«سيلَما»... روحٌ تائهة في صالات طرابلس المَنسيّة وبين ركامها

فيلم هادي زكّاك يحرّك عقارب الزمن المعلّق والجولة العالمية انطلقت من الجونة

حمل المخرج هادي زكاك كاميرته وذهب يبحث عمّا تبقّى من سينما طرابلس (صوَر زكّاك)
حمل المخرج هادي زكاك كاميرته وذهب يبحث عمّا تبقّى من سينما طرابلس (صوَر زكّاك)
TT

«سيلَما»... روحٌ تائهة في صالات طرابلس المَنسيّة وبين ركامها

حمل المخرج هادي زكاك كاميرته وذهب يبحث عمّا تبقّى من سينما طرابلس (صوَر زكّاك)
حمل المخرج هادي زكاك كاميرته وذهب يبحث عمّا تبقّى من سينما طرابلس (صوَر زكّاك)

اسمُها «سيلَما» وهي بطلة فيلم هادي زكّاك الجديد. ليست «سيلَما» امرأةً جميلة ولا شخصيةً حُبكت لها قصةٌ مثيرة. إنها ببساطة، السينما، كما كان يحلو للطرابلسيين أن يسمّوها.

المخرج اللبناني المخضرم، وهو أحد روّاد الفيلم الوثائقي في العالم العربي، مسكونٌ بالسينما؛ ليس صناعةً فحسب إنّما روحاً. لا يكتفي منها بصوَرِها وأصواتها وحكاياتها، بل تسحره السينما كمكان بقاعاته الدامسة ومقاعده النبيذيّة وجدرانه المخمليّة. تندهُ زكّاك أجيالٌ من البشر الذين عبروا تلك الصالات، تاركين خلفهم تاريخاً لم يأخذ نصيبَه من التأريخ.

«سيلَما» هي التسمية التي يطلقها الطرابلسيون على السينما (صوَر زكّاك)

بعدما أيقنَ المخرج أن صالات بيروت اندثرت إلى الأبد تحت الحجارة الجديدة لمشروع إعادة الإعمار، انتقل إلى طرابلس عام 2014. قصد عاصمة الشمال اللبناني بحثاً عن الوقت الضائع، لكنه وصل متأخراً على ما يخبر «الشرق الأوسط». لم يبقَ سوى واحدة من دُور المدينة التي كانت 42 في ماضٍ مضى، وتلك الناجية الوحيدة تُستخدم اليوم كمسرحٍ وليس كسينما.

يحدث أن تراه في إحدى لقطات الوثائقي، واقفاً مع كاميرته وسط ركامٍ وعشبٍ كثيف. «تلك كانت قاعة سينما وما عادت»، يقول زكّاك. إلا أن الحطام، والغبار الذي استوطن المقاعد، والشاشات التي انطفأت إلى غير رجعة، والحروف التي سقطت من أسماء الصالات بداعي الزمن والإهمال، لم تُثنِه عن استكمال مشروعه الذي استغرق العمل عليه 8 سنوات.

استغرق العمل على وثائقي «سيلَما» 8 سنوات (صوَر زكّاك)

هو عائدٌ للتوّ من مهرجان الجونة السينمائي، حيث جرى العرض الأول لـ«سيلَما». يعتبر أن مصر محطة أساسية خصوصاً أنّ «للسينما المصرية حضوراً وازناً في الفيلم، وقد استوقف المصريين كم أن سينما بلادهم فعلت فعلها في تطوّر المجتمع اللبناني خصوصاً والعربي عموماً، لا سيّما في موضوع صورة المرأة وحقوقها».

تسلك المعالجة التوثيقية التي اعتمدها زكّاك 3 خطوطٍ تاريخية، أوّلها فني يواكب رحلة صعود السينما، من تلك الصامتة، إلى الـ«سينما سكوب» مروراً بالأفلام المتعددة الجنسيات، وليس انتهاءً بالأفلام المستقلّة. يسير هذا الخط بالتوازي مع سيرة المدينة الباحثة أبداً عن هويةٍ لها؛ من الناصريّة إلى المقاومة الفلسطينية، والحرب الأهليّة، ثم الوصاية السوريّة، وصولاً إلى ثورة عام 2019. أما الخط الثالث فمجتمعيّ يوثّق التحوّلات التي مرّت على المجتمع الطرابلسي، وقد شكّلت «السيلَما» مرآةً لتلك التحوّلات، فكانت الصالات المغلقة وأماكن العروض في الهواء الطلق، محطات لقاءٍ بين الناس وأماكن نُسجت العلاقات الاجتماعية والإنسانية فيها.

حب الطرابلسيين للسينما عابرٌ للأزمنة وليست العروض في الهواء الطلق غريبة عن المدينة (صوَر زكّاك)

مع أنّ وجوههم لا تظهر في الوثائقي، إلا أن الناس هم روح العمل ومحرّكه. مكث زكّاك فترة طويلة في المدينة حيث لمس شوقاً لدى أهلها ومثقّفيها للكلام عن ذكرياتهم السينمائية فيها، وهو بنى علاقاتٍ إنسانية صادقة معهم.

يسمع المُشاهد أصواتهم وحكاياتهم وشهاداتهم عن تاريخ السينما في طرابلس، يرافقها ضجيج المدينة وأجزاء صوتيّة من أفلام كلاسيكية. يقول زكّاك إنه أخفى الوجوه عمداً لأنه أراد «أن تكون السينما هي البطلة التي في الواجهة أما المتحدّثون من أهل المدينة والمهنة، فبمثابة الحكواتيين الذين يسردون السيرة».

لم يُظهر المخرج وجوه ضيوف الوثائقي الـ40 فمنح أحاديّة البطولة للسينما (صوَر زكّاك)

يوضح المخرج أن «الصوت يعمل بعكس الصورة، فالأخيرة تخبر الكثير عن الموت، فيما يحمل الصوت الحياة إلى الفيلم». واللافت أنّ زكّاك اعتمد الصورة الفوتوغرافية الثابتة على امتداد الدقائق الـ90 من الوثائقي، على اعتبار أنها تجسيدٌ للزمن المتوقّف في صالات سينما المدينة. وقد تنوّعت الصور ما بين تلك المستقاة من الأرشيف وتلك التي التقطها زكّاك خلال رحلة التصوير الطويلة.

لم يسلب هذا الجمادُ «سيلَما» المعاني التاريخية والثقافية والإنسانية، إذ سلكت السيرة دربَها بسلاسة من دون أن تتحوّل إلى درسٍ في التاريخ؛ وقد شكّل هذا الأمر التحدّي الأكبر بالنسبة إلى زكّاك الذي لم يُرِد أن يرتدي ثوب المؤرّخ، ولا أن يبدوَ كسائحٍ متحسّرٍ يقف على أطلال المدينة وصالاتها السينمائية.

الفيلم مبني على الصور الفوتوغرافية وليس تلك المتحركة كتجسيد للزمن المتوقف (صوَر زكّاك)

نقّب زكّاك عن الجمال والأصالة والنوستالجيا في قلب الركام. اقتحم صالاتٍ عشّش فيها النسيان وجيَف الزواحف. «أوبرا»، «روكسي»، «ريفولي»... وغيرها من الأسماء التي صنعت المجد الثقافيّ، لمدينةٍ ما عاد في وسع أبنائها اليوم أن يشاهدوا فيلماً في قاعة سينما، إذا ما رغبوا في ذلك. «كان عملاً يدوياً شاقاً وشبيهاً بالبحث عن الآثار»، يتذكّر زكّاك المرحلة الأصعب من إنجاز الوثائقي.

طرق كذلك أبواب أشخاصٍ يشكّلون الذاكرة السينمائية للمدينة. فتّش بين ذكرياتهم عن صورٍ ووثائق نادرة، تخبر عن ماضٍ قريب، لكنه يبدو بعيداً جداً الآن لفرط ما لحقَ بسينما طرابلس من أضرار. من دون أن يتحوّل إلى مَرثيّة، يصوّر الفيلم النزول إلى الهاوية بعد سنوات الضوء. فهذه «السيلَما» ذاقت طعم العزّ وكانت القلب النابض للمدينة، قبل أن تتحوّل إلى مرتعٍ لمسلّحي الشوارع، ولاحقاً إلى قاعاتٍ تُنظّم فيها المهرجانات الحزبية، لتكون النهاية بإطفاء الأنوار وإقفال الأبواب أو حتى الهدم.

ملصق الفيلم الوثائقي «سيلَما» لهادي زكّاك

يدرك المخرج أن فيلماً وثائقياً، حتى وإن جال مهرجانات العالم، لن يحيي العظام وهي رميمُ ولن يستبدل صورَ «زعماء» طرابلس بملصقات أفلام وبمواعيد عروض جديدة. لكن في «سيلَما» يفعل زكّاك ما استطاعت عدسته، يغوص في الذكريات محاولاً تحصين ذاكرة المدينة الذهبيّة ضدّ الزوال.

لتلك الغاية، هو لم يكتفِ بالفيلم بل أرفقَه بكتابٍ حمل عنوان «العرض الأخير: سيرة سيلَما طرابلس»، كان قد صدر عام 2021 بموازاة الإعداد للوثائقي. ولأنه ليس من هواة السوداويّة، فهو يفتح نافذةً في ختام حديثه ليذكّر بأنّ السينما ما زالت حيّة في طرابلس، رغم موت أماكنها الأصليّة. فالمدينة على موعدٍ سنويّ مع مهرجانٍ للأفلام يتّسم بطابعٍ شبابيّ عابرٍ للحدود العربية، كما أنها شرّعت أبواباً جديدة لمشاريع ثقافية تضرب مواعيدَ دَوريّة مع العروض السينمائية.


مقالات ذات صلة

بعد شبّاك التذاكر... المنصات الرقمية تمنح الأفلام السعودية «حياة ثانية»

يوميات الشرق فهد المطيري في دور المدير شاهين في فيلم «فخر السويدي» (الشركة المنتجة)

بعد شبّاك التذاكر... المنصات الرقمية تمنح الأفلام السعودية «حياة ثانية»

تمنح صالات السينما الفيلم انطلاقته الأولى، فيما تفتح المنصات الرقمية باباً جديداً لقياس مدى استمراره وانتشاره... وخلال الأيام الماضية، فرضت الأعمال السعودية…

إيمان الخطاف (الدمام)
سينما «الإمبراطورية تضرب مجدداً» (توينتيث سنتشري فوكس)

لماذا لا تزال ثلاثية «حرب النجوم» الأولى هي الأفضل؟

انطلقت عروض فيلم «ستار وورز: الماندالوريان وغروغو» (Star Wars: The Mandalorian and Grogu) في الأسبوع الأخير من الشهر الماضي بنجاح جيد، لكنه ليس مميّزاً.

محمد رُضا (لندن)
سينما شاشة الناقد: خيال علمي وتشويق و«وسترن»

شاشة الناقد: خيال علمي وتشويق و«وسترن»

منذ شراء شركة «ديزني ستوديوز» حقوق صنع سلسلة «ستار وورز» سنة 2017، ارتفعت الرغبة في التواصل مع الجمهور السائد من زاوية الترفيه وحدها.

محمد رُضا (لندن)
يوميات الشرق المخرجة المغربية ليلى المراكشي (إدارة المهرجان)

ليلى المراكشي: عرض «توت الأرض» في «كان» عوضني قسوة السنين

قالت المخرجة المغربية ليلى المراكشي إنها سعيدة بعودتها إلى مهرجان «كان» السينمائي بعد أكثر من عشرين عاماً على مشاركتها الأولى بفيلم «ماروك».

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق بول كيربي (الشرق الأوسط)

مصمم إنتاج «7DOGS»: المنطقة العربية قادرة على تقديم أفلام مبهرة

قال مصمم الإنتاج البريطاني بول كيربي، إن أكثر ما جذبه في فيلم «سفن دوجز» منذ اللحظة الأولى كان الإحساس بالسفر عبر العالم بفيلم مبهر.

أحمد عدلي (القاهرة )

أستراليا تضبط 100 ألف صرصور غريب «غير قانوني»

جانب من الصراصير المضبوطة (أ.ف.ب)
جانب من الصراصير المضبوطة (أ.ف.ب)
TT

أستراليا تضبط 100 ألف صرصور غريب «غير قانوني»

جانب من الصراصير المضبوطة (أ.ف.ب)
جانب من الصراصير المضبوطة (أ.ف.ب)

ضبطت السلطات الأسترالية أكثر من 100 ألف صرصور غريب حي لدى مرب تجاري في ولاية نيوساوث ويلز، فيما وصفه المسؤولون بأنه أكبر عملية ضبط على الإطلاق للافقاريات الغريبة غير القانونية في البلاد.

وقالت وزارة التغير المناخي والطاقة والبيئة والمياه الأسترالية اليوم الجمعة إن الحشرات، التي تقدر قيمتها بنحو 200 ألف دولار أسترالي ( 142 ألف دولار أميركي)، شملت صراصير دوبيا وصراصير مدغشقر ذات الصفير، وهي أنواع لا يمكن استيرادها قانونيا إلى أستراليا. وبموجب القانون الأسترالي، فإن الأنواع غير المعتمدة للاستيراد لا يمكن أيضا الاحتفاظ بها أو تربيتها أو بيعها قانونيا، بغض النظر عن كيفية الحصول عليها.

وتمت عملية الضبط في باثورست، على بعد حوالي 200 كيلومتر غرب سيدني، وحذرت السلطات الشركات المعنية بالحيوانات الأليفة وأصحاب الزواحف من أن حيازة هذه الحشرات أو تربيتها أو الاتجار بها قد يؤدي إلى عقوبات بموجب القانون الاتحادي.

وتفرض أستراليا بعضا من أكثر الضوابط صرامة المتعلقة بالأمن الحيوي في العالم لحماية الحياة البرية الفريدة والصناعات الزراعية من الأنواع الغازية والأمراض.

وقالت الوزارة في بيان: «إننا نأخذ مهمتنا في حماية التنوع البيولوجي الفريد لأستراليا وانتهاكات القانون البيئي الوطني على محمل الجد». وذكرت الوزارة أن الصراصير لم تخضع لتقييمات المخاطر البيئية ويمكن أن تشكل تهديدا للحياة البرية الأصلية والزراعة إذا أطلقت في البيئة.

وتشرف دائرة الصناعات الأولية والتنمية الإقليمية في نيوساوث ويلز على القتل الرحيم والتخلص من هذه الحشرات. وقالت السلطات إنها لاحظت تربية وتجارة غير قانونية للصراصير الغريبة، بما في ذلك الأنواع المستخدمة عادة كغذاء للزواحف، وجرى تشجيع أصحاب الزواحف على التحول إلى البدائل القانونية مثل صراصير الليل وصراصير الخشب.


باحث مستقل يكشف عن أخطاء محتملة في مئات دراسات السرطان

باحث مستقل يكشف عن أخطاء محتملة في مئات دراسات السرطان
TT

باحث مستقل يكشف عن أخطاء محتملة في مئات دراسات السرطان

باحث مستقل يكشف عن أخطاء محتملة في مئات دراسات السرطان

كشف باحث مستقل عن أخطاء محتملة في مئات الدراسات العلمية، بينها أبحاث متعلقة بالسرطان، نتيجة استخدام أجسام مضادة غير مناسبة في التجارب المخبرية، ما يثير تساؤلات بشأن موثوقية بعض النتائج المنشورة في دوريات علمية مرموقة.

ونقلت وسائل إعلام بريطانية أن الباحث شولتو ديفيد راجع 334 دراسة علمية محكّمة تناولت بروتيناً يُعرف باسم «p16-INK4a»، وهو من البروتينات المستخدمة على نطاق واسع في أبحاث السرطان لكونه يعمل مثبطاً للأورام. وأشار ديفيد إلى أن عدداً كبيراً من الباحثين استخدموا أجساماً مضادة كان يُفترض أن تتعرف على هذا البروتين، لكنها في الواقع كانت ترتبط ببروتين آخر مختلف يُدعى «p16-ARC»، ما قد يؤدي إلى استنتاجات غير دقيقة بشأن النتائج.

ووفقاً لمراجعته، فإن نحو 95 في المائة من الدراسات التي فحصها تبدو أنها استخدمت هذه الأجسام المضادة بصورة خاطئة، رغم أن بعضها صدر عن جامعات بارزة، بينها أكسفورد وكامبردج، ونُشر في مجلات علمية متخصصة.

وأوضح ديفيد أن بعض الفرق البحثية أعلنت نجاح تجاربها اعتماداً على مادة لم تكن قادرة أساساً على إنتاج النتائج المعلنة.


تحذيرات متزايدة من ظاهرة «النينيو»... هل تتأثر بها المنطقة العربية؟

المنظمة العالمية للأرصاد الجوية أعلنت أن هناك احتمالاً بنسبة 80 % لتطور ظاهرة «النينيو» الدافئة بين شهري يونيو وأغسطس (أ.ف.ب)
المنظمة العالمية للأرصاد الجوية أعلنت أن هناك احتمالاً بنسبة 80 % لتطور ظاهرة «النينيو» الدافئة بين شهري يونيو وأغسطس (أ.ف.ب)
TT

تحذيرات متزايدة من ظاهرة «النينيو»... هل تتأثر بها المنطقة العربية؟

المنظمة العالمية للأرصاد الجوية أعلنت أن هناك احتمالاً بنسبة 80 % لتطور ظاهرة «النينيو» الدافئة بين شهري يونيو وأغسطس (أ.ف.ب)
المنظمة العالمية للأرصاد الجوية أعلنت أن هناك احتمالاً بنسبة 80 % لتطور ظاهرة «النينيو» الدافئة بين شهري يونيو وأغسطس (أ.ف.ب)

دعت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، في بيان لها، الثلاثاء، دول العالم المختلفة إلى الاستعداد لظاهرة «النينيو». ووفق المنظمة تحدث ظاهرة «النينيو» بسبب ارتفاع غير عادي في درجة حرارة مياه المحيط الهادئ الاستوائي، ومن المتوقع أن تؤثر على أنماط درجات الحرارة العالمية وهطول الأمطار في العالم، وهو ما يزيد من خطر حدوث ظواهر جوية متطرفة.

ويرتبط المحيط والغلاف الجوي ارتباطاً وثيقاً. ولذلك، يولي خبراء الأرصاد الجوية اهتماماً بالغاً بدرجات حرارة المحيط وظروفه للمساعدة في التنبؤ بأنماط الطقس المستقبلية حول العالم. وعادةً ما تتحرك الموجات من المياه الدافئة المرتفعة شرقاً عبر المحيط الهادئ قبل بضعة أشهر من ظهور ظاهرة «النينيو». وقد رُصدت بالفعل عدة موجات منها في بيانات الأقمار الاصطناعية لعام 2026. وتُظهر بيانات مستوى سطح البحر، المُستقاة من قمر اصطناعي أطلقته وكالة «ناسا» وشركاؤها الأوروبيون، وصول موجة من المياه الدافئة، يبلغ عرضها مئات الأميال، إلى المحيط الهادئ قبالة سواحل أميركا الجنوبية، مما يُشير إلى احتمال ظهور «النينيو» في وقت لاحق من العام. ونظراً إلى تمدد المياه مع ارتفاع درجة حرارتها، فإن ارتفاع مستوى سطح البحر في منطقة ما يدل على ارتفاع درجة حرارته.

ووفقاً للرصدات الواردة من منصات مختلفة تستخدمها المنظمة، فإن درجة حرارة سطح البحر وسط شرق المحيط الهادئ الاستوائي -وهي المنطقة المرجعية للرصد والمراقبة- قد اقتربت في أواخر أبريل (نيسان) إلى منتصف مايو (أيار) من مستويات ظاهرة «النينيو».

عوامة تُستخدم لجمع البيانات في خليج بايونير وسط المحيط الأطلسي (أ.ب)

قال الدكتور علي قطب، أستاذ المناخ بجامعة الزقازيق، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن «(النينيو) يبدأ تكونها عقب فصل الربيع مباشرةً، أي في شهري مايو ويونيو (حزيران)، وتستمر لمدة 6 أشهر وأحياناً 9 أشهر، وهي ظاهرة غير منتظمة الحدوث؛ فلا يمكن توقع حدوثها بشكل دقيق، ولكن تأثيرها يكون على المناخ العالمي كله، وبخاصة المناطق المدارية الاستوائية».

ويمكن أن تتسبب ظاهرة «النينيو» في هطول أمطار غزيرة في بعض المناطق ونقص في تساقطها بمناطق أخرى، مما يؤثر على الحياة اليومية والتجارة في جميع أنحاء العالم.

إنذار مناخي عاجل

ويؤكد علماء المناخ أن كل ظاهرة فريدة من نوعها، وأن هناك تبايناً كبيراً بينها من حيث الشدة والنتائج. لكن تنبؤات ظاهرة «النينيو» يمكن أن تساعد الناس حول العالم على الاستعداد للتغيرات المقبلة في الظواهر الجوية المتطرفة، وهي أداة أساسية في عالم يزداد احتراراً.

وتشير المنظمة العالمية للأرصاد الجوية إلى احتمال حدوث ظاهرة «النينيو» بنسبة 80 في المائة خلال الفترة من يونيو إلى أغسطس (آب) 2026. وهناك احتمالات تقترب من 90 في المائة أو تزيد عليها باستمرار هذه الظاهرة حتى نوفمبر (تشرين الثاني) على الأقل. وعلى الرغم من أن درجة من عدم اليقين لا تزال تكتنف الذروة التي ستبلغها قوة ظاهرة «النينيو» وتوقيتها، فإن معظم نماذج التنبؤات تشير إلى أن هذه الظاهرة ستكون معتدلة على الأقل -وربما قوية.

مخاوف متزايدة من ارتفاع درجات الحرارة في نصف الكرة الشمالي خلال الصيف (أ.ب)

يُذكر أن ظاهرة «النينيو» قادرة على إحداث اضطراب جوي هائل. فهي تُغير مسارات التيارات النفاثة وتُقلب أنماط هطول الأمطار، مما يُؤدي إلى عواصف أشد في بعض مناطق العالم، بينما تُسبب الجفاف في مناطق أخرى. كما أنها قادرة على رفع درجات الحرارة المرتفعة بشكل كبير، ولو لفترة وجيزة.

وتُؤدي هذه الدورة المناخية عادةً إلى الجفاف وارتفاع درجات الحرارة في أستراليا، وجنوب ووسط أفريقيا، والهند، وأجزاء من أميركا الجنوبية، بما في ذلك غابات الأمازون المطيرة. في المقابل، قد تشهد المناطق الجنوبية من الولايات المتحدة، وأجزاء من الشرق الأوسط، وجنوب وسط آسيا، هطول أمطار غزيرة.

ومن المعروف أن هذا النمط يؤثر في ظروف المناخ الإقليمية؛ إذ قد يؤدي إلى زيادة هطول الأمطار في جنوب الولايات المتحدة وأميركا الجنوبية وأجزاء من القرن الأفريقي وآسيا الوسطى، في حين يتسبب بجفاف في أستراليا وأميركا الوسطى وإندونيسيا وأجزاء من جنوب آسيا. وقالت المنظمة إنه يمكن أن يسبب ارتفاع درجات الحرارة عالمياً، ويؤجج الأعاصير في وسط المحيط الهادئ وشرقه.

حجم تأثر المنطقة العربية

وعن الأثر المتوقع لهذه الظاهرة على منطقتنا العربية، قال الدكتور مصطفى عصام، مدرس في قسم الفلك والأرصاد الجوية وعلوم الفضاء في كلية العلوم بجامعة القاهرة المصرية، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «المنطقة العربية لا تتأثر مباشرة بظاهرة (النينيو)، والدراسات المنشورة عالمياً تؤكد عدم وجود تأثير مباشر من (النينيو) في أغلب المنطقة العربية، ولكن قد تتأثر المناطق الاستوائية لحوض المحيط الهندي والمحيط الأطلسي، والتي بدورها يكون لها تأثير على الأجواء في بعض المناطق العربية». وأضاف أنه «إلى الآن لا توجد إشارة واضحة على أجواء خارجة عن المألوف سنوياً في فصل الصيف في منطقتنا بسبب ظاهرة (النينيو)».

شخص يحتمي من أشعة الشمس تحت مظلة أمام متحف اللوفر في باريس (أ.ف.ب)

ويوضح عصام أنه «من الطبيعي أن تهب خلال الصيف موجات حارة على المنطقة العربية بسبب وجود المرتفعات المدارية اللي تغطي أغلب أرجاء المنطقة، وهو ما يتسبب في ارتفاع درجات الحرارة في فصل الصيف».

وقال الدكتور محمد السيد شلتوت، أستاذ علوم البحار الفيزيائية والتغيرات المناخية في كلية العلوم بجامعة الإسكندرية في مصر: «ظاهرة (النينيو) ليست هي الظاهرة المناخية الأكثر تأثيراً على العالم العربي، بينما تعد ظاهرة تذبذب شمال الأطلسي (NAO)، وهي تغير طبيعي في الضغط الجوي يحدث فوق شمال المحيط الأطلسي، وتنتج عن تباين الضغط بين (مرتفع الآزور) شبه الاستوائي و(منخفض آيسلندا) شبه القطبي، الأكثر تأثيراً. ويحدد هذا التباين اتجاه وقوة الرياح الغربية والتيار النفاث، مما يؤثر بشدة في أنماط الطقس والمناخ في المنطقة العربية».

بحيرة جافة في حديقة السلام بمدينة سان خوسيه بعد تأثرها بالجفاف الناتج عن ظاهرة «النينيو» عام 2019 (أ.ف.ب)

وقال شلتوت إن ظاهرة «النينيو» هي ظاهرة احترار حراري للمياه في الجزء الأوسط الشرقي من المحيط الهادئ الاستوائي، مما يؤدي إلى حدوث تغيرات في ظروف الطقس ودرجات الحرارة وتوزيع الأمطار في العالم كله بما في ذلك الوطن العربي، ولكن هذا التأثير يكون أقل وضوحاً في منطقتنا العربية، كما أنها ترتبط دائماً بارتفاع في درجات الحرارة، وهو ما يؤثر على حركة الرياح والعواصف، وهو ما قد يظهر أثره في المياه السطحية في البحرين الأحمر والعربي.

وأوصى شلتوت الأنظمة العربية بتعزيز القدرة على التنبؤ المبكر بظروف الطقس والتغيرات المناخية المتطرفة، ورفع قدرات قطاعات الطاقة والصحة والزراعة والموارد المائية والآثار خصوصاً في هذا الصدد، ناصحاً بضرورة التعاون وتبادل المعلومات مع الشبكات الإقليمية المعنية في مجالات الرصد المناخي المبكر.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended