«الشرق الأوسط» تكشف مسار رسالة ترمب للبنانيين في أميركا من المحادثات إلى التوقيع

دور سابق لعائلة عباس بنقل رسائل لبنان وإدارة ريغان... واشترطت توقيعها قبل استقباله

ألبرت عباس يسلم درعاً تذكارية لترمب خلال لقاء انتخابي في مطعم «غريت كومونر» في ديربورن (أ.ب)
ألبرت عباس يسلم درعاً تذكارية لترمب خلال لقاء انتخابي في مطعم «غريت كومونر» في ديربورن (أ.ب)
TT

«الشرق الأوسط» تكشف مسار رسالة ترمب للبنانيين في أميركا من المحادثات إلى التوقيع

ألبرت عباس يسلم درعاً تذكارية لترمب خلال لقاء انتخابي في مطعم «غريت كومونر» في ديربورن (أ.ب)
ألبرت عباس يسلم درعاً تذكارية لترمب خلال لقاء انتخابي في مطعم «غريت كومونر» في ديربورن (أ.ب)

كشفت إشارة رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري إلى رسالة وقَّعها الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترمب، في «مطعم حسن عباس» في ديترويت، إلى دور لعبته العائلة المتحدة من أصل لبناني في تحفيز ترمب على الضغط باتجاه التوصل إلى تسوية ووقف إطلاق النار في لبنان، والمضيّ بخطة لتثبيت الاستقرار واستعادة التهدئة بين لبنان وإسرائيل.

والرسالة التي وُقِّعت قبل زيارة ترمب إلى المطعم بنحو أسبوع، ونُشرت قبل أيام منها بناءً على طلب الجالية، تُعدّ «أول تعهّد مكتوب في التاريخ يوقِّعه رئيس لناخبيه»، حسبما يقول علي عباس (المعروف باسم ألبرت عباس) الذي خاض محادثات مع مستشار ترمب ونسيبه من أصل لبناني الدكتور مسعد بولس، وطلب منه أن يدعم الرئيس مطالب الجاليتين اللبنانية والعربية في ميشيغان لوقف الحرب، وأن يضغط لوقف الحرب، ووقف معاناة اللبنانيين والفلسطينيين جراء الحرب الإسرائيلية، مقابل كسب ثقة الجاليات العربية في الولاية وتصويتهم لصالحه.

وأضاف عباس في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «بولس نقل الرسالة، وأرسل ترمب إلى الجالية رسالة موقَّعة منه تثبت التزامه بدعم المجتمع اللبناني، وبأنه يسعى لإحلال السلام في الشرق الأوسط والعالم».

«أمل» الجاليات العربية

حملت الرسالة دعماً صريحاً من ترمب بالضغط، واستخدام قوته لوقف الحرب؛ ما أعطى الجاليات العربية هناك «أملاً» بالتوصل إلى السلام، وإعادة الاستقرار. وينظر أبناء الجالية اللبنانية إلى الرسالة بوصفها «فرصة لتحقيق السلام»، وأنها «أعلى من أي فرصة يمكن أن يقدمها الديمقراطيون لتحقيق مطالب الجالية».

عائلة عباس

وعباس (48 عاماً)، ينتمي إلى عائلة لبنانية هاجرت في السبعينات، وولد ونشأ في الولايات المتحدة، وبات ناشطاً في المجتمع العربي، ومدافعاً عن السلام، ويستكمل نشاط والده الذي هاجر إلى الولايات المتحدة في عام 1972، ولعب في الثمانينات دور «ناقل رسائل متبادلة» بين إدارة الرئيس الأسبق رونالد ريغان واللبنانيين.

ويرفض عباس القول إنه يتحدر من عائلة سياسية، ويؤكد أن عائلته التي تستثمر في المطاعم، ناشطة ضد الحرب، ولا تضيع فرصة لتحقيق السلام، وإيقاف المعاناة الناتجة عن الحروب.

ترمب وألبرت عباس في مطعم «غريت كومونر» في ديربورن (أ.ب)

من حملة هاريس... إلى ترمب

جاء التواصل مع بولس، بعد تواصل مشابه مع مندوبي حملة هاريس الانتخابية، تبين أنه «مخيب للآمال» بعدما ظهر أنها غير مهتمة بتغيير السياسة الخارجية. ويوضح عباس: «التقينا بمندوبين عن حملة هاريس في المدينة، وعرضنا نفس المطالبة لجهة وقف إطلاق النار، وتحقيق السلام بما يرفع المعاناة عن الشعب اللبناني، لكن أعضاء الحملة أبلغونا بأنه لا مصلحة لهاريس بتغيير السياسة الخارجية القائمة تجاه لبنان وإسرائيل والفلسطينيين»، مشيراً إلى «أننا أخبرناهم بأن هناك لبنانيين من أقرباء أعضاء في الجالية اللبنانية في ديربورن، ماتوا جراء هذه الحرب، وأن استمرار هذه الحرب سيؤدي إلى معاناة إضافية، وهناك شعب يقتل، لكن لم يقدموا أي التزام أو وعد بتغيير السياسة القائمة تجاه الأزمة».

حملة ترمب

لذلك، انتقلت الجالية اللبنانية لطرح المطالب نفسها على حملة ترمب خلال اجتماعات أولية مع بولس، ونُقلت إليه مخاوف الجاليات على عائلاتهم في لبنان وغزة. وخلال لقاء مع بولس في ديربورن، طُرحت المطالب نفسها «بمسعى لإعطاء أمل للبنانيين والعرب في الولاية»، وطُلب منه تعاطٍ صُلب مع تلك المطالب لقاء الترحيب بترمب في المدينة، وتوطيد الصلة بين المسلمين في الولايات المتحدة كلها.

نسيب ترمب مسعد بولس يظهر في خلفية لقاء ترمب وألبرت عباس (أ.ب)

وبالفعل تعاطى بولس معها بإيجابية مع مطلب السلام والازدهار في الشرق الأوسط، و«نقلها إلى الرئيس ترمب الذي وافق على مطلبنا بأن يكون التعهّد مكتوباً وموقَّعاً من قبله، وأرسله إلينا بعد أيام»، ويضيف: «كانت تلك المرة الأولى في التاريخ التي يوقِّع فيها رئيس تعهداً لناخبيه؛ ما أسعدنا وأعطانا أملاً بأن يستخدم قوته ويمارس ضغوطاً لإيقاف الحرب، وتطبيق السلام». ويتابع عباس: «أرسل لنا فريق ترمب الرسالة الموقَّعة، وعرضناها على أبناء الجالية هنا، ونشرها بناءً على طلبنا؛ ما يتيح للملايين حول العالم بمشاهدة هذا الالتزام بالعمل لتحقيق السلام».

وتَوَجَّهَ ترمب في الرسالة إلى الجالية قائلاً: «أصدقاؤكم وعائلاتكم في لبنان يستحقون العيش بسلام وازدهار ووئام مع جيرانهم، وهذا يتحقق عبر السلام والاستقرار في المنطقة».

وتعهد بوضع حدّ للفوضى في الشرق الأوسط، وأنه سيمنع اندلاع حرب عالمية ثالثة، مؤكداً أن هذا الأمر جزء من رؤيته للحفاظ على السلام العالمي. كما أكد أنه يتطلع «للعمل مع الجالية اللبنانية في الولايات المتحدة لضمان سلامة وأمن الشعب اللبناني. انتخبوا ترمب من أجل السلام».

استقبال ترمب

كانت هذه الرسالة حافزاً للجالية اللبنانية والعربية للترحيب بترمب في مطلع شهر نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي في ديربورن. ويقول عباس: «طلبنا أن يكون هذا التعهد على قدر توقعاتنا، وتطرقت إلى هذا الأمر خلال خطابي الذي رحبت فيه بترمب في المطعم، كما طلبت في كلمتي تغيير الخطاب تجاه المسلمين في الإعلام، والتوقف عن تنميطنا».

خلال استقبال ترمب، كانت واجهة المقهى مزينة بلوحات تحمل عبارات: «دعونا نُنْهِ الحرب» و«الوقف من أجل السلام في لبنان وغزة». وتوجه ألبرت عباس إلى المرشح الرئاسي قائلاً: «عائلاتنا تعاني في الوطن»، وتابع: «لقد حان الوقت لإعطاء الأولوية لمصالح أمتنا، وتعزيز السلام الدائم للجميع. لقد فشلت هذه الإدارة الحالية (إدارة الرئيس بايدن) فشلاً ذريعاً في جميع جوانب الإنسانية». وتابع في خطابه بمطعم «غريت كومونر» المملوك لعائلته (شقيقان حسن وحسين) بالقول: «نتطلع إلى رئاسة ترمب بأمل، ونتصور وقتاً يزدهر فيه السلام، لا سيما في لبنان وفلسطين». وأضاف: «لا أستطيع الوقوف في صمت بينما يتم محو فلسطين، نرجوك أن تساعدنا في إيقاف إراقة الدماء، لا ينبغي إعطاء الأولوية لأي مبلغ من المال والسلطة على حياة الإنسان».

عباس يلقي خطاب الترحيب بترمب في مطعم عائلته في ديربورن (أ.ب)

ومن جانبه قال ترمب في اللقاء: «لدينا شعور رائع تجاه لبنان، وأعرف الكثير من الناس من لبنان، وعلينا أن ننهي كل هذا الأمر، نريد أن يكون لدينا سلام، أنا أعرف الكثيرين من الشعب اللبناني والسكان المسلمين، إنهم يحبون ترمب، وكانت لديهم علاقة جيدة معه، ونحن نريد أصواتهم، ونبحث عن أصواتهم، وأعتقد أننا سنحصل على أصواتهم».

خطاب ترمب

يصف عباس خطاب ترمب في اللقاء بالـ«قوي» و«الجاد». ويضيف: «طلبنا السلام، وكان ترمب متحمساً ومتجاوباً. بعد هذا اللقاء، أكد عزمه لتحقيق السلام للبنانيين والفلسطينيين، وتحدث عن ذكاء اللبنانيين ومعرفته بهم بوصفهم شعباً مسالماً يتوق للسلام والعدالة»، مضيفاً: «لذلك، سلمته درعاً تذكارية، واقتبست فيه عبارة من رونالد ريغان حول السلام، وستكون هذه الدرع في المكتب البيضاوي في البيت الأبيض».

وتضمنت الدرع التذكارية عبارة لريغان تقول: «السلام لا يتمثل بغياب الصراع، بل بالقدرة على التعامل مع الصراع بالوسائل السلمية».

ألبرت عباس يسلم ترمب درعاً تذكارية (أ.ب)


مقالات ذات صلة

القضاء اللبناني يتهم عناصر من «حزب الله» بـ«الاعتداء على أمن الدولة»

المشرق العربي المحكمة العسكرية في لبنان (الوكالة الوطنية)

القضاء اللبناني يتهم عناصر من «حزب الله» بـ«الاعتداء على أمن الدولة»

سلك ملف شاحنة المتفجرات المضبوطة على حاجز ضهر البيدر منحًى قضائياً بارزاً، تمثل بادعاء مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية، القاضي كلود غانم، على ثلاثة عشر شخصاً.

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي تمثال لجندي يحمل ميزاناً يرمز إلى العدالة خارج المحكمة العسكرية في بيروت (أ.ب)

القضاء اللبناني يدّعي على 13 شخصاً من «حزب الله» في قضية متفجرات ضهر البيدر

ادّعى القضاء العسكري اللبناني على 13 شخصاً من «حزب الله» بجرائم تشمل الاعتداء على أمن الدولة وحيازة أسلحة ومتفجرات، وأحالهم على التحقيق في قضية ضهر البيدر.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي جنود إسرائيليون تدعمهم دبابة ينفّذون عملية في بلدة زوطر الشرقية بجنوب لبنان يوم 25 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

قصف إسرائيلي يستهدف عدداً من المناطق في جنوب لبنان

قصفت المدفعية الإسرائيلية مساء اليوم الخميس، وادي زبقين في جنوب لبنان. كما قصفت، عصر اليوم، طريق عام بلدة يحمر الشقيف، وأطراف بلدة ميفدون في الجنوب أيضاً.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي رئيس الحكومة نواف سلام مترئساً الجلسة بغياب وزراء «القوات» (رئاسة الحكومة)

«القوات اللبنانية» تقاطع الحكومة بسبب متفجرات «حزب الله»

انتقل الخلاف داخل الحكومة اللبنانية بشأن إحالة ملف متفجرات ضهر البيدر إلى المجلس العدلي لمرحلة جديدة، الخميس، مع مقاطعة وزراء «القوات اللبنانية» جلسة الحكومة.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي عناصر من الجيش اللبناني يحرسون مزارعين أثناء قطف الزيتون وذلك لحمايتهم من أي هجمات إسرائيلية محتملة في بلدة زبقين بجنوب لبنان (رويترز)

«حزب الله» يروّج لـ«بوادر انفراج إيراني - أميركي»

تجمع القوى السياسية على أن المفاوضات بين لبنان وإسرائيل تدخل حالياً في «إجازة»، تبقى مدتها معلّقة على هوية المكلّف بتشكيل الحكومة الإسرائيلية.

محمد شقير (بيروت)

«المخابرات» العراقي أمام امتحان التنافس السياسي

رئيس المخابرات العراقي حميد الشطري (واع)
رئيس المخابرات العراقي حميد الشطري (واع)
TT

«المخابرات» العراقي أمام امتحان التنافس السياسي

رئيس المخابرات العراقي حميد الشطري (واع)
رئيس المخابرات العراقي حميد الشطري (واع)

لا تقتصر دلالات إقالة حميد الشطري من رئاسة جهاز المخابرات العراقي وتولي رئيس الوزراء علي الزيدي المنصب بنفسه على تغيير في أحد أبرز الأجهزة الأمنية في البلاد، بل تفتح الباب أمام تساؤلات بشأن توزيع المناصب الحساسة بين القوى السياسية، وحدود نفوذها داخل المؤسسات الأمنية.

وتولى الزيدي، مساء يوم الخميس، الموقع الحساس في البلاد بعد 3 أيام من قراره إعفاء الشطري، الذي تولى المنصب في ديسمبر (كانون الأول) 2024، إذ كلفه بالمنصب حينها رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني خلفاً لرائد جوحي.

وربطت الحكومة قرار الإعفاء بما وصفته باستكمال السيادة ومواجهة التحديات الإقليمية، من دون أن تقدم تفاصيل عن طبيعة هذه التحديات أو المدة التي سيستمر فيها تولي الزيدي إدارة الجهاز.

وتبدو الخطوة أقرب إلى إجراء استثنائي في إدارة المؤسسة الأمنية، لكنها تحمل في الوقت نفسه أبعاداً سياسية تتجاوز مسألة تغيير رئيسها.

وفي حين أعلن الزيدي أن جهاز المخابرات «لجميع العراقيين»، وأنه ينبغي إبعاده عن المحاصصة الحزبية والفئوية والطائفية، فإن توليه رئاسته بنفسه، بدلاً من تعيين رئيس جديد، يترك المنصب خارج التوزيع السياسي الذي كان يُفترض أن يشمله، على الأقل وفق التفاهمات غير المكتوبة بين القوى المشاركة في الحكم.

رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي خلال التصويت على حكومته بمقر البرلمان في بغداد يوم 14 مايو 2026 (رويترز)

هيكلة أمنية

تقول مصادر سياسية لـ«الشرق الأوسط» إن جهاز المخابرات أصبح، في إطار التفاهمات المتعلقة بتوزيع المناصب، من حصة العرب السنة، وإن بقي هذا الترتيب من دون ترجمة فعلية إلى تولي شخصية سنية رئاسته.

وأوضحت المصادر أن تولي الزيدي منصب رئاسة الجهاز قد يهدف إلى حماية الرئيس الجديد للمخابرات العراقية من الصراعات السياسية، في ظل أوضاع إقليمية متوترة، مشيرة إلى أن «خططه لإعادة هيكلة المنظومة الأمنية تعرقل خطط الاستحواذ على الجهاز».

وتعاقب على إدارة الجهاز مسؤولون من أحزاب شيعية منذ 2003، باستثناء فترة قصيرة تولى فيها الضابط السابق محمد عبد الله الشهواني رئاسته، فيما شغل مسؤولون سنة مواقع مهمة في هيكليته، بينها منصب معاون رئيس الجهاز لشؤون العمليات الذي كان قد تعرّض لحملات تحريض من قِبل فصائل موالية لإيران.

وكان محيط مقر الجهاز في منطقة المنصور بالعاصمة بغداد قد تعرّض في مارس (آذار) 2026، إلى هجوم جوي بطائرة مسيرة، مما أسفر عن مقتل أحد ضباط الجهاز وإلحاق أضرار مادية داخل المقر.

وأشارت تقارير أمنية غير رسمية إلى وقوف فصائل مسلحة خارجة عن القانون وراء الهجوم، على خلفية التوتر الإقليمي بين إيران والولايات المتحدة.

وقال سياسي سني، طلب عدم الكشف عن اسمه، لـ«الشرق الأوسط»، إن الجهاز يقع، وفق التقسيمة الطائفية والعرقية السائدة في بنية الحكم العراقي، ضمن حصة العرب السنة، مضيفاً أن هذا المكون «كثيراً ما ظلمته المحاصصة، لا سيما في المناصب الحساسة والأمنية»، معتبراً أن استمرار غيابه عن مواقع من هذا النوع يعكس فجوة بين الحديث عن المواطنة وتجاوز إرث الماضي من ناحية والممارسة السياسية من ناحية أخرى.

لكن السياسي نفسه فصل بين إقالة الشطري وتولي الزيدي إدارة الجهاز. وقال إن «تولي رئيس الوزراء إدارة الجهاز في المرحلة الحالية قد يحول دون انتقال الخلاف عليه إلى ساحة تنافس بين القوى السياسية». وأضاف أن فتح باب الترشيحات في ظل حدة الصراع على المنصب ربما كان سيحول دون التوصل إلى توافق بشأنه.

رئيس الوزراء العراقي السابق محمد شياع السوداني مجتمعاً مع رئيس جهاز المخابرات السابق حميد الشطري في بغداد يوم 21 مارس 2026 (أ.ف.ب)

«المخابرات» بين المركزية والمحاصصة

منذ 2003، لم يكن الجهاز بمنأى عن التداخل بين الاعتبارات المهنية والسياسية الذي طبع بناء مؤسسات الدولة العراقية. فالمناصب العليا، بما فيها الأجهزة الأمنية، ظلّت في حالات كثيرة موضع تفاوض وتنافس بين القوى السياسية، رغم اختلاف طبيعة هذه المؤسسات عن الهيئات المدنية.

يشير الباحث في الشؤون السياسية عباس عبود إلى أن بنية الدولة بعد عام 2003 شهدت تداخلاً بين الإداري والسياسي، أدى إلى تحجيم دور المؤسسات وإضعاف استقلالها.

وقال عبود لـ«الشرق الأوسط» إن هذا التداخل أفضى إلى تنازع حزبي على المؤسسات، بدءاً من المواقع الإدارية وصولاً إلى الأجهزة ذات الطبيعة الأمنية الحساسة، مضيفاً أن جهاز المخابرات أصبح بدوره جزءاً من هذا التنافس، رغم تأكيدات رئيس الوزراء ضرورة إبعاده عن المحاصصة.

تبرز هنا مسألة تتعلق بمدى قدرة الزيدي على تحويل توليه الجهاز إلى خطوة نحو إعادة ضبط العلاقة بين القيادة السياسية والمؤسسات الأمنية. فاستحداث مكتب للقائد العام للقوات المسلحة، وإسناد إدارته إلى وزير الداخلية السابق الفريق عبد الأمير الشمري، يعكسان توجهاً معلناً نحو تجميع الإشراف على المنظومة الأمنية تحت قيادة رئيس الوزراء. غير أن توسيع الإشراف المركزي لا يعني بالضرورة تعزيز الاستقلال المهني للمؤسسات، ما لم يقترن بقواعد واضحة للتعيين والمساءلة وتحديد الصلاحيات، وفق مراقبين.

وقال أستاذ العلوم السياسية في الجامعة المستنصرية، طالب محمد كريم، إن تحصين العراق من الصراعات الإقليمية والدولية يتطلّب جهاز مخابرات قادراً على قراءة المشهد الاستراتيجي واستشراف اتجاهات الصراع وانعكاساتها على الأمن والسيادة والمصالح الاقتصادية.

وشدد كريم، في حديث مع «الشرق الأوسط»، على أن تحقيق ذلك يتطلّب استقلالاً مهنياً عن التجاذبات الحزبية، وتنسيقاً مع المؤسسات الأمنية والدبلوماسية والاقتصادية، إلى جانب قيادة تمتلك الصلاحية والرؤية لإدارة الجهاز وفق مقتضيات المصلحة الوطنية، وليس حسابات القوى السياسية.


اشتباكات داخلية بين مسلحي «الحرس الوطني» في السويداء السورية

عناصر من المسلحين الموالين للشيخ حكمت الهجري خلال دورية في السويداء (أرشيفية - أ.ف.ب)
عناصر من المسلحين الموالين للشيخ حكمت الهجري خلال دورية في السويداء (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

اشتباكات داخلية بين مسلحي «الحرس الوطني» في السويداء السورية

عناصر من المسلحين الموالين للشيخ حكمت الهجري خلال دورية في السويداء (أرشيفية - أ.ف.ب)
عناصر من المسلحين الموالين للشيخ حكمت الهجري خلال دورية في السويداء (أرشيفية - أ.ف.ب)

قالت مصادر في محافظة السويداء السورية ذات الأغلبية الدرزية إن الاشتباكات العنيفة التي شهدتها مدينة السويداء ليل الخميس بين أفراد يتبعون ما يعرف بـ«الحرس الوطني»، التي تتكرر بين الحين والآخر، سببها الرئيسي «عدم وجود سلطة وقانون وتغول العصابات المسلحة».

وشهدت مدينة السويداء ليل الخميس - الجمعة، اشتباكات عنيفة بين «مجموعات خارجة عن القانون»، وسط أنباء عن وقوع إصابات بين المدنيين، وامتدت من «حي المقوس» شرقي المدينة إلى سوق السويداء و«حي المشورب»، وفق ما ذكرت «مديرية إعلام السويداء» التابعة للمحافظة.

وبينما ذكرت وكالة الأنباء السورية الرسمية «سانا» أن الاشتباكات «تسببت في إصابة محامٍ ومدنيين آخرين»، لفتت شبكة «السويداء 24» إلى أنه تم خلالها استخدام القذائف الصاروخية والرشاشات الثقيلة.

صورة نشرتها شبكة «السويداء 24» لعناصر من جماعة الهجري في مدينة السويداء

وأفادت مصادر محلية بإصابة موظف أردني الجنسية يعمل لدى إحدى منظمات الأمم المتحدة، إثر وجوده بالقرب من موقع الاشتباكات، مشيرة إلى أنه أصيب بشظية رصاص متفجر، ونُقل إلى «مستشفى الطب الحديث» داخل المدينة لتلقي الرعاية اللازمة.

وأكد مصدر محلي لـ«الشرق الأوسط» أن الاشتباكات «تأتي في سياق حالة الفلتان الأمني التي تشهدها مناطق نفوذ شيخ العقل حكمت الهجري و الحرس الوطني ويعود سببها هذه المرة إلى خلاف بين شاب من عائلة أبو سرحان وآخر من عائلة رضوان، على خلفية قيام الأول بإنشاء كشك صغير لبيع المشتقات النفطية أمام بيت الثاني».

ووفق المصدر، فإن عائلة «أبو سرحان» مهجرة من قرية «لبين» وأغلبية أفرادها يسكنون في بيوت البدو التي تم الاستيلاء عليها بعد تهجيرهم منها خلال أحداث يوليو (تموز) 2025، «ويعملون في تجارة السلاح والمخدرات والمحروقات»، مشيراً إلى أن الخلاف تطور إلى شجار ثم إلى تبادل لإطلاق النار بين الجهتين، ثم توسعت الاشتباكات لتصل إلى عدة جادات، بمشاركة مسلحين من «الحرس الوطني»، إذ استمرت عدة ساعات، وأسفرت عن أضرار كبيرة بالممتلكات.

المصدر ذاته عدّ أن حالة الفلتان الأمني المنتشرة منذ أحداث يوليو 2025 في مناطق نفوذ «الحرس الوطني»، وتتصاعد بشكل مستمر، سببها الرئيسي «عدم وجود سلطة وقانون وتغول العصابات المسلحة».

رفع صورة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مع صورة الشيخ حكمت الهجري من قِبل الموالين للأخير بالسويداء (أرشيفية - متداولة)

وفي ظل استمرار الوضع القائم، أعرب المصدر عن تشاؤمه بقرب إيجاد حل لملف السويداء. وقال: «أعتقد أن الوضع سيبقى على حاله ولا يوجد تقدم، والمجتمع بدأ يفقد الأمل بالحل».

وعلّق أحد المراقبين السياسيين في مدينة السويداء على الاشتباكات في مناطق نفوذ «الحرس الوطني» وتكرارها بين فترة وأخرى، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «ما حصل ويحصل هو نتيجة انسداد الأفق، وعدم التقدم في مسار إيجاد حل لملف السويداء».

وأضاف: «مبدئياً، يمكن القول إن هذا خلاف ذو طابع محلي، يرتبط بمخلفات المواقع التي كانت تحت سلطة الدولة، ومستولى عليها دون سند قانوني، لكن الأمر يتجاوز ذلك إلى غياب السلطة فعليا وغياب القانون، وتسلط الفصائل المدعومة من سلطة الأمر الواقع في المحافظة على مقدرات البلد والاتجار بكل شيء دون رادع».


آلة الحرب الإسرائيلية لا تتوقف قصفاً وتدميراً في غزة

صبيان فلسطينيان وسط الدمار بعد استهداف مبنى بغارة إسرائيلية غرب جباليا شمال قطاع غزة الجمعة (أ.ف.ب)
صبيان فلسطينيان وسط الدمار بعد استهداف مبنى بغارة إسرائيلية غرب جباليا شمال قطاع غزة الجمعة (أ.ف.ب)
TT

آلة الحرب الإسرائيلية لا تتوقف قصفاً وتدميراً في غزة

صبيان فلسطينيان وسط الدمار بعد استهداف مبنى بغارة إسرائيلية غرب جباليا شمال قطاع غزة الجمعة (أ.ف.ب)
صبيان فلسطينيان وسط الدمار بعد استهداف مبنى بغارة إسرائيلية غرب جباليا شمال قطاع غزة الجمعة (أ.ف.ب)

لا تتوقف آلة الحرب الإسرائيلية عن مواصلة عملياتها في قطاع غزة، الذي لا يزال يشهد عمليات نزوح وتدمير للمنازل والمربعات السكنية، في ظل استمرار القصف الجوي والمدفعي وعمليات النسف وتوسيع الخط الأصفر.

واضطرت عائلات فلسطينية يقدر أفرادها بالعشرات، للنزوح من منطقة المصدر، شرق دير البلح، وسط قطاع غزة، للنزوح من القرية، وسط عمليات توغل تتوسع من يوم إلى آخر، لينضموا إلى مئات ممن اضطروا للنزوح مؤخراً، من القرية ومحيطها شرق الدير، وجنوب مخيم المغازي، إلى المناطق الواقعة غرب شارع صلاح الدين.

فلسطينيون وسط أنقاض منزلهم الذي دمرته ضربة إسرائيلية في مخيم البريج الجمعة (د.ب.أ)

وأفاد مصدر ميداني لـ«الشرق الأوسط» بأن القوات الإسرائيلية، بمساعدة من العصابات المسلحة، تقوم منذ أكثر من 10 أيام بأعمال تجريف وتدمير وإحراق لمنازل قبل نسفها، وتجبر العائلات على النزوح من المنطقة دون إخراج أي من مقتنياتهم، وإجبارهم على النزوح إلى مناطق غرب دير البلح، مشيراً إلى أن مئات الفلسطينيين نزحوا خلال هذه الفترة وسط ظروف إنسانية صعبة.

ولفت المصدر إلى أنه في بعض الأيام كان يتم إنذار السكان بالإخلاء، وفي بعضها يتم محاصرتهم بشكل مفاجئ، ويتم التحقيق معهم واعتقال بعضهم، مع تعرضهم للتعذيب. الأمر الذي أدّى لمقتل شخص واحد فقط، حسب ما يتوفر من معلومات، بعدما تم تسليم جثته، فيما لم يعرف مصير الآخرين الذين يقدر عددهم بنحو 13، بعد الإفراج عن آخرين لاحقاً.

طفلة تحمل لعبة بلاستيكية وجدتها بين أنقاض منزل عائلتها الذي دمرته ضربة إسرائيلية في مخيم البريج الجمعة (د.ب.أ)

ولفت المصدر إلى أن القوات الإسرائيلية توسع سيطرتها الأمنية من خلال توسيع الخط الأصفر في تلك المناطق، حيث سيطرت على مساحات واسعة تقدر بمئات الأمتار، مشيراً إلى أنها دمرت مقر جمعية المصدر، وتركز أعمالها الهندسية منذ يومين في محيط مقبرة القرية.

ووفقاً للمصدر، فإنه تم رصد أعمال حفر خندق، وإقامة ساتر ترابي كبير، على غرار ما فعلته القوات الإسرائيلية في مناطق أخرى من المناطق الشرقية لقطاع غزة.

وأكد مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية، أنه وثّق خلال الأسبوعين الماضيين توسعاً غربياً لمناطق الانتشار العسكري الإسرائيلي، أدّى إلى نزوح جديد للفلسطينيين في حي الشجاعية بمدينة غزة، وفي مناطق شرق البريج وشرق دير البلح وشرق المغازي وسط القطاع، مشيراً إلى أن هذا التقدم البري غرباً في الشجاعية رافقه هجومان على الأقل على مخيمات النزوح، إضافة إلى تفجير المباني القليلة التي لا تزال قائمة في المنطقة، مع استخدام روبوتات مفخخة، وفق شهادات لفلسطينيين.

فتاة داخل حضانة للأطفال تضررت جراء غارة إسرائيلية استهدفت مبنى مجاوراً غرب جباليا شمال قطاع غزة الجمعة (أ.ف.ب)

وبحسب المكتب، يجد الفلسطينيون في غزة أنفسهم محاصرين من جميع الجهات بالقوات الإسرائيلية التي تواصل دفعهم نحو الداخل، في إطار هدف معلن يتمثل في توسيع منطقة الانتشار العسكري الإسرائيلي لتشمل 70 في المائة من مساحة القطاع. وأوضح أن هذا الانكماش المتواصل في المساحة المتاحة للمدنيين يترافق مع عوامل نزوح جديدة في المناطق المتاخمة لخطوط انتشار القوات الإسرائيلية، المعروفة باسم «الخط الأصفر».

ويأتي هذا، مع استمرار الغارات التي تطول منازل في مربعات سكنية، حيث دمرت طائرات حربية، في ساعة متأخرة من مساء الخميس، منزلاً مكوناً من 3 طوابق سكنية في حي الصفطاوي، شمال مدينة غزة، بعد أن طلب ضباط من المخابرات الإسرائيلية سكانه ومحيطه بإخلاء المنطقة لمئات الأمتار، وإمهالهم دقائق معدودة، ما دفع السكان للخروج من دون أن يسمح لهم بإخراج مقتنياتهم، قبل أن يتم تدمير المنزل، وتضرر منازل أخرى بالقرب منه، الأمر الذي تسبب بفقدان عدة عائلات لمنازل كانت تؤوي أفرادها.

فلسطينيون وسط الأنقاض غداة غارة إسرائيلية في مخيم البريج للاجئين شمال قطاع غزة الجمعة (أ.ف.ب)

وبحسب وزارة التربية والتعليم في غزة، فإن القصف تسبب بتدمير روضة «البسمة الصغيرة» بالكامل، ومدرسة الزهراء الخاصة المجاورة للمكان، ما حرم مئات الطلبة من تلقي تعليمهم.

كما هاجمت طائرات حربية أخرى منزلاً في مخيم البريج، وسط قطاع غزة، بعد أن طالب ضباط المخابرات الإسرائيلية سكان المربع السكني الذي يقع فيه المنزل بإخلائه بالكامل، ما أدى إلى وقوع أضرار بالغة في العديد من المنازل، الأمر الذي أدى إلى نزوح سكانها بعدما فقدوا مأواهم الوحيد.

وقال الجيش الإسرائيلي إن القصف استهدف مستودعين للأسلحة تابعين لحركة «حماس»، وهي مزاعم باستمرار يوردها في بياناته بعد كل قصف يستهدف منازل في مربعات سكنية ما زالت قائمة داخل القطاع، لتدمير مخازن ووسائل قتالية تخزنها «حماس» و«الجهاد الإسلامي» في تلك المنازل، وهو أمر تنفيه الحركتان باستمرار، وتتهمان إسرائيل بتعمد تدمير ما تبقى من منازل، في ظل استمرار الخروقات لاتفاق وقف إطلاق النار المعلن.

وانتشلت طواقم طبية، ظهر الجمعة، جثمان فلسطيني من منطقة الواحة، شمال غربي بلدة بيت لاهيا، شمال قطاع غزة، بعد أن كانت استهدفته طائرة مسيرة إسرائيلية، قبل أيام في تلك المنطقة.

وأصيب، الجمعة، عدد من الفلسطينيين بعد استهدافهم بإلقاء قنابل من طائرات مسيرة إسرائيلية «كواد كابتر»، وكذلك إثر قصف مدفعي وإطلاق نار من آليات عسكرية في مناطق قرب الخط الأصفر.

وقتل، الخميس، 4 فلسطينيين، بينهم اثنان في غارة استهدفت مركبة بمخيم المغازي وسط القطاع، وآخر بإطلاق نار جنوب القطاع، ورابع بإطلاق نار استهدفه في مخيم جباليا.