بيوت دمشق العتيقة لاستعادة بريقها بعد «سنوات عجاف»

عبر استكمال مشروع ترميمها وتحويلها إلى مراكز ثقافية

TT

بيوت دمشق العتيقة لاستعادة بريقها بعد «سنوات عجاف»

استئناف أعمال الترميم بالبيوت الدمشقية الأثرية (الشرق الأوسط)
استئناف أعمال الترميم بالبيوت الدمشقية الأثرية (الشرق الأوسط)

في قلب العاصمة السورية دمشق، التي يطلق عليها في أنحاء البلاد وجوارِها «الشام»، تقبع المنازل الدمشقية العتيقة بتصميماتها الفريدة وزخارفها المنمقة وأشجارها المثمرة، حيث تبوح بأسرار من سكنوها قبل قرون ممن استمتعوا بالنسمات المنعشة وروائح الزهور بالصيف، وأشعة الشمس الدافئة في صحن المنزل في الشتاء.

وتشترك البيوت الدمشقية العتيقة في كثير من الأشياء، في مقدمتها «البحرة»، وهي نافورة مائية تتوسط فناء البيت، والإيوانات التي تطل على الفناء وأشجار النارنج (البرتقال المر) وأشجار الـ«يوسف أفندي»، كما يطلق عليها في سوريا، والياسمين، كما تتكون أغلبها من طابقين، ورغم المساحات الواسعة التي تتمتع بها هذه البيوت من الداخل، فإن جميعها يطل على حارات ضيقة ومتفرعة.

إيوان بأحد البيوت الدمشقية القديمة (الشرق الأوسط)

وقد عبّر المسلسل السوري الشهير «باب الحارة» عن هذه الأجواء التي باتت درباً من النوستالجيا عبر كلمات تتر بدايته «والدنيا بتضحك لما بنضحك، بتزين أفراحنا، وردة وبحرة ونارنجة، أحلى الأسامي، زينة الحارة فرجة للياسمين الشامي»، وقد احتضن بيت «نظام» التاريخي، أحد المنازل التي أتيحت لـ«الشرق الأوسط» فرصة زيارتها، تصوير كثير من مشاهد المسلسل، ولا سيما لقطات «بيت أبو عصام» ضمن العمل.

البيوت تتضمن زخارف ورسومات نادرة (الشرق الأوسط)

وتخضع 3 بيوت أثرية في دمشق القديمة، تعود ملكيتها إلى محافظة دمشق، لترميم بدأ عام 2008، لكنه تَعطّل معظم الوقت بسبب الحرب والحصار. البيوت هي بيت السباعي، وبيت نظام، وبيت القوتلي، وينفذ هذا الترميم «صندوق الآغا خان للثقافة»، الذي قام بتوثيق كل موقع بدقة باستخدام أحدث التقنيات الهندسية والفنية لتوفير مسح تفصيلي للجدران والأسقف والأرضيات، قبل أن يبدأ فريق من الخبراء بأعمال ترميم الأجزاء الأشدّ تضرّراً في هذه المباني الجميلة، التي يحمل كل واحد منها هوية خاصة.

بيت السباعي

يبدو بيت السباعي من الخارج مجرد بيت عادي يتم الدخول إليه من خلال باب ضيق يطل على حارة ضيقة، لكن هذه الصورة تتبدل بمجرد الولوج إليه ورؤية مساحته الكبيرة وطرازه المعماري الفريد.

بيت السباعي يعد نموذجاً مميزاً للبيوت الدمشقية القديمة في القرن الـ18، ويحوي زخارف تمثل هوية دمشق في تلك الفترة، وفق المهندس بشر بري، المشرف على صيانة وترميم هذه البيوت القديمة ضمن مشروع صندوق الآغا خان للثقافة. ويشير المهندس بشر إلى استخدام الحجر الأسود البازلتي والرحيباني والرخام الإيطالي في بناء هذا البيت، بجانب زخارف الأبلق المنحوتة على الحجر بأشكال هندسية أو نباتية.

بيت السباعي لا يعاني الكثير من الأضرار (الشرق الأوسط)

وكحال البيوت الدمشقية القديمة، يتكون البيت من فسحة سماوية، يطلق عليها السوريون «أرض الديار»، وبحرة وإيوان جنوبي وقاعة رئيسية لاستقبال الضيوف، ويسمح ارتفاع سقف الإيوان بمرور تيارات هوائية بالفسحة السماوية مروراً بالبحرة وأشجار النارنج والياسمين والبرتقال، لتعود في النهاية إلى الجالس في الإيوان كنسائم عطرية ترطب الأجواء والنفوس.

ويقابل هذا الإيوان من الناحية الشمالية؛ القاعة الرئيسية التي كانت تخصص لاستقبال الضيوف، وتعدّ هذه القاعة من أندر القاعات الدمشقية العتيقة، لأنها مؤرخة بنصوص واضحة تؤرخ لإتمام القاعة في عام 1187 هجرياً، أو 1773 ميلادياً تقريباً، وفق المهندس السوري بِشر بِري.

المهندس السوري بِشر بِري (الشرق الأوسط)

واكتشف فريق الترميم الذي تم تدريبه من خلال «الآغا خان» في ألمانيا أن ألوان الزخارف الخشبية بالقاعة معتمة قليلاً، لأنها مطلية بطبقة حماية كيماوية غير أصلية، تجري إزالتها ببطء وحذر شديدين. ورغم إنجاز الكثير في بيت السباعي، فإن العمل ما زال مستمراً به، بعد التأكد طوال الوقت من عدم وجود تسرب لمياه الأمطار والرطوبة إلى أسقفه وإلى زخارفه النادرة، خصوصاً بالطابق العلوي الذي توجد فيه قاعة فسيحة مقسمة إلى قسمين، تفصل بينهما بحرة مائية رخامية، فيما تخفي بعض رسومات الجدار الأيمن خزائن داخل الجدار السميك، يتم استخدامها مكتبات للكتب والمصاحف، بينما تقود إحداها إلى شرفة تطل على فسحة البيت الزاخرة بالأشجار المثمرة والمعطرة، في مشهد يسر أعين الناظرين.

وعن كثرة انتشار «البَحرَة» في معظم قاعات وفسحات البيوت الدمشقية القديمة، يقول بشر لـ«الشرق الأوسط»: «هي كانت جزءاً أساسياً لكل بيت نظراً لتوفر المياه العذبة حينذاك على مدار 24 ساعة، وكانت تسهم في تلطيف الأجواء بشكل ملموس جداً».

 

 

بيت القوتلي

رغم أن بيت القوتلي يجاور بيت السباعي، فإنه مختلف عنه تماماً من حيث التصميم والمواد المستخدمة في البناء، وهو يعود إلى عائلة القوتلي أحد أشهر وأعرق العائلات السورية، ويرجح أن يكون قد ولد فيه الرئيس السوري الأسبق شكري القوتلي، الذي تنازل عن حكم سوريا لصالح جمال عبد الناصر، كي تقوم الوحدة بين البلدين عام 1958.

بيت القوتلي يخضع للترميم بنفس المكونات الأصلية (الشرق الأوسط)

ويعد عمْر هذا البيت أحدث نسبياً من بيت السباعي، إذ يعود للنصف الثاني من القرن التاسع عشر، وخصصت عائلة القوتلي هذا البيت للاحتفالات نظراً لامتلاكها العديد من البيوت الأخرى، ويتناسب البيت مع الطراز الباروكي الأوروبي، الذي انتشر في دمشق بشكل سريع جداً في القرن التاسع عشر، لكن مع حفاظه على روح البيوت الشامية حيث الفسحة السماوية والبحرة والإيوان الجنوبي.

وسكنت البيتَ عائلات فلسطينية مهجرة من نكبة عام 1948، ما أدى إلى تأذيه، خصوصاً مع ازدياد عدد الأسر الساكنة في البيت، فاستلمت محافظة دمشق البيت مجدداً.

بيت القوتلي كان مخصصا للحفلات (الشرق الأوسط)

ويعتمد طراز البيت على الأشكال الهندسية المنتظمة والعناصر المتكررة والمتناظرة، وكحال معظم بيوت دمشق القديمة فإن طابقه الأرضي مبني من الحجارة، والثاني من الطوب اللبن والخشب، ويمكن للمارة رؤية أساس الشرفات البارزة، التي تخضع لإعادة البناء، وهي مكونة من الأخشاب.

ويحتاج هذا البيت إلى عمل كبير ليستعيد سيرته الأولى، وعن ذلك يقول بشر: «إننا نستخدم نفس نوعية الخشب المورد من منطقة الغوطة، لكننا نقوم بعمل معالجة جيدة له، ثم نعمر الجدران والأسقف ونضع الزخارف حتى يعود إلى حالته الأصلية».

بيت نظام

ورغم الجماليات التي يتمتع بها البيتان السابقان، فإن كثيرين يعتبرون بيت نظام الأكبر والأجمل، نظراً لاحتوائه على كثير من الزخارف المنمقة والنادرة، بالإضافة إلى تكونه من 3 باحات متشابهة، تم تصوير بعض مشاهد الدراما السورية بها، خصوصاً «باب الحارة».

الباحة التي شهدت تصوير مشاهد «بيت أبو عصام» بمسلسل «باب الحارة» (الشرق الأوسط)

يؤكد بشر أن كثيراً من المواطنين العرب يعبّرون عن سعادتهم البالغة عند رؤية إحدى الباحات التي احتضنت مشاهد بيت «أبو عصام» ضمن أحداث المسلسل الذي شهد أشهر طلاق في أجزاء المسلسل بين «أبو عصام» و«سعاد».

ويتميز هذا البيت بكبر فسحته الداخلية وكثافة اللون الأخضر بها لاحتوائها على النارنج والياسمين والأكاديا والرمان، وهي أشجار صديقة لفناء البيوت، عكس أشجار النخيل والتوت التي تؤذي أساس وأرضيات البيوت، لكن شجعت المساحة الكبيرة للفسحة الرئيسية للبيت أصحابه على زراعة تلك الأشجار، والأرجح أن تجري إزالتها عند بدء الترميم من جديد لحماية البيت.

بيت نظام من أكبر البيوت العتيقة بدمشق (الشرق الأوسط)

وتعد القاعة الرئيسية في بيت نظام من أجمل القاعات الدمشقية وأكثرها ثراء في استخدام الزخارف المنحوتة والبارزة والمنقوشة على الصدف والرخام. واكتشف فريق الترميم أن اللون الأخضر الذي كان يسيطر على زخارف القاعة ليس أصلياً فعملوا خلال الأعوام الماضية على إزالة الطبقات غير الأصلية والعودة للون الذهبي والسماوي والبيج والسكري.

وتتخيل نقوش وزخارف هذه القاعة الفريدة شكل «الجنات التي تجري من تحتها الأنهار»، وفق بشر.

تطوير شامل

وتتجه شبكة الآغا خان للتنمية خلال الفترة المقبلة لاستبدال مشروعات الترميم الفردية بمشروعات التطوير الشاملة على غرار تطوير منطقة الدرب الأحمر بالعاصمة المصرية القاهرة، وفق غطفان عجوب، الممثل المقيم لشبكة الآغا خان للتنمية (AKDN) في سوريا، الذي يضيف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «العمل في ترميم هذه البيوت لم يتوقف طوال السنوات الماضية، إذ كان لدينا برنامج سنوي لترميمها والحفاظ عليها»، متوقعاً أن يتم الانتهاء منها نهاية عام 2026، «وسوف تخصص لاستقبال الأنشطة الثقافية بضوابط محددة».

حارة تضم بيت القوتلي والسباعي بقلب دمشق العتيقة (الشرق الأوسط)

ورغم أنه تم الاتفاق بين الشبكة والمسؤولين السوريين على تخصيص أرض فضاء تتوسط البيوت الثلاثة لإنشاء فندق جديد على مساحة تصل لنحو ألفي متر، فإنه تم تأجيل الفكرة بناءً على توجيهات «الآغا خان» الخامس، الأمير رحيم آغا خان، الذي طالب بدعم سوريا أولاً في هذه المرحلة والابتعاد عن أي مشروعات استثمارية ضمن حزمة المساعدات التي التزم بها خلال مؤتمر المانحين في بروكسل بشهر مارس (آذار) من عام 2025. وفق عجوب.

سقف مزخرف لأحد الإيوانات (الشرق الأوسط)

وكشف عجوب أنه «سوف يتم الاتفاق قريباً على تطوير المنطقة المحيطة بالبيوت الثلاثة، التي تقع جنوب قلعة دمشق»، لافتاً إلى «أن مديرية السياحة والآثار السورية طلبت أن يشمل المشروع محيط باب توما، أحد الأبواب السبعة التي تشتهر بها دمشق». وأكد أن «رفع الحصار الاقتصادي عن سوريا سيسهم في تسريع وتيرة مشروعات الترميم والتطوير».

 

 


مقالات ذات صلة

مصر: معارض أثرية تحتفي بالنيل في يوم التراث العالمي

احتفت مصر بالنيل في اليوم العالمي للتراث (وزارة السياحة والآثار)

مصر: معارض أثرية تحتفي بالنيل في يوم التراث العالمي

اختارت وزارة السياحة والآثار المصرية نهر النيل موضوعاً لاحتفالها هذا العام بيوم التراث العالمي، ونظمت متاحف أثرية سلسلة من المعارض المؤقتة والفعاليات الثقافية.

فتحية الدخاخني (القاهرة )
يوميات الشرق معبد دندرة ضمن قائمة التراث بالعالم الإسلامي (وزارة السياحة والآثار)

مصر: معبد دندرة ومنازل رشيد التاريخية بقائمة التراث في العالم الإسلامي

أدرجت لجنة التراث في العالم الإسلامي معبد دندرة بمحافظة قنا، والمنازل التاريخية بمدينة رشيد، ضمن قائمة التراث.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق مومياء اكتُشفت داخل المقبرة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

مصر: مقبرة رومانية نادرة في المنيا... ألسنة ذهبية وبردية تكشف عن أسرار البهنسا

عثرت البعثة داخل المقبرة على عدد من المومياوات العائدة إلى العصر الروماني، بعضها ملفوف بلفائف مزخرفة بزخارف هندسية...

فتحية الدخاخني (القاهرة)
يوميات الشرق القطع المستردة تعود لعصور مختلفة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

مصر تسترد 13 قطعة أثرية من أميركا تعود لعصور مختلفة

مصر تسترد 13 قطعة أثرية من الولايات المتحدة الأميركية تنتمي إلى عصور تاريخية مختلفة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق السيناريو المتحفي الجديد لقاعة الخبيئة بعد تطويره (وزارة السياحة والآثار المصرية)

عرض خبيئة معبد الأقصر كاملة للمرة الأولى

انتهت وزارة السياحة والآثار المصرية من أعمال تطوير قاعة الخبيئة بمتحف الأقصر، تمهيداً لافتتاحها خلال الفترة القليلة المقبلة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

اكتشافات جديدة في «موقع السرين» تعكس الصلات الحضارية بين السعودية والصين

نتائج جديدة لأعمال التنقيب الأثري لعام 2025 للبعثة السعودية - الصينية في «موقع السرين» الأثري (هيئة التراث)
نتائج جديدة لأعمال التنقيب الأثري لعام 2025 للبعثة السعودية - الصينية في «موقع السرين» الأثري (هيئة التراث)
TT

اكتشافات جديدة في «موقع السرين» تعكس الصلات الحضارية بين السعودية والصين

نتائج جديدة لأعمال التنقيب الأثري لعام 2025 للبعثة السعودية - الصينية في «موقع السرين» الأثري (هيئة التراث)
نتائج جديدة لأعمال التنقيب الأثري لعام 2025 للبعثة السعودية - الصينية في «موقع السرين» الأثري (هيئة التراث)

كشفت أعمال التنقيب في «موقع السرين» الأثري بمحافظة الليث بمنطقة مكة المكرمة، عن أدلة جديدة توثِّق عمق الروابط التجارية والحضارية، التي شهدها واحد من أهم الموانئ التاريخية على ساحل البحر الأحمر، حيث أدى دوراً محورياً في التجارة والحج والملاحة بين اليمن ومكة المكرمة وشرق آسيا وأفريقيا، مُسجِّلاً ذروة ازدهاره الحضاري خلال القرنين الرابع والخامس الهجريَّين.

وأعلنت هيئة التراث، الثلاثاء، نتائج جديدة لأعمال التنقيب الأثري لعام 2025م للبعثة السعودية - الصينية في «موقع السرين» الأثري بمحافظة الليث بمنطقة مكة المكرمة، ضمن جهودها لتوثيق ودراسة المواقع الأثرية الساحلية، وتعزيز فهم المشهد الحضاري للمدن والموانئ التاريخية الإسلامية على ساحل البحر الأحمر.

ومن أبرز المكتشفات المُوثَّقة، جزء من جرة خزفية صينية تعود إلى عصر سونغ الشمالية (960 - 1127م)، تتميَّز بوجود بقايا ختم زخرفي يحمل رموزاً كتابية صينية متضررة وغير مقروءة، وتعدُّ شاهداً أثرياً على الاتصال التجاري بين جنوب الصين وسواحل البحر الأحمر خلال العصر الإسلامي.

شهد الموسم توثيق معثورات أثرية متنوعة شملت الفخار بأنواعه والمباخر الفخارية والأدوات الحجرية (هيئة التراث)

وأظهرت أعمال الموسم الرابع من أعمال التنقيب في «موقع السرين»، عن امتدادات معمارية في عدد من مربعات الحفر ضمن شبكة التنقيب بالموقع، شملت توثيق وحدات سكنية وخدمية وتخزينية، ومواقد فخارية تعكس أنشطة الحياة المعيشية، إلى جانب الكشف عن سور يحيط بالموقع ويمتد في الجهات الجنوبية والشمالية والغربية، بما أتاح قراءة أوضح لتنظيم الموقع وحدوده العمرانية.

وأسفرت أعمال التنقيب ضمن السياق المعماري، عن بقايا مسجد في الجهة الجنوبية الغربية من الموقع، ولا تزال أعمال التنقيب والدراسة مستمرة فيه، مع توقُّع امتداد العمل إلى الموسم المقبل نظراً لأهميته في فهم البنية الدينية والتنظيم الحضري لمدينة السرين.

وشهد الموسم توثيق معثورات أثرية متنوعة شملت الفخار بأنواعه، والمباخر الفخارية، والأدوات الحجرية، وخرز العقيق، والزجاج، إلى جانب مواد عضوية عبارة عن أصداف وعظام حيوانية، بما يعكس تنوع الأنشطة الاقتصادية والمعيشية لسكان الموقع.

وتستمر أعمال التنقيب والدراسة في «موقع السرين» الأثري خلال المواسم المقبلة؛ حسبما أكدت هيئة التراث؛ وذلك بهدف بناء تصور علمي متكامل لتاريخ الاستيطان، والتطور العمراني، وإبراز القيمة الحضارية للموقع بوصفه أحد أهم الموانئ التاريخية على ساحل البحر الأحمر.

التنقيب يأتي ضمن جهود توثيق ودراسة المواقع الأثرية الساحلية وتعزيز فهم المشهد الحضاري للمدن والموانئ (هيئة التراث)

عمق تاريخي لأكثر من ألفَي عام

توجد مدينة السِّرّين في محافظة الليث، الواقعة على بُعد 250 كيلومتراً، جنوب مكة المكرمة، وتحديداً في السهل الفيضي لوادي «حَلية» الشهير، أو ما يُعرَف حالياً بـ«وادي الشاقة الشامية» عند مصب الوادي في البحر، ويقع في جنوبها مصب «وادي عِلْيَب»، أو ما يُعرَف حالياً بـ«وادي الشاقة اليمانية».

وتعود تسمية المدينة الأثرية بهذا الاسم نسبة إلى هذين الواديين، إذ يُعدُّ «حلية» و«عليب» من أشهر وأخصب أودية مكة المكرمة، في حين يُعدُّ ميناء المدينة، الذي تعود نشأته إلى فترة ما قبل الإسلام، جزءاً رئيسياً من تفاصيل المدينة التي كانت أحد المواقع الحيوية والاقتصادية التي نهضت بحركة اقتصادية ونشاط اجتماعي لافت، خلال الفترة من القرن الثالث الهجري حتى القرن الثامن الهجري.

وشهد الموقع نشاطاً حضرياً وتجارياً منذ القرن الثالث الهجري، وأسهم في ربط شبكات التجارة البحرية بين شبه الجزيرة العربية وشرق أفريقيا وموانئ العالم الإسلامي، مستفيداً من موقعه الجغرافي عند مصب وادٍ موسمي وفَّر بيئةً طبيعيةً ملائمةً للاستيطان البشري.

أظهرت أعمال التنقيب عن امتدادات معمارية في عدد من مربعات الحفر ضمن شبكة التنقيب (هيئة التراث)

وفي أكتوبر 2024، وقَّعت هيئة التراث السعودية، في مقرِّ وزارة الثقافة والسياحة الصينية، برنامجاً تنفيذياً مع الهيئة الوطنية للتراث الثقافي الصيني؛ لتجديد الترخيص لأعمال التنقيب في الموقع الأثري، بوصفه واحداً من المواقع التاريخية المهمة في السعودية، والذي يُعتقد أنه يحتوي على آثار تعود لحضارات قديمة استوطنت المنطقة.

وتُعدُّ مدينة السرين إحدى المحطات التاريخية على طريق الحرير البحري، وتحوَّلت من بلدة صغيرة، في نهاية القرن الثالث الهجري، إلى مدينة كبيرة ونشيطة تجارياً، تَعاقب على إمارتها عدد من الأمراء، وارتبط ميناؤها تاريخياً بالرحلات والبضائع المقبلة من الصين ودول آسيا إلى الجزيرة العربية وبلاد ما بين النهرين.

وتضم مدينة السرين ميناءً للسفن، يحتوي آثاراً ونقوشاً تاريخية تعود إلى عصر ما قبل الإسلام، إضافة إلى بقايا آثار استودعتها الحِقب الماضية تبرهن على حجم وقيمة تراثها الغنيّ، ومنها المباني القديمة، وكسر الأحجار الحمراء، والأحجار البحرية، التي كانت تُستخدَم في تشييد المباني، وكسر فخارية وخزفية وزجاجية، وأكوام من الآجُر والحجر، كما تحتفظ شواهد مقبرة المدينة بنقوش مميزة تستحق التعمُّق في دراستها.


«جوهرة الحِداد» تفكّ شفرة لوحة غامضة بعد 400 عام

قلادة تحمل ثقل قرن من الفقدان (معرض مانشستر للفنون)
قلادة تحمل ثقل قرن من الفقدان (معرض مانشستر للفنون)
TT

«جوهرة الحِداد» تفكّ شفرة لوحة غامضة بعد 400 عام

قلادة تحمل ثقل قرن من الفقدان (معرض مانشستر للفنون)
قلادة تحمل ثقل قرن من الفقدان (معرض مانشستر للفنون)

أُعيد اكتشاف «جوهرة حداد» تعود إلى عصر «هامنيت» (نجل شكسبير)، بعد مرور 4 قرون على تخليدها في إحدى أكثر اللوحات العائلية غموضاً وشهرة في بريطانيا خلال القرن السابع عشر.

ووفق «الغارديان»، ظهرت هذه القلادة، المُصمَّمة على شكل قلب، في لوحة «سير توماس أستون عند فراش موت زوجته»؛ وهي رائعة فنّية تجسد الحداد، رُسمت بحجمها الطبيعي عام 1635، وغلب عليها اللونان الأبيض والأسود بريشة جون سوتش، فنان مقاطعة تشيشاير، وتُعرض حالياً في معرض مانشستر للفنون.

كانت ماغدالين، زوجة أستون المحبوبة، قد فارقت الحياة خلال الولادة قبل أشهر من رسم اللوحة، حيث تظهر في العمل الفنّي جثة بجوار مهد من الخوص يضم طفلها المُتوفى أيضاً. ويقف زوجها المكلوم بملابسه السوداء برفقة ابنهما الوحيد الناجي، «توماس» البالغ من العمر 3 سنوات، وهو يشير إلى عبارة مكتوبة باللاتينية تقول: «الحزن لا يُقاس».

لقد ذاقت هذه العائلة من المآسي ما يفوق الاحتمال؛ إذ توفي الصغير توماس بعد عام واحد من رسم اللوحة، كما لقي أطفالهم الآخرون، روبرت وإليزابيث وجين، حتفهم وهم لا يزالون صغاراً.

ويرتدي أستون في اللوحة القلادة التي صُنعت خصيصاً لإحياء ذكرى فقدان طفله «روبرت» عام 1634 عن عمر السادسة، وقد صُنعت «شرابة» القلادة من خصلات شعر الطفل الشقراء. ولم يكن أحد يتخيل أن هذه الجوهرة، التي تُصنَّف رمزاً «لتذكر الموت»، قد نجت بالفعل من الضياع.

اشتهر الرسام الإنجليزي سوتش بدقته المتناهية في تصوير التفاصيل مثل الأقمشة والمجوهرات. ورغم براعته في رسم القلادة، فإنّ اكتشاف القطعة الحقيقية هو وحده ما أتاح فهم معناها الكامل وتفاصيلها والنقوش المحفورة عليها.

تتوسَّط القلادة إكليل ذهبي، وهي مرصَّعة بالمينا باللونين الأبيض والأسود، وتحمل رسماً لجمجمة ونقوشاً باللاتينية على كِلا الجانبين، ترجمتها: «توفي روبرت في 4 مايو (أيار) 1634... الذي كان مَبعث سرورنا، ومصدر عزائنا، ومعه راح أول أمل لوالديه». وهي نقوش يستحيل قراءتها من اللوحة مباشرةً.

ظلَّت القلادة بحوزة عائلة أستون حتى بيعت في عام 1862، واستحوذ عليها المالكون الحاليون قبل 30 عاماً، بعد مدّة طويلة من نسيان تاريخها المؤثّر. وبمحض المصادفة، وخلال زيارة المالكين لمعرض يضم لوحة «سوتش»، لمحوا الجوهرة المرسومة وأدركوا قيمتها التاريخية.

تواصل المالكون مع مارتن دونر، المؤرِّخ والتاجر المتخصص في القطع التاريخية والأعمال الفنّية، الذي صرَّح لصحيفة «الغارديان» قائلاً: «القلادة في حالة ممتازة، وقد أمضت أغلب القرون الأربعة الماضية من دون أن يتعرَّف إليها أحد. لقد دأب الباحثون على دراسة هذه اللوحة الأيقونية لسنوات لكونها حافلة بالرموز والاستعارات، واستعادة الجوهرة تفك بعض شفرات الأسئلة المحيطة باللوحة».

ومستحضراً ذكرى فقدان شكسبير لابنه الصغير هامنيت عام 1596، وهي المأساة التي استُلهم منها الفيلم الأخير الحائز جائزة الأوسكار، قال دونر عن القلادة: «في جوهرها، تكمن قصة رجل يرثي فقدان ابنه البكر». وأضاف: «قصة هامنيت أصبحت مألوفة للجميع الآن، وهذه القلادة تعود لحقبة تالية بسنوات قليلة وهي مؤثّرة جداً. رغم صغر حجمها، فإنها تختزل فيضاً من المشاعر».

قُدِّرت قيمة القلادة بنحو 650 ألف جنيه إسترليني، ممّا يعكس ندرتها الاستثنائية، إذ يندر جداً العثور على مجوهرات من القرن السابع عشر. وأوضح دونر، الرئيس السابق لقسم المجوهرات في دار «سوذبيز» بلندن: «هناك اهتمام كبير بمجوهرات (تذكر الموت) لأنها مفعمة بالعاطفة؛ فهي ليست للتباهي بالثروة أو المكانة، وإنما هي قطعة شخصية جداً».

أما أستون نفسه، فقد لقي نهاية مأساوية. كان رجل بلاط وعالماً لاهوتياً وجندياً وشاعراً، تدرَّب في القانون ودخل البرلمان وشغل منصب عمدة مقاطعة تشيشاير.

بعدما منحه الملك تشارلز الأول لقب «فارس»، حارب في صفوف الملكيين خلال الحرب الأهلية قبل أن تأسره قوات البرلمانيين في مقاطعة ستافوردشاير، ليموت متأثّراً بجراحه خلال محاولة هروب وهو في الـ44 من عمره.

من جانبها، قالت فيونا كوريدان من معرض مانشستر للفنون: «إنه لأمر مثير أن نعلم بوجود القلادة المصوَّرة في اللوحة، وأنها تعكس النقوش الموجودة في العمل الفنّي. هذه القطعة البديعة والمعقَّدة غارقة في التاريخ، وتحمل قصة فريدة من الحزن والحبّ والذاكرة عبر القرون. سيكون من الرائع معرفة المزيد، وربما إعادة لمّ شمل القلادة باللوحة».

ومن المقرَّر أن يكشف دونر النقاب عن القلادة أمام الجمهور في معرض «تريجر هاوس» بمستشفى تشيلسي الملكي، الذي يستمرّ من 24 إلى 30 يونيو (حزيران) المقبل.


نجوم الفن يدعمون هاني شاكر برسائل مؤثرة بعد تدهور حالته الصحية

الفنان المصري هاني شاكر يمر بأزمة صحية (حسابه على فيسبوك)
الفنان المصري هاني شاكر يمر بأزمة صحية (حسابه على فيسبوك)
TT

نجوم الفن يدعمون هاني شاكر برسائل مؤثرة بعد تدهور حالته الصحية

الفنان المصري هاني شاكر يمر بأزمة صحية (حسابه على فيسبوك)
الفنان المصري هاني شاكر يمر بأزمة صحية (حسابه على فيسبوك)

دعم عدد كبير من نجوم الفن المصريين والعرب المطرب هاني شاكر برسائل مؤثرة في ظل الساعات الحرجة التي يمر بها حالياً بعد تدهور حالته الصحية بشكل كبير خلال الساعات الماضية، إثر تعرضه لانتكاسة وإصابته بفشل تنفسي حاد، حيث تم وضعه على أجهزة التنفس الصناعي بالمستشفى الذي يعالج به في باريس.

وكان صالح فرهود رئيس الجالية المصرية في فرنسا قد أكد في تصريحات تلفزيونية (الاثنين) أن الحالة الصحية لهاني شاكر في تدهور، وأن التنفس صعب حتى في ظل الأجهزة.

وعبر حساباتهم الرسمية بمواقع التواصل الاجتماعي نشر فنانون صوراً تجمعهم بالفنان الكبير وتوجهوا بالدعاء له بالشفاء، وأن يبزغ بريق أمل يطمئنهم على تحسن حالته، وأن يمن الله عليه بتجاوز تلك اللحظات الحرجة، وسط دعوات صادقة من محبيه في كل أرجاء العالم العربي.

وكتب المطرب اللبناني وائل جسار عبر حسابه بـ«فيسبوك»: «يا رب يا رحمن يا رحيم تشفي أخويا وحبيبي وصاحب أحلى إحساس في الدنيا ويرجع لنا بألف سلامة يا رب العالمين».

وكتبت المطربة نادية مصطفى رسالة لهاني وزوجته قالت فيها: «أخي الغالي والفنان الكبير هاني شاكر أدعو لك من قلبي ومعي الملايين من محبيك ربنا يشفيك ويعافيك ويقومك بالسلامة وترجع لنا بألف سلامة».

كما وجهت كلمة لزوجته قائلة: «أعلم أن الاختبار صعب وأشعر بقلقك ووجعك لما يمر به حبيب عمرك، لكن أعرف أيضاً قوتك وإيمانك وصبرك، وأن الله قادر على أن يغير الحال لأحسنه في لحظة، ربنا يطمن قلبك ويشفيه وترجعوا بالسلامة يد في يد كما وعدتيني قبل السفر».

هاني شاكر ومحمد ثروت في أغنية «بلدي» التي جمعتهما (حساب محمد ثروت على فيسبوك)

فيما نشر الفنان محمد ثروت صورة تجمعه بشاكر خلال غنائهما أغنيتهما الوطنية «بلدي» بحفل بالأوبرا، وكتب: «اللهم اشفِ أخي حبيبي وعشرة عمري هاني شاكر شفاءً تاماً لا يغادر سقماً، اللهم أذهب عنه كل بأس، اللهم أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك، اللهم استجب بحق عزتك وجلالك».

وكتبت أنغام: «يا رب تشفي حبيبي، وأستاذي يا لطيف اللطف به». كما كتبت ليلى علوي عبر حسابها على «إنستغرام»: «اللهم اشفه شفاءً لا يُغادر سقماً، اللهم ألبسه ثوب الصحة والعافية عاجلاً غير آجل، اللهم أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك».

نادية مصطفى كتبت رسالة مؤثرة لهاني وزوجته (حساب نادية مصطفى على فيسبوك)

وكتب مصطفى قمر: «اللهم إني أسألك باسمك الشافي أن ترفع عنه الألم وتبدل مرضه صحة وعافية وتطمئن قلبه وقلب أهله».

وعبر حسابها على «إنستغرام» كتبت دنيا سمير غانم: «اللهم اشف هاني شاكر شفاء لا يغادر سقماً، وأذهب عنه كل ألم ومرض واشرح صدره، واشفه شفاءً عاجلاً غير آجل يا رب العالمين».

ومن لبنان كتبت المطربة مايا دياب: «كل الدعوات بالشفاء للفنان الكبير هاني شاكر الذي قدم للساحة المصرية والعربية أجمل الأعمال الخالدة صاحب الروح الطيبة والضحكة الحلوة».

ونشرت مي فاروق صورة تجمعها بهاني شاكر وهما يغنيان معاً في أحد الحفلات وكتبت: «اللهم اشف الأستاذ والفنان العظيم وارفع عنه البلاء».

وكانت أسرة شاكر قد أصدرت بياناً مؤخراً أكدت فيه أن «الفنان المصري دخل أحد المستشفيات بالقاهرة إثر إصابته بنزف حاد نتيجة مشكلة قديمة في القولون، حيث يعاني وجود (جيوب أدت إلى التهابات ونزف)»، وأضافت زوجته أنه «تعرض لنزف شديد استدعى نقل دم، وتدخل الأطباء عبر (الأشعة التداخلية) لوقف النزف، إلا أن حالته شهدت لاحقاً توقفاً في القلب لمدة 6 دقائق، قبل أن يتم إنعاشه بسرعة خلال 3 محاولات».

أنغام مع هاني شاكر (حسابها على فيسبوك)

وأفاد البيان بأنه على أثر ذلك قرر الأطباء إجراء الجراحة في ظروف بالغة الصعوبة والخطورة، وتمت العملية بنجاح. وبعد الإفاقة، تعرَّف هاني شاكر على زوجته ونجله شريف، وبدأت مرحلة التعافي. إلا أنه، نظراً لطول فترة بقائه في العناية المركزة التي قاربت 20 يوماً، أصيب بضعف عام في عضلات الجسم، ما دفع الأطباء إلى التفكير في سفره لاستكمال التأهيل الطبي. وأضاف البيان أنه بالفعل شهد تحسناً ملحوظاً، وخرج من العناية المركزة، غير أنه تعرّض لاحقاً لانتكاسة صحية مجدداً.