أفلام مصرية وسعودية للعرض بموسم «رأس السنة» بعد جولتها بالمهرجانات

«كولونيا» و«جوازة ولا جنازة» و«هجرة» من بينها

أحمد مالك وكامل الباشا في فيلم «كولونيا» (الشركة المنتجة)
أحمد مالك وكامل الباشا في فيلم «كولونيا» (الشركة المنتجة)
TT

أفلام مصرية وسعودية للعرض بموسم «رأس السنة» بعد جولتها بالمهرجانات

أحمد مالك وكامل الباشا في فيلم «كولونيا» (الشركة المنتجة)
أحمد مالك وكامل الباشا في فيلم «كولونيا» (الشركة المنتجة)

يشهد موسم رأس السنة انتعاشة في دور العرض السينمائية، من خلال طرح أفلام مصرية وسعودية للجمهور بعد مشاركات متعددة لهذه الأفلام في مهرجانات دولية، وحصول بعضها على جوائز مهمة، ومن بينها الفيلمان المصريان «كولونيا» و«جوازة ولا جنازة» اللذان ينطلق عرضهما التجاري 7 يناير (كانون الثاني) 2026، ويعرضان عربياً في 14 يناير، والفيلم السعودي «هجرة» الذي يبدأ عرضه في السينمات السعودية 8 يناير، والفيلم البريطاني «العملاق» من بطولة أمير المصري، ويبدأ عرضه عربياً في 14 من الشهر نفسه.

فيلم «كولونيا» أو «My Father’s Scent» من بطولة أحمد مالك والفنان الفلسطيني كامل الباشا ومايان السيد، ومن إخراج محمد صيام. وتدور أحداثه خلال ليلة واحدة تشهد مواجهات حادة بين أب وابنه، يستعيدان فيها خلافاتهما وذكرياتهما السيئة وحالة الكراهية التي تظلل علاقتهما. ويتواصل الحوار بينهما في حدة تكشف عن سوء فهم لمواقف بينهما، فتتراجع حالة الجفاء إلى صداقة في مشاهد إنسانية تستعيد العلاقة بين الأب وابنه.

وحاز الفيلم عدة جوائز، من بينها الجائزة الكبرى لمهرجان «سينيماميد» ببروكسل، وجائزة «سينيوروبا» من المهرجان نفسه، وجائزة الجمهور من مهرجان «البحر الأحمر السينمائي»، وأفضل تصميم إنتاج من مهرجان «قرطاج»، وجائزة أفضل ممثل لأحمد مالك بـ«الجونة السينمائي»، وكان قد حاز مشروع الفيلم 5 جوائز من ورشة «فاينال كت» في مهرجان «فينيسيا» خلال دورته قبل الماضية، و4 جوائز من مهرجان «القاهرة السينمائي» 2024 لمرحلة ما بعد الإنتاج.

الفنان نواف الظفيري في فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)

أما الفيلم السعودي «هجرة» للمخرجة شهد أمين، فقد شهد عرضه العالمي الأول بمهرجان «فينيسيا السينمائي» خلال دورته الماضية، وفاز بجائزة «NETPAC» بوصفه أفضل فيلم آسيوي.

كما حاز جائزتين في الدورة الخامسة لمهرجان «البحر الأحمر»، وهما جائزة «اليسر الذهبية» من لجنة تحكيم مسابقة الأفلام الطويلة وجائزة «فيلم العُلا» لأفضل فيلم سعودي بتصويت الجمهور، كما توّج بجائزتي أفضل صورة لمدير التصوير «Miguel LOANN Littin»، وأفضل ممثل لنواف الظفيري في ختام الدورة الـ36 لمهرجان قرطاج.

تدور أحداث فيلم هجرة من خلال جدة وحفيدتيها، تسافرن من الطائف إلى مكة، وعندما تختفي الحفيدة الكبرى تسافر الجدة وحفيدتها الصغرى شمالاً للبحث عنها، وتسلط رحلتهما الضوء على الروابط الثقافية والعمرية العميقة بين النساء السعوديات على خلفية موسم الحج، حيث تعكس رحلتهن ثقل تراث بأكمله، وتقدم نظرة عاطفية قوية وثاقبة حول الهوية عبر الغوص العميق في التراث الثقافي للأمة، وصُوِّر الفيلم في 8 مدن سعودية. وهو من بطولة خيرية نظمي، ولمار قادن، ونواف الظفيري، ورغد بخاري، وعبد السلام الحويطي. ومن إخراج وكتابة شهد أمين، وإنتاج كل من السعودية والعراق ومصر وبريطانيا.

وشارك فيلم «جوازة ولا جنازة» في مهرجان «البحر الأحمر السينمائي» خلال دورته الخامسة ضمن قسم «روائع عربية»، وهو من بطولة نيللي كريم، وشريف سلامة، ولبلبة، والفنان اللبناني عادل كرم، وهو أول أفلام المخرجة الفلسطينية أميرة دياب التي كتبت الفيلم مع دينا ماهر، ويعرض لفكرة التفاوت الطبقي. وتدور أحداثه في إطار اجتماعي كوميدي من خلال عائلتين لا يجمع بينهما سوى صلة نسب، تُجبران على قضاء 7 أيام معاً استعداداً لحفل زواج فخم يجمع نجليهما.

نيللي كريم وشريف سلامة بالملصق الترويجي للفيلم (الشركة المنتجة)

ويرى محمد صيام، مخرج فيلم «كولونيا» أن العرض بالمهرجانات قد جعله يشعر أن الفيلم لامس الناس بالفعل، ليس أعضاء لجان التحكيم والنقاد فقط، قائلاً في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أرى في لحظة واحدة صمتاً في القاعة، ثم التنفس الجماعي أو البكاء بعد نهاية الفيلم، وهناك من يضحك في مشاهد، ويصمت فجأة في مشاهد أخرى».

ويلفت صيام إلى أن جائزة الجمهور التي حازها الفيلم في مهرجان «البحر الأحمر» كانت تأكيداً على أن الحكاية قريبة من الناس، وأن المشاعر التي عكسها الفيلم مفهومة ولا تحتاج لشرح أو خلفية ثقافية معينة، رافضاً مصطلح «أفلام مهرجانات» لأنه يضع الفيلم في خانة ضيقة، كما لو كان موجّهاً لفئة معينة، وليس للناس كلها، مشيراً إلى أن «الجوائز والمهرجانات قد تكون بوابة، لكنها ليست بديلاً عن الجمهور»، واصفاً فيلمه «كولونيا» بأنه «عمل قريب من الناس وقصة تحدث في كل بيت، وكل منا مرّ بها في لحظة ما».

وكان فيلم العملاق «Giant» قد افتتح الدورة الفائتة لمهرجان «البحر الأحمر السينمائي»، وهو من إنتاج بريطانيا، وإخراج روان أثالي، ومن بطولة بيرس بروسنان، وأمير المصري، وكاثرين داو، وعلي وغيث صالح، ويروي الفيلم القصة الملهمة لسيرة الملاكم الأسطوري اليمني البريطاني نسيم نازحميد وعلاقته بمدربه الآيرلندي بريندان إنغل، وكيف صعد نسيم من الفقر المدقع إلى الثراء الفاحش وصولاً إلى تتويجه بطلاً للعالم.

وحاز الفيلم اهتماماً لافتاً في «البحر الأحمر»، وتُوّج الفنان أمير المصري خلال فعاليات المهرجان بجائزة «فارايتي» الدولية للممثل الرائد لعام 2025، وذكر في حديث لـ«الشرق الأوسط» أنه يتطلع للعرض الجماهيري بعدما قوبل الفيلم بحفاوة كبيرة في عرضه الشرق أوسطي الأول بالمملكة.

ويرى الناقد السعودي أحمد العياد أن «المهرجانات لا تمنح ضماناً جماهيرياً ولا تكتب شهادة نجاح مسبقة لأي فيلم، لكنها تمنح فرصة للمشاهدة، للاختبار الأول والاحتكاك النقدي ولخلق سمعة أولية»، قائلاً في تعليق لـ«الشرق الأوسط»: «يظل دائماً لشباك التذاكر منطقه الخاص، فالجمهور لا يشتري تذكرة لأنه قرأ أن الفيلم شارك في مهرجان، بل لأنه شعر أن الفيلم يعنيه، فقد تمهّد المهرجانات طريق الفيلم وقد لا تفعل ذلك».

ويرى العياد أن مصطلح «أفلام المهرجانات» ليس مصطلحاً سلبياً، لأن هناك أفلاماً تهتم بالتجريب واللغة السينمائية والمخاطرة الجمالية، وهذه الأفلام تجد في المهرجانات بيئتها الطبيعية الأولى، ليس لأنها «نخبوية»، بل «لأنها تحتاج سياق مشاهدة ومناقشة مختلفاً عن سياق العرض الجماهيري».


مقالات ذات صلة

«ديغر» صرخة ضد العبث بالبيئة يطلقها إيناريتو وكروز

سينما «ديغر» صرخة ضد العبث بالبيئة يطلقها إيناريتو وكروز

«ديغر» صرخة ضد العبث بالبيئة يطلقها إيناريتو وكروز

أول ما يسترعي الاهتمام حتى من قبل أن يبدأ فيلم «ديغر» في استعراض خطابه السياسي، ذلك القدر الكبير من الخيال الكامن في كتابته ثم ما يوازي ذلك الخيال حجماً من...

محمد رُضا (لندن)
سينما إيزابل أوبير في «ذَ بلود كونتيسا» (ستراند ريليزنغ).

شاشة الناقد: فيلمان جديدان من بطولة براد بت وإيزابل أوبير

حرصت المخرجة الألمانية أوتنغر على تقديم فيلم عن مصاصي الدماء يختلف عن كل ما سبقه في هذا الحقل؛ ولذلك سخّرت معظم عناصر العمل لتحقيق هذا التميّز.

محمد رُضا (لندن)
يوميات الشرق كريم مع صناع الفيلم على السجادة الحمراء (الشركة المنتجة)

«مطلوب عائلياً»... عودة «غير مقنعة» لكريم عبد العزيز إلى الكوميديا

يعود الفنان المصري كريم عبد العزيز إلى الكوميديا الاجتماعية عبر فيلمه الجديد «مطلوب عائلياً».

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق لقطة من فيلم «سما» لرباب خميس (إدارة مهرجان الدوحة السينمائي)

مهرجان «الدوحة» يحتفي بالسينما المستقلة وقصص المهمَّشين

أعلن مهرجان «الدوحة السينمائي» قائمة أفلام «المسابقة الدولية»، التي ستشهد تنافس 15 فيلماً، حظي 11 منها بدعم «برنامج المنح» التابع لـ«مؤسسة الدوحة للأفلام».

داليا ماهر (القاهرة)
يوميات الشرق بيرس بروسنان وجوني ديب وأدريان برودي وأنتوني هوبكنز برعوا في الرسم كما في التمثيل

جوني ديب يبيع لوحاته بالملايين وأنتوني هوبكنز يرسم ليشفى... ممثّلون من أمام الكاميرا إلى أمام اللوحة

من أنتوني هوبكنز إلى سيلفستر ستالون مروراً بجوني ديب وغيرهم... نجوم هوليوود يفجّرون مواهب خفيّة بالريشة والألوان.

كريستين حبيب (بيروت)

«نوبل الآداب» للكندية آن كارسون

آن كارسون (رويترز)
آن كارسون (رويترز)
TT

«نوبل الآداب» للكندية آن كارسون

آن كارسون (رويترز)
آن كارسون (رويترز)

تُوّجت الأديبة الكندية آن كارسون بجائزة نوبل للآداب، أمس (الخميس)، لتجربتها التي وُصفت بأنها «متفردة» وتمتد عبر ما يقرب من نصف قرن في الاشتغال على الشعر والترجمة وبحوث اللغة والتاريخ والأدب، فضلاً عن دورها في الحياة الأكاديمية باحثة ومحاضرة متخصصة في الآداب القديمة، لا سيما الأدب الإغريقي.

وبحسب نقاد ومتابعين، فإن أبرز ما يميز تلك التجربة هو براعة كارسون في «تكسير القواعد الأدبية المتعارف عليها»، حيث تخطت الحدود التقليدية التي تفصل بين الأنواع المختلفة، وجاءت أعمالها مزيجاً من القصيدة الشعرية والسرد القصصي وكتابة اليوميات والتأملات المفتوحة.

وتهيمن على نصوص الأديبة الكندية ثيمات الفقد والحزن عبر لغة مرهفة تمس الوجدان وتحلل الواقع المعاصر مع استلهام خاص لأجواء الأساطير اليونانية القديمة، وهو ما عدّه كثيرون «الوجه الآخر» لمسيرتها الأكاديمية الصارمة وبحوثها المخلصة وترجماتها الدؤوبة، وهو ما يتجلى في كثير من أعمالها، لا سيما «نوكس»، و«إيروس» و«الحلو المر».


محمد الفرج... يحمل الأحساء في حقيبة الذاكرة إلى لندن

من المعرض... النخيل وصور الذكريات (الشرق الأوسط)
من المعرض... النخيل وصور الذكريات (الشرق الأوسط)
TT

محمد الفرج... يحمل الأحساء في حقيبة الذاكرة إلى لندن

من المعرض... النخيل وصور الذكريات (الشرق الأوسط)
من المعرض... النخيل وصور الذكريات (الشرق الأوسط)

محمد الفرج فنان سعودي يحمل موطنه معه في كل أعماله، يعبر عن بيئة الأحساء التي نشأ فيها بالصور والأفلام القصيرة وبالرسم وبالأعمال التركيبية، يرسم نخلات رشيقات بالفحم على الجدران ويستخدم تراب الواحة الغنية ويحوّله لعناصر حية تتشكل أمامنا وتختزل تلك العلاقة الأبدية ما بين الفنان وموطنه.

في معرضه الفردي الأول في لندن، الذي يحمل عنوان «القلب عش طير والعقل شبكة عنكبوت» يعزف محمد الفرج على النغمات الأثيرة لديه وينجح في جذب الزوار لتلك الواحة الغنية التي توجتها الطبيعة بأشجار النخيل الباسقة.

من العنوان يبدأ الفرج في حكاية قصص أعماله التي ينسجها من خيوط الذاكرة والمشاعر والقصص، الجزء الأول من العنوان، «القلب عش الطير»، يعبر عن الدفء والانتماء، بينما العقل، «شبكة العنكبوت»، ينشغل بالأفكار وتشابكاتها وتفريعاتها. بعنوان مثل هذا خارج من قلب الطبيعة يبدأ الفرج الرحلة معنا لاستكشاف معرضه.

من الأعمال في المعرض (الشرق الأوسط)

صور الذاكرة

يتحدث الفنان عن عمل يشغل مساحة ضخمة في العرض وهو عبارة عن مجموعة من الصور الفوتوغرافية الضخمة الموضوعة على الأرض بشكل متسق وفي الخلفية صورٌ أخرى تحتل جدار بأكمله.

تحتل صورة بالأسود والأبيض أغلب مساحة الجدار الخلفي، تصور أحد شوارع مدينته، نرى المباني والأشجار على جانب الطريق، هناك سيارات، ولكنها محجوبة بفعل صور أخرى موضوعة أمامها، تتقاطع صور الشارع مع صورٍ أخرى صغيرة مثبّتة فوقها؛ إحداها لمنظر غروب، وأخرى لطائر، وثالثة لشخص يتسلّق نخلةً لجني ثمارها.

صور من الذاكرة (الشرق الأوسط)

نعبر ببصرنا من الخلفية للمقدمة حيث تتناول بقية الصور مشاهد حياتية منها صور لنساء وأطفال على الشاطئ، رجل يجلس في غرفة تقليدية الطراز ولقطات أخرى.

يحمل العمل عنوان «كل ما أملكه هو هذه الإطارات، وأخشى أن أرمش فأفقدها»، يعبر عن الذاكرة ومحاولة الاحتفاظ بها. يصف الفنان الذكريات بأنها مثل «حفنة الرمل التي تتسرب من بين أصابعنا»، ويلجأ للكاميرا لمحاولة تجميد تلك اللحظات في صور، يقول: «أسرتني فكرة وجود أداة أو جهاز في حياتنا يتيح لنا الإمساك بذلك الشيء الذي نحاول التشبث به، رغم أن محاولاتنا غالباً ما تكون دون فائدة». ثم يضيف: «رغم ذلك أرى أن الكاميرا تمثل أعظم محاولة لالتقاط تلك الجوهرة».

تبدو طريقة عرض الصور أمامنا كمحاولة من الفنان لعيش التجربة مرة أخرى: «يراودني دائماً شعور بالإحباط بسبب الطبيعة ثنائية الأبعاد للصورة الفوتوغرافية، أي طريقة تمثيلها للذاكرة؛ إذ أتمنى لو كان بوسعي الدخول إلى داخل الصورة ورؤية عناصرها واحداً تلو آخر. وفي هذا العمل التركيبي نحاول تجسيد تلك الفكرة؛ حيث توجد صورة قد تظنها للوهلة الأولى، عند دخولك الغرفة، صورةً واحدةً متصلة، لكنك تكتشف عند الاقتراب منها أنها في الواقع مجزأة».

النخلات الباسقات وصورة العائلة (الشرق الأوسط)

الذاكرة تحمل أيضا تأثير المزارع والآبار وأشجار النخيل، تنطبع كلها بشكل أو بآخر في المعرض، تحضر أشجار النخيل في أكثر من عمل مرسومةً بالفحم على الجدران، تبدو نخلاته رشيقة، وتتدلّى ثمارها مثل أقراط الأذن كأنه يصور نساء عائلته، يشير إلى عملٍ أمامنا ويقول: «النخلة هي مثل برج ذاكرة بالنسبة لي؛ تمثل الصمود والقوة، وفيها كثير من العطاء... هي تمثل، بالنسبة إليّ، أشخاصاً من عائلتي».

العمل يصور 4 نخلات ويحمل عنوان «صورة العائلة»، يعلق أنه يجد في النخيل صور الأجداد والجدات ثم يضيف: «... والخالات بالذات، حتى من توفي منهن، أتذكرهن بصورة رومانسية جداً لأنهن من عالم ومن ثقافة مختلفة، ولهن اتصال عجيب جداً بالأرض».

حكاية البلبل

ننتقل لعمل منفصل يعتمد على مستطيل مكون من الرمل على الأرض وتنعكس عليه مشاهد فيلمية، يحمل اسم «تمرة المعرفة». ومرة أخرى نجد أنفسنا في الواحة بنخيلها ورمالها وطيورها، هذه المرة عبر الصورة والصوت والحركة.

يروي الفنان بصوته حكاية العمل ونستمع له خلال العرض عبر السماعات الشخصية، فتغدو التجربة ملموسة جداً، فالفنان - الراوي يحكي لنا شخصياً قصة العمل.

جانب من عمل «تمرة المعرفة» للفنان محمد الفرج (الشرق الأوسط)

لمحمد الفرج شغف بالحكايات والقصص والأمثال الشعبية، شغف يظهر في أعماله المختلفة وفي هذا العمل نعرف أن الحكاية من تأليفه هو شخصياً.

بطل قصته هو البلبل الذي نرى انعكاس صورته وهو يقفز على الرمل أمامنا، يقول الراوي: «يسمع البلبل حكاية متداولة تقول إن في كل نخلة تمرةً واحدة تحمل المعرفة الكونية كلها. مدفوعاً بالرغبة في الحصول على المعرفة يبدأ البلبل في أكل جميع الثمار في النخيل، وبالفعل يجد التمرة المنشودة ويأكلها ويحصل على المعرفة كما أراد، ولكنه يكتشف أن المعرفة حمل ثقيل جداً. عندما نعرف كل شيء تتحول المعرفة إلى نقمة. نفقد الدهشة والاكتشاف والفضول. عندما تعرف كل شيء، لا تعود قادراً على تغيير أي شيء».

يشير الفنان إلى فكرة القصة، خطرت له بعد نقاش مع أبناء شقيقته الذين تفاخروا بأنهم بمقدورهم معرفة كل شيء بفضل «تشات جي بي تي»، ويعلق: «الفيلم رسالة لي قبل أن يكون رسالة للناس، بأن لا تحاول أن تتحكم في كل شيء، واترك الحياة تسير بإيقاعها الطبيعي».

بالنسبة للبلبل كانت المعرفة الكاملة حملاً لم يستطع حمله فقرر التخلص منه ولجأ لصديق من الطيور ليساعده: «قال له صديقه تعال معي لنخرج للبرّ وسوف أعلمك ما يجب أن تفعله، هناك في الصحراء الخالية أشعل الصديق ناراً، وقال للبلبل: غرد بكل ما تعرفه في النار فهي سيدة النسيان»، ويغرد البلبل وينسى كل ما تعلمه.

ما تعبر عنه الرمال

في جانب من العرض 3 صور تلعب الرمال فيها دور البطولة، تُظهر تشكيلات مختلفة من الرمل، يطلق عليها الفنان عنوان «الرمال الزاحفة».

الفكرة خلف العمل أيضاً تأخذنا لعالم يعرفه الفرج جيداً، ويرتبط بذكريات الطفولة بشكل كبير: «الأمر بسيط للغاية؛ تأخذ حفنة من الرمل، وترميها في الهواء، وتلتقط صورة لها وهي تشكّل منحوتةً تدوم لجزءٍ من الثانية. هي مستوحاة من لعبة يمارسها الأصدقاء في لحظات اللهو. تتحول اللعبة البسيطة لدى محمد الفرج إلى سؤال عميق يحتاج لإجابة: تمثل (الرمية) السؤال، بينما تمثل الصورة التي تلتقطها للرمال المتساقطة الإجابة. الأمر أشبه بزيارة قارئة الطالع التي ترمي الحجارة لتخبرك بشيء ما؛ وما يتشكل من أشكال هو ما تبحث عنه... إنها سلسلة مثيرة للاهتمام للغاية بالنسبة لي؛ لأن الأشكال الناتجة عنها مذهلة وغير عادية».

«الرمال الزاحفة» ولهو الطفولة (الشرق الأوسط)

نخرج من المعرض محمّلين بصورٍ ومعانٍ وإحساسٍ بأننا زرنا واحة الأحساء عبر مشاعر محمد الفرج ولقطاته وتصاحبنا كلماته: «أنظر إلى مفهومي (الوطن) و(العائلة) بمعناهما الأوسع؛ فالحشرات هي أقاربي المفقودون منذ زمن بعيد والذين يرغبون في العيش على حسابي، والأبقار جيراني الصاخبون الذين بيني وبينهم (خلافات)، أما الطيور فتسأل عن أحوالي دائماً».


آن كارسون تحصد «نوبل للآداب» عبر «تكسير» القواعد التقليدية

آن كارسون (لجنة نوبل)
آن كارسون (لجنة نوبل)
TT

آن كارسون تحصد «نوبل للآداب» عبر «تكسير» القواعد التقليدية

آن كارسون (لجنة نوبل)
آن كارسون (لجنة نوبل)

الإعلان عن فوز الأديبة الكندية آن كارسون بجائزة «نوبل للآداب»، الخميس، أعاد تسليط الضوء على تجربتها التي تمتد عبر ما يقرب من نصف قرن في الاشتغال على الشعر والترجمة وبحوث اللغة والتاريخ والأدب، فضلاً عن دورها في الحياة الأكاديمية كباحثة ومحاضرة متخصصة في الآداب القديمة، لا سيما الأدب الإغريقي.

وبحسب نقاد ومتابعين، فإن أبرز ما يميز تلك التجربة هو براعة كارسون في «تكسير القواعد الأدبية المتعارف عليها»؛ إذ تخطت الحدود التقليدية التي تفصل بين الأنواع المختلفة، وجاءت أعمالها مزيجاً من القصيدة الشعرية والسرد القصصي وكتابة اليوميات والتأملات المفتوحة.

الأديب البارز محمد سلماوي عدّ آن كارسون بمنزلة «الشاعرة التي حوّلت الكلاسيكيات إلى مختبر للفكر المعاصر كما خلقت منه أشكالاً إبداعية حديثة، ومن ثم جاء فوزها بجائزة (نوبل) تتويجاً لمسيرة تمتد لأكثر من ثلاثة عقود، ترسخ خلالها اسمها كواحد من أكثر الأصوات الأدبية إثارة للتفكير في عصرنا».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «علاقتها بالعالم القديم بدأت في المدرسة الثانوية، عندما وافق مدرس اللاتينية على تعليمها اليونانية خلال استراحة الغداء بناء على طلبها، وقد حصلت على الدكتوراه في الدراسات الكلاسيكية عام 1981، كما درّست الأدب اليوناني واللاتيني في جامعات كبرى مثل ماكغيل وبرينستون».

فوز آن كارسون بجائزة «نوبل للآداب 2026» (لجنة نوبل)

وتهيمن على نصوص الأديبة الكندية «ثيمات» الفقد والحزن عبر لغة مرهفة تمس الوجدان وتحلل الواقع المعاصر، مع استلهام خاص لأجواء الأساطير اليونانية القديمة، وهو ما اعتبره كثيرون بمنزلة «الوجه الآخر» لمسيرتها الأكاديمية الصارمة وبحوثها المخلصة وترجماتها الدؤوبة، وهو ما يتجلى في الكثير من أعمالها، لا سيما «نوكس»، وهي مفردة تعني «الليل» باليونانية القديمة، وتستعيد فيه صدمة فقدها شقيقها المقرب منها.

وأعربت كارسون مراراً، عبر تصريحات إعلامية، عن أنها «لا تسعى إلى مجابهة الموت أو تحديه كقدر محتوم يختطف أحباءنا، وإنما تسعى بكل بساطة لأن تصنع من العجز عن مواجهته حالة أدبية خاصة تتميز بالصدق في التعبير عما يكتنف الروح من جراح لا تبرأ بسهولة».

وُلدت الأديبة المتوجة بـ«نوبل» عام 1950 بمدينة تورنتو، ومن أشهر مؤلفاتها «سيرة ذاتية للأحمر» الذي تتناول فيه وحشاً يظهر في أسطورة «هيركليز» الشهيرة بجناحين حمراوين ويبعث على الخوف، لكنه يتحول عبر سطورها إلى كائن يمتلك مشاعر إنسانية، على نحو يدعو للتعاطف معه.

وأشار الشاعر والمترجم المصري عبد الرحيم يوسف الذي ترجم لآن كارسون كتاب «إيروس- الحلو المر»، الصادر 1986، والمأخوذ عن أطروحتها للدكتوراه بعنوان «أحب وأكره إذن أنا موجود»، إلى أنها «تتناول مفهوم الرغبة والعاطفة عند اليونانيين القدماء»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «عالمها الإبداعي في نفس الوقت لا ينفصل عن إنسان العصر الذي تناقش أزماته الوجودية بعقل الباحثة وروح الشاعرة».

«إيروس» من الأعمال المترجمة لآن كارسون (غلاف الكتاب المترجم)

وعدّ الناشر المصري محمد البعلي، مدير دار «صفصافة» التي صدر عنها كتاب «إيروس»، فوز كارسون بمنزلة «انتصار للأدب الرفيع والجاد والذي يلامس هموماً حقيقية يعاني منها إنسان العصر»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أنها «لم تراهن يوماً على البعد التجاري، ولم تلهث أمام (الموضات) الأدبية مثل (الأكثر مبيعاً)، وركزت فقط على التعبير عن مشاعرها بصدق».

وأوضح سلماوي أنه «ربما كان أهم ما يميز الأديبة الكندية هو رفضها القاطع للتصنيفات الأدبية، والتي قد يضع عليها البعض لافتة (رواية) أو (شعر)، حيث نجد أنها تدمج القصيدة بالنثر بالمقال بالترجمة بالتصوير الدرامي... فضلاً عن تعاونها مع فنانين بصريين ومصممي رقص ومخرجي أوبرا».

ولفت إلى أنها «دائماً ما كانت تردد أن الأدب ليس وظيفته (تخدير القارئ) وإنما (تحريك عقله)، وربما لهذا السبب بالضبط، بعد أربعين عاماً من الكتابة، لا تزال نصوصها تشعرنا بأننا نقرأ أدباً مختلفاً لم يُكتب من قبل».