشية سقوط النظام.

وترأس فلاحت بيشه وفداً برلمانياً إيرانياً في يناير (كانون الثاني) 2019، وأجرى حينها مباحثات مع بشار الأسد لتوسيع العلاقات.

وكان فلاحت بيشه قد طالب المسؤولين الإيرانيين باستعادة «عشرات المليارات من الدولارات» من الديون الإيرانية لدى سوريا.

أما صحيفة «إيران» الناطقة باسم الحكومة فقد اقتبست عنوانها من تصريح الرئيس المدعوم من الإصلاحيين مسعود بزشيكان: «إيران تدعم حق الانتخاب للشعب السوري».

رواية إيرانية

نفى مكتب علي لاريجاني، الذي نقل رسالتين من المرشد الإيراني إلى بشار الأسد، رواية محلل سياسي كشف تفاصيل الساعات الأخيرة على انسحاب القوات الإيرانية من ساحة المعركة في سوريا.

وقال المحلل مصطفى خوش جشم، في تصريح للقناة الرسمية الثانية، إن لاريجاني التقى بشار الأسد، الجمعة، وسأله عن أسباب عدم التقديم بطلب لإرسال قوات إيرانية إلى سوريا.

وفي المقابلة التي أعادت بثها وكالة «مهر» الحكومية، صرح خوش جشم بأن الأسد قال للاريجاني: «أرسلوا قوات لكنني لا يمكنني إعادة معنويات هذا الجيش». وأوضح المحلل أن «تصريح الأسد كان اعترافاً منه وكرره عدة مرات»، وتابع: «ماذا يعني ذلك، عندما قال بصراحة: تقرر أن يتدخل الجيش ويعمل لمدة يومين حتى تصل القوات الإيرانية ومستشاروها، وهو ما حدث جزئياً»، ولفت إلى أن «جماعات (محور المقاومة) هي التي تسببت في إيقاف زحف المسلحين في حمص لبعض الساعات»، وأضاف في السياق نفسه: «لكن عندما كانت أفضل قواتنا تعمل هناك، الجيش توقف عن العمل، وانضمت له وحدات الدفاع الشعبي السورية، ونحن بقينا وحدنا، حتى لم يقفوا يوماً واحداً لكي نبقى».

لافتة للجنرال الإيراني قاسم سليماني في مدخل السفارة الإيرانية في دمشق (أ.ب)

أكبر المتضررين

وقال المحلل نوذر شفيعي لوكالة «إيلنا» الإصلاحية إن إيران «الأكبر تضرراً في سوريا»، قائلاً: «لا دولة تكبدت تكلفة أكبر منا في سوريا». وأوضح أن المبرر بأن «التيار الحاكم في سوريا لن يؤذي الشيعة لا يُبرر الخسارة»، مطالباً بمراجعة سياسة إيران تجاه سوريا ومحاسبة المسؤولين عنها.

وأشار إلى أن «الحكومة السورية الجديدة قد لا تكون داعمةً لإيران، وإذا اكتفت بعلاقات عادية وصداقة معها سيكون ذلك إنجازاً». وقال إن تطورات سوريا يجب أن تكون «درساً تاريخياً عميقاً» لإيران، محذراً من أن بعض المسؤولين يتعاملون مع ذلك بـ«سطحية».

وأضاف أن «الوضع يحتاج إلى تحول عميق في السياسة الخارجية الإيرانية لتجنب المزيد من المشكلات».

كما تحدث عن احتمال نشوء نظام إقليمي جديد بعد التطورات في سوريا، لافتاً إلى أن الولايات المتحدة وإسرائيل «ستكونان المستفيدتين الرئيسيتين». وتوقع تراجع دور «حزب الله».

ورأى شفيعي أنه إذا اختارت إيران الأمن المستند إلى السلام بدلاً من القوة، ستكون قادرة على الحفاظ على مصالحها الوطنية وتعزيزها. ولكن إذا استمرت في رؤية النظام الإقليمي من منطلق القوة ودعمه، فإن هذا سيزيد من تكاليفها.


مقالات ذات صلة

مساعٍ للتهدئة بين دمشق والأكراد عقب تصعيد عسكري

المشرق العربي مركبات عسكرية أميركية تابعة للتحالف الدولي في دير حافر بحلب (أ.ب) play-circle

مساعٍ للتهدئة بين دمشق والأكراد عقب تصعيد عسكري

تدخّل التحالف الدولي بقيادة واشنطن، الجمعة، لاحتواء التصعيد بين القوات الكردية ودمشق، العازمة على إخراجها من مناطق واقعة شرق مدينة حلب بشمال البلاد.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي سكان يعبرون جسراً متضرراً لدى فرارهم من منطقة تسيطر عليها قوات «قسد» شرق مدينة حلب  (أ.ف.ب)

سكان يغادرون مناطق سيطرة الأكراد في ريف حلب بعد مهلة جديدة من الجيش السوري

يواصل السكان الجمعة مغادرة مناطق تسيطر عليها القوات الكردية في ريف حلب الشرقي في شمال سوريا، بعدما أعطى الجيش مهلة جديدة لهم، مع إرساله تعزيزات إلى المنطقة.

«الشرق الأوسط» (حلب)
المشرق العربي السفير الأميركي لدى تركيا والمبعوث الخاص إلى سوريا توماس برَّاك خلال مقابلة مع وكالة «رويترز» في بيروت 22 يوليو الماضي (رويترز)

برَّاك: أميركا على اتصال وثيق مع جميع الأطراف في سوريا

قال المبعوث الأميركي إلى سوريا، توم برَّاك، الجمعة، إن الولايات المتحدة لا تزال على اتصال وثيق مع جميع الأطراف في البلاد.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي نازحون سوريون يسيرون لعبور معبر نهري بالقرب من قرية جريرة الإمام في ريف حلب الشرقي بالقرب من خط المواجهة بين القوات الحكومية و«قوات سوريا الديمقراطية» التي يقودها الأكراد في دير حافر 15 يناير 2026 (أ.ب)

الجيش السوري يعلن تمديد مدة الممر الإنساني بشرق حلب يوماً آخر تسهيلاً لعبور المدنيين

أعلن الجيش السوري، الخميس، تمديد مدة الممر الإنساني قرب بلدة دير حافر بشرق حلب يوماً آخر لتسهيل عبور المدنيين، لينتهي غداً الجمعة، الساعة الخامسة مساء.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
شؤون إقليمية نازحون سوريون بجوار معبر إنساني أعلنه الجيش السوري في قرية حميمة بريف حلب الشرقي قرب خط المواجهة مع «قسد» (أ.ب)

أنقرة تأمل حلاً سلمياً لمشكلة «قسد»... وتدعم دمشق إذا اختارت القوة

أكدت تركيا أنها ستدعم الحكومة السورية حال اختارت استخدام القوة ضد «قسد»، معربة عن أملها في أن تُبدي الأخيرة حسن نية وأن تتجه إلى الحوار.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

كيف تقرأ باريس الأزمة الإيرانية والسيناريوهات المحتملة؟

مظاهرة في روما الجمعة تأييداً لرضا بهلوي ابن شاه إيران الساعي للعب دور في الحراك الحالي والرغبة في العودة إلى طهران (رويترز)
مظاهرة في روما الجمعة تأييداً لرضا بهلوي ابن شاه إيران الساعي للعب دور في الحراك الحالي والرغبة في العودة إلى طهران (رويترز)
TT

كيف تقرأ باريس الأزمة الإيرانية والسيناريوهات المحتملة؟

مظاهرة في روما الجمعة تأييداً لرضا بهلوي ابن شاه إيران الساعي للعب دور في الحراك الحالي والرغبة في العودة إلى طهران (رويترز)
مظاهرة في روما الجمعة تأييداً لرضا بهلوي ابن شاه إيران الساعي للعب دور في الحراك الحالي والرغبة في العودة إلى طهران (رويترز)

رغم تراجع الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن خططه لتوجيه ضربة عسكرية ضد إيران، ترى باريس أن جميع السيناريوهات لا تزال مفتوحة، بما في ذلك احتمال أن يعمد ترمب إلى تغيير موقفه مجدداً.

وتقارن القراءة الفرنسية بين إحجام ترمب الحالي من جهة، وما حصل مع الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما من جهة ثانية، عندما تراجع عام 2013 عن توجيه ضربات عسكرية للنظام السوري عقب استخدام الأسلحة الكيماوية في الغوطة الشرقية.

وتتوقف المقاربة الفرنسية عند مجموعة أسباب تفسر تراجع ترمب، الذي تصفه بأنه «مؤقت». في مقدم هذه الأسباب الضغوط الخليجية، ومطالبة بعض العواصم بإعطاء إيران «فرصة ثانية» لتغيير مسارها.

وتضيف باريس أن التخوف من تداعيات أي تدخل عسكري أميركي، سواء على المستوى الإقليمي أو داخل إيران، شكل عاملاً حاسماً، لا سيما ما قد يفضي إليه ذلك من فوضى داخلية أو نزاعات واسعة، وربما حتى حرب أهلية.

تضاف إلى ما سبق أسباب داخلية؛ أولها أن ضربة عسكرية سريعة على غرار ما قامت به القوات الأميركية في فنزويلا مؤخراً لن تفلح في إسقاط النظام، وبالتالي كان سيترتب على ترمب الدخول في مواجهة قد تكون طويلة الأمد، وهو ما لا يريده بأي شكل. وبحسب باريس، فإن ترمب لا يحب الحروب الطويلة والمكلفة.

وترهن باريس مستقبل الوضع في إيران بالقرار الذي سيرسو عليه موقف سيد البيت الأبيض. وبما أن هذا العامل حاسم، فإن المقاربة الفرنسية تضع سيناريوهين رئيسيين لمسار المرحلة المقبلة.

السيناريو الأول يقوم على أن يثبت ترمب عند موقفه الراهن، وأن يحصل في المقابل على «ثمن» من السلطات الإيرانية، سواء في ملف القمع أو المحاكمات القضائية، أو في الملفات التقليدية المرتبطة بالبرنامج النووي والصاروخي والسياسة الإقليمية.

غير أن باريس تنقل عن تقديرات ترى أن الوعود التي قد تكون طهران قدمتها ليست سوى محاولة لكسب الوقت وإخماد الحركة الاحتجاجية، التي تلاحظ فرنسا أنها تراجعت بشكل كبير تحت ضغط القبضة الأمنية.

أما السيناريو الثاني فيقوم على تراجع ترمب عن الإحجام الحالي؛ إذ إنه معروف بتبدل مواقفه وخططه، وقد يقدم على إصدار أمر بمهاجمة إيران، خصوصاً مع شروعه في تعزيز القدرات الهجومية لقواته في المنطقة.

وفي حال حصول ذلك، ترى باريس أن الأهداف الأميركية ستكون متنوعة، وتتراوح بين ضرب المراكز الأمنية، وعلى رأسها «الحرس الثوري»، والمؤسسات القضائية، وصولاً إلى شن هجمات سيبرانية، بما يشمل استهداف المنشآت النووية والصاروخية، لاستكمال تدمير ما لم يُدمَّر خلال هجمات يونيو (حزيران) الماضي.

كذلك ترى باريس أن الإدارة الأميركية قد تسعى، في سيناريو متقدم، إلى استهداف القيادة السياسية الإيرانية مباشرة، بهدف «قطع رأس النظام». وهنا يبرز السؤال الأساسي حول طبيعة الرد الإيراني المحتمل. وتتوقف باريس عند هذا السؤال تحديداً: هل سيكون الرد الإيراني «مخففاً» كما حصل في صيف العام الماضي، أم أن طهران ستذهب هذه المرة في اتجاه مختلف وأكثر تصعيداً؟

عودة الحركة الجمعة إلى أسواق طهران بعد أن نجحت السلطات في قمع الاحتجاجات (رويترز)

سواء حصلت الضربة الأميركية أم لم تحصل، ترى باريس أن النظام الإيراني سيخرج من هذا الاختبار، الذي تصفه بالأخطر منذ قيام الجمهورية الإسلامية، ضعيفاً في الداخل، ومعزولاً في الخارج. ورغم نجاحه في الحفاظ على وحدته وقمع الاحتجاجات، تتوقع باريس أن يدفعه ذلك إلى مزيد من التشدد، لكنها لا ترى، في الظروف الراهنة، سقوطاً وشيكاً للنظام أو وجود بديل واضح له.

في المقابل، لا تستبعد فرنسا أن تدرك السلطات الإيرانية ضرورة تغيير نهجها الداخلي والانفتاح على الخارج، عبر العودة إلى طاولة المفاوضات مع الأميركيين والأوروبيين والتجاوب مع مطالبهم المطروحة منذ سنوات. وتقارن باريس هذا السيناريو بما حصل في فنزويلا، حيث «طار رأس النظام»، في إشارة إلى الرئيس نيكولاس مادورو، من دون أن يسقط النظام نفسه، بل قبل بتغيير في السياسات المعتمدة.

أما السيناريو الثالث فعنوانه تغيير النظام، وهو، وفق القراءة الفرنسية، الأقل احتمالاً وغير المطروح حالياً، سواء عبر الحراك الداخلي أو بفعل الضربات الأميركية المباشرة. وتميل باريس إلى اعتبار أن هذا السيناريو قد يفضي إلى حرب أهلية، وربما إلى تشظي إيران، نظراً إلى أن المعارضة غير منظمة في أطر واضحة، ولا تملك قيادات تحظى بدعم كافٍ.

رجال أمن عراقيون يحرسون الجمعة السفارة الإيرانية في بغداد (د.ب.أ)

وتشير باريس إلى أن ذلك يشمل أيضاً رضا بهلوي، نجل الشاه، الذي ترى أنه لعب دوراً غير متوقع في الحراك الأخير، لكنه لا يمثل، في نظرها، بديلاً متماسكاً أو جامعاً. وفي جميع الأحوال، تفضل باريس أن يأتي التغيير من داخل إيران، معتبرة أن التجارب التاريخية أظهرت أن التغيير المفروض من الخارج لم ينجح أبداً، والأمثلة على ذلك كثيرة.

وبناءً عليه، ترى فرنسا أن علامات الاستفهام تبقى كبيرة حول صورة «اليوم التالي» في إيران، الذي لا يعرف أحد حتى الآن الشكل الذي قد يستقر عليه.

وتخلص القراءة الفرنسية إلى أن الوصف الأدق للنظام الإيراني اليوم هو أنه بالغ الهشاشة، وأنه لم يعد يملك ترف الاستمرار في نهجه الحالي، رغم نجاحه في إجهاض الحراك الأخير بالقمع.

وبحسب باريس، فإن الخيارين المطروحين أمام النظام؛ إما تغيير عميق وجوهري، وإما أن يصبح، في مرحلة لاحقة، عرضة للسقوط، ولو بعد حين.

وتقارن فرنسا وضع إيران الراهن بحالة الاتحاد السوفياتي بعد انسحاب قواته من أفغانستان مطلع عام 1989، قبل انهياره الكامل في نهاية عام 1991. وترى أن استمرار السلطات الإيرانية على النهج الحالي غير ممكن وغير قابل للحياة؛ لأنها وصلت إلى طريق مسدود، ما يجعل إطلاق مبادرات داخلية ضرورة لا خياراً.

وفي هذا السياق، تلفت باريس إلى السرعة التي تحولت خلالها الاحتجاجات من مطالب اقتصادية واجتماعية إلى مطالب سياسية صريحة، بلغت حد الدعوة إلى إسقاط المرشد الأعلى علي خامنئي. أما محاور السياسة الفرنسية حيال الأزمة الإيرانية، فتقوم على أربعة عناصر: أولها دعم الحريات والحقوق الأساسية للإيرانيين، والضغط لوقف القمع.

وثانيها التمسك بضرورة أن يأتي التغيير من الداخل، مع الإعراب عن القلق من أي تدخلات خارجية قد تهدد استقرار المنطقة.

أما المحور الثالث فيتمثل في حماية المصالح الفرنسية والدفاع عنها، فيما يتمحور الرابع حول التشديد على التضامن مع دول المنطقة الصديقة لفرنسا، ولا سيما تلك المرتبطة معها باتفاقيات دفاعية.

ولا تريد باريس أن تكون بعيدة عن التطورات الجارية في الخليج، وهي مصرة على أن تكون جزءاً فاعلاً منها، دفاعاً عن مصالحها، واستباقاً لاحتمال العودة إلى طاولة المفاوضات مع إيران. ولهذا الغرض، تنشط الدبلوماسية الفرنسية على مختلف المستويات، سواء فيما يتعلق بالملفات النووية والباليستية وسياسة طهران الإقليمية، أو التطورات الداخلية المتسارعة داخل إيران.


هدوء حذر في إيران وسط أجواء أمنية «فائقة»

إيرانيون يسيرون بجانب لافتة مكتوب عليها باللغة الفارسية «هذا ليس احتجاجاً» في أحد شوارع طهران (إ.ب.أ)
إيرانيون يسيرون بجانب لافتة مكتوب عليها باللغة الفارسية «هذا ليس احتجاجاً» في أحد شوارع طهران (إ.ب.أ)
TT

هدوء حذر في إيران وسط أجواء أمنية «فائقة»

إيرانيون يسيرون بجانب لافتة مكتوب عليها باللغة الفارسية «هذا ليس احتجاجاً» في أحد شوارع طهران (إ.ب.أ)
إيرانيون يسيرون بجانب لافتة مكتوب عليها باللغة الفارسية «هذا ليس احتجاجاً» في أحد شوارع طهران (إ.ب.أ)

تواجه إيران تشديداً أمنياً واسعاً، بعد حملة اعتقالات وانتشار مكثف للقوات في طهران ومدن أخرى، في وقتٍ قال فيه سكان وجماعة حقوقية إن الاحتجاجات تراجعت، إلى حد كبير، بفعل القبضة الأمنية.

ووفق روايات متقاطعة لسكان في العاصمة، يسود هدوء حذِر منذ الأحد الماضي، بينما تُحلق طائرات مُسيّرة فوق المدينة وتنتشر الدوريات في مفترقات الطرق والميادين الرئيسية، وسط صعوبة تدفق المعلومات بسبب انقطاع الإنترنت وتقييد الاتصالات.

وأشارت مقاطع متداولة إلى أوضاع «أمنية فائقة» في مدن؛ بينها مشهد، حيث تشاهد قوات أمن بملابس داكنة ومركبات خاصة في الشوارع، بالتوازي مع استمرار الانقطاع الكامل للإنترنت الذي بدأ قبل ثمانية أيام.

ورغم هذا الهدوء العام، تُظهر مقاطع فيديو أن عدداً من سكان زاهدان خرجوا، الجمعة، في مَسيرة بشوارع المدينة، عقب صلاة الجمعة، على الرغم من تقارير تحدثت عن أجواء أمنية مشددة وإجراءات مكثفة، بالتزامن مع إقامة الصلاة. وقالت مصادر حقوقية مستقلة، مِن بينها «حملة نشطاء البلوش»، إن زاهدان شهدت انتشاراً أمنياً كثيفاً.

إحراق مركز شرطة خلال احتجاجات في طهران 10 يناير (د.ب.أ)

واندلعت الاحتجاجات، في 28 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، على وقْع ارتفاع التضخم وتدهور الأوضاع الاقتصادية بإيران التي يرزح اقتصادها تحت وطأة العقوبات، قبل أن تتصاعد الاحتجاجات وتتحول إلى أحد أكبر التحديات للمؤسسة الحاكمة منذ 1979.

وبينما يقول سكان إن الشوارع بدت هادئة، طلب كثيرون عدم نشر أسمائهم، لأسباب تتعلق بسلامتهم. وقال ساكن في مدينة شمالية على بحر قزوين إن المشهد هناك هادئ أيضاً، مع حضور أمني يطغى على الحركة اليومية. وقالت سيدة مُسنة في بلدة بشمال غربي البلاد كانت إحدى ساحات الاشتباكات خلال الأيام الأولى، إن احتجاجات متفرقة لا تزال تحدث، لكنها أقل حدة. وأضافت أنها لم تشاهد مثل هذه المشاهد من قبل، في وصفٍ لتصاعد العنف سابقاً.

إيرانيات يعبرن شارعاً في ميدان بساحة انقلاب وسط طهران (أ.ب)

وقالت وزارة التربية والتعليم الإيرانية إن يوم السبت سيحدد ما إذا كانت مدارس طهران ستعود إلى الدوام الحضوري، أو ستستمر بنظام التعليم عن بُعد، كما حدث في الأسبوع الماضي، في مؤشر على اضطراب الحياة العامة.

وعلى المستوى الميداني، قالت امرأة من طهران، لـ«رويترز»، عبر الهاتف، إن ابنتها قُتلت، الجمعة، بعد مشاركتها في مظاهرة قُرب منزلهما. وأضافت أنها كانت في الخامسة عشرة، ولا تصفها بأنها «إرهابية» أو «مثيرة للشغب». وأوضحت المرأة أن ابنتها لُوحقت من قوات «الباسيج»، أثناء محاولتها العودة إلى المنزل.

وأفادت منظمة «هنجاو» الحقوقية الكردية الإيرانية، ومقرُّها النرويج، بأن تجمعات احتجاجية لم تُسجّل منذ يوم الأحد، مضيفة أن «الظروف الأمنية لا تزال مشددة للغاية»، وأن الانتشار العسكري والأمني كثيف في مناطق عدة.

وأضافت «هنجاو» أن مصادرها المستقلة تؤكد وجود تمركز أمني وعسكري كبير في المدن والبلدات التي شهدت احتجاجات سابقة، وكذلك في مواقعَ لم تشهد مظاهرات كبيرة، في صياغة تعكس اتساع نطاق الإجراءات الاحترازية.

وفي أصفهان، قالت وكالة «تسنيم»، التابعة لـ«الحرس الثوري»، إن «مثيري الشغب» أضرموا النار بمكتب تعليمي محلي في قضاء فلاورجان.

وأظهرت مقاطع فيديو جديدة من الأسبوع الماضي احتجاجات في منطقة بيروزي شرق طهران، حيث يُسمع إطلاق نار متواصل. ويقول صوت في الفيديو، موجهاً كلامه للناس: «إنهم يطلقون النار علينا، لقد قُتل أحدنا».

الرواية الرسمية

وفي محاولةٍ لتثبيت رواية الأجهزة، نقلت قناة «برس تي في»، المملوكة للدولة، عن قائد الشرطة الإيرانية قوله إن الهدوء عاد في أنحاء البلاد، كما بثّ التلفزيون الرسمي صوراً لحركة السير في مفترقات رئيسية بطهران.

وبالتوازي مع الرواية الأمنية، تناول تقرير للتلفزيون الرسمي الصور الصادمة التي انتشرت من مركز للطب الشرعي في جنوب طهران، وذلك في سياق اعتبارها دليلاً على ما وصفته السلطات بـ«الطابع المنظم والعنيف» للأحداث، مع إصرار على وجود عناصر مسلَّحة و«هجمات إرهابية».

وانتشرت، على مدى الأيام الأخيرة، مقاطع فيديو تصور حالة هلع داخل مركز للطب الشرعي في طهران؛ حيث عشرات الجثث ملقاة على الأرض وعلى نقالات، معظمها داخل أكياس، وبعضها مكشوف.

وروى خبير أمني، في تقريرٍ بثه التلفزيون، أن مَرافق الطب الشرعي فوجئت بعدد الجثامين الذي فاقَ القدرة الاستيعابية، ما أدى إلى تكدسها داخل القاعات. وقدمت الرواية ذلك بوصفه مؤشراً على «موجة قتل غير عفوية».

خبير أمني يتحدث للتلفزيون الرسمي حول أحداث العنف في الاحتجاجات الجمعة

وقال الخبير إن فحوصاً جنائية أظهرت استخدام أسلحة وذخائر «غير متداولة في إيران»، إلى جانب بنادق صيد وأسلحة بيضاء متعددة. وأشار إلى سكاكين وأدوات حادة وإصابات قال إنها ناجمة عن طلقات «تجهيزية».

وتحدّث الخبير عن رصد ضربات متكررة نفّذها أكثر من مُهاجم، وعن حالات قتل وصفها بأنها «قاسية»، بينها كسر في العنق. وعَدَّ أن طبيعة الإصابات تدل على «هجمات إرهابية منظمة»، لا على اشتباكات عفوية، وفق ما أوردت وكالة «تسنيم»، التابعة لـ«الحرس الثوري».

وبثَّ التلفزيون، في السياق نفسه، مَشاهد قال إنها تُوثق توقيف مشتبَه بهم مسلَّحين ضِمن عمليات أمنية مرتبطة بالأحداث الأخيرة، كما عرضت وسائل إعلام رسمية مقاطع لما وصفته بحملات ملاحَقة وعمليات ضبط أسلحة.

بدورها، نشرت وكالة «تسنيم» مقاطع قالت إنها من مواجهات بين قوات الأمن و«مثيري الشغب». وفي أحد المقاطع تحدثت عن «لحظة مُباغتة وتوقيف مسلّحين» على يد قوى الشرطة.

وأضافت «تسنيم» أن «مثيري الشغب» كسروا باب موقف سيارات عام ودمروا جميع المركبات داخله. يأتي هذا الخطاب في إطار سردية رسمية تُحمِّل خصوم الدولة مسؤولية التخريب، وتصف ما جرى بأنه أعمالٌ منظمة.

حملة اعتقالات

على صعيد الأرقام، لم تشهد حصيلة القتلى التي أوردتها «هرانا» تغيراً يُذكر منذ الأربعاء، إذ بلغت 2677 شخصاً، بينهم 2478 متظاهراً و163 شخصاً جرى تحديدهم بأنهم تابعون للحكومة، وفق الوكالة الحقوقية.

وقال مسؤول إيراني، لـ«رويترز»، هذا الأسبوع، إن نحو ألفيْ شخص قُتلوا في الاضطرابات، في رقم أدنى من حصيلة «هرانا» التي تعتمد على شبكة من المصادر في الداخل. تأتي هذه الأرقام المتباينة في ظل غياب بيانات رسمية شاملة عن الحصيلة.

وأفادت «هرانا» باعتقال أكثر من 19 ألف شخص، بينما ذكرت «تسنيم» أن عدد المعتقلين ثلاثة آلاف. وقالت «تسنيم» إن عدداً كبيراً من قادة «أعمال الشغب» اعتُقلوا في كرمانشاه غرب البلاد. وأضافت أن خمسة متهمين اعتُقلوا بتخريب محطة وقود وقاعدة تابعة لـ«الباسيج» في مدينة كرمان، بجنوب شرقي البلاد.

وفي مشهدٍ يواكب خطاب الردع، بث التلفزيون الرسمي جنازات أفراد من قوات الأمن في سمنان شمال إيران، وسميرم وسط البلاد، في تغطية تُظهر اهتمام الدولة بإبراز خسائر صفوفها وربطها بسردية «الدفاع عن الأمن».

«انتظار انتقام شديد»

في هذا السياق، قال عبد الرحيم موسوي، رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة، إن «شبابنا لو أرادوا مواجهة مثيري الاضطرابات بقوة السلاح لحسموا الأمر وجمعوهم جميعاً خلال ساعتين»، في تهديد مباشر.

وأضاف موسوي أن «مثيري الاضطرابات استخدموا الدروع البشرية»، بينما «دافع شبابنا عن هذا البلد وشعبه بأرواحهم فقط». جاءت تصريحاته في إطار رد رسمي يبرر استخدام القوة ويؤكد جاهزية التصعيد.

من جانبه، دعا أحمد خاتمي، إمام جمعة طهران، إلى فرض عقوبة الإعدام على المحتجّين المعتقلين، وإلى اعتقال كل مَن دعم الاحتجاجات «بأي شكل». ووصف المحتجّين بأنهم «خدم نتنياهو» و«جنود ترمب».

خطيب جمعة طهران أحمد خاتمي (أرشيفية-أ.ب)

وقال خاتمي، في خطبته، إن على نتنياهو وترمب «انتظار انتقام شديد»، وإن الأميركيين و«الصهاينة» ينبغي ألا يتوقعوا سلاماً. وقدَّم أرقاماً عن أضرارٍ قال إنها طالت 350 مسجداً و126 مُصلى و20 موقعاً مقدساً.

وأضاف أن 80 منزلاً لأئمة الجمعة تعرضت لأضرار، في إحصاءاتٍ تُستخدم لتأكيد حجم الخسائر المادية، وربط الاحتجاجات بتخريب واسع. تأتي هذه الخطبة في سياق ضغط سياسي على القضاء لتشديد العقوبات.

جاءت التطورات الداخلية في وقتٍ تراجعت فيه المخاوف من هجوم أميركي منذ الأربعاء، عندما قال الرئيس دونالد ترمب إنه تلقَّى معلومات تفيد بأن عمليات القتل تراجعت. لكن البيت الأبيض قال إن تحذيرات «عواقب وخيمة» لا تزال قائمة.

وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولاين ليفيت، إن ترمب وفريقه حذروا طهران من عواقب إذا استمرت عمليات القتل. وأضافت أن ترمب على علم بوقف تنفيذ 800 عملية إعدام، مع إبقاء «كل الخيارات» مطروحة.

وفي سياق التوتر نفسه، توقَّع مسؤول أميركي، طلب عدم نشر اسمه، أن يرسل الجيش الأميركي قدرات دفاعية وهجومية إضافية إلى المنطقة، دون اتضاح طبيعة تلك القوات أو توقيت وصولها. وأحجمت «المركزية الأميركية» عن التعليق.

كما قال مصدر مطلع إن دافيد برنياع، رئيس جهاز المخابرات الإسرائيلي «الموساد»، يزور الولايات المتحدة لإجراء محادثات حول إيران، وإنه من المتوقع أن يلتقي المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف، دون تعليق فوري من مكتب نتنياهو.

في مقابل ذلك، قال الكرملين إن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بحث الوضع في إيران، خلال اتصالين منفصلين مع نتنياهو والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، وأبدى استعداد موسكو للوساطة في المنطقة وتهدئة التصعيد.

وذكرت وسائل إعلام إيرانية رسمية أن بزشكيان أبلغ بوتين بأن الولايات المتحدة وإسرائيل لعبتا دوراً مباشراً في الاضطرابات.

«خواص النظام»

داخلياً، دعا مكتب المرشد علي خامنئي مَن وصفهم بـ«الخواص» إلى التحرك العلني وكسر الصمت، موجّهاً رسالة إلى شخصيات سياسية بارزة من مختلف التيارات، على رأسهم الرؤساء: السابق الإصلاحي محمد خاتمي، وحليفه حسن روحاني، والمتشدد محمود أحمدي نجاد، ورئيس البرلمان الأسبق، علي أكبر ناطق نوري.

أسبوعية «صوت إيران» تطالب المسؤولين السابقين الكبار بالانضمام إلى الناس

وقالت مجلة «صوت إيران»، التابعة للمكتب، إن المسؤولية تقع على النُّخب للرد على «تُرهات الأعداء»، والوقوف مع «الحقائق». وأضافت المجلة أنه «لم يعد هناك مجال للشك أو الصمت»؛ لأن القضية «تتعلق بإيران نفسها»، وعَدَّت أن الأحزاب والتيارات والقيادات الدينية والأكاديميين ورؤساء السلطات السابقين وأصحاب المنابر يواجهون «اختباراً تاريخياً».

وفي ردٍّ سريع، وصف الرئيس الإصلاحي محمد خاتمي الاحتجاجات بأنها «مؤامرة كبرى مخطط لها»، قائلاً إنه لا يشكُّ في دور إسرائيل والولايات المتحدة. وقال إن «دخول العنف العاري» غيّر سريعاً مشهد القبول بحق الاحتجاج.

وأضاف خاتمي أن تصريحات المسؤولين الإسرائيليين ودعم الولايات المتحدة لا تترك مجالاً للشك في «تشكُّل مؤامرة كبرى»، لكنه أشار أيضاً إلى أن الاحتجاجات تعود إلى «سياسات قائمة واختلالات بنيوية»، إلى جانب العقوبات والضغوط الخارجية.

ووصف خاتمي «عدم استخلاص الدروس» من أحداث الماضي بأنه أمر يدعو إلى الأسف، لكنه قال، في الوقت نفسه، إن سلوك حكومة الرئيس مسعود بزشكيان، في الأيام الأولى من الاحتجاجات، كان «مدنياً».

بهلوي يطلب مساعدة دولية

وفي واشنطن، حثّ رضا بهلوي، نجل شاه إيران السابق، المجتمع الدولي إلى تكثيف الضغط السياسي والاقتصادي والعسكري لمساعدة المحتجّين على إسقاط نظام الحكم.

رضا بهلوي نجل آخِر شاه لإيران خلال مؤتمر صحافي بواشنطن (رويترز)

وقال بهلوي، في مؤتمر صحافي، إن «قطاعات كبيرة» من الجيش وقوات الأمن أعلنت ولاءها له «سراً»، وإن الوقت قد حان لانضمام المجتمع الدولي «بشكل كامل». ويعيش بهلوي خارج إيران منذ ما قبل 1979.

وقال بهلوي: «يتخذ الشعب الإيراني إجراءات حاسمة على الأرض. وقد حان الوقت، الآن، للمجتمع ​الدولي للانضمام إليه بشكل كامل»، وفق ما أوردت «رويترز».

وأشار إلى أنه في وضع فريد لضمان انتقال مستقر، رغم أن الرئيس الأميركي عبّر، هذا الأسبوع، عن تشككه في قدرة بهلوي على حشد دعمٍ داخل البلاد. وتبقى المعارضة متشرذمة بين مجموعات متنافسة وفصائل آيديولوجية متناحرة.


اتصالات مصرية - أميركية مكثفة بشأن الملف الإيراني

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الأميركي دونالد ترمب خلال لقاء بشرم الشيخ في أكتوبر الماضي (أ.ف.ب)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الأميركي دونالد ترمب خلال لقاء بشرم الشيخ في أكتوبر الماضي (أ.ف.ب)
TT

اتصالات مصرية - أميركية مكثفة بشأن الملف الإيراني

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الأميركي دونالد ترمب خلال لقاء بشرم الشيخ في أكتوبر الماضي (أ.ف.ب)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الأميركي دونالد ترمب خلال لقاء بشرم الشيخ في أكتوبر الماضي (أ.ف.ب)

تتواصل الاتصالات المصرية - الأميركية المكثفة بشأن الملف الإيراني. وخلال 24 ساعة جرى اتصالان بين وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، والمبعوث الأميركي الخاص للشرق الأوسط ستيف ويتكوف، ضمن التنسيق والتشاور إزاء القضايا الإقليمية محل الاهتمام المشترك.

ويرى خبراء أن «هناك خطورة حقيقية من إقدام الولايات المتحدة على توجيه ضربة لإيران». ويؤكدون أن «مصر والدول العربية تتحرك من أجل تسوية سلمية».

ووفق إفادة لوزارة الخارجية المصرية، الجمعة، بحث الاتصال الهاتفي بين الوزير عبد العاطي والمبعوث الأميركي، مساء الخميس، مستجدات الأوضاع في إيران، حيث تم «التأكيد على ضرورة العمل لخفض التصعيد وحدّة التوتر، وتحقيق التهدئة تفادياً لانزلاق المنطقة إلى عدم الاستقرار والفوضى، وضرورة تهيئة المناخ الملائم لتغليب الحلول الدبلوماسية والتوصل إلى تسويات سياسية تدعم الأمن والاستقرار الإقليمي».

وثمّن ويتكوف خلال الاتصال «الدور المصري المحوري في دعم الأمن والاستقرار الإقليمي، وجهود القاهرة المتواصلة في احتواء الأزمات الإقليمية المختلفة، والدفع نحو حلول سياسية تسهم في تهدئة الأوضاع بالمنطقة».

ومساء الأربعاء تم التأكيد خلال اتصال هاتفي بين عبد العاطي وويتكوف على «أهمية مواصلة التنسيق والتشاور بين جميع الأطراف خلال الفترة المقبلة، بما يسهم في دعم الأمن والاستقرار في غزة والمنطقة».

أستاذ العلاقات الدولية، الدكتور حامد فارس، قال إن «التحركات المصرية بشأن ملف إيران تزامنت مع تحركات عربية من المملكة العربية السعودية، وقطر، وسلطنة عمان، باعتبار أن هناك توافقاً عربياً على ضرورة إيجاد حل نهائي لهذه المعضلة الكبيرة التي تهدد أمن الشرق الأوسط»، وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «هذه التحركات تأتي في إطار خفض التصعيد والعمل على إيجاد تسوية سياسية سلمية ما بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، في ظل ما شاهدناه من تصعيد كبير أخيراً».

ووفق فارس، فإن «هناك خطورة حقيقية من إقدام الولايات المتحدة على توجيه ضربة لإيران؛ لأن هذا سوف يزعزع أمن المنطقة، وسيهدد مصالح الدول الكبرى، وسيدفع في اتجاه توسيع الحرب لتكون (حرباً إقليمية)، على اعتبار أن هناك تهديدات واضحة من قبل إيران بأنه حال إقدام الولايات المتحدة على هذه الخطوة، فسيكون هناك تحركات من طهران باتجاه إسرائيل، واستهداف للمصالح الأميركية في المنطقة والقواعد العسكرية الأميركية». وتابع: «بالتالي تسعى مصر بكل قوة إلى أن تنأى بالمنطقة بعيداً عن هذه التجاذبات السياسية التي تدفع باتجاه توسيع نطاق العمل العسكري بشكل كبير».

السيسي وترمب خلال التوقيع على وثيقة «وقف الحرب» في غزة أثناء قمة بمدينة شرم الشيخ المصرية في أكتوبر الماضي (إ.ب.أ)

ويرى الأمين العام لـ«المجلس المصري للشؤون الخارجية»، السفير علي الحفني، أن «الاتصالات المصرية - الأميركية مهمة ليست فقط للجانبين، بل للسلم والأمن الإقليمي والدولي، وخلال هذه الاتصالات يتم تبادل وجهات نظر كل طرف حول ما يحدث من أزمات»، لافتاً إلى أن «اتصالات القاهرة وواشنطن تأتي في ظل تطورات في إيران، واليمن، وغزة، والسودان، وليبيا، والقرن الأفريقي، ولبنان، وسوريا. ومصر حريصة على أن يسهم الجميع في الجهود الخاصة بالحفاظ على استقرار المنطقة».

وقال الحفني لـ«الشرق الأوسط» إن «مصر تتابع ما يحدث في منطقة الشرق الأوسط والقرن الأفريقي وشمال أفريقيا، وتسعى بشكل متواصل بالتنسيق مع الشركاء الإقليميين والدوليين، خصوصاً الولايات المتحدة، إلى تبادل الرؤى لتفادي أي تصعيد في المنطقة، وإلقاء الضوء على ما يمكن أن يحدث من تداعيات خطيرة ما لم يتم بذل الجهد في سبيل تجنب أي تصعيد».

ملمح آخر أشار إليه أستاذ العلاقات الدولية، وهو «دور مصر خلال الفترة الماضية للوصول إلى تفاهمات بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية بشأن الملف النووي الإيراني»، لكنه أوضح أن «إيران خرجت من الاتفاق ولم تعد ملتزمة، بسبب ما اعتبرته تصعيداً ضدها».

ووقّع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، مع المدير العام لـ«الوكالة الذرية» رافائيل غروسي، اتفاقاً بالقاهرة في سبتمبر (أيلول) الماضي، يقضي بـ«استئناف التعاون بين الجانبين، بما يشمل إعادة إطلاق عمليات التفتيش على المنشآت النووية الإيرانية». لكن في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي أعلن عراقجي انتهاء «اتفاق القاهرة» رسمياً، عقب تبنّي مجلس محافظي «الوكالة الذرية» قراراً يطالب طهران بأن تبلّغ الهيئة التابعة للأمم المتحدة «دون تأخير» بحالة مخزونها من اليورانيوم المخصب، ومواقعها الذرية التي تعرضت للقصف من جانب إسرائيل والولايات المتحدة في يونيو (حزيران) الماضي.

عراقجي وغروسي مع عبد العاطي أثناء لقاء بالقاهرة في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)

العلاقات بين مصر وأميركا كانت محوراً مهماً خلال الاتصال الهاتفي بين عبد العاطي وويتكوف، مساء الخميس، حيث بحثا سبل تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين البلدين في ظل العلاقات المتميزة التي تربط الرئيس عبد الفتاح السيسي ونظيره الأميركي دونالد ترمب، وأشاد الجانبان بـ«ما تمثله العلاقات المصرية – الأميركية من ركيزة أساسية لدعم الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط، والرغبة المشتركة في تعزيز التعاون في مختلف المجالات السياسية والأمنية والاقتصادية، بما يحقق المصالح المشتركة للجانبين، ويدعم الجهود الرامية لتحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة»، بحسب «الخارجية المصرية»، الجمعة.

الأمين العام لـ«المجلس المصري للشؤون الخارجية» أكد أن «العلاقات بين مصر والولايات المتحدة علاقات استراتيجية قائمة على احترام كل طرف للآخر، وتقديره للدور الذي يلعبه على المسرح الإقليمي والدولي»، لافتاً إلى أن «العلاقات مبنية على مصالح مشتركة، وهناك حرص من الجانبين على تعزيزها».