القمع الحوثي يشتد في مواجهة المحتفلين بذكرى الثورة اليمنية

إصرار شعبي على التحدي رغم حملات الاعتقال

من احتفالات أهالي مديرية السدة في محافظة إب بثورة سبتمبر العام الماضي (إكس)
من احتفالات أهالي مديرية السدة في محافظة إب بثورة سبتمبر العام الماضي (إكس)
TT

القمع الحوثي يشتد في مواجهة المحتفلين بذكرى الثورة اليمنية

من احتفالات أهالي مديرية السدة في محافظة إب بثورة سبتمبر العام الماضي (إكس)
من احتفالات أهالي مديرية السدة في محافظة إب بثورة سبتمبر العام الماضي (إكس)

صعّدت الجماعة الحوثية من أعمالها القمعية ضد الدعوات إلى الاحتفال بذكرى الثورة اليمنية (26 سبتمبر/أيلول)، التي بدأتها مطلع الشهر الحالي وبلغت ذروتها خلال الأيام الأخيرة، وفي مقابل ذلك يستعد اليمنيون لمواجهة هذه الإجراءات وتكرار احتفالات العام الماضي.

وذكرت مصادر حقوقية أن الجماعة اختطفت أكثر من 50 شخصاً من مختلف الفئات، بينهم نساء في صنعاء وعدد من المحافظات، بعد معلومات جمعتها الجماعة من خلال مواقع التواصل الاجتماعي عن هويات الداعين إلى الاحتفال بذكرى الثورة، إلى جانب بلاغات من مخبرين حول أنشطة ميدانية وأحاديث في الأماكن العامة وكتابة شعارات على الجدران.

وشنت الجماعة حملة مداهمات طالت المنازل في عدد من المحافظات، اختطفت خلالها ناشطين سياسيين وتربويين، ووفقاً للمصادر فإن عدد المختطفين في مديرية السدة، وحدها وهي منطقة ريفية، في محافظة إب (192 كيلومتراً جنوب صنعاء) يزيد على 31 شخصاً منذ بداية الشهر الحالي، في حين اختُطف 7 آخرون، السبت، في محافظة البيضاء.

وطالت الاختطافات شخصيات اجتماعية وسياسية، وركزت قوات أمن الجماعة الحوثية على قيادات في حزب «المؤتمر الشعبي»، وبحسب المصادر، فإن 6 من القيادات الوسطية للحزب اختطفتهم الجماعة واقتادتهم إلى جهات مجهولة، إلى جانب ناشطين اجتماعيين وسياسيين وكتاباً وصحافيين.

وتصف الكاتبة وضحى مرشد هذه الحملة بـ«الهستيرية» التي تعبر صراحة عن «حقد سلالي» على الثورة التي اقتلعت أجداد الحوثيين الذين حكموا اليمن في أسوأ مراحل التاريخ اليمني، كما تدل على حالة الرعب منها.

وترى مرشد، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن هذه «الانتهاكات الحوثية تكشف عن عدم قدرة هذه الجماعة الطائفية على التعايش»، متوقعة أن تأتي بنتائج عكسية عليها، ليحتفل اليمنيون في مناطق سيطرة الانقلابيين بالعيد الوطني، وبشكل غير مسبوق، كمقدمات للتحرر من هيمنة هذه الجماعة كما تقتضي صيرورة الحياة.

أطفال ضمن المشاركين في احتفالات ذكرى الثورة اليمنية العام الماضي (إكس)

ومن المختطفين الناشطة سحر الخولاني التي اشتهرت خلال الأسابيع الماضية بانتقادها الشديد لممارسات الجماعة الحوثية في مختلف القطاعات من خلال مقاطع فيديو تنشرها على مواقع التواصل الاجتماعي، وكان آخرها مقطع فيديو هاجمت فيه حملة الاختطافات لمنع الاحتفال بذكرى الثورة الذي حثت على المشاركة فيه.

ضحايا مسكوت عنهم

طالت الاختطافات المتضامنين مع المختطفين والمطالبين بالإفراج عنهم، في نهج وصفه عدد من الناشطين بأنه يهدف إلى إسكات جميع الأصوات، سواء الداعية للاحتفال بذكرى الثورة، أو المطالبة بوقف الانتهاكات.

وكشفت مصادر حقوقية مطلعة في صنعاء لـ«الشرق الأوسط» عن أن حملات الاختطافات أوسع مما يجري تداوله، حيث اطلع أحد هذه المصادر بنفسه على وجود عدد كبير من المختطفين في قسم الشرطة خلال زيارته للإفراج عن أحد المختطفين بوساطة من قيادي حوثي رفيع.

وبين المصدر أن عدداً من المختطفين جرى احتجازهم لمجرد الاشتباه بنيتهم الاحتفال بذكرى الثورة، وهؤلاء يجري احتجازهم في أقسام الشرطة تحت التحري عنهم، بينما يجري اقتياد الناشطين والشخصيات الاجتماعية المعروفة إلى أماكن مجهولة.

وسبق للجماعة الحوثية اختطاف الشخصية الاجتماعية والقيادي في حزب «المؤتمر» أمين راجح على خلفية ترديده شعارات وطنية أثناء صراخ أنصارها بشعارهم في اجتماع شهدته صنعاء.

وفسّر رواد مواقع التواصل الاجتماعي اختطاف راجح بتحديه للجماعة ومقاطعة صراخ أنصارها بشعار وطني، تبعه فيه عدد من الحاضرين في لقاء بين قيادات حوثية و«مؤتمرية»، حيث جرى اختطافه بعد ذلك اللقاء مباشرة من منزله، مع عدد من ضيوفه.

ويؤكد الكاتب عبد الله العتواني أن حملة الاعتقالات الحالية تكشف عن مستوى عالٍ من التوجس والقلق الذي تعيشه الجماعة الحوثية، وهو ما لم يحدث لها منذ المواجهات التي شهدتها صنعاء بينها وبين الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح أواخر عام 2017.

ويوضح العتواني لـ«الشرق الأوسط» أن هذا القلق دفع الجماعة لاختطاف أطفال في محافظة إب بسبب احتفالهم بذكرى الثورة اليمنية، مرجحاً أن تؤدي هذه الممارسات إلى زيادة العداء بينها وبين المجتمع تحت سيطرتها، وستكون لها تداعيات كبيرة على نفوذها مستقبلاً.

وتفيد مصادر «الشرق الأوسط» بأن الاختطافات توسعت خلال الساعات الأخيرة إلى محافظات الضالع وريمة والمحويت وحجة والحديدة.

مخاوف غير مبررة

يستغرب الكثير من المراقبين للوضع في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية من مخاوف الجماعة من الاحتفال بذكرى ثورة «26 سبتمبر» وهي التي حشدت أنصارها منذ أيام، في مختلف مناطق سيطرتها للاحتفال بالمولد النبوي الذي طبعته بصبغتها الطائفية، وجمعت لأجله جبايات طائلة، إلى جانب حشودها الأسبوعية تحت اسم التضامن مع أهالي قطاع غزة.

وتبدي الجماعة الحوثية قلقاً شديداً من تكرار اليمنيين احتفالاتهم بذكرى الثورة كما حدث خلال الأعوام الماضية؛ خصوصاً ما حدث قبل عام، حين أظهروا تمسكهم واعتزازهم بذكرى الثورة بمختلف أشكال الاحتفال في مختلف مناطق البلاد؛ خصوصاً الواقعة تحت سيطرة الجماعة.

طالبات مدرسة في مدينة تعز يتهيأن للاحتفال بذكرى ثورة سبتمبر (إكس)

ويتحسر طارق عبد الله، وهو اسم مستعار لناشط في محافظ إب، لأن المظاهر الاحتفالية التي شهدتها هذه المناسبة خلال العام الماضي كانت أكثر حضوراً وفاعلية من هذا العام، وتسببت بمخاوف وجودية للحوثيين بحسب وصفه، لكنها هذا العام تراجعت بفعل أساليب القمع والقيود المشددة.

لكن عبد الله يستدرك في إفادته لـ«الشرق الأوسط» بأن هذا التراجع لم يكن إلا ظاهرياً فقط، فخلال العام الماضي فاجأ اليمنيون الجماعة الحوثية من حيث لم تتوقع، لكنها هذا العام كانت مستعدة مسبقاً، وفرضت الكثير من الإجراءات لمنع، ليس فقط الاحتفالات، بل والتحضير والاستعداد لها من خلال مختلف الوسائل.

ويتهكم الكاتب باسم منصور من ادعاءات الجماعة بالحفاظ على إرث «ثورة 26 سبتمبر»، بينما تظهر كل تصرفاتها عكس ذلك تماماً، ومن ذلك عدم احتفالها بهذه المناسبة، بل ومعاقبة كل من يدعو للاحتفال بها، دون أن تقدم تفسيرات، ولو من باب الخداع لهذه التناقضات المكشوفة.

ويلفت منصور في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أن الجماعة الحوثية لم تصل بعد إلى مستوى الثقة بقدرتها على السيطرة والنفوذ، فهذه الحملة التي ينعتها بالمسعورة، تأتي في أعقاب فعالياتها الاستعراضية للاحتفال بالمولد النبوي، التي استمرت لما يقارب الشهر، جيرت خلالها كل شيء لصالح هذه المناسبة، حتى إنها صبغت كل المظاهر باللون الأخضر الذي تتخذه هوية لها.

وقبل عام، خرج سكان صنعاء ومختلف المدن، ليلة السادس والعشرين من سبتمبر إلى الشوارع يحملون الأعلام، وأطلقوا الألعاب النارية في احتفال شعبي كبير، متحدين إجراءات الجماعة الحوثية التي أطلقت قواتها الأمنية لقمع تلك الاحتفالات واختطاف المشاركين فيها.


مقالات ذات صلة

اليمن لمجلس الأمن: انتهاكات الحوثيين تخدم مصالح إيران في المنطقة

المشرق العربي مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة السفير عبدالله السعدي (سبأنت)

اليمن لمجلس الأمن: انتهاكات الحوثيين تخدم مصالح إيران في المنطقة

قال مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة السفير عبدالله السعدي، إن الميليشيات الحوثية وسّعت اعتداءاتها على السعودية مستهدفةً المطارات والمنشآت والأعيان المدنية.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الخليج الدكتور عبد العزيز الواصل خلال جلسة مجلس الأمن بحضور المبعوث الأممي هانس غروندبرغ (بعثة السعودية لدى الأمم المتحدة)

السعودية لمجلس الأمن: لن نسمح بتحويل اليمن إلى منصة لتهديد أمننا

أكدت السعودية، خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي، أنها لن تسمح بتحويل اليمن إلى منصة لتهديد أمنها أو حرية الملاحة البحرية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
العالم العربي عناصر من القوات الحكومية اليمنية خلال المواجهات مع الحوثيين (أ.ب)

«فجر اليمن» تطهر باب المندب وجزره من بقايا الحوثيين

تضغط القوات الحكومية اليمنية لاستكمال السيطرة على مضيق باب المندب وجزيرة ميون الاستراتيجية، وتثبيت مواقعها في المرتفعات المطلة على الممر الملاحي الدولي.

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي استنفار حوثي لتوفير الدم للمستشفيات التي تكتظ بجرحاهم (إكس)

الحوثيون يستنفرون بنوك الدم مع تصاعد خسائرهم البشرية

توسّع الجماعة الحوثية حملات التبرع بالدم في خمس محافظات يمنية، وسط مؤشرات محلية على تزايد أعداد الجرحى وضغوط متصاعدة على المستشفيات وبنوك الدم في مناطق سيطرتها.

«الشرق الأوسط» (صنعاء)
العالم العربي آلاف الأسر اليمنية باتت بلا مأوى بعد الفرار من الهجمات الحوثية (أ.ب)

التصعيد الحوثي يستنزف الخدمات الصحية ويفاقم النزوح

تتفاقم الأزمة الإنسانية في اليمن مع تجاوز الضحايا خمسة آلاف منذ أغسطس الماضي، ونزوح نحو 200 ألف شخص، بالتزامن مع الضغط على الخدمات الصحية وتفشي الأوبئة.

محمد ناصر (عدن)

تعثر الإعمار يُبقي «شبح التهجير» قائماً بعد عام من «اتفاق غزة»

في أثناء التوقيع على اتفاق السلام في غزة بقمة السلام في شرم الشيخ المصرية أكتوبر 2025 (الرئاسة المصرية)
في أثناء التوقيع على اتفاق السلام في غزة بقمة السلام في شرم الشيخ المصرية أكتوبر 2025 (الرئاسة المصرية)
TT

تعثر الإعمار يُبقي «شبح التهجير» قائماً بعد عام من «اتفاق غزة»

في أثناء التوقيع على اتفاق السلام في غزة بقمة السلام في شرم الشيخ المصرية أكتوبر 2025 (الرئاسة المصرية)
في أثناء التوقيع على اتفاق السلام في غزة بقمة السلام في شرم الشيخ المصرية أكتوبر 2025 (الرئاسة المصرية)

بعد عام من توقيع «اتفاق السلام في قطاع غزة»، لا يزال «إعمار غزة» متعثراً في ظل تعنت إسرائيلي مستمر ألقى بظلاله على بنود الاتفاق الذي يعاني جموداً منذ اندلاع «الحرب الإيرانية» في فبراير (شباط) الماضي، ما يُبقي «شبح تهجير الفلسطينيين» قائماً.

وبحسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإن «إسرائيل تحقق أهدافها في غزة، تحت ستار خطة السلام المجمدة»، وأشاروا إلى أن «تل أبيب تسيطر على نحو 75 في المائة من القطاع، ودمرت مناطق أخرى ما بعد الحرب، ما يجعل فرص الحياة صعبة في القطاع».

وفي التاسع من أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي، أعلن «الوسطاء» عن وقف إطلاق النار بين حركة «حماس» وإسرائيل، بعد مفاوضات جمعتهم في مدينة شرم الشيخ المصرية قبل أن يتم التوقيع على الاتفاق النهائي في الثالث عشر من الشهر نفسه، بحضور الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

ووقع على «وثيقة السلام»، قادة دول الوساطة «مصر وأميركا وقطر وتركيا»، وتضمنت وقف إطلاق للنار في غزة، عبر عدة مراحل، تبدأ بوقف العدائيات، والسماح بدخول المساعدات الإنسانية، وتبادل المحتجزين والأسرى، على أن يلي ذلك مرحلة ثانية تتضمن جهود التعافي المبكر، وإعادة الإعمار، وتسليم إدارة قطاع غزة للجنة مدنية «تكنوقراط».

ورغم إعلان الوسطاء في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، عن تشكيل «لجنة تكنوقراط»، برئاسة علي عبد الحميد شعث لإدارة القطاع، لكن لم يتم تمكينها حتى الآن من ممارسة دورها، وسط انتهاكات مستمرة ورفض إسرائيلي لخريطة الطريق التي وافقت عليها الفصائل الفلسطينية في شهر يونيو (حزيران) الماضي، تمهيداً لاستكمال استحقاقات المرحلة الثانية.

وبموازاة ذلك، لم تتخل إسرائيل عن مخطط «تهجير الفلسطينيين» من غزة، حيث أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، في شهر سبتمبر (أيلول) الماضي، أن «حكومته تمتلك خططاً جاهزة لتهجير الفلسطينيين من غزة»، وقال إنها «تنتظر أن تحدد الولايات المتحدة المكان الذي يمكن نقلهم إليه».

وتحذر مصر والدول العربية من مساعي إسرائيل لتهجير الفلسطينيين، منذ بداية الحرب على غزة، في السابع من أكتوبر 2023.

وشدد الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، على «رفض بلاده الكامل لأي مخططات تستهدف تهجير الشعب الفلسطيني»، وأكد خلال مؤتمر صحافي مع نظيره الكوري لي چيه ميونغ، الخميس، «رفض بلاده التصعيد الإسرائيلي الخطير، للأوضاع في الضفة الغربية والقدس الشرقية».

ويرى عضو «المجلس المصري الشؤون الخارجية»، السفير رخا أحمد حسن، أن «إسرائيل تحقق أهدافها تحت ستار خطة السلام»، مضيفاً: «هناك حالة جمود في تنفيذ مراحل خطة ترمب في غزة، ورغم ذلك تواصل تل أبيب ممارساتها ضد الفلسطينيين بالقطاع».

وأوضح في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن «الجانب الإسرائيلي يحتل غالبية أراضي القطاع، كما يواصل تدمير البنية التحتية، ويضع العراقيل أمام دخول المساعدات الإنسانية»، مشيراً إلى أن «هذه الممارسات تجعل الحياة مستحيلة في القطاع»، ويدفع في نفس الوقت إلى «تنفيذ مخطط التهجير».

وأشار إلى أن «إسرائيل لا تريد الوصول لمرحلة إعادة الإعمار في غزة، وتريد تجميد الوضع حتى تنفذ مخططها الكامل»، موضحاً أن «هناك صعوبة في تشكيل قوة السلام الدولية التي ستتولى تنفيذ مراحل خطة ترمب، بما في ذلك انسحاب إسرائيل من المناطق التي تسيطر عليها في القطاع».

وتعد «قوات استقرار غزة» أحد أبرز البنود المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، الذي جرى التوقيع عليه في قمة السلام بشرم الشيخ المصرية، غير أنها لم تر النور، رغم تشكيل أجهزة تنفيذية عديدة مثل «مجلس السلام العالمي»، الذي يشرف على القطاع برئاسة ترمب، و«لجنة إدارة قطاع غزة» الفلسطينية.

ولا تزال هناك خروقات لوقف إطلاق من الجانب الإسرائيلي، وفق رئيس «الهيئة الدولية لدعم فلسطين»، صلاح عبد العاطي، وقال إن «حرب الإبادة لم تتوقف رغم مرور عام على اتفاق السلام، وهناك مئات الضحايا يومياً، بجانب منازل يتم تدميرها»، مشيراً إلى أن «هذه الممارسات تُصعّب أي محاولات لعملية الإعمار».

ويرى عبد العاطي، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «الجانب الإسرائيلي لم يلتزم باستحقاقات خطة السلام، بما في ذلك دخول المساعدات لسكان القطاع، حيث يسمح بقدر بسيط يصل إلى 37 في المائة من نسبة المساعدات التي أقرتها خطة السلام».

ونوه إلى أن «الجانب الإسرائيلي لا يسمح بدخول المعدات والوقود، وهو ما يفاقم الأوضاع الإنسانية هناك»، وقال إن هناك «عدة خطط لإعادة الإعمار، من بينها الخطة المصرية، لكنها مرهونة بتنفيذ استحقاقات خطة ترمب».

وأقرت القمة العربية الطارئة بالقاهرة، في مارس (آذار) 2025، الخطة المصرية لإعادة إعمار قطاع غزة تتضمن مشاريع إسكان ومراكز مجتمعية وميناءً تجارياً ومراكز تكنولوجية وفنادق على الشواطئ، وكان مقرراً أن تنتهي من التنفيذ بعد ثلاث سنوات بتكلفة تصل إلى 53 مليار دولار.


«فجر اليمن» تطهر باب المندب وجزره من بقايا الحوثيين

عناصر من القوات الحكومية اليمنية خلال المواجهات مع الحوثيين (أ.ب)
عناصر من القوات الحكومية اليمنية خلال المواجهات مع الحوثيين (أ.ب)
TT

«فجر اليمن» تطهر باب المندب وجزره من بقايا الحوثيين

عناصر من القوات الحكومية اليمنية خلال المواجهات مع الحوثيين (أ.ب)
عناصر من القوات الحكومية اليمنية خلال المواجهات مع الحوثيين (أ.ب)

دخلت العملية العسكرية اليمنية «فجر اليمن» يومها الخامس، الجمعة، مع استكمال القوات الحكومية تطهير مضيق باب المندب وجزيرة ميون الاستراتيجية، وتثبيت مواقعها في المرتفعات المطلة على الممر الملاحي الدولي، في تطور يعزز مكاسبها على الساحل الغربي، بينما تتواصل المعارك في أرياف تعز الجنوبية والغربية، بالتزامن مع اتساع نطاق الضربات الجوية ضد مواقع الحوثيين وتحركاتهم في مناطق عدة من البلاد.

وقالت مصادر عسكرية إن ألوية العمالقة وقوات درع الوطن، بإسناد جوي من التحالف الداعم للشرعية، أحكمت السيطرة على باب المندب ومعسكر العرضي ونقاط المراقبة التابعة لخفر السواحل، إلى جانب جزيرة ميون والسلاسل الجبلية المحيطة بالمضيق، بما فيها المواقع التي تشرف على الممر البحري الحيوي.

وذكرت المصادر أن القوات نفذت عملية التفاف مباغتة تجاوزت خلالها خطوط الدفاع الأمامية للحوثيين، ووصلت إلى خنادقهم وأنفاقهم المستحدثة، حيث أسفرت المواجهات عن مقتل العشرات من عناصر الجماعة واستسلام آخرين.

ويمثل تأمين المضيق وجزيرة ميون، في حال تثبيت السيطرة المعلنة، تحولاً مهماً في مسار العمليات على الساحل الغربي، بالنظر إلى الموقع الاستراتيجي للمنطقة عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، وأهميتها في حماية الملاحة الدولية.

ويأتي ذلك بعد إعلان القوات الحكومية السيطرة على مرتفعات كهبوب، التي تشرف على مساحات واسعة من المنطقة المحيطة بباب المندب.

الضغط نحو الوازعية

مع تثبيت المواقع الجديدة، تواصل القوات الحكومية اليمنية عملياتها في جبهة الوازعية غرب تعز، مستهدفة تأمين المرتفعات الشرقية للمديرية وتضييق الخناق على المواقع الحوثية في محيط ذوباب ومعسكر العمري، تمهيداً لتوسيع التقدم باتجاه المخا، وفق المعطيات الميدانية الواردة من الجبهة.

القوات الحكومية اليمنية تتقدم في الوازعية وتضغط لاستكمال تطهير باب المندب (إ.ب.أ)

وترافق ذلك مع غارات جوية استهدفت مواقع وتحركات عسكرية للحوثيين في الوازعية والشمايتين وجبل حبشي، إلى جانب مواقع في شرجب والتربة وجبل قحام المطل على مديريتي المقاطرة والأحكوم على الحدود بين تعز ولحج.

وأفادت مصادر ميدانية باستهداف آليات وتعزيزات حوثية في منطقتي الحقل والقحاف بمديرية جبل حبشي، فيما ذكر المركز الإعلامي لمحور تعز العسكري الحكومي أن إحدى الغارات أسفرت عن تحييد وإصابة 23 عنصراً.

كما طالت الضربات مواقع في جبال نُمان والصيبارة ومنطقة الحرثة، وجرداد في مديرية الشمايتين.

عنصر من قوات الحكومة اليمنية في جبهات جنوب تعز (أ.ف.ب)

وفي المقابل، لا تزال الجماعة الحوثية تضغط على المناطق الريفية جنوب تعز وغربها، في محاولة للحفاظ على مواقعها وفتح مسارات تقدم جديدة.

وأفادت مصادر محلية بسيطرتها على المحشاء والعدف والعرمة في مديرية جبل حبشي في الجبهة الغربية، وتقدمها باتجاه منطقة الشارق، وسط قصف طال قرى في المنطقة وأسفر، بحسب تلك المصادر، عن مقتل أحد المعلمين في المحشاء.

وتعكس هذه التطورات استمرار المواجهة على أكثر من محور في محافظة تعز، حيث تسعى القوات الحكومية إلى تثبيت مواقعها في المناطق الغربية وتأمين الطرق الحيوية، بينما يحاول الحوثيون الاحتفاظ بنقاط الضغط في الأرياف الجنوبية والغربية ومحيط المدينة.

1729 استهدافاً عسكرياً

في مؤشر على اتساع العمليات العسكرية، أعلن المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة اليمنية، العقيد الركن ماجد النزيلي، الخميس، تنفيذ 1729 عملية استهداف دقيقة ضد أهداف عسكرية حوثية في مختلف المحاور والجبهات، ضمن عملية «فجر اليمن».

وقال النزيلي إن العمليات أسفرت عن تحييد 1370 من عناصر الجماعة، وتدمير أو إعطاب 300 عربة ووسيلة ومعدة عسكرية، إلى جانب استهداف مواقع عسكرية ونقاط مراقبة ومراكز قيادة وسيطرة ومخازن أسلحة وخطوط إمداد وتعزيزات.

مقاتلون من ألوية العمالقة في جبهة باب المندب (أ.ب.أ)

بالتوازي، امتدت الغارات الجوية إلى ثماني محافظات، هي تعز وإب والبيضاء وأبين وصعدة وصنعاء وريمة والحديدة، وفق إفادات محلية.

وشملت الأهداف مواقع في العاصمة المختطفة صنعاء، ومعسكراً للحوثيين في يريم بإب، ومواقع في السياني بالمحافظة نفسها، وأخرى في بني مطر غرب صنعاء ومواقع في كسمة، حيث محافظة ريمة، ومواقع في جبال جميل وجرجرة والنسرين بالبيضاء، إضافة إلى عقبة ثرة ومواقع أخرى في الحديدة وصعدة.

وفي لحج، أعلنت القوات الحكومية صد هجوم حوثي استهدف مناطق الأغبرة والمحاولة والمشامرة شمال غربي مديرية المضاربة، واستعادة مواقع في جبل سيف، بمساندة تعزيزات قبلية.

كما استمرت المواجهات والقصف المتبادل وعمليات الطائرات المسيّرة في جبهات جنوب مأرب والجوف، مع غارات استهدفت معسكر ماس ومواقع في منطقة اللبنات.


الحوثيون يستنفرون بنوك الدم مع تصاعد خسائرهم البشرية

استنفار حوثي لتوفير الدم للمستشفيات التي تكتظ بجرحاهم (إكس)
استنفار حوثي لتوفير الدم للمستشفيات التي تكتظ بجرحاهم (إكس)
TT

الحوثيون يستنفرون بنوك الدم مع تصاعد خسائرهم البشرية

استنفار حوثي لتوفير الدم للمستشفيات التي تكتظ بجرحاهم (إكس)
استنفار حوثي لتوفير الدم للمستشفيات التي تكتظ بجرحاهم (إكس)

دفعت الجماعة الحوثية خلال اليومين الماضيين بعربات وشاحنات تابعة لما يسمى «المركز الوطني لنقل الدم وأبحاثه» إلى شوارع وأحياء وميادين في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء ومحافظات ذمار وإبّ والمحويت والحديدة، في حملة مكثفة لحشد السكان للتبرع بالدم بصورة عاجلة، بالتزامن مع مؤشرات على تزايد أعداد الجرحى في صفوف الجماعة جراء التطورات العسكرية الأخيرة.

وجابت المركبات الحوثية مناطق مكتظة بالسكان، مستخدمة مكبرات الصوت لحث المواطنين على التبرع، في حين أفادت مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط» بأن الجماعة وجهت العاملين في القطاع الطبي ومسؤولي الأحياء وعقالها في المحافظات المستهدفة إلى حشد السكان ودفعهم إلى مراكز التبرع، بالتزامن مع اتساع المواجهات على عدد من الجبهات.

وأوضحت المصادر أن هذه التحركات تأتي وسط حالة استنفار في المرافق الصحية الخاضعة للجماعة، مع تزايد الحاجة إلى فصائل دم مختلفة، في وقت تشهد فيه المستشفيات، وفقاً لشهادات محلية، وصول أعداد متزايدة من الجرحى الحوثيين.

مركز نقل الدم وأبحاثه الخاضع للحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

وقال سكان في صنعاء ومناطق أخرى إن الانتشار المكثف لعربات التبرع خلال اليومين الماضيين بدا لافتاً، خصوصاً مع تكرار النداءات عبر مكبرات الصوت وحث المواطنين على التوجه إلى نقاط التبرع. ويربط السكان بين هذه الحملات والتطورات الميدانية الأخيرة، وسط تساؤلات عن حجم الإصابات التي دفعت الجماعة إلى توسيع نطاقها جغرافياً.

استنفار وخسائر

يشير قاسم، وهو أحد سكان صنعاء، إلى أن «الدعوات الحوثية هذه المرة أكثر إلحاحاً من الحملات السابقة»، مضيفاً: «لا أحد يرفض التبرع لإنقاذ حياة إنسان، لكن السؤال: لماذا يستمرون في إرسال الناس إلى الجبهات، ثم يطلبون من المواطنين توفير الدم لعلاج نتائج تلك المعارك؟».

وفي إبّ (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، قال مجدي، وهو أحد سكان المحافظة، إن تكثيف الدعوات للتبرع بالدم «لا يأتي من فراغ»، مضيفاً أن الجماعة تستخدم وسائل مختلفة لحشد المواطنين، من دون توضيح حجم الخسائر التي رفعت الحاجة إلى الدم بهذا الشكل.

وقال: «الناس تعاني الفقر وارتفاع الأسعار وتدهور الخدمات، والآن يُطلب منها أن تتحمل أيضاً نتائج الحرب وتوفير الدم للمصابين».

وفي ذمار (100 كيلومتر جنوب صنعاء) أفادت مصادر وسكان بانتشار عربات تابعة لفرع مركز نقل الدم في عدد من أحياء مدينة ذمار، بالتزامن مع دعوات عاجلة للتبرع، وسط ما وصفوه باستمرار وصول أعداد متزايدة من الجرحى الحوثيين إلى المستشفيات، ولا سيما مستشفى ذمار العام، الأمر الذي يزيد الضغط على المرافق الصحية.

عربات حوثية استخدمت مكبرات الصوت لحث السكان على التبرع بالدم (فيسبوك)

وفي المحويت والحديدة غرباً، قالت مصادر محلية إن الإقبال على حملات التبرع الحوثية كان محدوداً جداً في بدايتها، ما دفع الجماعة إلى توسيع نطاقها داخل المؤسسات الحكومية والخاصة، وحث الموظفين والعاملين فيها على التبرع.

وأوضحت المصادر أن هذه الحملات تأتي في إطار حالة استنفار أوسع، مشيرة إلى أن تزامنها مع التطورات العسكرية عزز اعتقاد السكان بأن أعداداً كبيرة من الجرحى تحتاج إلى الدم بصورة عاجلة.

وفي المقابل، يواجه السكان في مناطق سيطرة الجماعة تدهوراً في الخدمات الصحية ونقصاً في الأدوية والمستلزمات الطبية، وسط مطالب بتوفير خدمات علاجية قادرة على تلبية احتياجات المدنيين، بدلاً من زيادة الأعباء على مرافق تعاني أصلاً من محدودية الإمكانات.