فخ الديون الأميركية... هل تقترض واشنطن من الغد لتمويل حروب اليوم؟

«المركزي الأوروبي» أعلن إطاحة المعدن الأصفر لسندات الخزانة

الواجهة الغربية لمبنى الكابيتول مع المحكمة العليا على اليسار ومكتبة الكونغرس على اليمين (أ.ب)
الواجهة الغربية لمبنى الكابيتول مع المحكمة العليا على اليسار ومكتبة الكونغرس على اليمين (أ.ب)
TT

فخ الديون الأميركية... هل تقترض واشنطن من الغد لتمويل حروب اليوم؟

الواجهة الغربية لمبنى الكابيتول مع المحكمة العليا على اليسار ومكتبة الكونغرس على اليمين (أ.ب)
الواجهة الغربية لمبنى الكابيتول مع المحكمة العليا على اليسار ومكتبة الكونغرس على اليمين (أ.ب)

لعقود طويلة، ظلت الولايات المتحدة محصنة ضد نظرية «التمدد الإمبراطوري الزائد» التي أطاحت بالإمبراطوريات الكبرى عبر التاريخ، مستندة إلى تفوقها العسكري وهيمنتها المالية المطلقة. لكن هذا الصمود بات اليوم مهدداً أكثر من أي وقت مضى؛ بفعل تحولات جيوسياسية متسارعة، وعادة أميركية خطيرة ترسخت هذا القرن، وتقوم على «الاقتراض من الغد لتمويل حروب اليوم»، وفق صحيفة «فاينانشال تايمز».

وفي تحول هيكلي صاعق كشف عنه البنك المركزي الأوروبي مؤخراً، أطاح الذهب بسندات الخزانة الأميركية ليصبح أصل الاحتياطي الأول في العالم، حيث قفزت حصة المعدن الأصفر في احتياطيات البنوك المركزية إلى 27 في المائة بحلول نهاية العام الماضي، في مقابل تراجع حصة السندات الأميركية إلى 22 في المائة. هذا الهروب الجماعي نحو الملاذات الآمنة يتزامن مع تحذيرات علمية مرعبة أطلقها «نموذج بن وارتون للموازنة» بجامعة بنسلفانيا تؤكد أن قطار الديون الأميركية يقترب بسرعة نحو نقطة «اللانهاية» الحتمية حيث لا عودة، وفق موقع «ذي فورتشن».

هل تسقط واشنطن في «فخ ثوسيديدس»؟

في قلب العاصمة الصينية بكين وخلال استقباله للرئيس الأميركي دونالد ترمب في قاعة الشعب الكبرى، طرح الرئيس الصيني شي جينبينغ سؤالاً حمل دلالات تاريخية عميقة: «هل تستطيع التغلب على فخ ثوسيديدس؟». وكان شي يلمح بذكاء إلى النظرية اليونانية القديمة التي تفيد بأن القوى العظمى تسقط عندما تتجاوز التكاليف المادية والعسكرية لالتزاماتها الخارجية القدرة الإنتاجية لاقتصادها المحلي.

وتُظهر الأرقام الحالية أن خطر التمدد الزائد أصبح واقعاً داهماً؛ إذ تُقدر التكاليف المباشرة قصيرة المدى للصراع الحالي في إيران بنحو ملياري دولار يومياً. ورغم ذلك، تقدم ترمب إلى الكونغرس بطلب موازنة دفاع وطني بقيمة مذهلة بلغت 1.5 تريليون دولار، وهو ضعف الرقم المسجل عام 2020، والصادم أن هذا المبلغ لا يشمل حتى تكاليف حربه الأخيرة.

ترمب يتحدث إلى الصحافة على متن طائرة الرئاسة «إير فورس ون» أثناء رحلته من قاعدة أندروز الجوية (أ.ف.ب)

«موازنات شبحية»

تشير الباحثة ليندا بيلمز من «جامعة هارفارد» إلى أن نمط تمويل النزاعات العسكرية الأميركية شهد تحولاً غير مسبوق؛ فللمرة الأولى منذ حرب الاستقلال الأميركية، جرى تمويل تكاليف الحروب بالكامل تقريباً عبر الديون، ومن خلال ما سمته «الموازنة الشبحية» التي تفتقر إلى الرقابة والمحاسبة، مما رفع الفاتورة الإجمالية لحروب ما بعد 11 سبتمبر (أيلول) إلى نحو 8 تريليونات دولار، وفقاً لمشروع تكاليف الحرب بجامعة براون.

هذا الإسراف المالي، جنباً إلى جنب مع تداعيات الأزمة المالية العالمية عام 2008 وجائحة كورونا، دفع بالدين العام الأميركي للقفز إلى مستويات قياسية تقترب من حاجز الـ 36 تريليون دولار، ليعود إلى مستوياته التاريخية المسجلة عام 1946 فور انتهاء الحرب العالمية الثانية، وهو ما يعادل تقريباً 100 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي حالياً.

جدار الـ 210% يهدد بالإفلاس الحتمي

في هذا السياق المتأزم، جاء تقرير «نموذج بن وارتون للموازنة» ليضع الرقم الدقيق الذي ستتحول عنده الديون الأميركية إلى قنبلة موقوتة غير قابلة للإصلاح: 210 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي.

وفقاً للنموذج، يمثل هذا الرقم «الحد الخارجي الأقصى» للملاءة المالية الأميركية، والذي إذا تم تجاوزه، يصبح التخلف عن سداد ديون الخزانة أو العجز عن تمويل الضمان الاجتماعي والرعاية الصحية أمراً حتمياً. وفي حين تشير توقعات مكتب الموازنة في الكونغرس إلى إمكانية نمو الدين ليصل إلى 175 في المائة بحلول عام 2056، إلا أن «بن وارتون» يرى أن الانفجار قد يحدث قبل ذلك بكثير لعدة أسباب:

  • فاتورة الرعاية الصحية: مع الارتفاع التاريخي لتكاليف الرعاية الطبية، هناك احتمال بنسبة 25 في المائة لبلوغ الحد الأقصى للدين في غضون 14 عاماً فقط.
  • فوات الفرص التدخلية: لإنقاذ الوضع قبل فوات الأوان، ستحتاج واشنطن لفرض زيادة ضريبية دائمة ومؤلمة تصل إلى 15 نقطة مئوية كاملة على جميع دخل العمالة، وهو أمر مستبعد سياسياً.
  • التعريفات الجمركية: أكد النموذج أن سياسات ترمب لفرض تعريفات جمركية حادة (مثل تلك التي أقرت في أبريل 2025) والتي تقلل تدفق رؤوس الأموال الدولية، قد تقصر المهلة الزمنية المتاحة لأميركا بمقدار سنتين إلى أربع سنوات.

متظاهرون يقفون على جسر للمشاة حاملين لافتة كُتب عليها «أزيلوا ترمب» خلال فعالية احتجاجية بمناسبة يوم الديمقراطية في مقاطعة بالم بيتش (د.ب.أ)

الهروب الكبير

مع هروب المستثمرين الأجانب والبنوك المركزية من السندات الأميركية نتيجة المخاوف المرتبطة باستقلالية «الاحتياطي الفيدرالي»، و«عسكرة» الدولار عبر العقوبات المفرطة، ملأت صناديق التحوط (التي تتخذ من الملاذات الضريبية مثل جزر كايمان مقراً لها) هذا الفراغ عبر صفقات ممولة برافعة مالية ضخمة وقصيرة الأجل في سوق «الريبو».

ويحذر ويليام وايت، كبير الاقتصاديين السابق في بنك التسويات الدولية، من أن أي اضطراب يمس تمويل هذه الصناديق قد يؤدي إلى دوامة تسييل قسرية مرعبة في السوق.

بالتوازي مع ذلك، بدأت اليابان، وهي أكبر حائز أجنبي للسندات الأميركية بنحو تريليون دولار، في إعادة توجيه أموالها إلى الداخل. فمع قيام بنك اليابان برفع أسعار الفائدة لمواجهة التضخم، أصبحت سندات الحكومة اليابانية أكثر جاذبية، مما تسبب في تسجيل أكبر تدفق شهري إلكتروني تاريخي نحو صناديق السندات السيادية اليابانية في مارس (آذار) الماضي، مسبباً ضعفاً شديداً في مزادات السندات الأميركية الأخيرة واضطرار الخزانة لرفع العوائد لجذب المشترين.

فخ ليز تراس الأميركي

يرى المحللون أن إدارة ترمب باتت قريبة جداً من مواجهة صدمة في سوق الديون تشبه تلك التي أطاحت برئيسة الوزراء البريطانية السابقة ليز تراس عام 2022 بعد موازنتها غير المموّلة.

وفي حال حدوث هذا التمرد في سوق السندات، سيتعين على «الاحتياطي الفيدرالي» التدخل مجبراً لشراء الديون وإنقاذ السوق، مما يدخل البلاد في فخ «الهيمنة المادية»، حيث يعجز البنك المركزي عن رفع أسعار الفائدة لمحاربة التضخم خوفاً من تضخم تكلفة خدمة الدين الحكومي، مما يقود في النهاية إلى مشهد اقتصادي «ركودي تضخمي» حاد. ويشير برنارد ياروس، كبير الاقتصاديين الأميركيين في «أكسفورد إيكونوميكس»، إلى أن شبح إفلاس صناديق الائتمان للضمان الاجتماعي بحلول عام 2034 قد يكون المحفز الأساسي لهذه الصدمة إذا حاولت الحكومة التغطية عليها عبر الإيرادات العامة دون إصلاحات حقيقية.

سفينة في مضيق هرمز (رويترز)

من روما نيرو إلى أميركا ترمب

في كتابه الأخير، يجري البروفسور باري إيتشنغرين، من جامعة كاليفورنيا بيركلي، مقارنة تاريخية صارخة بين العملة الأميركية في عهد ترمب، وعملة روما في زمن الإمبراطور نيرو. فبينما كان نيرو غارقاً في تمويل حروب متعددة الجبهات وتشييد مشاريع عمرانية باذخة، لم يجد مفرّاً من تخفيض نسبة الفضة في عملة «الديناريوس» لتغطية عجز إنفاقه المفرط. تلك المناورة المالية لم تكن سوى الشرارة الأولى التي أطلقت مسار التآكل التدريجي، بطيء المفعول وطويل الأجل، للهيمنة الاقتصادية التي بسطتها روما على العالم القديم.

وعلى خطى لويس الرابع عشر، ملك فرنسا الذي اعترف على فراش موته بأنه «أحب الحرب والإنفاق أكثر من اللازم»، يبدو أن ترمب مستمر في نهجه الحمائي والإنفاقي. لكن الإرث الحقيقي لهذه الحقبة سيبقى متمثلاً في جبل الديون المتراكم، والذي بدأ يقوض أركان النفوذ الأميركي في العالم، ممهداً الطريق لظهور عالم ثنائي القطب؛ أحدهما آخذ في التراجع ويقوم على الدولار المأزوم، والآخر صاعد بقوة يعتمد على الذهب واليوان الصيني عبر منصات رقمية عابرة للحدود مثل «mBridge» التي لا تعترف بالهيمنة الأميركية التقليدية.


مقالات ذات صلة

«الخزانة» الأميركية تقلص مشتريات السندات وتربك المستثمرين

الاقتصاد متداولون يعملون في بورصة نيويورك للأوراق المالية (إ.ب.أ)

«الخزانة» الأميركية تقلص مشتريات السندات وتربك المستثمرين

تشتري وزارة الخزانة الأميركية سندات طويلة الأجل بكميات أقل من المتوقع ضمن برنامج إعادة الشراء، حتى بعد مضاعفة الحد الأقصى للمشتريات.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد صورة أرشيفية لزيارة مفاجئة قام بها ترمب لموقع أعمال تجديد مبنى الاحتياطي الفيدرالي في يوليو 2025 (أ.ب)

مفتش «الفيدرالي» يستبعد المخالفات في مشروع التجديد... وترمب يطالب باول بالاستقالة

استبعد المفتش العام لمجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي وجود مخالفات جنائية أو إدارية مرتبطة بتضخم تكلفة مشروع تجديد مباني البنك المركزي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد متداولون في بورصة نيويورك (إ.ب.أ)

السندات العالمية تنهي سبتمبر على وقع أسوأ شهر في سنوات... والأسهم تتراجع

أنهت أسواق السندات العالمية سبتمبر (أيلول) في واحدة من أسوأ فتراتها خلال سنوات، فيما تراجعت الأسهم الأميركية والأوروبية خلال الشهر.

«الشرق الأوسط»
الاقتصاد ترمب يصرّح للصحافيين في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض في واشنطن (إ.ب.أ)

ترمب يعلن استثمارات كورية بـ200 مليار دولار... وسيول تتحفظ على مشروع ألاسكا

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب الأربعاء خطة لاستثمارات كورية جنوبية تصل قيمتها إلى 200 مليار دولار في مشاريع داخل الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن، سيول)
الاقتصاد لافتة «مطلوب موظفون» معلقة على نافذة مطعم في ميدفورد - ماساتشوستس (رويترز)

تضخم أهدأ ونمو أقوى يربكان حسابات «الفيدرالي»

رسمت البيانات الاقتصادية الأميركية الصادرة الأربعاء، صورة مزدوجة للاقتصاد، مع مراجعة قوية بالزيادة لنمو الناتج المحلي الإجمالي في الربع الثاني.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

نمو قطاع التصنيع في الهند يرتفع إلى أعلى مستوى في 7 أشهر

يجري موظفون فحصاً لجودة سلامة القضبان على إحدى الآلات داخل مصنع «آرك فاك فورج كاست» في مقاطعة هوغلي (رويترز)
يجري موظفون فحصاً لجودة سلامة القضبان على إحدى الآلات داخل مصنع «آرك فاك فورج كاست» في مقاطعة هوغلي (رويترز)
TT

نمو قطاع التصنيع في الهند يرتفع إلى أعلى مستوى في 7 أشهر

يجري موظفون فحصاً لجودة سلامة القضبان على إحدى الآلات داخل مصنع «آرك فاك فورج كاست» في مقاطعة هوغلي (رويترز)
يجري موظفون فحصاً لجودة سلامة القضبان على إحدى الآلات داخل مصنع «آرك فاك فورج كاست» في مقاطعة هوغلي (رويترز)

توسع قطاع التصنيع في الهند بوتيرة حادة في سبتمبر (أيلول)، منهياً تباطؤاً استمر ثلاثة أشهر، مع دفع قوة الطلب لنمو نشاط المصانع إلى أسرع وتيرة في سبعة أشهر، واستئناف التوظيف وتعزيز ثقة الشركات، وفق مسح خاص صدر يوم الخميس.

وارتفع مؤشر «إتش إس بي سي» لمديري مشتريات قطاع التصنيع في الهند، الذي تعدّه «ستاندرد آند بورز غلوبال»، إلى 55.1 نقطة في سبتمبر من أدنى مستوى له في 5 سنوات البالغ 52.8 نقطة في أغسطس (آب)، لكنه جاء دون التقدير الأولي البالغ 55.7 نقطة.

وكانت القراءة هي الأعلى منذ فبراير (شباط). وتشير قراءة المؤشر التي تتجاوز 50 نقطة إلى نمو النشاط.

وارتفعت الطلبات الجديدة بأسرع وتيرة منذ فبراير، مدفوعة بزيادة الطلب على المنتجات الإلكترونية والغذائية والدوائية والمنسوجات، وفقاً للمسح. كما تسارعت طلبات التصدير، مع إشارة المصنعين إلى زيادة الطلب من العملاء في البرازيل وأوروبا والإمارات العربية المتحدة والولايات المتحدة.

وارتفع الإنتاج بشكل حاد، مع تسارع وتيرة التوسع إلى أقوى مستوى منذ مايو (أيار)، مدعوماً بالطلبات التجارية الجديدة وارتفاع الطلب.

وقال برانجول بهانداري، كبير الاقتصاديين لدى «إتش إس بي سي» في الهند: «اشترت الشركات مزيداً من المواد وزادت مخزوناتها استعداداً للمبيعات المتوقعة. وسجلت مخزونات السلع تامة الصنع ثاني أكبر زيادة لها في نحو 12 عاماً، ما يشير إلى تحول واضح عن مستويات المخزون المنخفضة».

وأدى ارتفاع الطلب أيضاً إلى استئناف التوظيف. ونما عدد العاملين بأقوى وتيرة منذ مايو، متعافياً من انخفاض فعلي في أغسطس، وهو أول تراجع في الوظائف الصناعية منذ عامين ونصف العام.

وارتفعت ثقة الشركات إلى أعلى مستوى في أربعة أشهر في سبتمبر، مدفوعة بالتفاؤل الناجم عن زيادة الاستفسارات الجديدة والتوقعات باستمرار الطلب.

وارتفعت ضغوط التكاليف، مع تسارع تضخم تكاليف المدخلات مقارنة بأغسطس، مدفوعاً بارتفاع أسعار المكونات الإلكترونية والمنتجات الدوائية والصلب. ومع ذلك، ظل معدل التضخم دون متوسطه طويل الأجل. كما ارتفعت أسعار البيع مقارنة بأغسطس، وإن كانت الزيادة متواضعة وبوتيرة بقيت أيضاً دون الاتجاه العام.

وظل التضخم أعلى من هدف بنك الاحتياطي الهندي البالغ 4 في المائة على المدى المتوسط للشهر الثالث على التوالي في أغسطس، مدفوعاً بارتفاع حاد في تكاليف الطاقة والغذاء. ولمواجهة ارتفاع التضخم، من المتوقع أن يرفع بنك الاحتياطي الهندي أسعار الفائدة بما مجموعه 50 نقطة أساس هذا العام إلى 5.75 في المائة.


«تاسي» يصمد أمام ضغوط الربع الثالث وينهي 9 أشهر قرب نقطة بداية العام

رجلان يتحدثان أمام إحدى شاشات الأسهم في السوق السعودية (رويترز)
رجلان يتحدثان أمام إحدى شاشات الأسهم في السوق السعودية (رويترز)
TT

«تاسي» يصمد أمام ضغوط الربع الثالث وينهي 9 أشهر قرب نقطة بداية العام

رجلان يتحدثان أمام إحدى شاشات الأسهم في السوق السعودية (رويترز)
رجلان يتحدثان أمام إحدى شاشات الأسهم في السوق السعودية (رويترز)

أنهت سوق الأسهم السعودية الأشهر التسعة الأولى من عام 2026 على تراجع محدود بلغ نحو 0.5 في المائة، مقارنة بخسارة بلغت 4.4 في المائة خلال الفترة نفسها من العام الماضي، بعدما بددت الضغوط التي تعرضت لها السوق خلال الربع الثالث، وتحديداً في سبتمبر (أيلول)، المكاسب التي راكمها مؤشر السوق الرئيسية «تاسي» منذ بداية العام.

وأغلق «تاسي» جلسة الأربعاء، آخر تداولات سبتمبر والربع الثالث، عند 10440.64 نقطة، مقارنة بـ10490.69 نقطة في نهاية عام 2025 بخسارة بلغت نحو 50 نقطة، تعادل 0.48 في المائة منذ بداية العام.

ويظهر الأداء تحسناً نسبياً مقارنة بالفترة المماثلة من عام 2025، عندما تراجع المؤشر 4.43 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى، من 12036.50 نقطة في نهاية عام 2024 إلى 11502.97 نقطة بنهاية سبتمبر من العام الماضي.

ورغم الفارق في معدل الأداء بين الفترتين، فإن المستوى الحالي للمؤشر يظل أدنى بنحو 9.2 في المائة من إغلاق نهاية سبتمبر 2025، في ظل اختلاف قاعدة المقارنة، بعدما دخلت السوق عام 2026 من مستويات أدنى عقب التراجعات التي سجلتها خلال الأشهر الأخيرة من العام الماضي.

تباين بين الأرباع

واتسم أداء السوق خلال العام الحالي بتباين واضح بين الأرباع؛ إذ أنهى «تاسي» الربع الأول عند 11249.54 نقطة، مرتفعاً بنحو 7.2 في المائة منذ بداية العام، قبل أن يتراجع نحو 4 في المائة خلال الربع الثاني ويغلق يونيو (حزيران) عند 10799.92 نقطة.

وتواصلت الضغوط خلال الربع الثالث، ليفقد المؤشر نحو 3.3 في المائة إضافية حتى نهاية سبتمبر، مقارنة بارتفاع بلغ نحو 3 في المائة خلال الفترة نفسها من عام 2025.

وشكل سبتمبر نقطة التحول الأبرز في أداء السوق خلال العام؛ إذ بدأ المؤشر الشهر عند 11127.08 نقطة، مرتفعاً بأكثر من 6 في المائة منذ بداية 2026 قبل أن يفقد نحو 686 نقطة خلال شهر واحد، بما يعادل 6.17 في المائة، ليمحو كامل مكاسبه المتراكمة ويعود إلى المنطقة السلبية.

ويأتي ذلك مقابل ارتفاع بلغ نحو 7.5 في المائة سجله المؤشر خلال سبتمبر من العام الماضي، ما يعكس تبايناً واضحاً في أداء السوق بين الفترتين.

مستثمر يعبر أمام شعار «تداول» في السوق السعودية (رويترز)

تراجع السيولة

وعلى صعيد السيولة، أظهرت بيانات التداول خلال فترات سابقة من العام تراجعاً مقارنة بعام 2025، إذ بلغت قيمة الأسهم المتداولة في الربع الأول نحو 291 مليار ريال، بانخفاض يقارب 20 في المائة على أساس سنوي، بينما بلغت قيمة التداولات في جلسة نهاية سبتمبر نحو 4.25 مليار ريال.

وقال الخبير المالي والاقتصادي وعضو «جمعية الاقتصاد» السعودية الدكتور سليمان آل حميد الخالدي، لـ«الشرق الأوسط»، إن بقاء «تاسي» قريباً من مستويات بداية عام 2026، رغم موجة الضغوط التي تعرض لها خلال الربع الثالث، يعكس قدرة السوق على امتصاص قدر كبير من المتغيرات الداخلية والخارجية، ويظهر فارقاً واضحاً مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025، عندما تجاوزت خسائر المؤشر 4 في المائة.

تماسك القطاعات القيادية

وأوضح أن من أبرز العوامل التي دعمت هذا التماسك دخول السوق العام الحالي من قاعدة سعرية أقل وتقييمات أكثر جاذبية بعد الخسائر التي سجلها خلال 2025، ما خفف نسبياً من حدة الضغوط البيعية، مضيفاً أن تماسك عدد من القطاعات القيادية، وفي مقدمتها البنوك والطاقة، إلى جانب استمرار قوة النشاط الاقتصادي غير النفطي والتوزيعات النقدية الجيدة لعدد من الشركات، أسهم في توفير دعم للسوق.

وأشار إلى أن استمرار الإصلاحات التنظيمية وتعزيز مستويات الإفصاح والحوكمة وتطوير البيئة الاستثمارية وزيادة انفتاح السوق أمام المستثمرين الدوليين تمثل عوامل داعمة للثقة على المديين المتوسط والطويل.

وعن تراجع السوق خلال الربع الثالث، قال الخالدي إن فقدان معظم مكاسب النصف الأول جاء نتيجة تزامن مجموعة من الضغوط، من بينها تصاعد الحذر المرتبط بالتطورات الجيوسياسية الإقليمية وتقلب أسعار النفط، إلى جانب عمليات جني الأرباح بعد المكاسب القوية التي حققها المؤشر في الربع الأول، لافتاً إلى أن ضعف السيولة شكّل أحد عناصر الضغط، وأن أي ارتداد مستدام يحتاج إلى عودة واضحة لقيم التداول وزيادة مشاركة المستثمرين.

وأضاف أن تراجع بعض الأسهم والقطاعات ذات الوزن الكبير ضغط أيضاً على حركة المؤشر، بالتزامن مع حالة ترقّب لنتائج الشركات للربع الثالث ومسار أسعار الفائدة والتطورات الاقتصادية العالمية.

«أقرب إلى إعادة تسعير»

ويرى الخالدي أن ما شهدته السوق خلال الربع الثالث «أقرب إلى إعادة تسعير وارتفاع في درجة الانتقائية، وليس تغيراً جوهرياً في أساسيات الاقتصاد السعودي»، مشيراً إلى أن المرحلة المقبلة ستعتمد بدرجة كبيرة على نتائج الشركات واتجاه السيولة وأسعار النفط وقدرة القطاعات القيادية على استعادة الزخم.

حذر وانتقائية

من جانبه، قال الرئيس التنفيذي لشركة «جي وورلد» محمد حمدي عمر، لـ«الشرق الأوسط»، إن تراجع مستويات السيولة لا ينبغي تفسيره بالضرورة باعتباره خروجاً للمستثمرين أو فقداناً للثقة، بقدر ما يعكس ارتفاعاً في درجة الحذر وانتقال المستثمرين إلى مرحلة أكثر انتقائية في اتخاذ القرارات، موضحاً أن ارتفاع مستويات عدم اليقين يجعل المستثمر أقل استعداداً لبناء مراكز كبيرة أو طويلة الأجل، ويدفعه إلى الاحتفاظ بجزء أكبر من السيولة انتظاراً لمحفزات أكثر وضوحاً.

وأضاف أن ما تشهده السوق حالياً «أقرب إلى حالة ترقب وإعادة تسعير للمخاطر منه إلى تغير هيكلي كامل في طبيعة التداول»، إلا أن استمرار انخفاض السيولة لفترة ممتدة قد يؤدي تدريجياً إلى تركّز التداولات بصورة أكبر في الشركات ذات النتائج القوية والتدفقات النقدية الواضحة والتقييمات الأكثر جاذبية.

التطورات الجيوسياسية

وأشار عمر إلى أن التطورات الجيوسياسية وأسعار النفط والفائدة ستظل من أبرز العوامل المؤثرة في السوق خلال الربع الأخير، لافتاً إلى ترابط هذه العوامل وتأثيرها في شهية المخاطرة والتضخم وتوقعات أسعار الفائدة، مضيفاً أن استمرار بيئة الفائدة المرتفعة يعني بقاء المنافسة قوية بين الأسهم والأدوات ذات العائد الثابت، إلى جانب رفع تكلفة التمويل والضغط بدرجات متفاوتة على تقييمات الشركات والقطاعات الأكثر اعتماداً على الاقتراض.

وفيما يتعلق بالنفط، أشار إلى أنه سيظل مؤثراً في توجهات المستثمرين نظراً إلى ارتباطه بالتوقعات الاقتصادية والمالية في المملكة، إلا أن ارتفاع أسعاره لا يمكن النظر إليه دائماً بوصفه مؤشراً إيجابياً منفرداً؛ خصوصاً عندما يكون جزء من الارتفاع مرتبطاً باضطرابات الإمدادات والمخاطر الجيوسياسية.

نتائج الشركات المرتقبة

ويرى عمر أن نتائج الشركات ستكون من أكثر العوامل قدرة على إحداث التمايز داخل السوق خلال المرحلة المقبلة، موضحاً أنه في بيئة تتراجع فيها السيولة وترتفع فيها المخاطر «تتحول السوق من حركة جماعية إلى سوق انتقائية».

وأضاف أن المستثمرين سيعطون وزناً أكبر لقدرة الشركات على تحقيق نمو حقيقي في الأرباح والتدفقات النقدية والمحافظة على هوامش الربحية، في حين قد تكون الشركات الأكثر حساسية للفائدة أو التي تتداول عند تقييمات مرتفعة دون نمو موازٍ أكثر عرضة لتقلبات الأسعار.

وتدخل السوق السعودية الربع الأخير من عام 2026 من مستويات قريبة من نقطة بداية العام، بعدما تحولت مكاسب تجاوزت 7 في المائة في نهاية الربع الأول إلى خسارة محدودة بنهاية سبتمبر، وسط ترقّب لنتائج أداء الشركات خلال الربع الثالث واتجاه السيولة وتحركات أسعار النفط ومسار الفائدة والتطورات الجيوسياسية.


«الخزانة» الأميركية تقلص مشتريات السندات وتربك المستثمرين

متداولون يعملون في بورصة نيويورك للأوراق المالية (إ.ب.أ)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك للأوراق المالية (إ.ب.أ)
TT

«الخزانة» الأميركية تقلص مشتريات السندات وتربك المستثمرين

متداولون يعملون في بورصة نيويورك للأوراق المالية (إ.ب.أ)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك للأوراق المالية (إ.ب.أ)

تشتري وزارة الخزانة الأميركية سندات طويلة الأجل بكميات أقل من المتوقع ضمن برنامج إعادة الشراء، حتى بعد مضاعفة الحد الأقصى للمشتريات، ما أثار نقاشاً بين المستثمرين حول أهداف البرنامج ومدى نجاحه في تحقيقها.

ويتيح البرنامج لحائزي السندات تقديم أوراق مالية محددة إلى الخزانة، مع تحديد الأسعار التي يرغبون في البيع عندها. ورغم أن الوزارة رفعت الشهر الماضي سقف المشتريات إلى 6 مليارات دولار من ملياري دولار، فإنها ليست ملزمة باستخدام كامل المبلغ، إذ يمكنها رفض العروض التي ترى أن أسعارها مرتفعة.

وفي أحدث العمليات، قبلت الخزانة نحو نصف السندات المعروضة، بينما جاءت مشترياتها في كل مرة دون السقف المحدد، وتركزت في عدد محدود من الإصدارات.

وأثار ذلك تساؤلات لدى بعض مديري المحافظ والمحللين عن سبب زيادة حجم البرنامج إذا لم تكن الخزانة تعتزم شراء الكمية المتاحة، بينما يرى آخرون أن الوزارة تنفذ ما تعهدت به، طالما أنها تشتري السندات وفق الأسعار التي تراها مناسبة.

وقال بادهرايك غارفي، رئيس الأبحاث الإقليمي في الأميركتين لدى «آي إن جي»، إن الخزانة «لها كامل الحق في شراء كمية أقل مما تستطيع إذا لم تعجبها الشروط»، مشيراً إلى أنها «تملك دائماً خيار شراء المزيد».

سيولة كافية

ويصف وزير الخزانة سكوت بيسنت البرنامج بأنه إجراء فني يهدف إلى مساعدة المستثمرين على تداول السندات الحكومية القديمة والأقل سيولة.

وإذا كان الهدف الأساسي هو توفير شبكة أمان للسيولة، أي دعم القدرة على شراء وبيع السندات بالأسعار السائدة من دون تحريك السوق بشكل كبير، فإن البرنامج يبدو مؤدياً لهذا الدور، وفقاً للمحللين، حتى مع ارتفاع عوائد السندات خلال الأسابيع الأخيرة.

وقال توماس سايمونز، كبير الاقتصاديين الأميركيين لدى «جيفريز»، إن المستثمرين الذين يحتاجون فعلاً إلى السيولة «سيقدمون عرضاً قوياً»، مضيفاً أن من يصرون على أسعار أعلى «لا يبدو أنهم بحاجة إلى السيولة إلى هذه الدرجة».

وقد يعكس انخفاض نسبة قبول العروض أيضاً نجاح البرنامج في إخراج بعض السندات القديمة والأقل تداولاً من السوق، ما يترك في حوزة المستثمرين سندات لا يرغبون في بيعها أو لا يجدون حاجة ملحة للتخارج منها.

وأشار سايمونز إلى أن عمليات سابقة لإعادة شراء السندات طويلة الأجل اجتذبت عروضاً تراوحت قيمتها بين 20 و30 مليار دولار، مقارنة بـ10.47 مليار دولار في أحدث عملية. ومن المقرر أن تشتري الخزانة الخميس ما يصل إلى 6 مليارات دولار إضافية من السندات التي تستحق خلال 10 إلى 20 عاماً.

وتستهدف عمليات إعادة الشراء في جانب منها سندات منخفضة العائد أُصدرت خلال فترة جائحة «كوفيد - 19»، عندما كانت أسعار الفائدة عند مستويات شديدة الانخفاض. ومع ارتفاع عوائد السوق حالياً، تراجعت أسعار هذه السندات كثيراً عن قيمتها الاسمية، ما يجعل تداول كميات كبيرة منها أكثر صعوبة، ويجعل بعضها رخيصاً نسبياً بالنسبة إلى الخزانة.

ويرى جون لوك تاينر، رئيس الدخل الثابت ومدير المحافظ لدى «أبتوس كابيتال أدفايزرز»، أن ذلك قد يمنح البرنامج بعداً آخر يتعلق بإدارة الدين، إلى جانب دعم السيولة.

وقال تاينر إن شراء السندات التي أُصدرت خلال فترة الجائحة، والتي يجري تداول بعضها عند 50 إلى 60 سنتاً للدولار، قد يمثل وسيلة جذابة لإدارة الدين. لكن إعادة شراء هذه السندات تتطلب في المقابل تمويلاً، وهو ما قد يعني إصدار أذون خزانة قصيرة الأجل بعوائد أعلى بكثير من معدلات الكوبون على السندات التي يجري سحبها.

توقيت التوسع يزيد الغموض

وتعود التساؤلات حول الغرض من البرنامج إلى قرار الخزانة في 19 أغسطس (آب) توسيع عمليات إعادة الشراء، مع تعهدها بزيادة أحجام المشتريات للسندات التي تستحق خلال 10 إلى 30 عاماً بما لا يقل عن الضعف.

وجاء الإعلان بعد أسبوعين فقط من عملية إعادة التمويل الفصلية، وهي المناسبة التي اعتاد المستثمرون خلالها الحصول على تحديثات بشأن خطط الاقتراض وإدارة الدين. ومن المقرر عقد عملية إعادة التمويل الفصلية التالية في الأسبوع الأول من نوفمبر (تشرين الثاني).

وأدى هذا التوقيت غير المعتاد، بالتزامن مع موجة بيع كانت تدفع عوائد السندات إلى الارتفاع، إلى تكهنات في السوق بأن توسيع البرنامج قد يكون محاولة للحد من ارتفاع العوائد.

غير أن غارفي يرى أن استمرار ارتفاع عوائد السندات طويلة الأجل منذ الإعلان عن توسيع البرنامج يعكس بدرجة أكبر تسعير السوق لاحتمال بقاء أسعار الفائدة الأميركية مرتفعة لفترة أطول، وليس فشل برنامج إعادة الشراء.

ويعتبر غارفي أن فارق عوائد المبادلات، الذي يقيس تكلفة سندات الخزانة مقارنة بمعيار الإقراض الخاص «سوفر»، يمثل مؤشراً أفضل على تأثير البرنامج. وقد ضاق هذا الفارق، بما يشير، وفقاً له، إلى أن عمليات الخزانة تحقق الهدف الذي حدده بيسنت.

وقال غارفي: «لقد ضيّق فارق عوائد المبادلات. هذا كل ما يستطيع فعله».