«الشرق الأوسط» تكشف مسار رسالة ترمب للبنانيين في أميركا من المحادثات إلى التوقيع

دور سابق لعائلة عباس بنقل رسائل لبنان وإدارة ريغان... واشترطت توقيعها قبل استقباله

ألبرت عباس يسلم درعاً تذكارية لترمب خلال لقاء انتخابي في مطعم «غريت كومونر» في ديربورن (أ.ب)
ألبرت عباس يسلم درعاً تذكارية لترمب خلال لقاء انتخابي في مطعم «غريت كومونر» في ديربورن (أ.ب)
TT

«الشرق الأوسط» تكشف مسار رسالة ترمب للبنانيين في أميركا من المحادثات إلى التوقيع

ألبرت عباس يسلم درعاً تذكارية لترمب خلال لقاء انتخابي في مطعم «غريت كومونر» في ديربورن (أ.ب)
ألبرت عباس يسلم درعاً تذكارية لترمب خلال لقاء انتخابي في مطعم «غريت كومونر» في ديربورن (أ.ب)

كشفت إشارة رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري إلى رسالة وقَّعها الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترمب، في «مطعم حسن عباس» في ديترويت، إلى دور لعبته العائلة المتحدة من أصل لبناني في تحفيز ترمب على الضغط باتجاه التوصل إلى تسوية ووقف إطلاق النار في لبنان، والمضيّ بخطة لتثبيت الاستقرار واستعادة التهدئة بين لبنان وإسرائيل.

والرسالة التي وُقِّعت قبل زيارة ترمب إلى المطعم بنحو أسبوع، ونُشرت قبل أيام منها بناءً على طلب الجالية، تُعدّ «أول تعهّد مكتوب في التاريخ يوقِّعه رئيس لناخبيه»، حسبما يقول علي عباس (المعروف باسم ألبرت عباس) الذي خاض محادثات مع مستشار ترمب ونسيبه من أصل لبناني الدكتور مسعد بولس، وطلب منه أن يدعم الرئيس مطالب الجاليتين اللبنانية والعربية في ميشيغان لوقف الحرب، وأن يضغط لوقف الحرب، ووقف معاناة اللبنانيين والفلسطينيين جراء الحرب الإسرائيلية، مقابل كسب ثقة الجاليات العربية في الولاية وتصويتهم لصالحه.

وأضاف عباس في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «بولس نقل الرسالة، وأرسل ترمب إلى الجالية رسالة موقَّعة منه تثبت التزامه بدعم المجتمع اللبناني، وبأنه يسعى لإحلال السلام في الشرق الأوسط والعالم».

«أمل» الجاليات العربية

حملت الرسالة دعماً صريحاً من ترمب بالضغط، واستخدام قوته لوقف الحرب؛ ما أعطى الجاليات العربية هناك «أملاً» بالتوصل إلى السلام، وإعادة الاستقرار. وينظر أبناء الجالية اللبنانية إلى الرسالة بوصفها «فرصة لتحقيق السلام»، وأنها «أعلى من أي فرصة يمكن أن يقدمها الديمقراطيون لتحقيق مطالب الجالية».

عائلة عباس

وعباس (48 عاماً)، ينتمي إلى عائلة لبنانية هاجرت في السبعينات، وولد ونشأ في الولايات المتحدة، وبات ناشطاً في المجتمع العربي، ومدافعاً عن السلام، ويستكمل نشاط والده الذي هاجر إلى الولايات المتحدة في عام 1972، ولعب في الثمانينات دور «ناقل رسائل متبادلة» بين إدارة الرئيس الأسبق رونالد ريغان واللبنانيين.

ويرفض عباس القول إنه يتحدر من عائلة سياسية، ويؤكد أن عائلته التي تستثمر في المطاعم، ناشطة ضد الحرب، ولا تضيع فرصة لتحقيق السلام، وإيقاف المعاناة الناتجة عن الحروب.

ترمب وألبرت عباس في مطعم «غريت كومونر» في ديربورن (أ.ب)

من حملة هاريس... إلى ترمب

جاء التواصل مع بولس، بعد تواصل مشابه مع مندوبي حملة هاريس الانتخابية، تبين أنه «مخيب للآمال» بعدما ظهر أنها غير مهتمة بتغيير السياسة الخارجية. ويوضح عباس: «التقينا بمندوبين عن حملة هاريس في المدينة، وعرضنا نفس المطالبة لجهة وقف إطلاق النار، وتحقيق السلام بما يرفع المعاناة عن الشعب اللبناني، لكن أعضاء الحملة أبلغونا بأنه لا مصلحة لهاريس بتغيير السياسة الخارجية القائمة تجاه لبنان وإسرائيل والفلسطينيين»، مشيراً إلى «أننا أخبرناهم بأن هناك لبنانيين من أقرباء أعضاء في الجالية اللبنانية في ديربورن، ماتوا جراء هذه الحرب، وأن استمرار هذه الحرب سيؤدي إلى معاناة إضافية، وهناك شعب يقتل، لكن لم يقدموا أي التزام أو وعد بتغيير السياسة القائمة تجاه الأزمة».

حملة ترمب

لذلك، انتقلت الجالية اللبنانية لطرح المطالب نفسها على حملة ترمب خلال اجتماعات أولية مع بولس، ونُقلت إليه مخاوف الجاليات على عائلاتهم في لبنان وغزة. وخلال لقاء مع بولس في ديربورن، طُرحت المطالب نفسها «بمسعى لإعطاء أمل للبنانيين والعرب في الولاية»، وطُلب منه تعاطٍ صُلب مع تلك المطالب لقاء الترحيب بترمب في المدينة، وتوطيد الصلة بين المسلمين في الولايات المتحدة كلها.

نسيب ترمب مسعد بولس يظهر في خلفية لقاء ترمب وألبرت عباس (أ.ب)

وبالفعل تعاطى بولس معها بإيجابية مع مطلب السلام والازدهار في الشرق الأوسط، و«نقلها إلى الرئيس ترمب الذي وافق على مطلبنا بأن يكون التعهّد مكتوباً وموقَّعاً من قبله، وأرسله إلينا بعد أيام»، ويضيف: «كانت تلك المرة الأولى في التاريخ التي يوقِّع فيها رئيس تعهداً لناخبيه؛ ما أسعدنا وأعطانا أملاً بأن يستخدم قوته ويمارس ضغوطاً لإيقاف الحرب، وتطبيق السلام». ويتابع عباس: «أرسل لنا فريق ترمب الرسالة الموقَّعة، وعرضناها على أبناء الجالية هنا، ونشرها بناءً على طلبنا؛ ما يتيح للملايين حول العالم بمشاهدة هذا الالتزام بالعمل لتحقيق السلام».

وتَوَجَّهَ ترمب في الرسالة إلى الجالية قائلاً: «أصدقاؤكم وعائلاتكم في لبنان يستحقون العيش بسلام وازدهار ووئام مع جيرانهم، وهذا يتحقق عبر السلام والاستقرار في المنطقة».

وتعهد بوضع حدّ للفوضى في الشرق الأوسط، وأنه سيمنع اندلاع حرب عالمية ثالثة، مؤكداً أن هذا الأمر جزء من رؤيته للحفاظ على السلام العالمي. كما أكد أنه يتطلع «للعمل مع الجالية اللبنانية في الولايات المتحدة لضمان سلامة وأمن الشعب اللبناني. انتخبوا ترمب من أجل السلام».

استقبال ترمب

كانت هذه الرسالة حافزاً للجالية اللبنانية والعربية للترحيب بترمب في مطلع شهر نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي في ديربورن. ويقول عباس: «طلبنا أن يكون هذا التعهد على قدر توقعاتنا، وتطرقت إلى هذا الأمر خلال خطابي الذي رحبت فيه بترمب في المطعم، كما طلبت في كلمتي تغيير الخطاب تجاه المسلمين في الإعلام، والتوقف عن تنميطنا».

خلال استقبال ترمب، كانت واجهة المقهى مزينة بلوحات تحمل عبارات: «دعونا نُنْهِ الحرب» و«الوقف من أجل السلام في لبنان وغزة». وتوجه ألبرت عباس إلى المرشح الرئاسي قائلاً: «عائلاتنا تعاني في الوطن»، وتابع: «لقد حان الوقت لإعطاء الأولوية لمصالح أمتنا، وتعزيز السلام الدائم للجميع. لقد فشلت هذه الإدارة الحالية (إدارة الرئيس بايدن) فشلاً ذريعاً في جميع جوانب الإنسانية». وتابع في خطابه بمطعم «غريت كومونر» المملوك لعائلته (شقيقان حسن وحسين) بالقول: «نتطلع إلى رئاسة ترمب بأمل، ونتصور وقتاً يزدهر فيه السلام، لا سيما في لبنان وفلسطين». وأضاف: «لا أستطيع الوقوف في صمت بينما يتم محو فلسطين، نرجوك أن تساعدنا في إيقاف إراقة الدماء، لا ينبغي إعطاء الأولوية لأي مبلغ من المال والسلطة على حياة الإنسان».

عباس يلقي خطاب الترحيب بترمب في مطعم عائلته في ديربورن (أ.ب)

ومن جانبه قال ترمب في اللقاء: «لدينا شعور رائع تجاه لبنان، وأعرف الكثير من الناس من لبنان، وعلينا أن ننهي كل هذا الأمر، نريد أن يكون لدينا سلام، أنا أعرف الكثيرين من الشعب اللبناني والسكان المسلمين، إنهم يحبون ترمب، وكانت لديهم علاقة جيدة معه، ونحن نريد أصواتهم، ونبحث عن أصواتهم، وأعتقد أننا سنحصل على أصواتهم».

خطاب ترمب

يصف عباس خطاب ترمب في اللقاء بالـ«قوي» و«الجاد». ويضيف: «طلبنا السلام، وكان ترمب متحمساً ومتجاوباً. بعد هذا اللقاء، أكد عزمه لتحقيق السلام للبنانيين والفلسطينيين، وتحدث عن ذكاء اللبنانيين ومعرفته بهم بوصفهم شعباً مسالماً يتوق للسلام والعدالة»، مضيفاً: «لذلك، سلمته درعاً تذكارية، واقتبست فيه عبارة من رونالد ريغان حول السلام، وستكون هذه الدرع في المكتب البيضاوي في البيت الأبيض».

وتضمنت الدرع التذكارية عبارة لريغان تقول: «السلام لا يتمثل بغياب الصراع، بل بالقدرة على التعامل مع الصراع بالوسائل السلمية».

ألبرت عباس يسلم ترمب درعاً تذكارية (أ.ب)


مقالات ذات صلة

القصف الإسرائيلي يعبر الليطاني... ويلغي «الخط الفاصل»

المشرق العربي تصاعد الدخان في جنوب لبنان إثر غارة إسرائيلية كما بدا من زوطر الغربية (رويترز)

القصف الإسرائيلي يعبر الليطاني... ويلغي «الخط الفاصل»

توسّع إسرائيل عملياتها في جنوب لبنان على جانبي نهر الليطاني، ما يعني أنه لم يعد حداً فاصلاً بين منطقتين مختلفتين للعمليات العسكرية.

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي الحكومة حاضرة في قاعة مجلس النواب خلال جلسة سابقة للبرلمان اللبناني (الوكالة الوطنية للإعلام)

مساءلة الحكومة اللبنانية... مبارزة متوقعة بين مؤيدي «اتفاق الإطار» و«مذكرة التفاهم»

تستعد حكومة الرئيس نواف سلام للمثول أمام البرلمان في جلسة صباحية تُعقَد يومي الثلاثاء والأربعاء في 15 و16 سبتمبر (أيلول) الحالي، هي الثانية منذ تشكيلها

محمد شقير (بيروت)
خاص سجن رومية

خاص تعليق العفو العام يشعل غضب نزلاء سجن رومية في لبنان

بدأ السجناء الإسلاميون في سجن رومية إضراباً مفتوحاً عن الطعام والشراب، والامتناع التام عن تناول الأدوية داخل السجن، بما في ذلك أصحاب الأمراض المزمنة.

يوسف دياب (بيروت)
عالم الاعمال الجامعة الأميركية في بيروت و«سي إم إيه سي جي إم» تؤسسان معهداً للذكاء الاصطناعي

الجامعة الأميركية في بيروت و«سي إم إيه سي جي إم» تؤسسان معهداً للذكاء الاصطناعي

وقّعت الجامعة الأميركية في بيروت و«سي إم إيه سي جي إم» (CMA CGM) شراكة لتأسيس معهد متخصص في الذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات.

المشرق العربي طوافة لبنانية تشارك في إخماد الحريق في مرفأ بيروت بعد انفجار 4 أغسطس 2020 (أرشيفية - أ.ف.ب)

ملف انفجار مرفأ بيروت قيد الحسم... والنيابة العامة تصدر مطالعتها

دخلت قضية انفجار مرفأ بيروت مرحلة حاسمة، مع إنجاز المحامي العام التمييزي، القاضي محمد صعب، مطالعته بالأساس في الملف، تمهيداً لتسليمها الثلاثاء

يوسف دياب (بيروت)

ترسانة الفصائل العراقية «باقية حتى 2028»

دورية تابعة لـ«الحشد الشعبي» العراقي (أرشيفية - موقع الحشد الشعبي)
دورية تابعة لـ«الحشد الشعبي» العراقي (أرشيفية - موقع الحشد الشعبي)
TT

ترسانة الفصائل العراقية «باقية حتى 2028»

دورية تابعة لـ«الحشد الشعبي» العراقي (أرشيفية - موقع الحشد الشعبي)
دورية تابعة لـ«الحشد الشعبي» العراقي (أرشيفية - موقع الحشد الشعبي)

مع اقتراب موعد اكتمال الانسحاب الأميركي من العراق والمحدد بنهاية سبتمبر (أيلول) الجاري، ما زالت قضية حصر السلاح الموجود خارج إطار الدولة تواجه تعقيدات، وسط معلومات عن أن ترسانة الفصائل باقية حتى 2028.

ووفق مصادر عدة تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، يبدو أن الفصائل نجحت بمساعدة إيرانية في «إفراغ خطة حصر السلاح بعدما حاصرت رئيس الحكومة علي الزيدي سياسياً وانتزعت منه أدوات الضغط والتنفيذ».

وخلال الأسابيع الماضية، قضى أعضاء لجنة التفاوض على حصر السلاح، وهم نوري المالكي، رئيس الوزراء الأسبق، ومحمد شياع السوداني، رئيس الوزراء السابق، وهادي العامري، مسؤول «منظمة بدر»، ساعات في أربعة اجتماعات على الأقل، للتفاوض على تسوية أساسها «عدم استخدام السلاح» لكن بشرط «عدم التفريط فيه»، وفق المصادر.

ورغم هذه الصيغة «الصورية»، زرع ممثلو الفصائل «قنبلة موقوتة» في التسوية، تعتبر «أي اتفاق على عدم استخدام السلاح ملغى في ظروف محددة»، بينما توصل الجانبان إلى جدول زمني يستمر حتى مطلع 2028 حتى توافق الفصائل في النهاية على حصر سلاحها.

والحال أن اليأس يطبق على مسؤولين في سلطات مختلفة ببغداد. فخلال اجتماع مع مسؤول أميركي زار العراق أخيراً، خاطبه مسؤول كردي كبير قائلاً: «النظام السياسي الآن يشبه حافلة قديمة تنطلق بسرعة على منحدر من دون مكابح».


اتساع «احتجاجات الوقود» في سوريا

جانب من المظاهرات التي شهدتها حلب على زيارة أسعار الوقود (رويترز)
جانب من المظاهرات التي شهدتها حلب على زيارة أسعار الوقود (رويترز)
TT

اتساع «احتجاجات الوقود» في سوريا

جانب من المظاهرات التي شهدتها حلب على زيارة أسعار الوقود (رويترز)
جانب من المظاهرات التي شهدتها حلب على زيارة أسعار الوقود (رويترز)

اتسعت المظاهرات الرافضة لقرار رفع أسعار الوقود في سوريا، أمس الاثنين، لليوم الثاني على التوالي، إذ شهدت مدينة الشحيل في ريف دير الزور (شرق) تجدد الاحتجاجات التي جرى خلالها إشعال إطارات، كما قطع محتجون الطريق الدولي بين العراق وسوريا في ريف البوكمال شرق المحافظة، وكذلك طريق حقل العمر النفطي.

وأغلق الأهالي في مدينة تل تمر الطريق الدولي «إم 4»، ما أدى إلى توقف حركة مئات صهاريج نقل النفط. وشهد معبر باب السلامة مع تركيا في محافظة حلب، إغلاق محتجين للمعبر أمام شاحنات البضائع ومنعوا حركة خروج السيارات بشكل كامل.

وشمل تجدد الاحتجاجات أيضاً مدينة الرقة، إذ أقدم مدنيون على قطع الطريق أمام مقر صوامع الحبوب. وتجمع الأهالي في مناطق بمحافظة الحسكة (شمال) بينها الشدادي وتل براك، مشعلين الإطارات وقطعوا الطرقات، وسط مطالب بالتراجع عن القرار الذي أصدره وزير الطاقة الذي طلب منه مجلس الشعب جلسة استماع الخميس المقبل.

ويعتقد مراقبون أن الاحتجاجات جاءت نتيجة عدم تحسن الوضع المعيشي للسوريين وما كانوا يأملونه أن يتحقق على يد السلطات الجديدة عقب إسقاط نظام الأسد، خاصة أن غالبية المحتجين يعدون من الحاضنة الاجتماعية لحكومة الرئيس أحمد الشرع.


توافق فرنسي - عراقي على تعزيز «الشراكة الاستراتيجية»

مصافحة بين الرئيس ماكرون ورئيس الوزراء العراقي علي الزيدي عقب مراسم التوقيع (أ.ف.ب)
مصافحة بين الرئيس ماكرون ورئيس الوزراء العراقي علي الزيدي عقب مراسم التوقيع (أ.ف.ب)
TT

توافق فرنسي - عراقي على تعزيز «الشراكة الاستراتيجية»

مصافحة بين الرئيس ماكرون ورئيس الوزراء العراقي علي الزيدي عقب مراسم التوقيع (أ.ف.ب)
مصافحة بين الرئيس ماكرون ورئيس الوزراء العراقي علي الزيدي عقب مراسم التوقيع (أ.ف.ب)

زيارة قصيرة ولكنها حافلة قام بها رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، يرافقه وفد رسمي كبير، إلى باريس، محطته الأوروبية الأولى منذ تسلمه رئاسة الوزراء، في حين ستكون برلين محطته الثانية قبل عودته إلى بغداد. وعكس البيان المشترك الذي وزّعه قصر الإليزيه، عصر الاثنين، المروحة الواسعة من الملفات التي تناولها الطرفان، على مستوى الرئيس إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء علي الزيدي، ولكن أيضاً على المستوى الوزاري بين الجانبين ومع الشركات الفرنسية، ومنها شركة «توتال إنرجيز» الساعية لتوسيع حضورها في العراق.

وقال رئيس الوزراء العراقي، في مقالة له نشرتها صحيفة «لو فيغارو» ظهر الاثنين، إن بلاده تمثل رابع احتياطي نفطي مؤكد في العالم بما يقدّر بـ145 مليار برميل. وفي المقالة ذاتها، عرض الزيدي رؤيته للعلاقات الجديدة التي يريد لبلاده أن تبنيها مع فرنسا بحيث «يكون فيها العراق شريكاً فاعلاً، لا دولة تأتي محمّلة بقائمة من المطالب أو تبحث عن مظلة سياسية». وفي نظره، فإن زيارته «تكتسب أهمية إضافية بالنظر إلى توقيتها»، ولكن أيضاً لأنها تحل «في مرحلة يسود فيها قدر كبير من عدم اليقين في الشرق الأوسط، حيث باتت فيه الحاجة ملحّة إلى جهود إقليمية وأوروبية ودولية لاحتواء التوترات وإعادة الهدوء إلى المنطقة».

وفي نظر الزيدي، فإن أهمية الزيارة «تتجاوز حدود العلاقات الثنائية بين العراق وفرنسا؛ فهي تتيح للعراق توسيع دائرة شراكاته وانخراطه في أوروبا، وتعزيز دوره في الجهود الجماعية الرامية إلى ترسيخ الاستقرار في المنطقة».

وبحسب البيان المشترك، فإن الغرض الأسمى للزيارة يكمن في «تعزيز الشراكة الاستراتيجية وعلاقات الصداقة بين فرنسا والعراق».

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء العراقي علي الزيدي يشرفان على توقيع عدد من المذكرات والتفاهمات في قصر الإليزيه بعد ظهر الاثنين (أ.ف.ب)

يتكون البيان من عشرين فقرة تتناول كل ما حصل خلال الزيارة، بما في ذلك الاتفاقات وإعلانات النوايا والتفاهمات التي فصّلها بيان منفصل صادر عن الرئاسة الفرنسية، ومنها ستة اتفاقات وُقّعت بحضور ماكرون والزيدي. وكانت لافتة الإشارة إلى «الرؤية المشتركة» للطرفين حول كيفية التعامل مع أزمات الشرق الأوسط وكيفية تعزيز الأمن والاستقرار فيه «على أساس احترام السيادة الوطنية، وعدم التدخل، وحسن الجوار، وسلامة الأراضي، واحترام القانون الدولي، واللجوء إلى الحلول الدبلوماسية للتعامل مع الأزمات والتهديدات المشتركة التي تواجهها المنطقة». وفي الفقرة تلميح للحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإيران، ورؤية الطرفين أن الانتهاء منها يجب أن يمر عبر الحلول الدبلوماسية.

وإذ تضمن البيان المشترك إشادة ماكرون بـ«السياسة الخارجية المتوازنة التي ينتهجها العراق»، و«الدور الذي يضطلع به هذا البلد في إقامة الروابط وتعزيز الحوار وتشجيع التعاون الإقليمي»، فإن الزيدي حرص في مقالته على طرح العراق «منصة للحوار»، مضيفاً أنه «لن يسمح بأن تتحول أراضيه إلى قاعدة لشن تهديدات ضد الدول المجاورة، أو إلى ساحة مواجهة بين القوى الإقليمية والدولية». ووفق ما قاله، فإن العراق «مستعد لاستضافة حوارات مباشرة بين أطراف النزاع متى توافرت الإرادة السياسية اللازمة».

ويشكل الملف الأمني أحد أهم الملفات التي تمت مناقشتها في اجتماع الإليزيه. وجاء في البيان المشترك أنه «نظراً إلى الدور الإيجابي الذي تؤديه فرنسا ضمن (التحالف الدولي)، اتفق رئيس الجمهورية الفرنسية ورئيس الوزراء العراقي على مواصلة وتعميق التعاون العسكري، ولا سيما تعزيز القدرات العراقية بهدف حماية الحدود ودعم سيادة العراق على أراضيه، وذلك في إطار ثنائي يحترم سيادة البلدين، وسيتم الاتفاق عليه لاحقاً، بعد انتهاء مهمة (التحالف الدولي)».

الرئيس ماكرون في استقبال رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في قصر الإليزيه (أ.ب)

ويندرج هذا التفاهم في إطار رغبة البلدين في تعزيز علاقاتهما بالاستناد إلى «معاهدة الشراكة الاستراتيجية الثنائية الموقعة عام 2023»، والتي صادقت عليها فرنسا بالفعل، في حين أن العراق «عازم على المصادقة عليها قريباً». وتبرز أهمية الجانب الأمني في توصل الطرفين إلى «خريطة طريق استراتيجية خاصة باستحواذ العراق على تجهيزات عسكرية فرنسية في إطار سعيه لإعادة بناء وتحديث قدراته العسكرية». كذلك وقّع الطرفان «رسالة نوايا» بشأن «أنظمة الدفاع الجوي الذاتية» بين وزارة الدفاع العراقية والشركة الفرنسية «هارماتان AI». وترى باريس في هذين العنصرين «تأكيداً لرغبة الطرفين في مواصلة تعاونهما في مجال تعزيز القدرات العسكرية ودعم العراق من أجل مهماته السيادية». وجاء في إحدى فقرات البيان المشترك أن الزيدي أعرب عن عزمه على «تشجيع المناقشات بين الشركات الفرنسية ووزارة الدفاع العراقية في مجالات الحركة الجوية، وأنظمة المدفعية، وأنظمة مكافحة الطائرات المسيّرة (C-UAS)، وأنظمة الدفاع والمراقبة الجوية».

ما سبق يعكس ميلاً عراقياً لتنويع مصادر تسلحه، وباريس تعد مدخلاً ملائماً لهذا الغرض. وإذا كان صحيحاً أنها تسعى إلى تعزيز حضور متعدد الأشكال (سياسياً ودبلوماسياً وثقافياً وصحياً) في العراق، فإنها تولي اهتماماً خاصاً لقطاعين رئيسيين هما الدفاع من جهة، والطاقة من جهة أخرى.

وكما في القطاع الدفاعي، فقد تم توقيع مذكرة تفاهم بين وزارة الكهرباء العراقية ومجموعة «توتال إنرجيز» من أجل تزويد العراق بالغاز الطبيعي المسال. وفي هذا السياق، استقبل علي الزيدي رئيسَ الشركة النفطية الفرنسية باتريك بويانيه. كذلك وقّع الطرفان مذكرة تفاهم خاصة ببرنامج تأهيل وتعزيز القدرات العراقية في قطاع الطاقة. بيد أن طموحات فرنسا النفطية والغازية في العراق تذهب أبعد من ذلك؛ فقد ورد في البيان المشترك أن العراق اتفق مع شركة «توتال إنرجيز» على الدخول في مناقشات بشأن عدد من مشاريع الطاقة «تقوم على استثمارات واسعة النطاق، وتهدف إلى تعزيز إنتاج النفط العراقي، والمساهمة في زيادة كفاءة الطاقة، وتعزيز السيادة في مجال الطاقة، ودعم التحول في مجال الطاقة» في العراق. وفي زمن يعاني فيه العالم من أزمة طاقة حادة، فإن اتفاقاً مع بلد يمتلك احتياطياً نفطياً كبيراً يعد لفرنسا إنجازاً بالغ الأهمية.