صُور مدينة الأرجوان والأساطير والمرايا العصية على الانكسار

توعدها أنبياء التوراة بالصمت والخراب الأبدي

الغارات الإسرائيلية تهدد صور التاريخية ومينائها (رويترز)
الغارات الإسرائيلية تهدد صور التاريخية ومينائها (رويترز)
TT

صُور مدينة الأرجوان والأساطير والمرايا العصية على الانكسار

الغارات الإسرائيلية تهدد صور التاريخية ومينائها (رويترز)
الغارات الإسرائيلية تهدد صور التاريخية ومينائها (رويترز)

لأسابيع خلت ظلت مدينة صور أقرب مدن الجنوب اللبناني إلى فلسطين، تعج بعشرات الآلاف من أبنائها المقيمين، وبأعداد موازية من الذين أجبرهم القصف الإسرائيلي المتمادي على الهبوط من قراهم المهدمة باتجاه المدينة التي بحثوا بين جنباتها عن ملاذ مؤقت وسكينة متخيلة. ومع أن اللائذين بجدران صور كانوا يدركون بحكم التجارب المتكررة أن العدو الذي يواجهونه لا يقيم حرمة لرمز مقدس أو لمكان ضارب في القِدم، فإنهم تشبثوا واهمين بفكرة أن العدو لن يقْدم على قصف المدينة ذات التاريخ الحافل، التي وضعتها منظمة اليونيسكو قبل عقود على لائحة التراث العالمي.

لم يكن جمال صور الأخاذ ليشفع لها بشيء عند العدو المتربص بها منذ زمن طويل (رويترز)

ولم يكن جمال صور الأخاذ، وهي المسدَّدة «كالطعنة الأبدية في جسد البحر»، ليشفع لها بشيء عند العدو المتربص بها منذ زمن طويل. ولا شفعت لبحرها مياهه اللازوردية الرائقة والأقل تلوثاً والأكثر نقاء على امتداد السواحل المتوسطية. ولم يكن ليأبه بانفتاح شهية المدينة على الحياة، الأمر الذي دفع بسكانها إلى إنشاء عشرات الفنادق والمطاعم والاستراحات والمقاهي، محولين ساحلها الجنوبي إلى كرنفال من الفرح الاحتفالي والمتعة الخالصة. لا بل إن هذه الميزات بالذات هي التي أثارت حفيظة قادة إسرائيل، فقرروا الانتقام من المدينة عبر تحويلها إلى ركام.

اللافت أن الحقد الإسرائيلي على صور لم ينحصر بحدود حاضرها الراهن، بل انسحب بمفعول رجعي على ماضي المدينة ومنجزها الحضاري وتاريخها العريق. فالقصف الممنهج للطائرات العدوة، تجاوز الشوارع والأبنية الحديثة ليطول الأحياء القديمة التي تعود إلى العصرين العثماني والمملوكي، وليطول فوق كل ذلك الآثار الفينيقية والرومانية التي لا تزال أعمدتها المتبقية شاهدة على عظمة سيدة البحار التي اتسع نفوذها ذات يوم ليشمل المتوسط بأسره وأجزاء غير قليلة من القارات الثلاث للعالم القديم.

على أن الباحث المتأمل في تاريخ صور، لا بد له أن يجد صلة ما بين رغبة قادة إسرائيل الحاليين في الانتقام من تاريخها العريق، وحرص أنبياء التوراة على أن لا تقوم لها قائمة، بدعوى منافستها لأورشليم، وغرورها المتفاقم المتأتي عن ازدهار تجارتها واتساع نفوذها بين الأقاليم. فها هو أشعياء يهتف بصوته الراعد والموزع بين الرثاء والشماتة: «مَن قضى بهذا على صُور المتوَّجة التي تجارها رؤساء. متسبِّبوها موقَّرو الأرض. قضى به ليدنِّس كبرياء كل مجد ويهين كل موقري الأرض. مد يده على البحر فأرعد الممالك. وأمر الرب من جهة كنعان أن تخْرب حصونها. وقال لا تعودين تفتخرين أيتها المنهكة العذراء بنت صيدون».

وما قاله أشعياء في كلامه على صور، أعاد حزقيال تظهيره بشكل أكثر وضوحاً، فاعتبر أن مصير المدينة القاتم ليس مردّه إفراطها في الثراء والأنفة والنفوذ فحسب، بل إمعانها في السخرية المتعالية من مملكة يهوذا. وهو يُورد على لسان الإله العبري قوله: «يا ابن آدم من أجل أن صور قالت على أورشليم هه قد انكسرت مصاريع الشعوب. هأنذا أُصعِدُ عليك يا صور أمماً كثيرة كما يُعلي البحر أمواجه، فيخربون أسوار صور ويهدمون أبراجها، فتصير مبسطاً للشباك في وسط البحر. لأني أنا تكلمتُ يقول السيد الرب يُقتل شعبكِ بالسيف وتسقط إلى الأرض أنصاب عزك، وأبطِلُ صوتَ أغانيكِ وصوتُ أعوادكِ لن يُسمع بعد».

بعض من دمار الغارات الإسرائيلية على مدينة صور (أ.ف.ب)

والواقع أن صور منذ تأسيسها في الألف الثالث قبل الميلاد، قد بدت مدينة واقعة على التخوم الفاصلة بين الوقائع والأساطير، فإليها تنتمي أوروبا ابنة الملك الفينيقي آغينور التي اختطفها زيوس، كبير آلهة الأولمب، بعد أن اتخذ شكل ثور هائج وعبر بها البحر عائداً إلى بلاد اليونان، لتهدي الفتاة اسمها إلى القارة بأسرها. وإليها ينتسب قدموس الذي أرسله أبوه لكي يعيد أخته المختطفة إلى ديارها، حتى إذا تعذر عليه تنفيذ الوصية، اكتفى بنقل حروف الأبجدية إلى بلاد اليونان.

وصور هي مدينة أليسار التي لم تجد ما تفعله إثر وفاة أبيها الملك، وخوفها من بطش أخيها بغماليون، سوى الإبحار باتجاه الغرب، لتؤسس مملكة قرطاجة التي راحت تنافس روما في غير ساحة ومضمار. والأغرب من كل ذلك أن صور، التي يجهد العدو في الانتقام منها، هي نفسها المدينة التي اتصل داود النبي بملكها حيرام بهدف مساعدته في بناء هيكل للعبادة، حتى إذا حالت الحروب المتواصلة دون تحقيق رغبة داود، تولى ابنه سليمان بناء الهيكل بمؤازرة من حيرام الذي أمده بعدد من المهندسين والبنائين، ووفر له أخشاباً مقتطعة من أرز لبنان.

دخان الغارات الإسرائيلية يملاء سماء مدينة صور (إ.ف.ب)

ورغم أن المدينة كانت تؤثر التجارة على الحرب والثقافة على العنف، شأنها في ذلك شأن شقيقاتها الثلاث جبيل وصيدا وبيروت، فقد صمدت لسنوات طوال في وجه أسرحدون ونبوخذ نصر والإسكندر المقدوني. وهي إذ تعرضت للتدمير والخراب الكامل في الحقبة المملوكية، لم يكن بوسعها أن تحافظ بعد أن شاخت، على مكانتها السابقة وألقها القديم، فتحولت كما وصفها بعض الرحالة الأجانب إلى مرفأ صغير للصيادين. إلا أنها، متحالفةً مع الماضي ومسلحة بأحلامها المجردة، كانت تحسن الخروج من بين الركام كلما كسرت ظهرها مكائد الطامعين.

غير أنني لا أستطيع أن أختتم الحديث عن صور دون الإشارة إلى ما يربطني بها على المستوى الشخصي من وشائج قربى وصلات عاطفية قديمة. فقد شكلت صور ولا تزال الجزء البحري من المشهد الساحر الذي ما فتئت تتكحل به عيناي، بحكم تربُّع قريتي زبقين فوق الهضاب المطلة على المدينة من جهة الجنوب الشرقي. وصور هي المدينة التي احتضنت زمن دراستي الأولى، وشطراً من طفولتي وصباي، قبل أن أزاول التعليم في ثانويتها الرسمية لسنوات عدة.

وإذ تربطني بالمدينة أرتال لا تحصى من الذكريات، أستطيع الآن أن أستعيد حالة النشوة الغامرة التي سرتْ بين حناياي لدى وصول الممثلة الفرنسية بريجيت باردو إلى مرفأ صور لزيارة آثارها ومعالمها، وقد طُلب إلينا نحن تلامذة المدارس أن نقف متراصفين في استقبال الفاتنة الشقراء، في أوائل ستينات القرن المنصرم. كما أتذكر في الوقت ذاته، السحنة السمراء والقامة الفارعة للرئيس السنغالي ليوبولد سيدور سنغور، الذي قدم إلى صور، وهو الشاعر المرهف، للوقوف على أطلالها القديمة، والإصغاء إلى أصوات أزمنتها الغابرة.

دخان الغارات الإسرائيلية يملاء سماء مدينة صور (أ.ف.ب)

ومن بين أطياف الماضي وترجيعاته ترتسم في مخيلتي ملامح الشبان الثلاثة، الذين قرروا قبل تسعة عقود أن يصمّوا السمع عن مناشدات ذويهم لهم بالامتناع عن السفر إلى أفريقيا الغربية للحصول على لقمة العيش. حتى إذا غادر المركب الذي استقلوه مرفأ صور وبات في عرض البحر، ظهرت لهم بشكل جلي معالم قريتهم على الهضاب المقابلة، فيما كان ذوو المسافرين يتابعون من الأعلى خط سير المركب المبحر باتجاه الغرب. وفجأة خطرت لإحدى النساء اللماحات فكرة اقتلاع المرايا المثبتة في خزائن البيوت والصعود إلى السطوح، والتلويح بها قبالة المركب المغادر. حتى إذا لمعت المرايا في وجوه الشبان، شعروا بأن شمس الجنوب كلها تتجمع في عيونهم وتحثهم على العودة، فلم يكادوا يصلون إلى مرفأ الإسكندرية، حتى غلبهم الحنين وعادوا أدراجهم إلى أحضان الأماكن التي غادروها.

الحقد الاسرائيلي على صور لم ينحصر بحدود حاضرها الراهن (أ.ف.ب)

وإذا كان العدو، أخيراً، قد أراد من خلال قصفه لصور، كما لمحيطها الريفي، أن يضرب الذاكرة الجمعية لسكانها، وأن يهدم حاضرها وماضيها ومستقبلها في آن واحد، فهو ما لن يفلح في تحقيقه، لأنه لن يستطيع مهما أمعن في اعتدائه البربري على المدينة، أن يضرب في دواخل أبنائها أماكن الحنين وإرادة الصمود، وهي التي دحرت بعنادها كل فاتح، وتجاوزت بنجاح كل امتحان للبقاء، وخرجت ظافرة من كل زلزال.


مقالات ذات صلة

ماذا بقي من «حزب الله» بعد عامين على الحرب؟

المشرق العربي «حزب الله» يشكر إيران ويهاجم المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية المباشرة (الشرق الأوسط)

ماذا بقي من «حزب الله» بعد عامين على الحرب؟

فرضت حرب 2024 وما أعقبها من مواجهات وتحولات ميدانية واقعاً جديداً على «حزب الله»، بعدما أصابت الخسائر مستويات قيادية متقدمة في بنيته، وتراجعت قدراته العسكرية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
تحليل إخباري مشهد عام لمبنى الأمم المتحدة عشية بدء الاجتماعات الرفيعة للجمعية العامة (الأمم المتحدة)

تحليل إخباري قادة الدول يبحثون في نيويورك عن مخرج من «عالم قاتم»

يشارك عشرات من زعماء العالم في انطلاق الاجتماعات الرفيعة للأمم المتحدة بنيويورك وسط ترهل المنظمة والبحث عن بديل يستجيب للتحديات الجديدة

علي بردى (نيويورك)
المشرق العربي لافتة تشير إلى اتجاه مزارع شبعا على الحدود بين لبنان وإسرائيل وسوريا (المركزية)

العرقوب بين التوغلات الإسرائيلية وغياب الاحتلال المباشر

تفرض التحركات الإسرائيلية المتكررة في منطقة العرقوب، عند السفوح الغربية لجبل الشيخ والمحاذية لمزارع شبعا، واقعاً أمنياً مختلفاً عن مناطق أخرى في جنوب لبنان.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي جنود لبنانيون ينتشرون عند أطراف بلدة دير ميماس في جنوب لبنان بعد تقدّم قوات إسرائيلية باتجاه البلدة ونشر دبابات وإلقاء قنابل صوتية (أ.ف.ب)

«الميكانيزم» تحتوي احتكاكاً عسكرياً لبنانياً - إسرائيلياً

شهدت أطراف بلدة دير ميماس بجنوب لبنان، الجمعة، توتراً ميدانياً مباشراً بين الجيش اللبناني والقوات الإسرائيلية، بعدما تقدمت قوة إسرائيلية في اتجاه نقطة مستحدثة.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي أفراد من قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة (يونيفيل) في جنوب لبنان (رويترز)

لبنان يضغط لتمديد «اليونيفيل»... ويتمسك بمظلة أممية في الجنوب

يكثف لبنان تحركه السياسي والدبلوماسي للإبقاء على مظلة أممية بجنوب البلاد، بالتوازي مع حشد الدعم للجيش، وسط مساعٍ لبنانية-فرنسية لإعادة النظر في دور «اليونيفيل».

صبحي أمهز (بيروت)

ثلاث قصائد

ثلاث قصائد
TT

ثلاث قصائد

ثلاث قصائد

دعاء

أعدني للكتاب

لاخضرار يدي

كلما لامست ورقة.

أعدني إلى الراقدين على الرفِ

علّي أتشربُ شيئا

من مدادٍ يسيلُ

حين يزحف ضوءُ

أو يبرق رعدُ.

أعدني لعيني

تسفح الضوءَ فوق الحروف

على المتنِ والهامشِ

أعدني لتلك السلاسل،

طينيةً، رمليةً، صخريةً،

ولا تغلق الحرفَ دوني.

أعدني لمكتبة النهرِ

أقرأ أسماءَ موتاهُ

مفروشة على الماء مثل النجوم،

لمكتبةِ الطيرِ

أقرأ ما حمل الريشُ

قدني إلى مدخل البرجِ

أبسطْ يديّ،

أعنْ قدميّ

لأصعد للبرجٍ حيث كتاب أبي...

أمام النهر

قلت: أمضي إلى النهرِ

علّيَ أنسى

شبح البيت، يطرق كل مساء

على الصدرِ...

علّ القواربَ تأخذني

إلى آخر النهرِ

حيث السماء

تتلألأ فوق المياه،

لذاك الضياءِ،

موسيقاه تعزف فوق الضفاف.

قمر جديد

سيهبط فوق الشجر

ويولد ليل جديد.

أتوحد والماءَ،

يصعد نحو السماء

قطرةً...قطرةً.....القوارب تمضي بدوني،

ربما إلى البحرِ،

وأنا أرقب النهرَ...

كان نهراً غريبا.

كأني بيت قديم

كأنّيَ بيتٌ قديم

أرمّم أحجارهُ

حجراً... حجراً

كلما مرّت الريحُ بين أركانهِ

وأسدّ الثقوب

ثم تنضح ماء

كلما استدرتُ

سئمتُ

-لا أبا لك-

وأنا أراني

أبدّل عضواً فعضوا

والذين أحبّ مضوا

كلٌ لبيت غريبِ

وقد كنتُ - أذكرُ- بيتاً

كلما بهمُ ضاق يتسعُ

ثمّ أني تعبتُ

من الحلمِ أن أبصر الحلمَ يوماً

ماشياً في الشوارعِ،

وهو يختالُ مرتدياً ثيابي،

يتقافز فوق النوافذ،

ناضحاً ما يشاء

من اللون فوق الرؤوس

فتقوم المدينة

من النوم بيضاء ما مسها ضررُ.

ثمّ أنيَ مني تعبتُ

ومن شبحي

وأنا أنتظر

وقت غارته الأبدية

عند منتصف الليلِ...

كلّ ليلِ.


على مسرح مكتبة قطر: تأويلات موسيقية لـ«أصوات ماكوندو» في «مائة عام من العزلة»

احتفالية غابرييل غارسيا ماركيز في مكتبة قطر الوطنية (قنا)
احتفالية غابرييل غارسيا ماركيز في مكتبة قطر الوطنية (قنا)
TT

على مسرح مكتبة قطر: تأويلات موسيقية لـ«أصوات ماكوندو» في «مائة عام من العزلة»

احتفالية غابرييل غارسيا ماركيز في مكتبة قطر الوطنية (قنا)
احتفالية غابرييل غارسيا ماركيز في مكتبة قطر الوطنية (قنا)

شهد مسرح مكتبة قطر الوطنية تأويلات موسيقية لرواية «مائة عام من العزلة»، إحدى روائع الكاتب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز، وذلك ضمن فعالية «حديث الكتاب».

الحفل الموسيقي شاركت فيه الفنانة الكولومبية، أوريانا دا مارته، التي استكشفت العلاقة بين الموسيقى والسرد القصصي من منظور رواية «مائة عام من العزلة»، بالتعاون مع سفارة كولومبيا في الدوحة، وحملت الأمسية عنوان «أصوات ماكوندو: تأويلات موسيقية لرواية (مائة عام من العزلة)»، بما يعكس التزام المكتبة بمد جسور الحوار الثقافي بين الأمم، وإبراز ثراء التراث العالمي وتنوعه.

وقدَّمت الجلسة لعشاق الأدب ومتذوقي الموسيقى منظوراً فنياً جديداً لرواية تُعَد من أهم الأعمال الأدبية وأكثرها تأثيراً في أميركا اللاتينية، حيث استلهمت أوريانا من ألبومها الموسيقي الفائز بجوائز «رحلة إلى ماكوندو» مقطوعات موسيقية أصلية بعثت روحاً جديدة في أفكار ومعاني الرواية، بما تحمله من ذاكرة وخيال وملامح من تجربة أميركا اللاتينية.

واصطحبت الفنانة الكولومبية جمهورها لتحلق بهم في أجواء بلدة «ماكوندو»، في تجسيد لروح الواقعية السحرية في أعمال ماركيز، وذلك عبر توليفة فريدة جمعت بين أصالة النقاش الأدبي والعزف الموسيقي الحي.

وفي هذا السياق، أكدت هيا عبدالله الشيب، اختصاصي أول برامج الكبار في مكتبة قطر الوطنية، أن تنظيم هذه الفعالية الثقافية يعكس الحرص على تجاوز الآفاق التقليدية للقراءة؛ إذ إنه بفضل المزج بين أدب غابرييل غارسيا ماركيز وإبداعات أوريانا دا مارته الموسيقية، حظي رواد الجلسة بفرصة استثنائية للتحاور مع التراث الأدبي العالمي، والاحتفاء بالتقاليد الفنية الغنية والعريقة لجمهورية كولومبيا.

من جانبه، أكد السيد كاميلو فيزكايا السكرتير الأول القائم بالأعمال في سفارة جمهورية كولومبيا لدى الدولة، أن كولومبيا وقطر تحرصان على تعميق أواصر الصداقة بينهما من خلال المبادرات والفعاليات الثقافية، وأنه على الرغم من تباعد المسافات الجغرافية بين البلدين، فإن مشاعر المودة والاحترام المتبادل تجمع بينهما؛ ما ينسج خيوطاً لصداقة متينة وعرى وثيقة لا تنفصم، فضلاً عن التقدير المشترك للتراث والإبداع والتبادل الثقافي.

وأوضح أن مثل هذه الفعاليات تقدم فرصة سانحة لتوطيد هذه الروابط، والاحتفاء بالقيم الإنسانية الغنية التي تجمع بين شعبي البلدين، عبر لغة الفن المشتركة.


«البينيلوبياد»... أو «الأوديسة» من العالم السفلي

مشهد من شنق الخادمات في مسرحية البينيلوبياد
مشهد من شنق الخادمات في مسرحية البينيلوبياد
TT

«البينيلوبياد»... أو «الأوديسة» من العالم السفلي

مشهد من شنق الخادمات في مسرحية البينيلوبياد
مشهد من شنق الخادمات في مسرحية البينيلوبياد

يدخل القارئ العالم التخييلي الذي أبدعته مارغريت أتوود في «البينيلوبياد، 2005» ليجد نفسه في مواجهة مع المألوف وغير المألوف، مع ما لم يشاهده في الأفلام المبنية على أوديسة هوميروس وآخرها فيلم كريستوفر نولان «الأوديسة 2026»، أو لم يقرأه في أي فصل من فصولها، أو مع مثل ما يقع عليه بصره في الفصل الخامس والعشرين على سبيل المثال: «قررتُ أن أجعله يذوق طعم الانتظار؛ أما أنا فقد انتظرت انتظاراً طويلاً بما فيه الكفاية. وأيضاً لأنني أحتاج بعض الوقت كي أخفي مشاعري الحقيقية التي أثارها الشنق المحزن لخادماتي الشابات الاثنتي عشرة... لذا لما دلفت إلى القاعة ولمحته جالساً هناك، لم أنبس بكلمة. ولم يفوّت تيليماخوس الفرصة لتوبيخي لأنني لم أكترث لاستقبال أبيه بدفءٍ كاف... الأب والابن يتَّحدان ضدي... ديكان يسيطران على حظيرة دجاج».

مذبحة الخُطّاب والخادمات

تلك كانت بينيلوبي، دون أي شكل من أشكال التوسط السردي بينها والقارئ، تحكي عن مجيئها إلى القاعة بعد أن أيقظتها الخادمة العجوز يوريكليا، لتخبرها أن المتسول العجوز ذا الملبس البالي هو أوديسيوس، وأنه قضى على الخُطّاب كلهم، ولم يكتف بذلك؛ بل أمر تليماخوس بقتل خادماتها الاثنتي عشرة وأولهن المفضلة ميلانثو ذات الخدود الجميلة، وأنهما، الأب وابنه، ينتظرانها في القاعة بعد أن نظفتها الخادمات وأزلْنَ منها الجثث والدماء قبل أن يعلق تليماخوس أعناقهن بحبل المشنقة.

لكن ما لا تعرفه يوريكليا، ويتفوق عليها القارئ بمعرفته فيما يشكل مفارقة درامية (dramatic irony)، هو أن نظرات بينيلوبي انسربت خلال نسيج أسمال المتسول العجوز لتكتشف حقيقته وهويته. لكنها فضلت التظاهر بأنها لم تتعرف عليه: «حالما رأيت ذلك الصدر الذي كالبرميل، وتلك الساقين القصيرتين، راودني شك عميق، سرعان ما تحول إلى يقين عندما سمعت أنه كسر عنق متسوّلٍ عدواني... وأخفيت أنني عرفت مخافة أن يشكل اعترافي خطراً عليه». تخفي بينيلوبي الحقيقة عن أوديسيوس؛ لأنها لم ترد حرمانه من فرصة للافتخار بقدرته ومهارته على التنكر. فمن الحماقة دائماً، تقول: «أن تقف... امرأة بين رجلٍ وانعكاس ذكائه». ومن المؤكد أن يدرك القارئ أن بينيلوبي تتساوى مع زوجها وابنها في السيطرة على المشهد المسرود في الاقتباس في بداية المقالة. فإذا كان الأب والابن مسيطرين في الموقف الذي استرجعته من ذاكرتها من العالم التخييلي في «الأوديسة»، فإنها، وعلى النقيض منهما، تمسك بزمام الهيمنة على مستوى الخطاب لكونها الساردة والمبئرة في «البينيلوبياد»، أو بتعبير آخر، السارد الأول، ومن منظورها يرى ويسمع ويلمس القارئ كل الأحداث والأشياء والشخصيات الأخرى. وفي المشهد السابق، يظهر الأب وابنه صامتين؛ لأنها لم تمنحهما فرصة للكلام، حتى ولو عبَرها بوصفها وسيطاً. إنها تقدم تمثيلاً/صورة لهما، وهما مجردان من القدرة على تمثيل نفسيهما. وليس لديهما وسيلة لدفع تهمة اتحادهما ضدها. لقد فرضت عليهما حالة الخرس. وهذا ما يجعل تمثيلها لهما عرضة للشك في موثوقيته؛ إذ لا يتضمن المشهد ما يوحي باتحادهما أو تآمرهما عليها سوى وقوفهما بجانب بعض ينتظران قدومها لتشاهد المكان وقد خلا من الخُطّاب.

مارغريت أتوود

صوت الخادمات المقتولات

تُقَيِّدُ أتوود هيمنة بينيلوبي الخطابية بمنح صوتٍ للخادمات المُسْتَغَلّات والمُهَمَّشَات في البداية والمشنوقات في النهاية؛ الصوت الذي حُرِمْنَ منه عبر التاريخ في كل الحكايات التي نُسِجت وتمحورت حول أوديسيوس، الشفاهية منها والمكتوبة والمرئية والمسموعة، بيد أنه الصوت الواحد المعبر عن الكل، صوت الجوقة المستعار من المسرح الإغريقي. فالخطاب السردي في الرواية يتشكل من حكاية/مونولوغ بينيلوبي، ومن حكاية الخادمات مروية من وجهة نظرهن. تقول أتوود في تقديمها للرواية: «اخترت أن أُسند حكي القصة إلى بينيلوبي وإلى الخادمات الاثنتي عشرة اللاتي شُنِقن. وتشكل الخادمات جوقةً تُنشد وتغني، وتتمحور حول سؤالين لا بد أن يطرحا نفسيهما بعد أي قراءة متأنية لـ(الأوديسة): ما الذي أدى إلى شنق الخادمات؟ وما الذي كانت بينيلوبي تفعله حقاً؟ إن القصة كما رُويت في (الأوديسة) لا تبدو مقنعة؛ فهناك الكثير من التناقضات. لطالما ظلّت الخادمات المشنوقات يطاردْنَ مخيلتي؛ وفي «البينيلوبياد» تطارد بينيلوبي نفسها أيضاً».

الجوقة صوت يأتي من الهامش، ومن وظائفه تعرية التمييز الطبقي في عالم الأوديسة التخييلي، وفي عالم البينيلوبياد أيضاً؛ فالسبب الأول لقتلهن شنقاً هو نزعة بينيلوبي المكافيللية، فهن في نظرها لسْنَ سوى خادمات مستَعْبَدات تستغلهن وتستخدمهن في تحقيق غاياتها، بغض النظر عما قد يتعرضن له من ضرر وأذى. فمن أجل معرفة ما يدور بين الخُطَّاب وما يخططون له، تعترف بينيلوبي وهي تروي حكايتها من العالم السفلي بعد موتها بأنها شجعت خادماتها على الاختلاط بالخُطّاب، والتقرب منهم، والتودد إليهم ومغازلتهم: «لا بأس»، قلتُ لهن: «عليكن التظاهر بالوقوع في حب هؤلاء الرجال. فإذا ظنّوا أنكن قد انضممتن إلى صفّهم، فسوف يبوحون بأسرارهم، وسنعرف خططهم. إنها إحدى الطرق لخدمة سيِّدكن، سيكون مسروراً جداً منكن عندما يعود...».

المفارقة أن سيدهن العائد لم يُسَر بفعلهن، بل ساءه وأغضبه ما سمع عنهن، لذلك لم يتردد لحظة في التخلص منهن بالقتل، مساوياً بذلك بين من اغْتُصبن ومن وقعن في غرام بعض الخُطّاب فَأَسْلمْنَ أجسادهن إليهم. واللافت أنهن لم يقتلن بسبب الاغتصاب أو نومهن طواعية مع الخُطّاب، إنما لأنهن لم يستأذِنَّ من أوديسيوس نفسه. فوفقاً لقانون زيوس أو قانون زينيا (Xenia Law)، من طقوس الضيافة الترفيه عن الضيف، ومن أنواع الترفيه نوم الضيف مع إحدى الخادمات، خاصة في القصور والبيوت الكبيرة شرط موافقة المضيف. وهذا ما لم يحدث في حالة نوم الخادمات مع الخُطّاب الذين كانوا يعدون ضيوفاً رغم انتهاكهم آداب الضيافة وواجب احترام المضيف حتى في غيابه.

غلاف البينيلوبياد

باروديا ما بعد حداثية

«البينيلوبياد» إعادة كتابة نقدية مضادة لـ«الأوديسة»، باروديا (محاكاة) ما بعد حداثية معاصرة. تقلب فيها مارغريت أتوود نص هوميروس رأساً على عقب، تفككه وتعيد بناءه، مستعينة بمصادر أخرى للحكايات والأساطير اليونانية مثل كتاب «الأساطير الإغريقية» لــــــروبرت غريفز.

يتكئ مشروع أتوود، بشكل رئيس، على خلق بينيلوبي من جديد، عبر إحداث تغيير في بنية شخصيتها؛ وكذلك على إزاحة أوديسيوس من مركز المتن إلى الهامش، وموضعة بينيلوبي في المركز ساردة ومبئرة تحكي الحكاية من وجهة نظرها. إن بينيلوبي أتوود «الما بعد حداثية» ليست بينيلوبي هوميروس، فلم تعد بينيلوبي التي تمثل قيم الوفاء والإخلاص والصبر فقط. إنها بينيلوبي التي تضيق ذرعاً بقيود المرأة المثال والنموذج. وترفض صورتها المثالية، تلك العصا عابرة الأزمنة والأمكنة، التي تُضْربُ بها النساء لكي يقتدين بها. تقول متسائلة: «وماذا أصبحتُ بعدما ترسّخت النسخة الرسمية؟ أسطورةً وعظية. وعصاً تُستخدم لضرب النساء الأخريات. لماذا لم يكن بوسعهن أن يكنّ على القدر نفسه من المراعاة، والجدارة بالثقة، والقدرة على تحمّل كل شيء، كما كنتُ أنا؟».

بينيلوبي أتودد لا تتردد عن الكذب والخداع، وإظهار خلاف ما تبطن، ميكافيللية، تحقد على ابنة عمها هيلين وتغار منها. ولا تتورع، باعترافها، عن مغازلة بعض الخُطّاب، وتبادل الرسائل معهم، لغاية اتقاء شرهم، كما تقول، أو للحصول على الهدايا منهم تعويضاً عما يستهلكونه من أكل وشراب في قصر أوديسيوس كما تدعي. بعدما تتحرر من قالب الصورة المثالية، تصبح بينيلوبي على شبه كبير بأوديسيوس الذي تصفه بالكذاب والمحتال. وتمضي أتودد في تقويضها لنص هوميروس عبر احتجاج الجوقة ضد إعدامهن ظلماً وعدواناً، وتقويضهن حكاية بينيلوبي بمقاطعتها والتعليق عليها، وفضح أسرار بينيلوبي، وتسليط الضوء على ظاهرة الكيل بمكيالين في الأساطير البطولية الذكورية، بالإضافة إلى اتهام أوديسيوس بالنفاق والقسوة. بهذا تُشكل تدخلات الجوقة حكايةً مضادةً لـ«الأوديسة» ولحكاية بينيلوبي معاً.

الإزاحة في بناء شخصية بينيلوبي

يسبق إزاحة أوديسيوس من المركز إلى الهامش، حدوثُ انزياح في بناء شخصية بينيلوبي، عبر انزياحات الأبعاد الثلاثة لشخصيتها. كل شخصية تخييلية تتألف من ثلاثة أبعاد حسب عالم السرد البلاغي جيمس فيلان في كتابه «قراءة الناس، قراءة الحبكات، 1989»: البعد المحاكاتي (mimetic dimension) يعني الشخصية بوصفها صورة لشخص محتمل الوجود؛ البعد الموضوعاتي ( thematic dimension) تمثيل الشخصية لأفكار وقيم ومعتقدات معينة؛ البعد التأليفي/التركيبي (synthetic dimension ) يعني الشخصية بوصفها عنصراً مصنوعاً داخل بنية النص. ترتبط الأبعاد الثلاثة بحالة انسجام داخل الشخصية، مع تفاوت المساحة التي يشغلها كل بعدٍ من جنس أو نص سردي إلى آخر. في «الأوديسة» مثلاً يطغى البعد الموضوعاتي في شخصية بينيلوبي على البعدين المحاكاتي والتركيبي، بينما يتراجع أمام «المحاكاتي» في «البينيلوبياد» حيث تظهر بينيلوبي صورةً لشخص محتمل. ويكون التركيبي البُعد الأكثر بروزاً في الميتاتخييل / الميتاقص.

* كاتب وناقد سعودي

تُقَيِّدُ أتوود هيمنة بينيلوبي الخطابية بمنح صوتٍ للخادمات المُسْتَغَلّات والمُهَمَّشَات في البداية والمشنوقات في النهاية