إدانات دولية بعد هجوم إسرائيلي جديد على «اليونيفيل»

والأمم المتحدة: انتهاك للقانون الإنساني الدولي

آليات لقوات «اليونيفيل» في منطقة مرجعيون عند الحدود الجنوبية (رويترز)
آليات لقوات «اليونيفيل» في منطقة مرجعيون عند الحدود الجنوبية (رويترز)
TT

إدانات دولية بعد هجوم إسرائيلي جديد على «اليونيفيل»

آليات لقوات «اليونيفيل» في منطقة مرجعيون عند الحدود الجنوبية (رويترز)
آليات لقوات «اليونيفيل» في منطقة مرجعيون عند الحدود الجنوبية (رويترز)

استهدف الجيش الإسرائيلي مجدداً قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل)، لليوم الثالث على التوالي، ما أدى إلى إصابة جنديين إضافيين، غداة دعوات من تل أبيب رفضتها القوة الدولية، للابتعاد 5 كيلومترات عن الحدود، ما أثار غضباً دولياً، عبرت عنه فرنسا باستدعاء السفير الإسرائيلي.

وأعلنت «الخارجية» اللبنانية أن هجوماً إسرائيلياً جديداً على مقر الكتيبة السريلانكية في قوات «اليونيفيل» بجنوب لبنان أسفر عن سقوط جريحين، غداة هجوم مماثل أدى إلى إصابة جنديين إندونيسيين من «القبعات الزرق» بجروح وأثار تنديداً دولياً. وأفادت «اليونيفيل»، في بيان لها، بتعرّض مقرها العام في الناقورة، صباح الجمعة، لانفجارات للمرة الثانية خلال 48 ساعة؛ حيث أصيب جنديان من قوات حفظ السلام بعد وقوع انفجارين بالقرب من برج مراقبة.

وأوضحت: «انهارت عدّة جدران في موقعنا التابع للأمم المتحدة رقم (1-31)، بالقرب من الخط الأزرق في اللبونة، عندما قصفت دبابة إسرائيلية محيط الموقع، وتحركت دبابات إسرائيلية بالقرب من موقع الأمم المتحدة. ظل جنود حفظ السلام التابعون لنا في الموقع، وتم إرسال قوة رد سريع تابعة لـ(يونيفيل) لمساعدة الموقع وتعزيزه». وأكدت: «هذه الحوادث تضع قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، التي تعمل في جنوب لبنان بناءً على طلب مجلس الأمن بموجب القرار 1701 (2006)، في خطر شديد للغاية»، مشددة على أن «ما حدث يشكّل تطوراً خطيراً، وتؤكد (يونيفيل) ضرورة ضمان سلامة وأمن موظفي الأمم المتحدة وممتلكاتها واحترام حرمة مباني الأمم المتحدة في جميع الأوقات. كما أن أي هجوم متعمّد على جنود حفظ السلام يشكل انتهاكاً خطيراً للقانون الإنساني الدولي وقرار مجلس الأمن 1701 (2006)».

أتى ذلك بعدما كانت القوات الأممية قد اتهمت الجيش الإسرائيلي، الخميس، بإطلاق النار «عمداً» على مواقعها، ما أدى إلى إصابة اثنين من عناصرها من الجنسية الإندونيسية، وأثارت الواقعة انتقادات دبلوماسية، وذهبت روما إلى حد الإشارة إلى أنها «يمكن أن ترقى إلى جرائم حرب».

وفي وقت لاحق، قال الجيش الإسرائيلي إن قواته نفّذت عملية في منطقة الناقورة (جنوب لبنان) بالقرب من قاعدة لقوة «يونيفيل»، مشيراً إلى أنه أصدر تعليمات للقوة بالبقاء في أماكن محمية، وعلى أثر ذلك فتحت القوات الإسرائيلية النار في المنطقة.

وتسعى إسرائيل إلى نقل قوات حفظ السلام التابعة لـ«يونيفيل» بعيداً عن الحدود لمسافة 5 كيلومترات، وهو ما أشار إليه، الخميس، مبعوث إسرائيل لدى الأمم المتحدة، داني دانون، لافتاً إلى أن إسرائيل توصي بنقل قوات «اليونيفيل» في لبنان لمسافة 5 كيلومترات شمالاً، «لتجنّب الخطر مع تصاعد القتال».

وتدعو قوات «اليونيفيل» التي تضم نحو 10 آلاف جندي حفظ سلام في جنوب لبنان، منذ عام، إلى وقف التصعيد بين إسرائيل و«حزب الله». وتتمركز القوة في جنوب لبنان لمراقبة وقف الأعمال القتالية على امتداد خط ترسيم الحدود مع إسرائيل، وهي منطقة تشهد اشتباكات خطيرة بين القوات الإسرائيلية ومقاتلي جماعة «حزب الله» المدعومة من إيران.

لبنان

وفي بيان لها، ندّدت «الخارجية» اللبنانية، الجمعة، بأشد العبارات «الاستهداف الممنهج والمتعمد الذي يقوم به الجيش الإسرائيلي» للقوات الأممية، مضيفة أن «قصفاً استهدف أبراج مراقبة في المقر الرئيسي لـ(يونيفيل) في راس الناقورة وفي مقر الكتيبة السريلانكية، ما أدى إلى سقوط عدد من الجرحى في صفوف (اليونيفيل)».

ووصف رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، الهجوم بـ«الجرم المستنكر»، واضعاً إياه «برسم المجتمع الدولي».

الأمم المتحدة

وأدان الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، هذا الهجوم، قائلاً إنه «انتهاك للقانون الإنساني الدولي»، ومشدداً على أنه على إسرائيل عدم تكرار هذا الأمر، واصفاً إياه بأنه «غير مقبول».

وقال غوتيريش، بعد محادثات مع قادة دول جنوب شرقي آسيا بقمة في لاوس: «كان هناك بطبيعة الحال رد فعل من كثير من الأطراف تضامناً مع عنصري قوات حفظ السلام اللذين أُصيبا، وعبر إبلاغ إسرائيل بوضوح تام بأنّ هذا الحادث غير مقبول ويجب ألا يتكرّر».

فرنسا

وعدّ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون «استهداف القوات الإسرائيلية المتعمّد» لعناصر قوة الأمم المتحدة المؤقتة في جنوب لبنان أمراً «غير مقبول على الإطلاق»، منبهاً إلى أن بلاده «لن تقبل» بإطلاق النار مجدداً على الجنود الأمميين بعدما حصل في اليومين الأخيرين.

وقال الرئيس الفرنسي، خلال قمة في قبرص لدول الاتحاد الأوروبي المطلة على البحر المتوسط: «ندين هذا الأمر. لن نقبل به، ولن نقبل بأن يتكرر ذلك»، موجهاً «الشكر» إلى الدول المشاركة لتعبيرها عن «موقف بالغ الوضوح إلى جانبنا في هذا الشأن».

وأضاف أن «كل ما يحصل في الشرق الأوسط له تأثير حاسم في المنطقة برمتها».

وأكد ماكرون للصحافيين أن «وقف إطلاق النار ضروري في غزة ولبنان على السواء».

وتابع: «ينبغي القيام بذلك الآن. في الوقت نفسه، بالنسبة إلى رهائننا» الذين لا يزالون محتجزين لدى حركة «حماس» منذ عام، «وبالنسبة إلى السكان المدنيين ضحايا العنف، ولتجنّب عدوى إقليمية قائمة وتهدّد استقرار المنطقة برمتها».

وقال أيضاً «إنه سبب دعوة فرنسا الملحة إلى وقف تصدير الأسلحة التي تُستخدم على مسرحي الحرب هذَين. ثمة قادة آخرون هنا قاموا بالأمر نفسه. نعلم جميعاً بأنها الرافعة الوحيدة التي يمكنها اليوم وضع حد» لما يحصل، مؤكداً «أنها ليست البتة دعوة إلى نزع سلاح إسرائيل في وجه التهديدات التي تُمارس ضدها وهذا الشعب الصديق».

إندونيسيا

وقالت وزيرة الخارجية الإندونيسية، ريتنو مارسودي، في بيان، إن «اثنين من عناصرها أُصيبا في الهجوم بالناقورة»، مؤكدة أن «مهاجمة طواقم وأملاك للأمم المتحدة هي انتهاك فادح للقانون الدولي الإنساني».

وندّد رئيس الوزراء الإسباني، بيدرو سانشيز، بعد اجتماعه مع البابا فرنسيس في الفاتيكان، بالهجمات الإسرائيلية على قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل)، ودعا المجتمع الدولي إلى التوقف عن بيع الأسلحة إلى إسرائيل.

روسيا

كذلك، عبّرت «الخارجية» الروسية عن غضبها إثر هذه الحادثة، وكان وزير الدفاع الإيطالي جويدو كروزيتو قال، الخميس، إن القوات الإسرائيلية ارتكبت عملاً غير قانوني بإطلاق النار على مواقع تستخدمها قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في لبنان، ووصف ذلك بأنه جريمة حرب محتملة.

وقال كروزيتو، في مؤتمر صحافي: «لم يكن هذا خطأ أو حادثاً. وقد يشكل جريمة حرب ويمثل انتهاكاً خطيراً جداً للقانون الإنساني الدولي»، معلناً أنه اتصل بنظيره الإسرائيلي للاحتجاج، كما استدعى السفير الإسرائيلي لدى إيطاليا للمطالبة بتفسير.

وأوضح كروزيتو: «طلبت من السفير أن يبلّغ الحكومة الإسرائيلية بأنه لا يمكن للأمم المتحدة وإيطاليا أن تتلقى الأوامر من الحكومة الإسرائيلية».

الصين

وعبّرت الصين، الجمعة، عن «قلقها البالغ وإدانتها الشديدة» للهجوم الإسرائيلي على مواقع وتجهيزات تابعة لقوة الأمم المتحدة المؤقتة في جنوب لبنان (يونيفيل).

إسبانيا

بدوره، طالب رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، بـ«وضع حد لكل أشكال العنف» ضد قوة الأمم المتحدة المؤقتة المنتشرة في جنوب لبنان (اليونيفيل).

وقال سانشيز، خلال قمة في قبرص لدول الاتحاد الأوروبي المطلة على المتوسط، إن «ما حصل بمقر (اليونيفيل) في لبنان (...) غير مقبول على الإطلاق، ونطالب بوضع حد لكل أشكال العنف التي يتعرّض لها، ويا للأسف، الجنود الأمميون» في هذا البلد.


مقالات ذات صلة

فقدان الحلفاء والأصدقاء... يدفع بـ«حزب الله» لمهادنة الدولة اللبنانية

المشرق العربي أهالي جنوب لبنان يلبسون رئيس الحكومة نواف سلام العباءة خلال جولة له نهاية الأسبوع الماضي في المناطق التي تعرضت للقصف الإسرائيلي (الشرق الأوسط)

فقدان الحلفاء والأصدقاء... يدفع بـ«حزب الله» لمهادنة الدولة اللبنانية

تعكس المؤشرات السياسية والمواقف المعلنة في الأيام الأخيرة أن «حزب الله» بدأ  الانتقال من مرحلة المواجهة إلى مرحلة «تنظيم الخلاف» والعودة إلى الدولة

كارولين عاكوم (بيروت)
المشرق العربي رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام يستقبل وفداً من صندوق النقد الدولي برئاسة إرنستو راميريز ريغو (رئاسة الحكومة)

وفد من «صندوق النقد» يبحث في بيروت خطوات تؤدي إلى اتفاق معه

بحث وفد من «صندوق النقد الدولي»، الثلاثاء، مع المسؤولين اللبنانيين في بيروت، في الخطوات العملانية المقبلة؛ بهدف الوصول إلى اتفاق مع الصندوق

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي سائقو شاحنات لبنانية يقطعون الطريق عند نقطة المصنع الحدودية مع سوريا رفضاً للقرار السوري (أ.ف.ب)

قرار تنظيم الشاحنات السورية يهدد الصادرات اللبنانية

رفع القرار الصادر عن السلطات السورية، المتعلّق بتنظيم دخول الشاحنات اللبنانية إلى الأراضي السورية، مستوى التحذيرات من تداعيات مباشرة تطول تكلفة التبادل التجاري.

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي ناخبة تدلي بصوتها بمنطقة الشوف في الانتخابات المحلية الأخيرة مايو 2024 (أرشيفية - إ.ب.أ)

القوى السياسية اللبنانية مطالبة بخطوات عملية لإجراء الانتخابات في موعدها

التعميم الذي أصدره وزير الداخلية العميد أحمد الحجار بفتح الباب للترشح للانتخابات النيابية لا يعني أن الطريق معبّدة سياسياً وقانونياً أمام إنجاز الاستحقاق.

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي وزير الداخلية يواكب انطلاق تقديم الترشيحات للانتخابات النيابية (وزارة الداخلية)

لبنان: مرشحو الانتخابات النيابية يقدمون طلباتهم... ومصير اقتراع المغتربين مجهول

مع إعلان رئيس المجلس النيابي، نبيه بري، أنه لن يدعو إلى جلسة لتعديل قانون الانتخاب، وأن الانتخابات ستُجرى في موعدها وفق القانون الحالي، يحتدم السجال السياسي...

بولا أسطيح (بيروت)

تقرير: مسودة خطة بشأن غزة تتضمن احتفاظ «حماس» ببعض الأسلحة الخفيفة

جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)
جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)
TT

تقرير: مسودة خطة بشأن غزة تتضمن احتفاظ «حماس» ببعض الأسلحة الخفيفة

جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)
جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)

نسبت صحيفة «نيويورك تايمز» إلى مصادر مطلعة، الثلاثاء، أن مسودة خطة أميركية بشأن غزة تطالب حركة «حماس» بتسليم جميع الأسلحة القادرة على ضرب إسرائيل، لكنها ستسمح للحركة بالاحتفاظ ببعض الأسلحة الخفيفة في البداية على الأقل.

وقالت الصحيفة إن من غير المرجح أن تسحب إسرائيل قواتها من القطاع قبل أن تُلقي «حماس» والفصائل الفلسطينية الأخرى أسلحتها.

وذكرت أن فريقاً بقيادة أميركية، يضم جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب، والمبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف، والمسؤول الأممي السابق نيكولاي ملادينوف، يعتزم عرض المسودة على «حماس» في غضون أسابيع.

وحذر المسؤولون الذين تحدثوا إلى الصحيفة الأميركية، ومن بينهم دبلوماسي من المنطقة، ومصادر مطلعة على الخطة، من أن التفاصيل قابلة للتغيير، وأن مسودات مختلفة قد تظهر لاحقاً.

وذكرت «نيويورك تايمز» أن المسودة تبدو مبنية على مبادئ نوقشت علناً من قبل؛ إذ قدم كوشنر الشهر الماضي عرضاً في دافوس بسويسرا تناول الخطوات التالية لنزع سلاح غزة، مشيراً إلى أن الأسلحة الثقيلة ستخرج من الخدمة، وستسجل الأسلحة الشخصية وتخرج من الخدمة مع تولي إدارة فلسطينية جديدة مسؤولية الأمن في القطاع.

وتشمل الخطوات التالية لخطة السلام نشر قوة استقرار دولية في غزة، وبدء إعادة إعمار واسعة النطاق، وتسليم إدارة القطاع إلى لجنة فلسطينية تكنوقراطية.


لتضميد جراح الحرب... فتيات يتدربن على الملاكمة في غزة (صور)

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)
مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)
TT

لتضميد جراح الحرب... فتيات يتدربن على الملاكمة في غزة (صور)

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)
مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

على حلبة ملاكمة مرتجلة أقيمت على الرمل بين خيام النازحين بجنوب قطاع غزة، تمارس فتيات تمارين الإحماء قبل توجيه لكمات قوية باتباع تعليمات مدربهن الذي يقول إن هذا يساعدهن على التفريغ النفسي بعد عامين من الحرب الشرسة.

قبل اندلاع الحرب في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، كان أسامة أيوب يدير نادياً للملاكمة في مدينة غزة، لكن القصف الإسرائيلي دمره كما دمر منزله أسوة بالدمار الذي لحق بكل قطاع غزة ومرافقه من جراء الحرب الانتقامية التي تشنها إسرائيل منذ هجوم «حماس».

مدرب الملاكمة أسامة أيوب يدرب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي (إ.ب.أ)

وبعد أن وجد نفسه وسط مآسي النازحين الذين تكدسوا في عشرات الآلاف من الخيام المهترئة في ظروف مزرية وسط رعب القصف والغارات التي لم يكونوا بمنأى منها، قرر أن يفعل شيئاً من أجلهم، ولم يجد أفضل من تسخير خبرته مدرباً رياضياً لمساعدتهم.

يقول أيوب: «بعدما فقدنا منزلنا وتهجَّرنا من غزة في الشمال إلى خان يونس في الجنوب، قررنا أن نعمل داخل المخيم. كبداية أردنا أن يكون ذلك نوعاً من التفريغ النفسي من جراء صدمات الحرب».

على الحلبة خلفه، يتواجه عدد من اللاعبات بحماسة وسط تشجيع زميلاتهن، في حين تتدرب أخريات على أكياس اللكم.

يقول أيوب إن الفتيات متأثرات كثيراً من جراء «القصف واستشهاد أفراد من عائلاتهن وأقربائهن وصديقاتهن. إنهن يشعرن بالألم ويحتجن إلى تفريغه، والملاكمة تساعدهن على التعبير عن مشاعرهن وانفعالاتهن».

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يدرب فتيات صغيرات في خان يونس بجنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

يوفر أيوب حصص تدريب مجانية لخمس وأربعين فتاة بين الثامنة والتاسعة عشرة من العمر، ثلاث مرات في الأسبوع.

وفي إشارة إلى نجاح المبادرة يقول إن هذه التدريبات وفرت «راحة كبيرة، حتى لدى أهالي الفتيات الذين يأتون لمشاهدتهن ويقومون بتشجيعهن».

ومن بين المتدربات، تأمل غزل رضوان البالغة من العمر 14 عاماً أن تصبح بطلة في الملاكمة يوماً ما. وتقول: «ألعب الملاكمة حتى أقوي شخصيتي وأفرغ الطاقة... أتدرب حتى أصبح في المستقبل بطلة وألعب مع فرق العالم الأخرى وأرفع علم فلسطين».

فتاة تتدرب على الملاكمة داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس في جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

نداء للمساعدة

يعاني قطاع غزة من النقص في كل شيء، من الماء والدواء والطعام وصولاً إلى مواد البناء، وهو ما اضطر المدرب أيوب إلى إقامة حلبة ملاكمة متواضعة بما توفر من مواد.

ويوضح أيوب: «أحضرنا الخشب وصنعنا حلبة ملاكمة مربعة، ولكن ليس لدينا حُصر ولا وسائل لتوفير السلامة».

في ظل الحصار الإسرائيلي الذي يسبب نقصاً حاداً في المواد الضرورية الأساسية، تأتي المعدات الرياضية في مرتبة متأخرة جداً ضمن قائمة المواد التي قد يُسمح بإدخالها إلى القطاع الفلسطيني المدمر.

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (في الوسط) يدرب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس (إ.ب.أ)

وفي يناير (كانون الثاني)، أفادت «وكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية» (وفا)، بأن إسرائيل لم تسمح بدخول شحنة من العشب الصناعي تبرعت بها الصين للمجلس الأعلى للشباب والرياضة في غزة.

ووجه المدرب نداء إلى «المجتمع الدولي للاهتمام بالملاكمات ودعمهن ونقلهن من غزة إلى معسكرات تدريب خارج البلاد لتعزيز ثقتهن بأنفسهن وتوفير المزيد من الراحة النفسية لهن».

وتفيد اللاعبة ريماس ابنة السادسة عشرة بأنها أصرت على مواصلة التدريب «رغم الحرب والقصف والدمار».

فتيات صغيرات يتدربن على الملاكمة داخل خيمة في المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

وتقول متوجهة إلى العالم: «نحن الفتيات الملاكمات، نأمل منكم مساعدتنا، وأن تحضروا لنا طاولات وقفازات وأحذية. نحن نتدرب على الرمل، ونحتاج إلى فرشات وإلى أكياس لكم».


«قوة استقرار غزة»... تحركات لتلافي ثغرات «الاتفاق» وتنفيذ المرحلة الثانية

فتاة فلسطينية تلعب بكرة القدم في الشارع بجوار أنقاض المباني المدمرة على يد الجيش الإسرائيلي في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
فتاة فلسطينية تلعب بكرة القدم في الشارع بجوار أنقاض المباني المدمرة على يد الجيش الإسرائيلي في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«قوة استقرار غزة»... تحركات لتلافي ثغرات «الاتفاق» وتنفيذ المرحلة الثانية

فتاة فلسطينية تلعب بكرة القدم في الشارع بجوار أنقاض المباني المدمرة على يد الجيش الإسرائيلي في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
فتاة فلسطينية تلعب بكرة القدم في الشارع بجوار أنقاض المباني المدمرة على يد الجيش الإسرائيلي في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

تتصاعد المطالب بسرعة نشر قوات الاستقرار في قطاع غزة التزاماً باستحقاقات اتفاق وقف إطلاق النار بالقطاع، بالتزامن مع إعلان إندونيسيا بدء تدريب عناصر من جيشها في هذا الصدد.

تلك التحركات والمطالب، يرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أنها ستكون دافعاً للتعجيل بالمرحلة الثانية التي لا تزال تراوح مكانها منذ إعلان بدئها منتصف يناير (كانون الثاني) الماضي، متوقعين حدوث ضغوط أميركية لإنجاز هذا الأمر، خاصة مع الاجتماع المقبل لمجلس السلام في 19 فبراير (شباط) الحالي ولقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

وشدد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، خلال لقائه، الثلاثاء، رئيس جهاز الاستخبارات الخارجية بدولة روسيا الاتحادية، سيرغي ناريشكين، على «محورية تثبيت اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، وتنفيذ بنود المرحلة الثانية منه، لا سيما إدخال المساعدات، وسرعة البدء في عملية التعافي المبكر وإعادة الإعمار بالقطاع، وذلك لحفظ الأمن والاستقرار الدوليين».

وأكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، الثلاثاء، أهمية سرعة نشر قوة الاستقرار الدولية لمراقبة وقف إطلاق النار، واستمرار تدفق المساعدات الإنسانية والإغاثية، والتمهيد لمرحلة التعافي المبكر وإعادة الإعمار، وذلك خلال اتصال هاتفي مع وزير خارجية البرازيل ماورو فييرا.

جاء ذلك غداة إعلان الجيش الإندونيسي بدء الاستعدادات لنشر محتمل لقواته في قطاع غزة، ضمن مهمة «مجلس السلام» الذي أعلن عنه في وقت سابق الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

الرئيس عبد الفتاح السيسي أكد خلال استقباله رئيس الاستخبارات الخارجية الروسي سيرغي ناريشكين محورية تثبيت وقف إطلاق النار بقطاع غزة (الرئاسة المصرية)

وقال رئيس أركان الجيش مارولي سيمانجونتاك، الاثنين، إن الجيش بدأ تدريب أفراد يمكن تكليفهم بمهمة حفظ السلام، حسب تصريحات نشرتها صحف محلية، مشيراً إلى أن عدد الأفراد الذين سيتم نشرهم لم يحدد بعد، الواحد يتألف عادة من 5 آلاف إلى 8 آلاف جندي.

وأضاف أن الجيش يركز حالياً على تجهيز الأفراد، بانتظار مزيد من التنسيق بشأن الوضع في القطاع المدمر.

ويرى الخبير العسكري والاستراتيجي اللواء سمير فرج، أن بدء تدريبات إندونيسيا يزيد الزخم لبدء عمل قوات الاستقرار الدولية قريباً، ويدفع بالمرحلة الثانية التي تقف في مرحلة جمود، مشيراً إلى أن هناك ترتيبات لم تتم حتى الآن لبدء نشر قوات الاستقرار الدولية، وهو ما يؤخر وصولها حتى الآن، والعقبة حتى الآن في عدم حسم انسحاب إسرائيل من قطاع أو نزع سلاح «حماس».

ويعتقد المحلل السياسي الفلسطيني، نزار نزال، أن هناك تحركات تضغط من أجل الدفع بهذه القوات الدولية للوجود على الأرض، لا سيما من مصر ودول عدة، لكن غير واضح أن هناك حسماً للأمر حتى الآن، مشيراً إلى أن هناك تخوفاً من الدول، لا سيما إندونيسيا، من الصدام مع الجانب الفلسطيني، وحذراً كبيراً وتردداً متكرراً، في ظل عدم حسم صلاحيات القوات بعد، مستدركاً: «لكن هي خطوة يعول عليها في الدفع بها خلال اجتماع مجلس السلام المقبل لبدء فعلي للمرحلة الثانية».

وقوات استقرار غزة، أحد أبرز البنود الرئيسية مع انطلاق المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، منتصف الشهر الماضي، التي لم تر النور بعد رغم تشكل أجهزة تنفيذية عديدة مثل «مجلس السلام» الذي يشرف على القطاع برئاسة ترمب، و«لجنة إدارة قطاع غزة» الفلسطينية.

ويعقد «مجلس السلام» الذي دشن منتصف يناير الماضي، أول اجتماع له يوم 19 فبراير الحالي، وقدم ترمب دعوات في هذا الصدد لعدة دول، ومن المتوقع أن يدفع الاجتماع بالمرحلة الثانية من «اتفاق غزة»، وفق موقع «أكسيوس» الأميركي.

وقال مكتب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، في بيان، قبل أيام، إنه من المتوقع أن يجتمع مع ترمب، في واشنطن، الأربعاء، لبحث ملف المفاوضات مع إيران.

ويعتقد فرج أن ترمب سيضغط خلال الاجتماع الوشيك للمجلس أو مع نتنياهو لتنفيذ خطته بشأن غزة، سواء على إسرائيل أو «حماس»، حتى لا يبدو أن مجلسه فشل أو تعثر، وربما تكون قوات الاستقرار أحد البنود الرابحة من هذا الاجتماع.

ولا يراهن نزار نزال كثيراً على الاجتماع الوشيك أو لقاء نتنياهو بترمب، الأربعاء، موضحاً «أن هناك قضايا ذات أولوية لإسرائيل هي إيران الآن، وربما الرئيس الأميركي يضغط لحسم موقف القوات الدولية التي ترفض حكومة نتنياهو مشاركة تركيا فيها، وقد نرى انفراجة في ضوء تحركات واتصالات القاهرة ومواقف أخرى كاستعدادات إندونيسيا».