بعد أزمة الديون.. نقص السيولة يُهدد بتعقيد وضع الدول النامية

البنك الدولي يستهدف تعزيز الإقراض بـ30 مليار دولار على مدى 10 سنوات

يتجول الناس أمام المتاجر المغلقة احتجاجاً على تدهور الوضع الاقتصادي في أكرا (رويترز)
يتجول الناس أمام المتاجر المغلقة احتجاجاً على تدهور الوضع الاقتصادي في أكرا (رويترز)
TT

بعد أزمة الديون.. نقص السيولة يُهدد بتعقيد وضع الدول النامية

يتجول الناس أمام المتاجر المغلقة احتجاجاً على تدهور الوضع الاقتصادي في أكرا (رويترز)
يتجول الناس أمام المتاجر المغلقة احتجاجاً على تدهور الوضع الاقتصادي في أكرا (رويترز)

بعد سنوات من إعادة هيكلة الديون المؤلمة، بلغت الموجة القاسية من تخلف الدول عن سداد ديونها، التي تفاقمت جراء جائحة «كوفيد - 19» ذروتها أخيراً. فقد أنهت دول مثل غانا وسريلانكا وزامبيا معاناتها في هذا الصدد.

ومع ذلك، يشعر صندوق النقد الدولي ومؤسسات أخرى بالقلق من أن نقص السيولة قد يحل محل موجة التخلف، مما يعوق التنمية، ويبطئ جهود مكافحة تغير المناخ، ويزيد من عدم الثقة في الحكومات والمؤسسات الغربية، وفق «رويترز».

وتعد هذه القضية، وكيفية التصدي لها في ظل ازدياد عدم رغبة الدول الغربية في إرسال المساعدات، محوراً رئيسياً في اجتماعات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي التي تُعقد في واشنطن هذا الأسبوع.

وقال مدير المحفظة في «آر بي سي بلوباي»، كريستيان ليبرالاتو: «يعد هذا تحدياً حقيقياً، حيث زادت أعباء خدمة الديون، وأصبحت الاقتراضات أكثر تكلفة، وأصبح الوصول إلى المصادر الخارجية أقل يقيناً».

وقد دعا كبير دبلوماسيي وزارة الخزانة الأميركية إلى إيجاد طرق جديدة لتقديم الدعم قصير الأجل للسيولة للدول ذات الدخل المنخفض وكذلك ذات الدخل المتوسط، لتفادي أزمات الديون.

كما حاولت «المائدة المستديرة للديون السيادية العالمية»، وهي مبادرة تجمع ممثلين من الدول والمقرضين الخاصين والبنك الدولي ومجموعة العشرين، معالجة هذه القضية، ومن المتوقع أن تكون على جدول الأعمال عندما يجتمعون في واشنطن يوم الأربعاء.

ومع الميزانيات المحدودة والأزمات المتزايدة، قالت فيرا سونغوي، رئيسة مرفق السيولة والاستدامة، وهو مشروع يهدف إلى خفض تكاليف الديون في أفريقيا، إن الحلول الحالية تفتقر إلى الحجم والسرعة المطلوبة.

وأوضحت سونغوي: «تتجنب الدول الإنفاق على التعليم والصحة والبنية التحتية من أجل خدمة ديونها». وأضافت: «حتى في الاقتصادات المتقدمة، هناك ضغوط في النظام».

سؤال رأس المال

تشير بيانات من مجموعة «وان كامبين» غير الربحية إلى أنه في عام 2022 دفعت 26 دولة، بما في ذلك أنغولا والبرازيل ونيجيريا وباكستان، أكثر لخدمة ديونها الخارجية مما حصلت عليه من تمويل خارجي جديد.

وحصل كثير من هذه الدول على إمكانية الوصول إلى الاقتراض من خلال السندات قبل نحو عقد من الزمن، مما يعني أن مدفوعات كبيرة حلت في وقت ارتفعت فيه أسعار الفائدة العالمية، مما جعل إعادة التمويل المعقول خارج نطاق الوصول.

وتقدّر مجموعة «وان» أن تلك التدفقات تحولت إلى صافٍ سلبي للدول النامية بشكل عام في عام 2023، وهي تقديرات مدعومة من خبراء في مختبر تمويل التنمية.

وقال مدير الأبحاث في «مختبر تمويل التنمية»، إسحاق ديوان، لوكالة «رويترز»: «شبكة الأمان المالي العالمية التي يقودها صندوق النقد الدولي ببساطة لم تعد عميقة بما فيه الكفاية».

وأضاف ديوان، الذي قضى عقدين في البنك الدولي، أنه على الرغم من عدم توفر الأرقام الرسمية الكاملة بعد، فإن التحويلات السلبية الصافية لعامي 2023 و2024 من المرجح أن تكون أسوأ. وأشار إلى أن التمويل الجديد من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وغيرهما من المؤسسات متعددة الأطراف لم يعوض عن زيادة التكاليف.

ويبدو أن مسؤولي البنك الدولي وصندوق النقد الدولي يتفقون على هذا الرأي؛ إذ يهدف البنك الدولي إلى تعزيز القدرة على الإقراض بنحو 30 مليار دولار على مدى عشر سنوات. وخفض صندوق النقد الدولي الرسوم الإضافية، الأمر الذي أدى إلى خفض التكلفة على المقترضين الأكثر إرهاقاً بنحو 1.2 مليار دولار سنوياً.

هل بدأ المد يتحول؟

يقول المصرفيون إن كثيراً من هذه الدول أصبحت قادرة الآن على الوصول إلى الأسواق مرة أخرى، مما يخفف من مخاوف السيولة النقدية.

وقال رئيس قسم الديون في منطقة أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا في «جيه بي مورغان»، ستيفان وايلر: «لا أعتقد أن هناك قيوداً على الوصول». وأضاف: «السوق مفتوحة حقاً على مصراعيها».

ويتوقع وايلر أن تصل إصدارات السندات في أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا إلى رقم قياسي يتراوح بين 275 و300 مليار دولار هذا العام، مع إمكانية إصدار مزيد من الدول، بما في ذلك نيجيريا وأنغولا، للسندات العام المقبل.

ومع ذلك، لا تزال التكلفة مرتفعة. فقد اقترضت كينيا، التي تكافح لسداد سند مستحق بالدولار، بأكثر من 10 في المائة، وهي عتبة يُنظر إليها على نطاق واسع على أنها غير مستدامة.

وقال وزير المالية جون مبادي إن كينيا لا تستطيع تمويل استثمارات البنية التحتية من خلال الموازنة. وقال مبادي في مؤتمر صحافي: «يواصل الكينيون الشكوى من عدم وجود أموال في جيوبهم، وهذا يشير إلى حد ما إلى أننا نواجه تحديات تتعلق بالسيولة في الاقتصاد».

كما أثر تراجع الصين في الإقراض على الدول الناشئة بشكل كبير، مما حول ما كان مصدراً كبيراً من الأموال إلى تدفق سلبي صافٍ للدول التي تسدد ديوناً قديمة.

ماذا بعدُ؟

تسعى بنوك التنمية بالفعل للعمل معاً لتعظيم الإقراض؛ حيث يعمل كل من بنك التنمية للبلدان الأميركية وبنك التنمية الأفريقي على حملة عالمية لجذب الدول للتبرع بأصول احتياطيات صندوق النقد الدولي، المعروفة باسم «حقوق السحب الخاصة»، حيث إنها قد تحول كل دولار تم التبرع به إلى 8 دولارات من الإقراض.

لكن لا يزال يكافح البنك الدولي وغيره لإقناع الدول الغربية بزيادة مساهماتها لتعزيز إقراضها؛ حيث تخطط فرنسا المثقلة بالديون لخفض 1.3 مليار يورو (1.41 مليار دولار) من المساعدات الخارجية، بعد تخفيضات قامت بها الحكومة السابقة في بريطانيا.

ويعني الدولار القوي أن المانح الرئيسي، اليابان، سيتعين عليه زيادة مساهماته بشكل كبير للحفاظ على المستوى نفسه. ويمثل هذا المزيج تحدياً خطيراً للدول النامية.

وقال ديوان: «نشهد احتجاجات من كينيا إلى نيجيريا وأماكن أخرى. إنه وضع خطير للغاية».

وأضاف: «نحن نخسر كل الجنوب العالمي في هذه المرحلة».


مقالات ذات صلة

اليورو يتجه لخسارة أسبوعية خامسة وسط مخاوف بشأن الديون الفرنسية

الاقتصاد أوراق نقدية من اليورو (رويترز)

اليورو يتجه لخسارة أسبوعية خامسة وسط مخاوف بشأن الديون الفرنسية

اتجه اليورو يوم الجمعة نحو تسجيل خامس انخفاض أسبوعي متتالٍ، رغم تراجع وتيرة عمليات البيع، في ظل استقرار سوق السندات الفرنسية المتعثرة وانخفاض أسعار الطاقة.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة، لندن )
خاص صراف عملات يقوم بعدّ رزم من أوراق الدينار العراقي خلال خدمة أحد الزبائن بمحل صرافة على جانب الطريق في بغداد (أ.ب)

خاص العراق يخفّض الدينار... والمواطن يتحمل تكلفة الضغوط المالية

استيقظ العراقيون، الأربعاء، على واقعٍ ماليٍ جديد مع خفض السلطات سعر صرف الدينار إلى 1520 مقابل الدولار، من 1320 ديناراً، في خطوة أثارت موجة غضب شعبي واسعة.

فاضل النشمي (بغداد)
الاقتصاد غورغييفا تتحدث خلال فعالية تمهيدية للاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي في سنغافورة (أ.ف.ب)

غورغييفا تحذّر من «مزيج مخاطر» يثقل الاقتصاد العالمي

حذّرت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا، يوم الأربعاء، من أن الاقتصاد العالمي يواجه تهديدات متزايدة بفعل استمرار ارتفاع أسعار الطاقة.

«الشرق الأوسط» (بانكوك)
الاقتصاد مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)

مسؤول في «المركزي الأوروبي»: ارتفاع عوائد السندات يحد من ضغوط التضخم

قال أولي ريهن، عضو مجلس محافظي البنك المركزي الأوروبي، الثلاثاء، إن الارتفاع السريع في أسعار الطاقة بمنطقة اليورو لم يمتد بعد إلى السلع والخدمات الأخرى.

«الشرق الأوسط» (هلسنكي)
تقرير إخباري طلاب المدارس الثانوية الفرنسية يتجمعون أمام مدرسة ليسيه صوفي جيرمان الثانوية في باريس (رويترز)

تقرير إخباري من الإنفاق السخي إلى «قنبلة الديون»... فرنسا أمام اختبار مالي وسياسي حاسم

تجد فرنسا نفسها أمام واحدة من أصعب أزماتها المالية منذ عقود، بعدما تحوّلت سنوات الإنفاق الحكومي المرتفع إلى عبء متزايد على المالية العامة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

منتدى الطاقة الدولي: أمن الإمدادات يتطلب ضمان وصول الطاقة للمستهلكين

الشيراوي متحدثاً لـ«الشرق الأوسط» على هامش الاجتماع الوزاري السابع عشر لمنتدى الطاقة الدولي في الرياض (الشرق الأوسط)
الشيراوي متحدثاً لـ«الشرق الأوسط» على هامش الاجتماع الوزاري السابع عشر لمنتدى الطاقة الدولي في الرياض (الشرق الأوسط)
TT

منتدى الطاقة الدولي: أمن الإمدادات يتطلب ضمان وصول الطاقة للمستهلكين

الشيراوي متحدثاً لـ«الشرق الأوسط» على هامش الاجتماع الوزاري السابع عشر لمنتدى الطاقة الدولي في الرياض (الشرق الأوسط)
الشيراوي متحدثاً لـ«الشرق الأوسط» على هامش الاجتماع الوزاري السابع عشر لمنتدى الطاقة الدولي في الرياض (الشرق الأوسط)

أكد الأمين العام لمنتدى الطاقة الدولي، جاسم الشيراوي، أن أمن الإمدادات يمثل أولوية في ظل تنامي الطلب العالمي على الطاقة، مدفوعاً بالنمو السكاني والتوسع الصناعي والاحتياجات المتزايدة لمراكز البيانات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، مشدداً على أن التحدي لا يقتصر على إنتاج الطاقة؛ بل يشمل أيضاً ضمان إيصالها إلى المستهلكين بصورة موثوقة.

وأشاد الشيراوي -في تصريح لـ«الشرق الأوسط» على هامش الاجتماع الوزاري السابع عشر لمنتدى الطاقة الدولي في الرياض- باستضافة السعودية فعاليات «أسبوع الطاقة»، الذي انطلقت أعماله بالاجتماع الوزاري للمنتدى، موضحاً أن هذه الاجتماعات تتيح تعزيز الحوار بين الدول المنتجة والمستهلكة، وبحث سبل ضمان أمن الإمدادات في ظل المتغيرات التي يشهدها قطاع الطاقة.

وقال إن المنتدى يضم نحو 70 دولة تمثل معظم الدول المنتجة والمستهلكة للطاقة، إلى جانب مجلس استشاري للصناعة يتيح إشراك الشركات في الحوار بين الحكومات، بما يساعد على تقريب وجهات النظر بين أطراف القطاع، وبحث التحديات المرتبطة بتوفير الطاقة.

وأضاف أن نمو السكان واحتياجات الصناعة، إلى جانب الطلب الجديد الذي يفرضه التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي، تزيد أهمية ضمان توفُّر الإمدادات، وقدرة البنية التحتية على نقلها إلى المستهلكين.

وأكد أن أمن الطاقة لا يرتبط بقدرة الدول على الإنتاج فحسب؛ بل يتطلب أيضاً ضمان وصول الإمدادات إلى وجهاتها لتلبية احتياجات الاقتصادات والصناعات.


رئيس مجلس البترول العالمي لـ«الشرق الأوسط»: أمن الإمدادات يعود إلى صدارة الأولويات

رئيس مجلس البترول العالمي بيدرو ميراس (تركي العقيلي)
رئيس مجلس البترول العالمي بيدرو ميراس (تركي العقيلي)
TT

رئيس مجلس البترول العالمي لـ«الشرق الأوسط»: أمن الإمدادات يعود إلى صدارة الأولويات

رئيس مجلس البترول العالمي بيدرو ميراس (تركي العقيلي)
رئيس مجلس البترول العالمي بيدرو ميراس (تركي العقيلي)

قال رئيس مجلس البترول العالمي، بيدرو ميراس، إن أمن الإمدادات عاد إلى صدارة أولويات قطاع الطاقة العالمي مع تصاعد الاضطرابات الجيوسياسية، مؤكداً أن المنظومة العالمية أصبحت أكثر قدرة على الصمود أمام صدمات الإمدادات مقارنة بما كانت عليه قبل بضع سنوات، رغم انعكاس الاضطرابات على الأسعار.

تأتي تصريحات ميراس لـ«الشرق الأوسط»، على هامش أعمال الاجتماع الوزاري السابع عشر لمنتدى الطاقة الدولي المنعقد في الرياض على هامش أسبوع الطاقة في الرياض، الذي يمتد من 11 إلى 15 أكتوبر (تشرين الأول)، وتتصدّره أعمال المؤتمر الخامس والعشرين للطاقة، إلى جانب اجتماعات وزارية دولية تبحث أمن الإمدادات ومستقبل منظومة الطاقة.

وتستضيف الرياض اليوم الاجتماع الوزاري السابع عشر لمنتدى الطاقة الدولي، بمشاركة وزراء ومسؤولين في قطاع الطاقة، تحت شعار «أمن الطاقة والأهداف المشتركة في عصر جديد». ويركز الاجتماع على تعزيز استقرار الأسواق، وتنسيق الحوار بين الدول المنتجة والمستهلكة، ودعم الاستثمارات، وتحسين شفافية بيانات الطاقة، في وقت تتزايد فيه المخاطر الجيوسياسية والتحديات التي تواجه سلاسل الإمداد.

وأوضح ميراس أن التطورات التي شهدها العالم خلال السنوات القليلة الماضية أعادت أمن الإمدادات إلى صدارة الأولويات، مشدداً على أهمية مواصلة تنمية القطاع مع الحفاظ على التوازن بين الركائز الثلاث، التي وصفها بأنها متساوية في الأهمية.

صورة عامة من مكان انعقاد الاجتماع الوزاري السابع عشر لمنتدى الطاقة الدولي (الشرق الأوسط)

وفي حديثه عن اضطرابات الإمدادات، أوضح ميراس أن القطاع واجه تحديات في مناطق مختلفة من العالم، وليس في المنطقة وحدها، لافتاً إلى أن قطاع الطاقة يمتلك خبرة في التعامل مع مثل هذه الظروف.

وقال إن الاضطرابات الحالية ربما كانت ستترك أثراً أكبر على الأسواق في الماضي، لكن المنظومة العالمية أصبحت اليوم أكثر قدرة على الصمود مقارنة بما كانت عليه قبل بضع سنوات، رغم ارتفاع الأسعار.

وأضاف أن التعامل مع هذه التحديات يظل ممكناً، مستشهداً بتجارب سابقة كانت آثارها أشد وطأة، وداعياً إلى الحفاظ على الثقة بقدرة القطاع على تجاوز الاضطرابات.


«نماءات أرامكو»... 5 أعوام من التوطين الصناعي وتعزيز التنويع الاقتصادي في السعودية

عاملان يمارسان بعض المهام في أحد مرافق شركة «أرامكو السعودية» (أرامكو)
عاملان يمارسان بعض المهام في أحد مرافق شركة «أرامكو السعودية» (أرامكو)
TT

«نماءات أرامكو»... 5 أعوام من التوطين الصناعي وتعزيز التنويع الاقتصادي في السعودية

عاملان يمارسان بعض المهام في أحد مرافق شركة «أرامكو السعودية» (أرامكو)
عاملان يمارسان بعض المهام في أحد مرافق شركة «أرامكو السعودية» (أرامكو)

توسّع «أرامكو السعودية» استثماراتها في الصناعات والخدمات المرتبطة بأعمالها الأساسية عبر برنامج «نماءات أرامكو»، الذي استقطب استثمارات تقارب 216 مليار ريال (58 مليار دولار)، وأسهم في تأسيس 58 شركة جديدة منذ إطلاقه في عام 2021، وفق معلومات حصلت عليها «الشرق الأوسط». ويعكس البرنامج توجّه الشركة إلى بناء شراكات صناعية محلية وعالمية، تستهدف توطين التصنيع والتقنيات المتقدمة، وتعزيز سلاسل الإمداد، فيما بلغ إسهامه في الناتج المحلي الإجمالي نحو 103 مليارات ريال (27.4 مليار دولار).

و«نماءات أرامكو» هو برنامج للاستثمارات الصناعية والشراكات الاستراتيجية، أطلقته الشركة السعودية بهدف جذب الشركات المحلية والعالمية للاستثمار في المملكة، وتطوير الصناعات المحلية، وخلق فرص عمل للسعوديين، ودعم تنويع الاقتصاد بما يتماشى مع «رؤية 2030».

وعلى مدى الأعوام الخمسة الماضية، أسهم برنامج «نماءات أرامكو» في ترسيخ دور الشركة في التميّز والابتكار والتخطيط الاستراتيجي، والانتقال من نجاح إلى آخر، مستفيداً من المزايا الفريدة التي تقدمها الشركة في الجوانب التقنية والتجارية والتنفيذية.

ورسمت هذه الأعوام الخمسة علامة فارقة، تمثلت في تحويل الأفكار المبدعة والواعدة في مجال الأعمال إلى فرص استثمارية ملموسة على أرض الواقع، لتحوّل بذلك ما كان حلماً بالأمس إلى مشروعات صناعية ناجحة اليوم لمستقبل مزدهر ومستدام.

المهندس أمين الناصر الرئيس وكبير الإداريين التنفيذيين لشركة «أرامكو» يتحدث إلى شركاء البرنامج «نماءات» (واس)

حديث الأرقام

ووفق معلومات تحصّلت عليها «الشرق الأوسط»، نجح «نماءات أرامكو» في تجسيد نقطة الالتقاء بين الطموح والتنفيذ الميداني؛ حيث أسهم البرنامج في إطلاق 58 شركة جديدة عاملة، وجذب استثمارات بما يقارب 216 مليار ريال (58 مليار دولار).

ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل بلغ إسهامه في الناتج المحلي الإجمالي نحو 103 مليارات ريال (27.4 مليار دولار)، وهو ما يعكس الدور المحوري للبرنامج في تعزيز الاقتصاد المحلي، وتوطين القدرات الصناعية الرئيسية، وخلق فرص وظيفية لأبناء وبنات الوطن.

منظومة متكاملة

ويعدّ «نماءات أرامكو» أداة فاعلة لـ«أرامكو السعودية» في بناء شراكات استثمارية صناعية؛ حيث ينصب التركيز الاستراتيجي للبرنامج على خلق القيمة من خلال 3 محاور رئيسية، وهي: المرونة التشغيلية لـ«أرامكو السعودية»، والمرونة التقنية، والصناعات المتنوعة الجديدة، وذلك مع الإسهام الفعّال في تحقيق مستهدفات الرؤية الوطنية الطموحة.

ويهدف البرنامج إلى تمكين الشركات الوطنية، وإيجاد القيمة من خلال منظومة الشركة، وذلك في 4 مجالات رئيسية: التصنيع، والخدمات الصناعية، والرقمنة، والاستدامة.

وظهر أثر البرنامج في تمكين الشراكة بين القطاعين العام والخاص، والتعاون الوثيق مع شركاء عالميين ومحليين، وساعد ذلك في استحداث فرص استثمارية واسعة النطاق، وتأسيس شركات رائدة، وجذب استثمارات أجنبية مباشرة، ما عزّز مرونة سلسلة الإمداد واستدامتها.

كما أن العديد من هذه الاستثمارات مدعومة من قبل برامج المملكة التحفيزية التي تمكّن الشركات من رفع معدل استثماراتها المحلية. وبدورها، أتاحت تلك المبادرات فرصاً جديدة لشركاء الاستثمار الصناعي عبر تمكينهم من المشاركة في الاستفادة من فرص النمو بالشركة على المدى البعيد.

توقيع شركة «أرامكو» مع إحدى الشركات الفرنسية ضمن برنامج «نماءات أرامكو» (أرامكو)

الخدمات الصناعية

ونجح برنامج «نماءات أرامكو» منذ إطلاقه في تحقيق إنجازات بارزة في المجالات الأربعة التي يعمل فيها، وأسهم في تشكيل مستقبل توطين الصناعة والتنويع الاقتصادي بالمملكة، ففي قطاع التصنيع، دعم البرنامج التصنيع المحلي لكابلات الطاقة البحرية عالية الجهد، وتصنيع الأوعية ذات الجدران السميكة، وأنابيب الفولاذ المقاوم، ما أتاح توطين القدرات التصنيعية الاستراتيجية والحيوية.

ويعمل البرنامج كذلك على إنشاء مركز عالمي متطور في المملكة، يتخصص في استصلاح المعادن بتقنيات حديثة، وتصنيع محفزات التكرير المتقدمة.

وتضع هذه المبادرة الاستراتيجية المملكة في موقع إقليمي ومركزي رائد في مجال استعادة الموارد المستدامة، والإنتاج الصناعي عالي القيمة، وحلول الطاقة النظيفة، ما يدفع عجلة النمو الاقتصادي، ويُعزز التزام المملكة باقتصاد أكثر استدامة ومسؤولية بيئية.

وفي قطاع الخدمات الصناعية، دعم برنامج «نماءات أرامكو» توطين منشأة صب وتشكيل المعادن، ما ساعد في دعم التصنيع الوطني لمنتجات بالغة الأهمية، وتعزيز مرونة سلاسل الإمداد الصناعية.

وأسهم البرنامج في تطوير شركات الهندسة والمشتريات والإنشاءات الوطنية، وزيادة قدراتها على تنفيذ مشروعات موثوقة وتنافسية في الأسواق داخل وخارج المملكة.

الرقمنة والاستدامة

وواصل برنامج «نماءات أرامكو» جهوده في التنمية الوطنية من خلال تنفيذ مبادرات رئيسية في مجال الرقمنة، ومن أبرز هذه المبادرات: توطين التقنيات الرقمية المتقدمة، مثل تأسيس شركة وطنية لخدمات تقنية المعلومات؛ تهدف إلى تقديم حلول متكاملة في تطوير البرمجيات والاستشارات والدعم الفني، لتلبية المتطلبات التقنية لمختلف القطاعات، وشركة الاتصالات الموحدة، بوصفها خدمة «زوم»، وأكثر من 7 شركات في المركز الرقمي في مدينة الملك سلمان للطاقة (سبارك)، مثل «هانيوي» و«إيمرسون» وغيرها.

وكان للبرنامج إسهاماته الواضحة في مجال الاستدامة، مثل مشروع توطين إنتاج الزجاج المتخصص. ودعم شركة «زجاج غارديان» عبر المشروع المشترك «غلف غارد»، لتوسيع نطاق تصنيع الزجاج المتخصص في المملكة.

ويركز هذا المشروع على الزجاج المعماري عالي الأداء، بما يدعم الطلب الإقليمي المتزايد على المباني الموفِّرة للطاقة. وشمل التعاون إضافة خطوط إنتاج جديدة للزجاج المسطح المصقول، وخطوط معالجة الزجاج في مدينة الجبيل الصناعية، ما عزّز سلسلة الإمداد المحلية بمنتجات متطورة، وحقّق مكتسبات ذات قيمة في مجال التوطين التقني.

ملامح المستقبل

وبعد كل هذه النجاحات التي تحققت، يمضي برنامج «نماءات أرامكو» نحو المرحلة المقبلة، وفي أولوياته تطوير الفرص الصناعية الاستراتيجية التي تُعزز منظومة «أرامكو السعودية»، بالتوازي مع تسريع التحول الصناعي في المملكة، والسعي نحو مزيد من الابتكار، ودعم الصناعة المحلية، وتنويع الاقتصاد، وتشجيع الطموح والأفكار الواعدة، وتعزيز بناء سلاسل إمداد مرنة، وتوطين التقنيات الحيوية والمتقدمة.

ويستمر في جذب مزيد من الشركاء العالميين للإسهام في إنشاء قدرات صناعية جديدة، إلى جانب توسيع نطاق إنشاء القدرات الرقمية والتصنيعية المتقدمة، وتسريع تبنّي الحلول الصناعية والرقمية في القطاعات الناشئة، ليكون البرنامج جزءاً من قصة نجاح أكبر، تحكي عن الإنجازات في قطاعات الطاقة والصناعة والابتكار في المملكة والمنطقة.