حرب لبنان... و«الخبرة» العسكرية الإسرائيلية من غزة

نار ولهب فوق الضاحية الجنوبية لبيروت بعد غارة جوية إسرائيلية الأحد (أ.ب)
نار ولهب فوق الضاحية الجنوبية لبيروت بعد غارة جوية إسرائيلية الأحد (أ.ب)
TT

حرب لبنان... و«الخبرة» العسكرية الإسرائيلية من غزة

نار ولهب فوق الضاحية الجنوبية لبيروت بعد غارة جوية إسرائيلية الأحد (أ.ب)
نار ولهب فوق الضاحية الجنوبية لبيروت بعد غارة جوية إسرائيلية الأحد (أ.ب)

تنتقل المنطقة حالياً من الصورة التكتيكية للحرب إلى الصورة الاستراتيجيّة والجيوسياسيّة، وبسرعة فائقة. ضعُف الوكيل فانكشف الأصيل، وأصبح لزاماً عليه الحفاظ على الوعود وماء الوجه، والتدخّل للدفاع عن وكيله الذي قدّم له خدمات جيوسياسيّة ذات قيمة عالية، ولفترات طويلة.

ألم يقل قاسم سليماني، قائد لواء القدس في الحرس الثوري، لمسؤول عسكري من الميليشيات العراقية، إن إيران ليست كالأميركيين الذين يتخلون عن حلفائهم؟

أهميّة التكتيك الآن

تُبنى عادة الاستراتيجية وتُرسم على المستوى السياسي والعسكري الأعلى. لكنها تُطبّق على المستوى التكتيكي. ولذلك تتظهّر أهمية التراكمات من النجاحات على المستوى التكتيكي في تجسيد صحّة أو عدم صوابية الاستراتيجيّة التي يتم اعتمادها.

دخان يتصاعد بعد غارة إسرائيلية على قطاع غزة في 23 أكتوبر 2023 (أ.ب)

وإذا ما تم تجاوز النتائج السياسية للحرب المستمرة على غزّة منذ سنة، كون إسرائيل لم تحقّق كل الأهداف التي وضعها بنيامين نتنياهو (القضاء على حركة «حماس» وتحرير المحتجزين الإسرائيليين)، فإن الحرب أنتجت بشكل عام مُسلّمات استراتيجيّة جديدة للجيش الإسرائيلي، وأيضاً للقيادة السياسيّة. لكن كيف؟

وضع مؤسّس الكيان الإسرائيلي، ديفيد بن غورين، المثلّث الاستراتيجي التالي: الردع، الإنذار المُبكر والحسم السريع. وأضيف لاحقاً مبدأ رابع يركّز على خوض الحرب على أرض العدو. ويبدو أن سبب هذه الركائز الأساسيّة هو عدم القدرة على تحمّل أثمان الحروب الطويلة، بشرياً واقتصاديّاً. لكن بعد سنة من الحرب المستمرّة على عدّة جبهات، تبيّن أن المجتمع الإسرائيليّ بدأ يتقبّل الحرب الطويلة، وكذلك الخسائر البشريّة، رغم اللوم الكبير الذي أُلقي على الجيش وأجهزة الأمن بسبب المفاجأة التي وقعت في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وسمحت لـ«حماس» بشن هجومها الواسع على غلاف غزة فيما يُعرف بعملية «طوفان الأقصى».

حرب غزّة مقابل جبهة لبنان

يختلف المسرح الجغرافي والطوبوغرافي في غزّة عن جبهة لبنان في عدّة أبعاد. مساحة غزّة لا تتجاوز 365كلم2، بينما جبهة لبنان الأساسية من جنوب الليطاني وحتى الخط الأزرق، تبلغ ما يقارب 1000 كلم2. غزّة معزولة جغرافياً باستثناء الحدود مع مصر. لـ«حزب الله» العمق الجغرافي الاستراتيجي والذي يمتدّ من الخط الأزرق وحتى طهران. تخوض «حماس» الحرب في مجتمع من صنف وانتماء واحد. يخوض «حزب الله» حربه من ضمن تعدّديّة داخلية فيها التنوّع الديني والمذهبيّ وحتى الإثني.

دخان ونار بعد غارة إسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت الأحد (أ.ف.ب)

غيّرت «حماس» هندسة القطاع، فبنت شبكة الأنفاق والتي قدّرتها صحيفة «نيويورك تايمز» بـ750 كلم. حضّرت منظومة الأسلحة التي ستخدم حربها، وأهمها الأسلحة المضادة للدروع، كما الصواريخ وضمناً المُسيّرات والأسلحة المضادة للطيران، حتى ولو استعملت بخجل ومن دون تأثير يُذكر على سير المعركة. قاتلت الحركة قتالاً هجيناً (Hybrid)، خاصة في بداية الحرب. فهي كانت قد أعدّت تنظيماً قتالياً يرتكز على الألوية كوحدة قتال، والموزّعة على مناطق قطاع غزّة الخمس (بعدها كتائب). لكن وعندما تراجعت القدرات القتاليّة لهذه الألوية، انتقلت «حماس» إلى قتال العصابات (Guerilla Warfare). وشكّلت الأنفاق العمق الاستراتيجي العمودي للحركة بسب محدوديّة العمق الجغرافيّ للقطاع.

يعتمد «حزب الله» على العمق الجغرافيّ، إن كان فوق الأرض، أو حتى تحت الأرض وذلك عبر أنفاق تحت الأرض تقدّر بمئات الكيلومترات، ساعدت في حفرها كوريا الشمالية حسب بعض التقارير.

دبابات إسرائيلية عند حدود قطاع غزة الأحد (رويترز)

يعتمد «حزب الله» الدفاع الاستراتيجي، مع اعتماد الهجوم تكتيكيّاً عند الحاجة. تشكل قوّة «الرضوان» اليد الهجوميّة والمناورة للحزب في الجنوب اللبنانيّ، من هنا استهدفت إسرائيل قيادات هذه الفرقة.

ينشر الحزب فرقه العسكرية على الشكل التالي: «فرقة عزيز» على تماس مباشر مع إسرائيل، جنوب الليطاني (قتل قائدها)؛ «فرقة بدر»، في شمال الليطاني (قائدها لا يزل فاعلاً)؛ «فرقة نصر» في القطاع الشرقي (قتل قائدها). كما أن هناك «فرقة بيروت» و«فرقة البقاع».

تخدم المنظومة القتاليّة لـ«حزب الله» منظومة أسلحة تقوم على ترسانة صاروخيّة بمديات مختلفة، تبدأ من التكتيكي إلى الاستراتيجي، كما من الصواريخ الغبية إلى الدقيقة. كما ترتكز على المسيّرات، والأسلحة المُضادة للدروع. جرّب الحزب هذه المنظومة القتالية لفترة سنة ونيّف.

لكن مراكز ثقل «حزب الله» تتشكّل من المثلّث التالي: منطقة البقاع خاصة الشماليّ، منطقة الضاحية الجنوبيّة؛ وأخيراً المنطقة الممتدة من الليطاني وحتى الخط الأزرق. تستهدف إسرائيل كل هذه المراكز بهدف إضعاف الحزب، لكن المركز الأهم حالياً هو جبهة الجنوب حيث المعركة الكبرى التي يستعد لها الفريقان.

عربة مدرعة إسرائيلية في جنوب لبنان الأحد (رويترز)

الثابت والمُتغيّر في الجيش الإسرائيلي

لم يكن الجيش الإسرائيلي مستعداً لحرب 2006، وذلك بسبب إهمال الساحة اللبنانية والانشغال بالانتفاضة الداخلية. في المقابل، أعد «حزب الله» العدة بدقّة لتلك الحرب وبمساعدة إيرانيّة مباشرة. بذلك استطاع منع إسرائيل من الانتصار، واعتبر ذلك على أنه «نصر إلهيّ».

في الحرب الدائرة اليوم، الكل مستعدّ لكن مع تحوّلات تاريخيّة (Paradigm) في مفاهيم الجيش الإسرائيليّ للحرب، وكيف يجب خوضها والإعداد لها، والتي تعوّد عليها «حزب الله»، والتي على أساسها بنى استراتيجيّته. أبرز هذه التحولات:

- يخوض الجيش الإسرائيلي حرباً مرّ عليها حتى الآن سنة، وهي على عدّة جبهات لا تزال كلها مشتعلة. يخالف هذا الأمر العقل الاستراتيجي الإسرائيليّ والذي اعتمد على خوض الحروب القصيرة.

- لا يزال الجيش الإسرائيلي يتحمّل الخسائر البشريّة من دون ممانعة من المجتمع كما حصل في حركة الأمهات التي ضغطت على الحكومة للانسحاب من لبنان عام 2000.

دمار في خان يونس جراء الهجوم الإسرائيلي المتواصل على قطاع غزة الاثنين (رويترز)

- ضُرب الداخل الإسرائيلي أكثر من مرّة، ومن كل الجبهات، والأخطر هما الجبهتان اللبنانية والإيرانيّة.

- اعتمد الجيش الإسرائيليّ مبدأ تدمير العدو في كل الأبعاد، في القيادة البشريّة، في البنى التحتيّة، المدنية منها والعسكريّة، وليس بالضرورة إبادة وإنهاء هذا العدو.

- تمرّس الجيش الإسرائيليّ على الحرب في المدن، وحرب العصابات في قطاع غزّة. وبذلك يكون قد حقّق الأمور التالية، إن كان في البعد السلبي أو الإيجابيّ:

تعزّزت اللحمة بين الجيش في الخدمة الفعلية وجيش الاحتياط، كما في القتال المشترك بين القوى العسكرية من قوى بر، بحر، جوّ، استخبارات والبعد السيبراني. هذا عدا اختبار منظومة الأسلحة، والابتكارات في المجالين التكتيكي والاستراتيجيّ.

- اعتاد الداخل الإسرائيلي على حرب على حدوده المباشرة ولفترة طويلة، وبشكل أن يذهب الجندي مثلاً إلى مسرح الحرب لفترة، ويعود إلى بيته في مأذونيّة على مسافة لا تتعدى عشرات الكيلومترات.

دمار في الضاحية الجنوبية لبيروت بعد غارات إسرائيلية الاثنين (رويترز)

_استردّ الجيش بعض المعنويات بعد الاغتيالات التي قام بها، خاصة الأمين العام لـ«حزب الله» وزعيم «حماس».

لكن للحرب أبعاداً سلبية كثيرة، وأهمّها: التعب والاستنزاف للقوى العسكرية. الكلفة المالية والبشريّة؛ استهلاك السلاح بشكل مستمر، الأمر الذي يحتم تعهدها أو تغييرها في مرحلة ما؛ استهلاك الذخيرة، والحاجة الماسة إليها.

جبهة لبنان

حتى الآن، لا تزال جبهة لبنان خاصة العملية البريّة في بداياتها. فهي في مرحلة التماس الأول. وإذا اعتبرنا أن الجيش الإسرائيليّ قد راكم الخبرات العسكرية في قطاع غزّة. فهذا الأمر لا يعني حتماً الاستفادة منها بشكل كامل، ونقل التجربة إلى المسرح اللبناني كما هي. فالمسرح والعدو مختلفان تماماً، كما القدرات والبيئة العملانيّة. لكن الأكيد، أن إسرائيل لن تذهب إلى نقاط قوّة الحزب والقتال على ساحته المُعدّة سلفاً كما حصل في العام 2006. فهي قد تعتمد استراتيجية متعدّدة الأبعاد، لتمزج العملية البريّة مع استراتيجيات مساعدة لها، وبشكل أن تنهار منظومة الحزب في جنوب الليطاني من دون الاضطرار إلى الدخول بعملية بريّة شاملة حتى نهر الليطاني.

إذن استفادة الجيش الإسرائيليّ من دروس الحرب على غزّة تتعلّق مباشرة بالخطة الكبرى للبنان، وهي حتى الآن خطّة معقدة ومتعدّدة الأبعاد. فعلى سبيل المثال، قد يستفيد الجيش الإسرائيلي من القتال على المسافة صفر مع قوات «حزب الله»، في حال تنفيذ عملية بريّة مباشرة، وبدء قتال الحزب قتالاً تراجعيّاً تأخيريّاً.

في الختام، حتى الآن ومن خلال المؤشرات الميدانيّة على الخط الأزرق قد يمكن القول إن الهدف الأوليّ الآن للجيش الإسرائيليّ هو التالي: السيطرة على الأماكن المرتفعة بدءاً من أصبع الجليل حيث قرية العديسة إلى قرية مارون الراس وحتى الناقورة وبعمق يتراوح بين 3 - 5 كلم. خاصة أن هذه القرى تطل على الداخل الإسرائيلي والمستوطنات في الشمال، وتسمح لـ«حزب الله» باستهداف هذه المناطق بالأسلحة المباشرة. فهل هذا الهدف هو مرحليّ ومن ضمن خطّة أكبر؟ إن غداً لناظره قريب.


مقالات ذات صلة

«الأمم المتحدة»: عائلات بأكملها تحت الأنقاض في غزة

المشرق العربي شبان فلسطينيون وسط أنقاض مبانٍ دُمرت خلال الحرب في مخيم جباليا للاجئين بشمال قطاع غزة (رويترز)

«الأمم المتحدة»: عائلات بأكملها تحت الأنقاض في غزة

انتشال مئات الجثث من تحت أنقاض المباني التي دمرتها الضربات الإسرائيلية على غزة قد يثير من جديد مخاوف من أن جرائم حرب ربما ارتُكبت هناك، وفقاً للأمم المتحدة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
الولايات المتحدة​  الناشط الطلابي محمود خليل متحدثا خلال المؤتمر الصحافي (إ.ب.أ)

دعوى قضائية تتهم جامعة كولومبيا بعدم حماية الطلاب المؤيدين للفلسطينيين

وقال خليل في مؤتمر صحفي بجامعة كولومبيا للإعلان عن الدعوى القضائية إن الجامعة أظهرت «تعصبا ضد الفلسطينيين» متجذرا في كل قسم ومدعوما من مجلس أمنائها.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
المشرق العربي خدّج في مستشفى «الشفاء» بغزة أُخرجوا من الحضانات بعد انقطاع الكهرباء في نوفمبر 2023 (رويترز)

وقف تزويد الوقود يزيد آلام القطاع الصحي في غزة

صُدم القائمون على إدارة المنشآت الصحية في غزة، بإبلاغهم رسمياً من «منظمة الصحة العالمية» بوقف تزويد المستشفيات والمراكز الصحية بالوقود بسبب نقص التمويل.

«الشرق الأوسط» (غزة)
شؤون إقليمية فلسطينيات يبكين محمد اليازوري الذي قُتل بغارة جوية إسرائيلية الخميس الماضي قبيل تشييع جثمانه في خان يونس جنوب غزة (أ.ب)

«سعي رسمي لسحب جنسية المخرجَين»... هجمة إسرائيلية على فيلم عن غزة

أعلن وزير الثقافة والرياضة الإسرائيلي، ميكي زوهار، أنه سيعمل على سحب الجنسية من مخرجَي فيلم «نازا» الإسرائيليين، بعد كشفه عن جرائم حرب وإبادة في غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
الولايات المتحدة​ جاريد كوشنر (إ.ب.أ) p-circle

كوشنر: واشنطن استغلت عزلة إسرائيل بعد هجوم الدوحة لإبرام اتفاق غزة

كشف جاريد كوشنر تفاصيل لافتة بشأن الدور الذي لعبه الهجوم الإسرائيلي على الدوحة العام الماضي في مسار التوصل إلى اتفاق بشأن القطاع.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

«الأمم المتحدة»: عائلات بأكملها تحت الأنقاض بغزة تثير مخاوف من ارتكاب جرائم حرب

شبان فلسطينيون وسط أنقاض مبانٍ دُمرت خلال الحرب في مخيم جباليا للاجئين بشمال قطاع غزة (رويترز)
شبان فلسطينيون وسط أنقاض مبانٍ دُمرت خلال الحرب في مخيم جباليا للاجئين بشمال قطاع غزة (رويترز)
TT

«الأمم المتحدة»: عائلات بأكملها تحت الأنقاض بغزة تثير مخاوف من ارتكاب جرائم حرب

شبان فلسطينيون وسط أنقاض مبانٍ دُمرت خلال الحرب في مخيم جباليا للاجئين بشمال قطاع غزة (رويترز)
شبان فلسطينيون وسط أنقاض مبانٍ دُمرت خلال الحرب في مخيم جباليا للاجئين بشمال قطاع غزة (رويترز)

قال فولكر تورك، مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، الثلاثاء، إن انتشال مئات الجثث من تحت أنقاض المباني التي دمرتها الضربات الإسرائيلية على غزة خلال الحرب التي اندلعت شرارتها قبل ما يقرب من ثلاث سنوات يثير من جديد مخاوف من أن جرائم حرب ربما ارتُكبت هناك.

وأضاف أن رفات ما يبدو أنها عائلات بأكملها يتم انتشالها من المواقع التي دمرتها الهجمات الإسرائيلية، وأن هناك الكثير من القتلى من النساء والأطفال، وذكر في بيان نقلته وكالة «رويترز» للأنباء: «من المفجع أن تتأكد الآن أسوأ مخاوف أحبّاء أولئك الذين ظلوا مفقودين لفترة طويلة».

وأشار إلى أن العثور على المزيد من الرفات أعاد إحياء المخاوف التي أثيرت في تقرير للأمم المتحدة صدر في 2024، وخلص إلى أن الضربات الإسرائيلية على المباني السكنية والمواقع المدنية الأخرى خلال الأسابيع الأولى من الحرب ربما تكون قد انتهكت القانون الإنساني الدولي.

ورفضت إسرائيل مراراً الاتهامات التي وُجهت لها بتعمد استهداف المدنيين، وقالت إنها تصرفت وفقاً للقانون الدولي خلال قتالها مسلحي حركة «حماس» في غزة.

وأنهى وقف لإطلاق النار توسطت فيه الولايات المتحدة القتال الواسع في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، لكنه أخفق في وقف الضربات الإسرائيلية المتكررة. ويتبادل الطرفان الاتهامات بانتهاك وقف إطلاق النار.

دمار واسع النطاق في غزة

قال الدفاع المدني الفلسطيني إنه تم انتشال جثث ورفات أكثر من 630 شخصاً من تحت المباني المدمرة في غزة منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، وتشير تقديرات السلطات الفلسطينية إلى استمرار وجود أكثر من ثمانية آلاف شخص تحت الأنقاض.

فتاة تغسل يديها من صنبور مياه عام في مخيم البريج للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

وعبَّر تورك عن مخاوفه من أن يكون الرفات المنتشل حتى الآن «مجرد غيض من فيض»، مشيراً إلى أن أجزاء كبيرة من غزة دُمّرت بالكامل في القصف الإسرائيلي أو في عمليات الهدم والإزالة التي تلت ذلك.

واتهم إسرائيل أيضاً بمواصلة تدمير بعض مناطق غزة التي لا تزال قواتها منتشرة فيها، قائلاً إن الجرافات تعمل «دون أي احترام للموتى تحت الأنقاض».

وأشارت إحصاءات إسرائيلية إلى أن هجوم «حماس» على إسرائيل في 2023 أسفر عن مقتل 1200 شخص واقتياد 251 رهينة إلى غزة.

وقالت السلطات الصحية في القطاع إن أكثر من 73 ألف فلسطيني قُتلوا في الحملة العسكرية التي شنتها إسرائيل على غزة رداً على هجوم «حماس» عليها.

وتقول إسرائيل إنها بذلت جهوداً كبيرة لتجنب وقوع ضحايا من المدنيين، وإن «حماس» تستخدم المدنيين في المناطق المكتظة بالسكان في غزة دروعاً بشرية، وهو اتهام تنفيه الحركة الفلسطينية.

ودعا تورك إلى السماح للمحققين الدوليين بالوصول إلى جميع أنحاء غزة للمساعدة في الحفاظ على الأدلة، مشيراً إلى أن هناك إجراءات قانونية جارية لفحص السلوك أثناء الحرب.

وجاء في بيان تورك، أن إسرائيل منعت دخول الآلات الثقيلة اللازمة لإزالة الأنقاض، وقالت فرنشيسكا ألبانيزي، خبيرة الأمم المتحدة المعنية بالأراضي الفلسطينية، إنه ينبغي جمع الأدلة والتعرف على رفات الضحايا قبل بدء عمليات إزالة الأنقاض بالكامل.

وقال الدفاع المدني الفلسطيني هذا الشهر إنه تم انتشال جثث ورفات 96 شخصاً من موقع واحد في منطقة الزيتون بمدينة غزة، من بينهم 58 طفلاً و23 امرأة.


الشرع: التحولات الاقتصادية تتطلب قرارات «صادمة»

الرئيس السوري أحمد الشرع خلال كلمته في دبي الثلاثاء (الشرق الأوسط)
الرئيس السوري أحمد الشرع خلال كلمته في دبي الثلاثاء (الشرق الأوسط)
TT

الشرع: التحولات الاقتصادية تتطلب قرارات «صادمة»

الرئيس السوري أحمد الشرع خلال كلمته في دبي الثلاثاء (الشرق الأوسط)
الرئيس السوري أحمد الشرع خلال كلمته في دبي الثلاثاء (الشرق الأوسط)

قال الرئيس السوري أحمد الشرع إن بلاده انتقلت من كونها «مشكلة» أمنية وسياسية تؤرق المنطقة إلى فرصة اقتصادية واستراتيجية يمكن أن تسهم في أمن سلاسل الإمداد والطاقة والتجارة بين الشرق والغرب، كاشفاً عن توقعات بارتفاع حجم الاقتصاد السوري إلى نحو 50 مليار دولار خلال العام الحالي، مقارنةً بنحو 20 مليار دولار في 2024.

وأقر الشرع في حديثه خلال «قمة الإعلام العربي» في دبي، الثلاثاء، بأن التحولات الاقتصادية الجارية تتطلب قرارات «صادمة»، فيما بدا أنها إشارة ضمنية إلى قرارات مثل رفع أسعار الوقود التي حرَّكت احتجاجات في مناطق سورية مختلفة خلال الأيام الماضية.

وقال إن حكومته لا تريد تبني «سياسة الشكوى أو الوعود»، وإنما التركيز على العمل، مشيراً إلى أن معيار النجاح سيكون في النتائج التي يلمسها السوريون.

وأوضح أن سوريا تنتقل من نموذج اقتصادي اتسم بدرجة عالية من البيروقراطية وهيمنة الدولة والفساد إلى اقتصاد يمنح القطاع الخاص والاستثمار مساحة كبرى. لكنه أقر بأن الانتقال المفاجئ قد يسبب «نوعاً من الصدمات»، موضحاً أن الحكومة درست عدداً من تجارب الدول التي مرت بمراحل تحول مشابهة، وأن إدارة المرحلة تتطلب قدراً من التدرج، إلى جانب اتخاذ قرارات قد تكون «صادمة» في بعض الأحيان.

وقال إن حجم الاقتصاد السوري بلغ في أفضل حالاته قبل الحرب نحو 60 مليار دولار في 2010، قبل أن يتراجع إلى نحو 20 مليار دولار في 2024. وأضاف أن الاقتصاد نما إلى نحو 32 مليار دولار خلال 2025، متوقعاً أن يصل إلى نحو 50 مليار دولار في 2026، وأن يستعيد في 2027 تقريباً مستوياته المسجلة في 2010.

وتابع أن الطموحات تتجاوز العودة إلى مستويات ما قبل الحرب، قائلاً إن البرامج الاقتصادية تستهدف إمكانية وصول حجم الاقتصاد إلى نحو 200 مليار دولار خلال السنوات الخمس إلى العشر التالية، شريطة توافر الاستقرار وعدم تعرض المنطقة والعالم لاضطرابات واسعة.

المخاطر الإقليمية

ورأى أن المخاطر الإقليمية لا تزال تشكل أحد أكبر التحديات أمام سوريا. وأضاف أن بلاده تواجه «تركة ثقيلة ناجمة عن 60 سنة من الدمار و14 سنة من الحرب المتواصلة»، وأن خروج سوريا من دائرة الصراع «لا يكفي وحده لضمان استدامة الاستقرار ما لم يتحقق قدر أكبر من الأمن الإقليمي والاستراتيجي». وأشار إلى أن «أكثر ما يخيفنا أن تتوسع الحروب أكثر فأكثر».

وأكد أن دمشق تعمل مع الدول العربية للبحث عن سبل لتقليل آثار الحروب وتخفيف المخاطر المتوقعة مستقبلاً، معتبراً أن سوريا يمكن أن تؤدي دوراً محورياً في تعزيز الاستقرار الإقليمي.

ورسم الشرع صورة للمرحلة التي تمر بها سوريا بعد عقود من الحكم السابق و14 عاماً من الحرب، معتبراً أن البلاد تخوض عملية انتقال واسعة تشمل إعادة بناء مؤسسات الدولة، والتحول الاقتصادي، وجذب الاستثمارات، وإعادة تأهيل البنية التحتية، بالتوازي مع العمل على تثبيت الاستقرار الداخلي وإعادة سوريا إلى محيطها العربي والإقليمي. وقال إن «تحرير دمشق مثّل بداية لاستعادة الأمل، ليس فقط للسوريين وإنما للمنطقة بأكملها»، بعد نحو 60 عاماً وصفها بأنها اتسمت بـ«الظلم والفساد»، مضيفاً أن ما تحقق منح السوريين قدراً كبيراً من الثقة بقدرتهم على إعادة بناء دولتهم.

وأشار إلى أن سوريا عانت لعقود من تداخل «سوء التخطيط مع الفساد الإداري»، وهو ما أدى، حسب تعبيره، إلى مضاعفة حجم الأضرار، قبل أن تضيف سنوات الحرب تحديات أكثر تعقيداً تتعلق بالبنية التحتية والطاقة والخدمات والاقتصاد والانقسامات الداخلية.

وأوضح الرئيس السوري أن سوريا «انتقلت من كونها مصدراً للكبتاغون وتجارة البشر، وموطئ قدم لبث النزاعات والمشكلات في المنطقة»، إلى بلد «يسعى لأن يكون بقعة استقرار»، مشيراً إلى ازدياد الحديث عن دورها المحتمل في التجارة الإقليمية وأمن سلاسل الإمداد والطاقة، إضافةً إلى موقعها على طرق الربط بين الشرق والغرب.

«سوريا ليست تابعاً»

وفي حديثه عن السياسة الخارجية، أكد الشرع أن دمشق تسعى إلى بناء علاقاتها على «المصداقية والثقة»، مع الحفاظ على استقلالية القرار السوري. وقال إن «سوريا لا تحتاج إلى أن تكون تابعة لأي جهة»، مضيفاً أنها تمتلك من الحضارة والخبرات والموارد البشرية ما يسمح لها بالاستقلال بقرارها، وفي الوقت ذاته «الاستقواء بإخوانها ومحيطها».

وشدد على أن بلاده لا تستطيع الاستغناء عن محيطها العربي والإسلامي، وأنها تعتمد بصورة كبيرة على الدول العربية في الدعم السياسي والاستفادة من خبراتها وتجاربها التنموية. وأضاف أن سوريا لا تريد «أن تبدأ من الصفر الذي بدأت منه هذه الدول، وإنما أن تبدأ من المائة التي انتهت إليها».

وتوقف عند ملف العقوبات الدولية، معتبراً أن سوريا كانت من أكثر دول العالم خضوعاً للعقوبات على مدى عقود، وأن آثارها لم تقتصر على مؤسسات الدولة، بل انعكست مباشرةً على المجتمع والاقتصاد السوريين. وقال إن أجيالاً كاملة داخل سوريا لم تتعامل بصورة طبيعية مع آليات التداول المالي والضمانات البنكية والنظام المالي العالمي نتيجة العزلة الطويلة.

وأشاد في هذا السياق بالجهود التي بذلها ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، والرئيس التركي رجب طيب إردوغان، مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، بشأن العقوبات، معتبراً أن قرار رفعها مثّل تحولاً تاريخياً بالنسبة إلى بلاده. وقال: «أعتقد أن سوريا وُلدت من جديد بعد رفع العقوبات»، مضيفاً أن القيود الأساسية كُسرت، وأن المسؤولية باتت تتمثل الآن في «السياسات والإجراءات واتخاذ الخيارات الصحيحة والسليمة» لدفع الاقتصاد والدولة إلى الأمام.


الجيش الإسرائيلي يقتل فلسطينياً خلال مداهمة منزله في الضفة الغربية

وُضعت زهور على جثمان رجل فلسطيني يبلغ من العمر 54 عاماً، قُتل على يد القوات الإسرائيلية خلال مداهمة، بينما كان المشيعون ينعونه في مستشفى بمدينة رام الله في الضفة الغربية (رويترز)
وُضعت زهور على جثمان رجل فلسطيني يبلغ من العمر 54 عاماً، قُتل على يد القوات الإسرائيلية خلال مداهمة، بينما كان المشيعون ينعونه في مستشفى بمدينة رام الله في الضفة الغربية (رويترز)
TT

الجيش الإسرائيلي يقتل فلسطينياً خلال مداهمة منزله في الضفة الغربية

وُضعت زهور على جثمان رجل فلسطيني يبلغ من العمر 54 عاماً، قُتل على يد القوات الإسرائيلية خلال مداهمة، بينما كان المشيعون ينعونه في مستشفى بمدينة رام الله في الضفة الغربية (رويترز)
وُضعت زهور على جثمان رجل فلسطيني يبلغ من العمر 54 عاماً، قُتل على يد القوات الإسرائيلية خلال مداهمة، بينما كان المشيعون ينعونه في مستشفى بمدينة رام الله في الضفة الغربية (رويترز)

قتل الجيش الإسرائيلي رجلاً فلسطينياً، الثلاثاء، خلال مداهمة منزله في الضفة الغربية المحتلة، وفق وزارة الصحة الفلسطينية.

وأعلنت الوزارة «استشهاد المواطن زياد محمد جابر (54 عاماً) برصاص جيش الاحتلال في (حي) أم الشرايط بمدينة البيرة» في وسط الضفة الغربية.

وأفادت جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني بأن جابر أصيب بالرصاص الحي في البطن والفخذ، وأجرت طواقمها عمليات إنعاش له قبل نقله إلى مجمع فلسطين الطبي في رام الله، حيث وُصفت إصابته بالخطيرة جداً، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقال شقيقه رمضان محمد جابر لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» إن الجيش الإسرائيلي داهم منزله قرابة الساعة الرابعة صباحاً بعد تفجير باب المنزل، وقيّدوه واحتجزوه مع ابنته في غرفة قبل أن يعتقلوا نجله عمرو.

وأشار إلى أن عناصر الجيش فجَّروا باب الشقة المجاورة التي يقطن فيها شقيقه زياد و«سمعتُ صوته وهو يصرخ ولم أسمع صوت إطلاق نار».

وتابع أن شقيقه «تُرك ينزف في المنزل لنحو ساعة ونصف الساعة قبل أن يسمح الجيش لطواقم الإسعاف بنقله إلى المستشفى».

وأكد متحدث باسم وزارة الصحة الفلسطينية أن جابر وصل متوفى إلى المستشفى.

ولم يرد الجيش الإسرائيلي فوراً على طلب «وكالة الصحافة الفرنسية» التعقيب على الحادثة.

وتشهد الضفة الغربية التي تحتلها إسرائيل منذ عام 1967، تصاعداً في أعمال العنف منذ اندلاع الحرب في قطاع غزة عقب هجوم حركة «حماس» غير المسبوق على الدولة العبرية في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

وقُتل ما لا يقل عن 1109 فلسطينيين، بينهم عدد من المسلحين، برصاص جنود أو مستوطنين إسرائيليين في الضفة الغربية، وفق حصيلة لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» تستند إلى بيانات السلطة الفلسطينية.

في المقابل، تظهر بيانات رسمية إسرائيلية مقتل ما لا يقل عن 48 إسرائيلياً بين مدنيين وعسكريين في هجمات نفّذها فلسطينيون أو خلال مواجهات مع القوات الإسرائيلية.