تحييد «حزب الله» لا تدميره... كيف ترى واشنطن الحرب في لبنان؟

«الشرق الأوسط» تستطلع آراء مسؤولين أميركيين سابقين وخبراء

صورة للأمين العام لـ«حزب الله» في موقع غارة إسرائيلية على سكسكية قرب صيدا (أ.ف.ب)
صورة للأمين العام لـ«حزب الله» في موقع غارة إسرائيلية على سكسكية قرب صيدا (أ.ف.ب)
TT

تحييد «حزب الله» لا تدميره... كيف ترى واشنطن الحرب في لبنان؟

صورة للأمين العام لـ«حزب الله» في موقع غارة إسرائيلية على سكسكية قرب صيدا (أ.ف.ب)
صورة للأمين العام لـ«حزب الله» في موقع غارة إسرائيلية على سكسكية قرب صيدا (أ.ف.ب)

بعد نحو 10 أيام من بدء جولة التصعيد الإسرائيلي الأخير ضد «حزب الله»، يرى مسؤولون أميركيون سابقون وخبراء تحدثت إليهم «الشرق الأوسط»، أن هدف تل أبيب «تحييد» الحزب، وليس تدميره.

ديفيد شنكر، مساعد وزير الخارجية الأميركي السابق لشؤون الشرق الأدنى، يرى أن الهدف الأساسي لتحرك إسرائيل الأخير هو تمكين نحو 70 ألفاً من مواطنيها من العودة إلى منازلهم في الشمال، بعدما فروا منها تحت وطأة ضربات «حزب الله» منذ أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن هذه الخطوات هدفها «تحييد التهديد... وليس احتلال الأراضي اللبنانية مرة أخرى، بل ضمان أن قوات (حزب الله) لم تعد في وضع يسمح لها بمحاولة غزو إسرائيل والاستيلاء على أراضٍ واحتجاز رهائن»، كما فعلت حركة «حماس» في غلاف غزة في السابع من أكتوبر الماضي.

وأشار شنكر إلى أن «هذا على وجه التحديد ما حاول فعله المبعوث الأميركي عاموس هوكشتاين الذي اقترح أيضاً ترسيم النقاط الحدودية المتنازع عليها بين إسرائيل ولبنان، وإنهاء التحليق الإسرائيلي فوق لبنان». لكنه رأى أن «(حزب الله) ليس مهتماً في الوقت الحاضر بالتوصل إلى تفاهم يؤدي إلى وقف التصعيد».

إضعاف عسكري... وتمكين سياسي

وأضاف أن الضربات الإسرائيلية الأخيرة «كان لها بالفعل تأثير عميق على (حزب الله)، فقد تم القضاء على صفوف القيادة العليا للتنظيم، ومقتل أكثر من 500 مقاتل».

وحين سُئل عن الضحايا المدنيين، أجاب شنكر بأن «الحزب وضع ترسانته بين جمهوره، ولهذا قُتل العديد من اللبنانيين الأبرياء بشكل مأساوي، إما بسبب الضربات الإسرائيلية أو الانفجارات الثانوية للذخائر المنتشرة في المناطق المدنية».

انفجارات عقب غارة إسرائيلية على جبل الريحان جنوب لبنان (أ.ف.ب)

غير أنه أشار إلى أنه «عندما تنتهي هذه الجولة من القتال، سيكون هناك ضرر جسيم لإسرائيل وحزب الله ولبنان. ورغم الدمار في لبنان، فلا شك أن نصر الله سيعلن مرة أخرى - وبشكل مثير للضحك - النصر الإلهي. لكن تنظيمه سيتضاءل إلى حد كبير» على المستوى العسكري.

لكن على المستوى السياسي، يعتقد شنكر بأن «(حزب الله) سيستمر، وبدعم من إيران، في الهيمنة والسيطرة على لبنان. فالانتكاسات التي منيت بها (حماس) و(حزب الله) هذا العام، وهما من القوى الوكيلة الرئيسية لإيران، تمثل تطوراً غير مسبوق لطهران. ومن المؤسف أن هذه المنظمات جلبت على طول الطريق معاناة غير ضرورية وغير مسبوقة لجمهورها».

فرض تنفيذ القرار 1701

من ناحيته يقول مايكل روبن، من معهد «اميركان إنتربرايز» في واشنطن، إن إسرائيل تريد بعملياتها الأخيرة فرض تنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701 الذي اعتمد بعد حرب 2006 بين إسرائيل والحزب، ودعا إلى منطقة خالية من سلاح الحزب ومقاتليه بين خط الحدود ونهر الليطاني جنوبي لبنان. وقال روبن لـ«الشرق الأوسط»: «لا يمكن لأي دولة أن تتسامح مع هجمات مستمرة من الجوار، كما حدث مع إسرائيل من (حزب الله)».

ويقول ماثيو ليفيت، كبير الباحثين في «معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى»، إن المسؤولين الإسرائيليين «كانوا واضحين على مدى أشهر، في أنهم يأملون بأن تنجح الجهود الدبلوماسية لحمل (حزب الله) على وقف قصف إسرائيل. لكن إذا لم يحدث ذلك فإن الجيش الإسرائيلي سيفعل ما يجب عليه لإنهاء هجماته الصاروخية وتمكين الإسرائيليين (في الشمال) من العودة». لكنه أضاف أن حكومة الحرب الإسرائيلية «لم تضع تدمير (حزب الله) هدفاً للحرب في الأسبوع الماضي».

مناصرون لـ«حزب الله» يشيعون قائد جناح النخبة المعروف بـ«قوة الرضوان» إبراهيم عقيل في ضاحية بيروت الجنوبية الأحد الماضي (أ.ف.ب)

غير أن ديفيد داود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات» في واشنطن، يرى أن تحقيق إسرائيل لهدف إعادة مواطنيها «كان يعتمد على ما إذا كانت قادرة على ذلك من خلال وسائل غير الحرب. ولذلك حاول الإسرائيليون رفع الثمن الذي سيتعين على (حزب الله) أن يدفعه للحفاظ على جبهة دعمه لحلفائه في غزة».

ورأى أن هدف العمليات الأخيرة «ليس فقط استعادة الهدوء في الشمال، بل بالإضافة إلى ذلك حث الحزب على الانسحاب لمسافة كافية من الحدود لتحييد تهديد قذائفه أو توغل قواته، على غرار ما حدث في 7 أكتوبر».

هل يتحمل الحزب حرب استنزاف طويلة؟

ويرى داود أن «المشكلة هي أن ( حزب الله) حشر نفسه في الزاوية بالتزامه بمحاربة إسرائيل، والاستمرار في حرب الاستنزاف التي شنها ضدها من دون استفزاز في الثامن من أكتوبر (تشرين الأول)، إلى أن توقف إسرائيل عملياتها العسكرية في غزة».

وأوضح أن «قبول وقف إطلاق النار من جانب واحد من لبنان، وخاصة في ظل الضغوط العسكرية الإسرائيلية، من شأنه أن يجعل الحزب يبدو ضعيفاً في نظر أنصاره. لهذا لا يستطيع الحزب تحمل ذلك، لأن قسماً كبيراً من مؤيديه يدعمونه لأنهم يعتقدون أنه منظمة مقاومة قوية قادرة على ردع إسرائيل أو هزيمتها في الحرب، إذا لزم الأمر، وهذا ما دفع حسن نصر الله في خطابه الأخير، إلى إعلان وقف العمليات العسكرية الإسرائيلية في الضفة الغربية كشرط إضافي لوقف الهجمات من لبنان».

على أن داود يعتقد بأن «حزب الله» لا يريد حرباً موسعة مع إسرائيل في الوقت الحالي، «فهو ليس في وضع يسمح له بالقيام بذلك، ولذلك كانت هجماته الانتقامية على الضربات المؤلمة التي وجهتها له إسرائيل، مسرحية وتجميلية إلى حد كبير. صحيح أنهم يستهدفون الآن مناطق أعمق ويطلقون الصواريخ على، أو بالقرب من أهداف إسرائيلية ذات أهمية رمزية، لكنهم لا يطلقون وابلاً هائلاً من الصواريخ. وبهذه الطريقة، يمكن ضمان أن الأنظمة الدفاعية الإسرائيلية ستعترض هجماتهم، في حين يستطيع الحزب أن يبالغ في نجاحاته في الداخل».

عناصر من خدمات الطوارئ اللبنانية يرفعون ركام بناية دمرتها ضربة إسرائيلية على ضاحية بيروت الجمعة الماضي (أ.ف.ب)

وشدد داود على أن «الحزب لا يستطيع أن يتحمل إلى ما لا نهاية مستوى الاستنزاف الذي ألحقته به إسرائيل» في الأسبوع الماضي. لذلك، «نحن امام صراع إرادات، وقد تحولت المبادرة بشكل حاسم إلى الإسرائيليين. فإذا تمكنت إسرائيل من تحقيق أهدافها من خلال وسائل غير الحرب، فمن الممكن تجنب الحرب الموسعة».

وإذا لم يكن ذلك ممكنا، يرى داود أن «من الممكن أن تقوم إسرائيل على الأقل بمناورة برية محدودة لتحقيق أهدافها. لكن من غير المرجح أن يظل هذا الوضع تحت الاحتواء، وبقدر ما يركز مثل هذا الصراع في المقام الأول على مناطق لبنان الخاضعة لسيطرة (حزب الله)، فإنه قد يتوسع أيضاً ليشمل مناطق أخرى - وخاصة إذا كانت القوات البرية الإسرائيلية تسعى إلى الوصول إلى معاقل الحزب في جنوب بيروت أو بعلبك».

ماذا عن الدور الإيراني؟

بالنسبة إلى الدور الإيراني، يقول شنكر إن «طهران أظهرت أنها مستعدة لمحاربة أميركا وإسرائيل حتى آخر عربي. ومع ذلك، لا تريد إيران حرباً مفتوحة مع إسرائيل. إنه أمر أكثر راحة وأقل خطورة بكثير أن تستمر في قتالها ضد إسرائيل فيما يسمى المنطقة الرمادية، باستخدام وكلائها العرب».

ويرى المسؤول السابق في إدارة الرئيس الجمهوري دونالد ترمب، أنه لا يوجد اتفاق جديد في المستقبل القريب بين طهران وواشنطن. ويقول: «قد تحاول إدارة (المرشحة الديمقراطية للرئاسة) كامالا هاريس، إذا فازت، العودة إلى اتفاق نووي جديد مع إيران، لكن هناك بعض العقبات الحقيقية التي تحول دون تحقيق ذلك، ومن المرجح أن تعود إدارة ترمب إلى ممارسة أقصى قدر من الضغط ضد إيران للتوصل إلى اتفاق جديد، لكن هذا أيضاً سيكون صعباً».

ويقول شنكر إن «إيران راضية عن تمويل وكلائها ودعمهم، لكنهم في الأساس وقود للمدافع في حملة النظام المستمرة منذ عقود ضد إسرائيل. ومن المؤكد أن إيران ليست سعيدة لأن وكيلها الأول يفقد قدرته على الدفاع عن نظامها وبرنامجها النووي. وإيران مهتمة في المقام الأول ببقائها، الذي قد تهدده حرب مع إسرائيل».

المرشد الإيراني علي خامنئي قدم دعماً لفظياً لـ«حزب الله» خلال احتفال بذكرى الحرب العراقية - الإيرانية الأربعاء (أ.ف.ب)

وعما إذا كانت إيران مترددة في دعم «حزب الله»، يقول الباحث داود: «لا أستطيع أن أقول إن إيران مترددة في دعمه، لكن أعتقد أنهم مترددون في إطلاق العنان له أو طلب الدخول بحرب كاملة مع إسرائيل في هذا الوقت. وبالنظر إلى ما جرى مع (حماس) في غزة، فإن إيران لا تريد إلحاق الضرر نفسه بالحزب، وبالجماعات المسلحة الأخرى، والبنية التحتية العسكرية التي ساعدت في بنائها. لذا، لا أعتقد أن الأمر له علاقة بأي صفقات مع واشنطن، وبالتالي فإن (حزب الله) يشكل رصيداً حاسماً لهدف إيران المتمثل في تنمية نفوذها الإقليمي، ولذلك فهي لا تريد المخاطرة بخسارته في حرب سابقة لأوانها مع إسرائيل».

وهو ما يؤكد عليه الباحث ليفيت الذي يقول إن إيران تريد دعم «حزب الله»، لكنها «تريد أيضاً الحفاظ على ترسانته الصاروخية كرادع ضد أي هجوم على برنامجها النووي الذي عززته بشكل كبير خلال الأشهر الـ11 الماضية».


مقالات ذات صلة

الرئيس اللبناني يرفض تحويل الجنوب «ورقة تفاوض»

المشرق العربي الرئيس اللبناني يرفض تحويل الجنوب «ورقة تفاوض»

الرئيس اللبناني يرفض تحويل الجنوب «ورقة تفاوض»

جدّد رئيس الجمهورية جوزيف عون التزامه الكامل بحصرية السلاح الشرعي بيد الدولة اللبنانية، وبسط سلطة الجيش اللبناني على كامل الأراضي اللبنانية.

كارولين عاكوم (بيروت)
خاص جنود في «اليونيفيل» ينفذون دورية راجلة قرب السياج الحدودي مع إسرائيل في جنوب لبنان (يونيفيل)

خاص بري لـ«الشرق الأوسط»: البديل لـ«اليونيفيل» قوة تحت علم الأمم المتحدة

أكد بري أن الاتفاقات الثنائية بين لبنان وإسرائيل ليست البديل عن الحضور الدولي في الجنوب، طالما أن الأخيرة ترفض ما توصل إليه البلدان بموجب «اتفاق الإطار»

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي عنصر في الجيش اللبناني فوق آلية عسكرية على مدخل مخيم برج البراجنة للاجئين الفلسطينيين جنوب بيروت (أرشيفية - إ.ب.أ)

إيران تضع سلاح «حماس» وحلفائها في لبنان في سلة عتاد «حزب الله»

بالتوازي مع تعثر مسار معالجة سلاح «حزب الله»، يتراجع الحديث عن السلاح الفلسطيني داخل المخيمات، بعدما كانت عملية سحبه قد بدأت فعلياً العام الماضي.

بولا أسطيح (بيروت)
المشرق العربي الدخان يتصاعد من موقع غارة إسرائيلية على جنوب لبنان (أ.ف.ب) p-circle

«حزب الله»: إسرائيل لا تجرؤ على إقامة مستوطنة في جنوب لبنان

انتقد الأمين العام لـ«حزب الله» مسار السلطة اللبنانية «بدخولها مفاوضات» مع إسرائيل، وشدد أن الدولة العبرية «لا تجرؤ على إقامة مستوطنة» في جنوب لبنان.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي جندي في «اليونيفيل» يراقب عبر منظار التطورات بجنوب لبنان (يونيفيل)

«اليونيفيل» توثق ألف مقذوف إسرائيلي في جنوب لبنان خلال ستة أيام

حذرت قوات حفظ السلام المؤقتة في جنوب لبنان (يونيفيل) من أن الوضع في منطقة عملياتها لا يزال هشّاً، مسجلة أكثر من ألف مقذوف سقطت خلال ستة أيام في الجنوب.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

مستوطنون إسرائيليون مسلحون يحتجزون ناشطاً بريطانياً في الضفة الغربية (فيديو)

مستوطنون إسرائيليون بالقرب من منزل فلسطيني في قرية قصرة بالضفة الغربية (أ.ف.ب)
مستوطنون إسرائيليون بالقرب من منزل فلسطيني في قرية قصرة بالضفة الغربية (أ.ف.ب)
TT

مستوطنون إسرائيليون مسلحون يحتجزون ناشطاً بريطانياً في الضفة الغربية (فيديو)

مستوطنون إسرائيليون بالقرب من منزل فلسطيني في قرية قصرة بالضفة الغربية (أ.ف.ب)
مستوطنون إسرائيليون بالقرب من منزل فلسطيني في قرية قصرة بالضفة الغربية (أ.ف.ب)

احتجز مستوطنون إسرائيليون مسلحون، يوم السبت، ناشطاً بريطانياً في الضفة الغربية وسلموه للشرطة بعد أن اتهموه بالاعتداء على قاصر، فيما اتهم نشطاء آخرون المستوطنين باختطاف الرجل، وفق ما ذكرته صحيفة «تايمز أوف إسرائيل».

وكان الناشط فين جوغين موجوداً في قرية أم الخير بجنوب الضفة الغربية المحتلة في محاولة لحماية السكان الفلسطينيين المحليين من الهجمات المتكررة للمستوطنين الذين أقاموا بؤراً استيطانية غير قانونية على سفوح التلال المجاورة.

وفي لقطات للحادث، يظهر جوغين ممسكاً بسياج، بجانب لافتة باللغة العربية كتب عليها «مرحباً بكم في أم الخير»، ويمنع بجسده طفلاً من المرور.

وبحسب نشطاء، فإن «أطفالاً مستوطنين من البؤرة الاستيطانية سرقوا كرة من أطفال فلسطينيين (في أم الخير) ثم استدعوا مسلحين بالغين (إلى مكان الحادث)، وقاموا باختطاف جوغين».

ويُظهر مقطع فيديو لاحق مستوطنين مسلحين وهم يقيدون جوغين جسدياً ويقتادونه بعيداً، إلى البؤرة الاستيطانية غير القانونية التي يعيش فيها المستوطنون الذين شوهدوا في الحادث، حسبما ورد.

وأظهرت لقطات أخرى الناشط البريطاني داخل مبنى بينما وصفه رجل يتحدث العبرية بأنه «فوضوي ومتحرش بالأطفال». وبحسب الشرطة الإسرائيلية، تم اعتقال جوغين بعد ذلك «للاشتباه في قيامه بعمل غير لائق ضد قاصر».

ورداً على طلب من «تايمز أوف إسرائيل» للحصول على تحديث بشأن وضعه، اليوم الأحد، قالت الشرطة إن جوغين لا يزال رهن الاحتجاز.

وقالت الشرطة إن «استجواب المواطن البريطاني شمل، من بين أمور أخرى، أخذ شهادات تشير إلى شبهة في قضية اعتداء على قاصر». وأشارت إلى أن التحقيق في القضية ما زال مستمراً.

ولم يصدر أي تعليق من الجيش الإسرائيلي، الذي لم يشارك في الحادث.

وتصاعد عنف المستوطنين اليهود في الضفة الغربية المحتلة، ويشعر بعضهم بجرأة في ظل حكومة نتنياهو، التي تشرف على توسُّع استيطاني كبير في المنطقة.

وندَّد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، السبت، بعنف المستوطنين في الضفة، مستنكراً في خطوة نادرة من نوعها ما وصفه بـ«أعمال عنف إجرامية» ارتُكبت في قريتين فلسطينيتين.

وقال نتنياهو في بيان نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية»: «أدين بشدة أعمال العنف الإجرامية التي ارتكبتها في قريتي قصرة وجالود مجموعة من مثيري الشغب الخارجين عن القانون، والذين يلحقون ظلماً فادحاً بالمجتمع اليهودي الملتزم بالقانون، ويعرقلون عمل الجيش الإسرائيلي في تأدية مهامه، ويضرون بمكانة إسرائيل على الساحة الدولية».


هل باتت «حماس» أكثر انفتاحاً على التفاوض المباشر مع إسرائيل؟

جانب من مشاركة قوى وفصائل فلسطينية خلال اجتماع سابق بالعاصمة المصرية القاهرة (حساب حماس في تلغرام)
جانب من مشاركة قوى وفصائل فلسطينية خلال اجتماع سابق بالعاصمة المصرية القاهرة (حساب حماس في تلغرام)
TT

هل باتت «حماس» أكثر انفتاحاً على التفاوض المباشر مع إسرائيل؟

جانب من مشاركة قوى وفصائل فلسطينية خلال اجتماع سابق بالعاصمة المصرية القاهرة (حساب حماس في تلغرام)
جانب من مشاركة قوى وفصائل فلسطينية خلال اجتماع سابق بالعاصمة المصرية القاهرة (حساب حماس في تلغرام)

هل باتت «حماس» أكثر انفتاحاً على التفاوض المباشر مع إسرائيل؟ هذا السؤال الذي يتردد حالياً في قطاع غزة بعد تسريبات إسرائيلية حول هذا الأمر، إذ تحدث موقع «واللا» العبري، قبل أيام، عن اتصالات مباشرة جرت بين عضو مكتبها السياسي الحالي وفريق المفاوضات فيها غازي حمد ورجل أعمال إسرائيلي يُدعى شلومي فوغل، المقرب من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وذلك خلال الحرب على غزة عام 2014.

وموضوع المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، يثير كثيراً من الجدل داخل حركة «حماس» منذ أن طُرح للمرة الأولى في 11 سبتمبر (أيلول) عام 2014 على لسان موسى أبو مرزوق، عضو المكتب السياسي للحركة، إذ خرج حينها بتصريح متلفز وصفه بأنه من «العيار الثقيل» بتأكيد أن التفاوض مع إسرائيل «ليس محرماً شرعاً»، وأن الحركة قد تجد نفسها مضطرة إلى ذلك في حال كان هذا مطلباً للشعب الفلسطيني.

تأييد ورفض

وكان أبو مرزوق حينها يتحدث من داخل قطاع غزة، الذي زاره آنذاك برفقة قيادات أخرى، لقناة «القدس» الفضائية التابعة لحركة «حماس»، قائلاً: «كما نفاوض بالسلاح يمكن أن نفاوض بالكلام». كما أن تلك التصريحات جاءت بعد حرب استمرت 51 يوماً في القطاع عام 2014.

خليل الحية المسؤول البارز في «حماس» يُشير بيده خلال اجتماع قبل إعلان اتفاق وقف إطلاق النار بغزة بمدينة شرم الشيخ أكتوبر الماضي (قناة القاهرة الإخبارية)

لكن خرجت أصوات من «حماس» ترد عليه بقولها إن المفاوضات المباشرة مع إسرائيل «ليست من سياسة الحركة، وليست مطروحة في مداولاتها».

لكن يبدو أن تلك التصريحات من أبو مرزوق، لم تكن سوى تعبير عن نهج بعض القيادات في «حماس» الذين كانوا يرون في الحلول الدبلوماسية خياراً لتفكيك كثير من العقبات التي تواجه الحركة منذ حكمها لقطاع غزة عام 2006 - 2007.

التفاضل مشروع

وفي الرابع من مايو (أيار) 2017، وقبل يومين فقط من نجاح إسماعيل هنية في تولي رئاسة المكتب السياسي في انتخابات أجريت آنذاك، وبعد يوم واحد فقط من تغيير ميثاق «حماس» الذي دعا بشكل أساسي لإقامة دولة فلسطينية على حدود الرابع من حزيران (يونيو) 1967، خرج خالد مشعل في تصريح مثير للجدل، قال فيه خلال مقابلة مع وكالة «الأناضول» التركية، إن «التفاوض مع الأعداء مشروع من حيث المبدأ حين يلزم، فهو سياسة قابلة للتغير، ومن حق أي حركة أو دولة أن تفاوض عدوها حين يكون ذلك ضرورياً ومحققاً لغاياته».

اتصالات فردية

وعلى مدار سنوات، لم يتبن هنية أو نائبه صالح العاروري، مثل هذا النهج العلني، وفضلوا مساراً تفاوضياً غير مباشر. لكن يبدو أن تلك التصريحات، كانت تحمل تبريراً لحلقة تواصل غير رسمية، وكشف عنها لاحقاً بعدما دفعت في عام 2011، إلى إتمام صفقة تبادل الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط، الذي اختطفته «حماس» عام 2006 في عملية عسكرية نفذتها على حدود رفح جنوب القطاع، بأكثر من 1000 أسير فلسطيني من بينهم يحيى السنوار الذي قاد الحركة لاحقاً، وذلك بعد 5 سنوات عجاف من المفاوضات عبر الوسطاء لم تنجح فيها الأطراف في تقريب وجهات النظر قبل أن تنجح عملية تواصل فردية بإيجاد حلول للوصول للصفقة.

مفتاح العلاقة

وكانت تلك العملية، قد جرت بتواصل مباشر بين حمد، ورجل الأعمال والناشط الإسرائيلي الذي يحمل الجنسية الأميركية، غيرشون باسكن، الذي كان مفتاح العلاقة بينهما صحافيين إسرائيليين يناهضون السياسات الصهيونية، وكانوا يعملون في صحيفة «هآرتس» العبرية، وكانوا يرون في حمد شخصية غير متشددة ومنفتحة أكثر من بقية قيادات حركته، قبل أن يقطع هو علاقته مع أولئك الصحافيين.

مجدداً إلى الواجهة

وعاد حمد مجدداً للواجهة، بعد ما كشفه موقع «واللا» العبري، قبل أيام عن اتصالات مباشرة جرت بينه وبين فوغل الذي تبين أنه أجرى الاتصالات مع حمد مباشرة بمعرفة نتنياهو شخصياً، ودون علم المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، التي علمت لاحقاً بالاتصالات في ظل أنها كانت تتواصل مع مصر وقطر ضمن الآلية المعتادة للوساطة.

القيادي في حركة «حماس» غازي حمد (أرشيفية - رويترز)

ونفى نتنياهو وكذلك فوغل تلك الأنباء، إلا أن هذا الكشف لم يكن الوحيد، بل كُشف في هيئة البث العامة الإسرائيلية، والقناة الثانية عشرة العبرية، عن اتصالات مباشرة جرت بين غازي حمد، ومسؤول كبير في جهاز الأمن العام «الشاباك» كان يشارك في المفاوضات مع الدول الوسيطة، بإيعاز من نتنياهو، ورئيس الجهاز السابق رونين بار، وذلك خلال عام 2024 في خضم الحرب على قطاع غزة.

ووفقاً لما ورد في وسائل الإعلام الإسرائيلية، فإن الاتصالات نشأت لأول مرة بعد مقتل 6 مختطفين إسرائيليين في أغسطس (آب) 2024، داخل نفق برفح، الأمر الذي ولد حالة من الإحباط في أوساط المستويين السياسي والعسكري، وكانت هناك حالة من الإدراك لضرورة إيجاد طرق أخرى لاستعادة المختطفين، مشيرةً إلى أن نتنياهو وافق على فتح قناة الاتصال بين المسؤول في «الشاباك»، وغازي حمد القيادي في «حماس»، وقد وافق من جانبه خليل الحية على هذا التواصل.

مسلحون من «حماس» في مدينة غزة (أرشيفية - أ.ف.ب)

وحسب التقارير ذاتها، فإنه قد جرت الاتصالات من خلال عشرات المكالمات الهاتفية على مدار الساعة، وبحضور رئيس «الشاباك» نفسه على الخط، وقد أفضت فعلاً لإحداث اختراق تفاجأ فيه الجميع حتى الوسطاء الذين كانوا يعملون باستمرار، ليكتشفوا لاحقاً وجود اتصالات مباشرة، وهو أمر لم يكشف حتى للوزراء الإسرائيليين.

قنوات اتصال كثيرة

وبينما تلتزم حركة «حماس» الصمت، حيال ما نشر إسرائيلياً، اكتفى غازي حمد في حديث لـ«الشرق الأوسط»، برفض التعقيب على هذه التسريبات.

مصدر قيادي في «حماس» داخل قطاع غزة، قال لـ«الشرق الأوسط»، إن التسريبات الإسرائيلية في هذا الوقت لها أهداف انتخابية داخلية، لن تنجر إليها الحركة.

وأشار إلى أن اتصالات كثيرة كانت تجري عبر كثير من الوساطات المعروفة وغير المعروفة، من أجل الوصول إلى اتفاق بشأن تبادل الأسرى، ووقف الحرب بغزة، سواء خلال هذه الحرب أو في حرب 2014، وحتى ما بعد عملية اختطاف الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط.

وأوضح المصدر أن هناك دولاً غربية شاركت في تلك الاتصالات بشكل غير معلن، والحركة تعاملت بإيجابية مع كل الجهات التي تواصلت معها.

لا اتصالات سرية

وقال مصدر قيادي آخر من «حماس» بالخارج، إن أي اتصالات مع أي طرف كان، لا تتم بشكل سري، ويتم إطلاع قيادة الحركة عليها باستمرار، ولذلك أي تواصل يكون الهدف منه إيجاد حلول سريعة لقضايا خطيرة، وليس هدفه التفاوض لمجرد التفاوض.

ورداً على سؤال فيما إذا كان ذلك يؤكد وجود اتصالات، اكتفى المصدر بالقول: «ليس كل ما يسرب يكون صحيحاً أو بالشكل الذي تم تسريبه، وقنوات الاتصال خلال الحرب الحالية وغيرها كانت موجودة باستمرار مع أطراف كثيرة، منها دول غربية عملت وسيطة في ملفات معقدة».

سياسة براغماتية

ويرى الكاتب والمحلل السياسي مصطفى إبراهيم أن «حماس» حركة سياسية براغماتية، تعمل لمصالحها وليس لديها مشكلة في التواصل المباشر مع إسرائيل كما فعلت مع الولايات المتحدة، من أجل مصالحها، مشيراً إلى أنها تعد ذلك اعترافاً بها من قبل تلك الجهات، وتظهر قدرتها على المناورة والتكتيك.

أساليب السياسة

من جانبه، قال الكاتب والمحلل السياسي إبراهيم المدهون، المحسوب على حركة «حماس»، إن المفاوضات تمثل أسلوباً من أساليب السياسة، وأن الحركة تمارس السياسة والمفاوضات، سواء كانت مباشرة أو غير مباشرة، بوصفها أسلوباً سياسياً طبيعياً يمكن ممارسته في أي وقت.

وأضاف المدهون في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «أعتقد أن (حماس) لديها هذا المنطق، ولديها القدرة، ولديها القرار، لكنها تنظر إلى ما إذا كان الجلوس المباشر مع الاحتلال سيحقق فائدة سياسية أم لا، وكذلك إلى ما إذا كان الاحتلال أصلاً يقبل الجلوس المباشر معها دون شروط مسبقة أم لا».

وأوضح أن المفاوضات في العرف السياسي للحركة، مشروعة ويمكن ممارستها ما دام أنها تخدم المصلحة الوطنية، في حين ترفضها ما دام هدفها الاعتراف بإسرائيل.


الرئيس اللبناني يرفض تحويل الجنوب «ورقة تفاوض»

الرئيس اللبناني يرفض تحويل الجنوب «ورقة تفاوض»
TT

الرئيس اللبناني يرفض تحويل الجنوب «ورقة تفاوض»

الرئيس اللبناني يرفض تحويل الجنوب «ورقة تفاوض»

جدّد رئيس الجمهورية جوزيف عون التزامه الكامل بحصرية السلاح الشرعي بيد الدولة اللبنانية، وبسط سلطة الجيش اللبناني على كامل الأراضي اللبنانية، رافضاً أن يكون الجنوب «ورقة تفاوض»، في وقت يواصل فيه «حزب الله» تحدّي الدولة في مقاربته لمسألة السلاح والجنوب، متمسكاً بخطاب يعتبر الصمود، رغم الخسائر والتضحيات، انتصاراً في مواجهة إسرائيل.

السلاح هو سلاح الدولة

قال عون، بمناسبة مرور 48 عاماً على تغييب الإمام موسى الصدر ورفيقَيه، إن ملف تغييبهم «قضية وطنية وإنسانية مفتوحة»، مؤكداً استمرار الدولة في المطالبة بكشف الحقيقة عن مصيرهم ومتابعة الملف على المستويين الثنائي والدولي.

واستعاد عون مواقف الإمام الصدر من الجنوب، مشيراً إلى أنه «رفض أن يبقى الجنوب منطقة منسيّة أو ورقة تفاوض»، ودعا الدولة اللبنانية إلى تحمّل مسؤولياتها كاملة في حماية الجنوب وأهله، معتبراً أن «السلاح الذي يحمي الأرض هو سلاح الدولة الشرعي وحدها»، وأن «الأمن مسؤولية وطنية جامعة لا تُختزل بفريق دون آخر».

وقال عون إن لبنان، في ظل استمرار الاعتداءات الإسرائيلية وخروق وقف الأعمال العدائية، «يؤكد مجدداً التزامه الكامل بحصرية السلاح الشرعي بيد الدولة اللبنانية، وببسط سلطة الجيش اللبناني على كامل الأراضي اللبنانية»، تنفيذاً للقرار «1701»، وضماناً لسيادة لبنان الكاملة.

مصادر وزارية: كلام قاسم استكمال لمسار «حزب الله»

في المقابل، جدّد الأمين العام لـ«حزب الله» الشيخ نعيم قاسم تمسّك الحزب بخيار الصمود في مواجهة إسرائيل، معتبراً أن التضحيات الكبيرة والدماء الغزيرة لا تعني الهزيمة.

واعتبرت مصادر وزارية مقرّبة من رئاسة الجمهورية أن كلام الأمين العام لـ«حزب الله» الشيخ نعيم قاسم ليس جديداً، بل يأتي في سياق استكمال المسار الذي يعتمده الحزب، مذكّرة بكلامه قبل يومين، حين قال إنه لولا الحزب لكانت إسرائيل وصلت إلى بيروت، معتبراً أن ما جرى يشكل انتصاراً.

ومع تأكيد المصادر أن كلام قاسم اليوم «ليس مرتبطاً بكلام رئيس الجمهورية»، تقول لـ«الشرق الأوسط» إنه يأتي في إطار «السردية التي يعتمدها مسؤولو (حزب الله)، والترجمة العملية لرفضهم الحوار الذي اقترحه الرئيس عون، وللمبادرات التي أطلقتها جهات عدة».

طفل نازح يحمل بندقية لعبة داخل مدرسة تحولت إلى مركز إيواء للعائلات التي دُمّرت قراهم في جنوب لبنان أو احتلتها القوات الإسرائيلية... وذلك بمدينة صور جنوب لبنان (أ.ب)

ورأت المصادر أن مواقف الحزب «تؤكد أنه ليس في وارد تقديم أي خطوة إلى الأمام أو العمل على إيجاد حل قريب»، معتبرة أن «المكابرة ليست جديدة، وهي مستمرة رغم كل التصعيد الإسرائيلي وسقوط المزيد من الضحايا ونسف المزيد من القرى والمنازل»، ولافتة إلى أن «الكثير من النازحين عادوا إلى مناطق النزوح نتيجة هذا الوضع».

ورأت المصادر أن «قول قاسم هذا الكلام خلال احتفال في إيران يحمل أيضاً رسالة إلى الإيرانيين بأن (حزب الله) لا يزال معهم، ويلتزم خطهم وتوجهاتهم وتعليماتهم».

«الصمود يُسقط مشروع العدو»

كان قاسم قال في كلمة له خلال انعقاد مؤتمر الوحدة الإسلامية في إيران إن «أميركا وإسرائيل فشلتا في ثلاث حروب ضد إيران»، مضيفاً: «ما دمنا صامدين وندافع عن حقوقنا وأرضنا فلن يحققوا مشروعهم ولن ينجحوا حتى لو أصابتنا التضحيات الكبيرة والدماء الغزيرة»، ومعتبراً أن هذه التضحيات هي «المدخل الطبيعي مع الوحدة من أجل هزيمة مشروع الأعداء».

الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم متحدثاً عبر الشاشة في وقت سابق (متداولة)

ولفت قاسم إلى أن «أي تراجع أمام العدو سيؤدي إلى إبادتنا»، في حين أن «أي صمود مهما كانت تكلفته، يوقف اندفاعة العدو، ويؤسس لنستعيد مكانتنا بعد ذلك»، مؤكداً أنه «مهما فعلت أميركا وإسرائيل، ومهما كانت العقوبات شديدة، ومهما كان العدوان العسكري شديداً؛ فإن الصمود يُسقط مشروع العدو».