هل تتأثر المصالح الإيرانية الإقليمية بالتقارب المصري - التركي؟

الرئيس المصري خلال مؤتمر صحافي مشترك مع الرئيس التركي في أنقرة الشهر الحالي (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري خلال مؤتمر صحافي مشترك مع الرئيس التركي في أنقرة الشهر الحالي (الرئاسة المصرية)
TT

هل تتأثر المصالح الإيرانية الإقليمية بالتقارب المصري - التركي؟

الرئيس المصري خلال مؤتمر صحافي مشترك مع الرئيس التركي في أنقرة الشهر الحالي (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري خلال مؤتمر صحافي مشترك مع الرئيس التركي في أنقرة الشهر الحالي (الرئاسة المصرية)

تزامناً مع حالة «الزخم» التي أحاطت بخطوات التقارب المصري - التركي، تبرز إيران على الساحة لاعباً رئيسياً يسعى لفرض نفوذه في المنطقة، ما يثير تساؤلات عن مدى تأثير المصالحة بين القاهرة وأنقرة على مصالح طهران الإقليمية.

مسار المصالحة المصرية - التركية تسارع أخيراً، مُنهياً عقداً من التوترات. ورسخ خطواته مع أول زيارة رسمية للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، لأنقرة، الشهر الحالي، أعقبت أخرى مماثلة لنظيره التركي رجب طيب إردوغان، للقاهرة، في فبراير (شباط) الماضي، ليدشن البلدان «حقبة جديدة» من التعاون.

على الجانب الآخر، لا يسير مسار المصالحة المصري - الإيراني بالوتيرة نفسها، رغم إشارات إيجابية متكررة من طهران، ولقاءات رسمية على المستويين الوزاري والرئاسي. وهو ما انعكس بطبيعة الحال على العلاقات العربية. فرغم إلغاء «قمة البحرين» التي عقدت في مايو (أيار) الماضي، لجنتي التدخلات التركية والإيرانية في الشؤون العربية، قال الأمين العام لجامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط، في مؤتمر صحافي، الثلاثاء الماضي، إن «هناك تميزاً على الجانب التركي، بشأن تطوير العلاقات مع الدول العربية؛ لكن الجانب الإيراني لا يزال متخلفاً في هذا السياق».

بدا التميز الذي تحدث عنه أبو الغيط، واضحاً بمشاركة وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، في اجتماع وزراء الخارجية العرب، وإلقائه كلمة في مقر جامعة الدول العربية، الثلاثاء الماضي.

بعض الخبراء اختلفوا بشأن مدى تأثر المصالح الإيرانية الإقليمية بالتقارب المصري - التركي، لا سيما أن «طهران لم تعلق رسمياً حتى الآن، على المصالحة بين القاهرة وأنقرة»، وهو ما أرجعه أستاذ العلاقات الدولية في جامعة طهران، الدكتور ياسر إرشادمنش، إلى «تركيز طهران بالدرجة الأولى على مواجهة نفوذ إسرائيل في المنطقة، برؤية سياسية بنيوية». وقال لـ«الشرق الأوسط»، إن «إيران ينبغي أن تبني سياستها العامة برؤية التحالف ووحدة الدول الإسلامية، وأن تبذل الجهود لتحقيق وحدة سياسية واقتصادية وثقافية في العالم الإسلامي».

السيسي يصافح إردوغان خلال زيارته لأنقرة (الرئاسة التركية)

ورغم عدم وجود تعليقات رسمية إيرانية على التقارب المصري - التركي، فإن رؤية طهران يمكن استنباطها من عدة عوامل رئيسية، أوضحها المحاضر في جامعة أتاتورك، أحمد فركان أوزياكار، بقوله لـ«الشرق الأوسط»، إن «مصر وتركيا قوتان اقتصاديتان وعسكريتان إقليميتان مهمتان في الشرق الأوسط، ومع تعزيز العلاقات بينهما، يتعين على طهران أن تجد خيارات بديلة للتعامل مع القاهرة، وهو ما يبدو صعباً في ظل الظروف الحالية».

ولفت أوزياكار إلى أن «العروض الاستراتيجية التي تقدمها تركيا لمصر أكثر جاذبية من تلك التي تقدمها إيران، مع مجالات التعاون المحتملة التي تمتد من النزاعات في شرق البحر الأبيض المتوسط، وليبيا، وحرب إسرائيل على غزة، وبالتالي، فإن التعاون المزداد يمكن أن يؤدي إلى إثارة التنافس الجيوسياسي في المنطقة».

وعلى مدار العامين الماضيين، بذلت تركيا جهوداً للمصالحة مع مصر، وتواصلت إيران أيضاً لتعزيز علاقاتها، حيث ترى «القوى الإقليمية التاريخية الثلاث فائدة في إقامة علاقات أكثر ودية»، بحسب حديث الزميل المساعد في مؤسسة «الدفاع عن الديمقراطية» الأميركية، سيث فرانتزمان، لـ«الشرق الأوسط».

ووفق فرانتزمان، فإن «هدف إيران يتمثل في عزل إسرائيل، وتعزيز نفوذها في اليمن ولبنان والعراق وسوريا، وكذلك في غزة والضفة الغربية». وهذه الأجندة الإقليمية لطهران «تتوافق»، بحسب فرانتزمان، مع «المصالح التركية - المصرية».

السيسي والرئيس الإيراني الراحل خلال محادثاتهما في الرياض على هامش القمة العربية - الإسلامية الطارئة نوفمبر الماضي (الرئاسة المصرية)

في السياق نفسه، لا يعتقد الخبير في «مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية» بمصر، الدكتور محمد عباس ناجي، أن التقارب المصري - التركي سيؤثر على مصالح إيران. وأرجع ذلك لأسباب عدة؛ وهي أن «القاهرة بنت مسار التقارب مع أنقرة على مصالحها الوطنية، التي لا تشترط أن تخصم من مصالح طرف ثالث»، وفق حديثه لـ«الشرق الأوسط».

يضاف إلى ذلك «قوة العلاقات بين تركيا وإيران، رغم بعض الخلافات»، بحسب ناجي الذي يشير إلى حديث البيان الصادر عن مصر وتركيا عقب لقاء السيسي وإردوغان عن وحدة الأراضي السورية، وهو «ما يتماشى مع الرؤية الإيرانية»... وتعد سوريا إحدى نقاط الخلاف الرئيسية بين أنقرة وطهران، لا سيما مع الوجود العسكري التركي في سوريا.

في المقابل، يطرح أوزياكار مسألة التوترات في البحر الأحمر وتداعياتها المالية على عائدات قناة السويس المصرية كإحدى نقاط الخلاف والتأثير على مصالح طهران الإقليمية، لا سيما مع دعم إيران لجماعة «الحوثي». وقال إن التقارب المصري - التركي والعمل معاً لحل الصراع في فلسطين «يشكل تهديداً لنفوذ إيران في المنطقة». ووفق أوزياكار تترقب طهران «عن كثب» التطورات في العلاقات بين مصر وتركيا، لا سيما مع سعيها لتحسين علاقاتها مع القاهرة، جنباً إلى جنب مع مساعي تخفيف عزلتها في المنطقة.

الاجتماع الأول لمجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى بين مصر وتركيا بقيادة رئيسي البلدين (الرئاسة المصرية)

وبشأن إمكانية تعزيز مسار التقارب بين القاهرة وطهران على غرار المصالحة مع أنقرة، يرى ناجي أن «الوضع مختلف، ومصر تدير التقارب في إطار ثنائي دون تدخلات من أطراف أخرى، وتنتظر أن تضع طهران النقاط على الحروف في ثوابت رئيسية، قبل الحديث عن رفع مستوى التمثيل الدبلوماسي»، لكنه أيضاً «لم يمانع دعم أطراف أخرى لمسار المصالحة».

وهنا يرجح فرانتزمان أن «تؤثر المصالحة بين مصر وتركيا على محاولات إيران لتحسين العلاقات مع مختلف الدول العربية، بما في ذلك القاهرة». وقال إن «العلاقات التركية - المصرية من المرجح أن تسير بالتوازي مع آمال إيران في أن تتمكن أنقرة من المصالحة مع دمشق، وهو ما من شأنه أن يمهد الطريق أمام نفوذ إيراني أكبر في مختلف أنحاء المنطقة». ويتفق معه إرشادمنش في أن «الاستقرار الناجم عن التقارب المصري - التركي قد يدفع لتوسيع علاقات إيران مع الدول العربية».

وفي رأي أوزياكار لا تزال العلاقات بين مصر وتركيا، ومصر وإيران في طور النمو، وسط حالة من «عدم اليقين بشأن المستقبل»، لكنه رغم ذلك، قال إنه «إذا تمكنت إيران من التأثير على تصرفات الحوثيين في البحر الأحمر لحماية المصالح الاقتصادية لمصر، وإعطاء الأولوية للقنوات الدبلوماسية بشأن غزة، فقد تعزز طهران مكانتها الإقليمية وتقوي علاقاتها مع القاهرة والدول العربية الأخرى».


مقالات ذات صلة

انهيار «إمبراطورية» صبري نخنوخ يهيمن على حديث المصريين

شمال افريقيا صبري نخنوخ وخلفه حراس شخصيون (صفحته على فيسبوك)

انهيار «إمبراطورية» صبري نخنوخ يهيمن على حديث المصريين

تجتذب بيانات النيابة المصرية حول قضية رجل الأعمال صبري نخنوخ، المتهم بـ«البلطجة والخطف وحيازة أسلحة والاتجار في الآثار» اهتماماً شعبياً كبيراً.

رحاب عليوة (القاهرة )
شمال افريقيا لقاء مسؤولين من مصر والاتحاد الأوروبي بالقاهرة يوم الأحد (صفحة سفارة الاتحاد الأوروبي على فيسبوك)

مصر والاتحاد الأوروبي يتبادلان المعلومات حول إدارة الأزمات

تعزز مصر والاتحاد الأوروبي تعاونهما في مجال تبادل المعلومات الخاصة بإدارة الأزمات والحد من مخاطر الكوارث.

وليد عبد الرحمن (القاهرة )
شمال افريقيا لاجئون سودانيون ينتظرون داخل مركز تسجيل تابع للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (موقع مفوضية اللاجئين)

ترقب وغموض يسيطران على «ضيوف مصر» مع تفعيل منظومة اللجوء

تتولى «اللجنة الدائمة لشؤون اللاجئين» إدارة ملف طلب اللجوء إلى مصر، بموجب القانون الجديد، الصادر مؤخراً، على أن تتبع مباشرة رئيس مجلس الوزراء المصري.

رحاب عليوة (القاهرة)
شمال افريقيا مقر مكتب النائب العام المصري في العاصمة الإدارية الجديدة (صفحة النيابة على فيسبوك)

«النيابة المصرية» تسند لصبري نخنوخ تهم «حيازة أسلحة والخطف»

أعلنت النيابة المصرية، السبت، تفاصيل قضية توقيف رجل الأعمال المثير للجدل صبري نخنوخ، على خلفية اتهامات تتعلق بـ«اقتحام أحد معارض السيارات».

علاء حموده (القاهرة )
العالم العربي وفد سوري ترأسه وزير الخارجية أسعد الشيباني زار القاهرة الشهر الماضي لبحث العلاقات الثنائية (الخارجية المصرية)

القاهرة في طريقها لاعتماد يحيى دياب سفيراً لسوريا

كشف مصدر مسؤول في وزارة الخارجية السورية لـ«الشرق الأوسط» اسم السفير الجديد الذي رشحته بلاده لتمثيلها بمصر بدلاً من محمد طه الأحمد الذي تحفظت القاهرة على ترشيحه

هشام المياني (القاهرة)

فاجعة «قارب مالطا» تُسلط الضوء مجدداً على «مسارات الهجرة» الليبية

مهاجرون غير نظاميين بعد ضبطهم على ساحل مدينة القره بوللي الليبية الشهر الماضي (وزارة الداخلية الليبية)
مهاجرون غير نظاميين بعد ضبطهم على ساحل مدينة القره بوللي الليبية الشهر الماضي (وزارة الداخلية الليبية)
TT

فاجعة «قارب مالطا» تُسلط الضوء مجدداً على «مسارات الهجرة» الليبية

مهاجرون غير نظاميين بعد ضبطهم على ساحل مدينة القره بوللي الليبية الشهر الماضي (وزارة الداخلية الليبية)
مهاجرون غير نظاميين بعد ضبطهم على ساحل مدينة القره بوللي الليبية الشهر الماضي (وزارة الداخلية الليبية)

تتجه أنظار أسر عربية وأفريقية عديدة صوب ليبيا، بعد الإعلان عن غرق قارب كان يقل عشرات المهاجرين غير النظاميين في البحر المتوسط، في أحدث فاجعة تتعلق بـ«ممرات الموت» التي تتربص بالطامحين للعبور نحو الشواطئ الأوروبية.

والقارب الذي غرق على بعد نحو 45 ميلاً بحرياً جنوب شرقي مالطا بعد انطلاقه من ليبيا، بحسب مصادر بجهاز مكافحة الهجرة غير المشروعة في طرابلس وخفر السواحل الإيطالي، كان يقل 60 مهاجراً، غرق منهم 10 ونجا 48.

ونكأ الحادث جراح أسر مصرية فقدت 21 من أبنائها في قارب غرق قرب اليونان في مارس (آذار) الماضي، كما سلط الضوء مجدداً على مخاطر هذه الرحلات المميتة، ووَضَع فاعلية عمليات الرقابة على معابر الهجرة في ليبيا تحت مجهر المساءلة.

وتلقت منظمات ومراكز عدة معنية بالهجرة غير المشروعة في ليبيا تساؤلات كثيرة من أسر مصرية وأفريقية بشأن القارب الذي أُعلن عن غرقه.

من عملية إنقاذ مهاجرين من الغرق قبالة شرق طبرق في مارس الماضي (الهلال الأحمر الليبي)

وباتت هذه النوعية من حوادث غرق القوارب التي تقل مهاجرين معتادة بالنظر إلى تكرارها بفوارق زمنية متقاربة. وكان قارب انطلق من ليبيا يقل أكثر من 105 مهاجرين من النساء والرجال والأطفال قد غرق في البحر المتوسط في الخامس من أبريل (نيسان) الماضي، وفُقد أكثر من 70 شخصاً، وتم إنقاذ 32 آخرين، بحسب ما أعلنت في حينه منظمة «ميديتيرانيا سيفينغ هيومنز» المعنية بالبحث والإنقاذ بالبحر المتوسط.

ويُرجع مسؤول ليبي سابق في جهاز الهجرة غير المشروعة بالعاصمة طرابلس استمرار تدفق القوارب التي تقل مهاجرين باتجاه الشواطئ الأوروبية إلى «تزايد أعداد المنتفعين من تهريب مئات المهاجرين في قوارب عبر المتوسط».

وقال لـ«الشرق الأوسط»، الاثنين، إن من يعملون في مجال تهريب المهاجرين «يدفعون بجنون بالمهاجرين إلى ليبيا عبر الصحراء، ومنها إلى البحر».

وأضاف المسؤول السابق الذي رفض ذكر اسمه لأنه بات خارج الخدمة، وغير مصرح له بالحديث للإعلام: «لا تزال هناك أوكار عديدة تضم مهاجرين في أنحاء ليبيا لم تصل إليها الأجهزة الأمنية، وينتظرون ساعة الصفر للهرب عبر البحر».

وكان خفر السواحل الإيطالي قد أعلن الأحد انتشال 10 جثث بعد غرق قارب مهاجرين قبالة سواحل مالطا. وقال في بيان نقلته وكالة «رويترز» إن القارب الذي انطلق من السواحل الليبية كان على متنه نحو 60 شخصاً؛ و«بحسب آخر المعلومات، انتشلت سفينة صيد في المنطقة نحو 48 شخصاً على قيد الحياة».

مسارات التهريب

تدفع عصابات الاتجار بالبشر بالمئات إلى رحلات هجرة غير نظامية لأوروبا عبر ما يُعرف بـ«قوارب الموت». وسبق وأحصت «المنظمة الدولية للهجرة» أكثر من ألف شخص غرقوا في البحر المتوسط منذ بداية العام، بعد انطلاقهم من ليبيا عبر قوارب متهالكة باتجاه السواحل الأوروبية.

أحد أوكار اختباء المهاجرين غير النظاميين في أجدابيا يوم الاثنين (مديرية الأمن)

ومسارات تهريب المهاجرين إلى داخل ليبيا ومنها إلى البحر عديدة؛ من بينها المسار الشرقي، حيث يصل المهاجرون الآسيويون أو المصريون أحياناً عبر مطار بنينا، أو الحدود البرية، ثم يُنقلون إلى نقاط تجميع مثل بني وليد، والشويرف، ومزدة.

أما المسار الجنوبي والبري للتهريب من دول أفريقية، فإنه يمتد -بحسب سماسرة تهريب تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»- عبر الحدود مع تشاد، والسودان، والنيجر، ثم الممر الحدودي المشترك بين مصر، وليبيا، والسودان.

ونقاط تجمع المهاجرين غير النظاميين والانطلاق منها إلى السواحل الليبية عديدة؛ من بينها ما هو في غرب ليبيا، مثل زوارة، والقره بوللي، وصبراتة، والخمس؛ وفي شرق ليبيا تظل طبرق هي الأكثر نشاطاً من حيث انطلاق قوارب المهاجرين.

خلال نقل مهاجرين غير نظاميين بعد ضبطهم في أجدابيا يوم الاثنين (مديرية أمن أجدابيا)

والأسبوع الماضي قال الطاهر الباعور، وزير الخارجية المكلف بحكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، إن أفواجاً من المهاجرين غير النظاميين تعبر إلى داخل البلاد عبر مطار بنينا الدولي بشرق البلاد بعقود وهمية مزورة.

وأضاف أن مهاجرين، خصوصاً من شرق آسيا، يدخلون من بنغازي بـ«موافقة أمنية، وأختام وإجراءات رسمية... لكن بناءً على عقود شركات وهمية ومزورة يتم استغلالها لتسهيل تدفقهم إلى البلاد»، مشيراً إلى أن «بعض شركات المقاولات وخدمات النظافة في ليبيا تتقدَّم بطلبات رسمية بحجة حاجتها إلى عمالة من دول مختلفة، وبعد الحصول على الموافقات اللازمة يتم استقدام هذه العمالة التي تدخل البلاد عقب استكمال الإجراءات الأمنية، ودفع الرسوم المطلوبة».

ويظل ممر عبور «القطاع الأوسط للبحر الأبيض المتوسط» هو الأشهر لقطاع واسع من المهاجرين، ويمتد من شمال أفريقيا إلى إيطاليا، ومالطا، وقد لقي أكثر من 1330 شخصاً حتفهم في هذا الممر العام الماضي، بحسب «المنظمة الدولية للهجرة».

مداهمات في أجدابيا

وفي السياق ذاته، وعلى خلفية أوامر من الفريق صدام حفتر، رئيس أركان القوات البرية بـ«الجيش الوطني» الليبي، بضبط المهاجرين غير النظاميين، وترحيلهم، سارعت الأجهزة الأمنية بمداهمة العديد من الأوكار والمناطق التي يتجمعون فيها.

عدد من المهاجرين غير النظاميين بعد ضبطهم في أجدابيا يوم الاثنين (مديرية أمن أجدابيا)

وقالت مديرية أمن أجدابيا بشرق ليبيا، الاثنين، إن دوريات أمنية تابعة لها «تواصل تنفيذ الخطة الأمنية الشاملة الهادفة إلى مكافحة ظاهرة الهجرة وضبط المتورطين في عمليات التهريب».

على إثر ذلك شهدت أجدابيا تنفيذ سلسلة من المداهمات الأمنية لعدد من الأوكار التي تُستغل في إيواء المهاجرين، ونشاطات التهريب، حيث أسفرت العمليات عن ضبط أعداد من المهاجرين من جنسيات مختلفة، واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة حيالهم تمهيداً لإحالتهم إلى الجهات المختصة قبيل ترحيلهم إلى بلدانهم.


أزمة اللجوء السودانية... وطنان في قلب طفل واحد

طفل يجلس على قمة تل مطل على مخيم للاجئين قرب الحدود السودانية مع تشاد في نوفمبر 2023 (رويترز)
طفل يجلس على قمة تل مطل على مخيم للاجئين قرب الحدود السودانية مع تشاد في نوفمبر 2023 (رويترز)
TT

أزمة اللجوء السودانية... وطنان في قلب طفل واحد

طفل يجلس على قمة تل مطل على مخيم للاجئين قرب الحدود السودانية مع تشاد في نوفمبر 2023 (رويترز)
طفل يجلس على قمة تل مطل على مخيم للاجئين قرب الحدود السودانية مع تشاد في نوفمبر 2023 (رويترز)

وصلت الطفلة ندى إلى أوغندا مع أسرتها بعد أشهر من اندلاع الحرب في السودان، تاركة وراءها مدرستها وأصدقاءها وحياتها التي كانت تعرفها. بدأت الطفلة ذات الثلاثة عشر ربيعاً حياة جديدة في بلد لم تكن تعرف عنه شيئاً من قبل.

قالت ندى عبد المنعم لـ«الشرق الأوسط» إنها كوّنت صداقات جديدة في المدرسة، وتطوّرت لغتها الإنجليزية بصورة ملحوظة، كما تعلّمت بعض الكلمات من اللغات المحلية.

وحين سُئلت متى تعود إلى بلادها، قالت بثقة: «لن أعود إلى السودان». وأضافت: «هنا لم أشعر يوماً بأنني مختلفة عن بقية الأطفال». وتابعت مبتسمة: «الطقس هنا ألطف، والمدرسة أفضل، والأصدقاء أكثر لطفاً، والناس أكثر ترحيباً، فلماذا أعود؟».

وعلى المقعد المجاور، كانت شقيقتها لين، البالغة من العمر 9 أعوام، تنظر بطريقة مختلفة تماماً. جلست وهي تمسك بيد والدها الذي لا يزال يعمل في السودان ويزور أسرته في أوغندا بين حين وآخر، ولم تتحدث عن المدارس أو الأصدقاء أو البلدان، بل قالت بهدوء: «أكون مع أبي».

وعندما سمعت لين شقيقتها تعلن أنها لن تعود إلى السودان، حاولت الاعتراض على حديثها، فردت الأخيرة بالإنجليزية: «هذا ليس شأنك». وخلال المقابلة، كانت الطفلتان تتنقلان بسهولة بين العربية والإنجليزية في أثناء الحديث مع بعضهما.

بين الشقيقتين تتجسد صورة مصغرة لما قد تعيشه آلاف الأسر السودانية التي دفعتها الحرب إلى اللجوء، حيث بدأ الأطفال ينظرون إلى الوطن والانتماء والعودة بعيون مختلفة عن عيون آبائهم.

من مشاهد الحرب السودانية (أ.ف.ب)

أما في كينيا فتبدو الصورة مشابهة، لكنها بتفاصيل أخرى، فآمنة أمين، البالغة من العمر 11 عاماً، وشقيقها علي، البالغ من العمر 10 أعوام، لا يتحدثان كثيراً عن الحرب، بل عن المدرسة والأصدقاء والمستقبل.

والدتهما، تهاني عباس، قالت إنها لاحظت تغيّراً كبيراً في طريقة تفكير الطفلين منذ وصول الأسرة إلى العاصمة الكينية نيروبي، قبل نحو ثلاث سنوات. وتضيف: «اندمجا بسرعة في المدرسة والمجتمع، وتعلما اللغة الإنجليزية والسواحلية بسرعة، وصار لهما أصدقاء من جنسيات مختلفة، ويشاركان في الأنشطة كأنهما وُلدا هنا». وتتابع: «أكثر ما لفت انتباهي أنهما لا يشعران بأنهما غريبان، فلا أحد يسألهما عن جنسيتهما باستمرار، ولا يعاملهما أحد بوصفهما مختلفين عن بقية الأطفال».

وتوضح أن الطفلين بمرور الوقت صارا يتحدثان كثيراً عن أحلامهما وخططهما للمستقبل، وعن الدراسة والمهن التي يرغبان في العمل بها عندما يكبران.

ورغم تعلّق الطفلين بقريتهما الصغيرة «حسين آدم» في شرق ولاية الجزيرة بوسط السودان، فإن حديثهما عن العودة يدور حول الرغبة في زيارة القرية والأهل، ثم العودة مجدداً إلى كينيا لمواصلة الدراسة.

تضيف تهاني عباس: «لا يخفي علي وآمنة تعلقهما بحياتهما الجديدة التي بنياها هنا، فهما يتحدثان دائماً عن الطقس الجميل، وعن أصدقائهما في المدرسة، وعن التفاصيل الصغيرة التي جعلت كينيا جزءاً من حياتهما اليومية».

وتكشف مثل هذه القصص جوانب أقل ظهوراً لآثار الحرب. فبينما ينظر الكبار إلى الوطن بوصفه الأرض والذكريات والعائلة الممتدة، يربط الأطفال إحساسهم بالانتماء بالمكان الذي يشعرون فيه بالأمان، حيث يذهبون إلى مدارسهم ويعيشون حياتهم اليومية مع أصدقائهم الجدد، ولذلك قد يظهر «هذا التعلّق» ببلدان اللجوء عند بعضهم.

جانب من الدمار الذي أصاب العاصمة السودانية الخرطوم من جراء الحرب (أرشيفية - رويترز)

لكن هذا الإحساس يثير مخاوف الأسر. فمع اعتماد الأطفال على الدراسة والتواصل باللغة الإنجليزية واللغات المحلية، يخشى الأهل من تراجع اللغة العربية لديهم، ومن ضعف ارتباطهم بالثقافة السودانية، ويبدي أحد الآباء السودانيين المقيمين في كينيا قلقه هذا بقوله: «أخشى أن يفقدوا قدرتهم على التواصل باللغة العربية، وألا يرتبطوا بثقافتنا».

وتزداد مخاوف الأسر كلما طال أمد الحرب وابتعدت فرص العودة القريبة. فتعلق بعض الأطفال ببلدان اللجوء قد لا يكون أمراً مفاجئاً في نظر المختصين الذين لا يرون بالضرورة في تعلق الأطفال بالمجتمعات الجديدة فقداناً لارتباطهم بوطنهم الأصلي، بل إنه يعكس قدرة طبيعية على التكيّف مع البيئة التي يعيشون فيها.

ويلخص هذه المفارقة الطفل «علي» الذي يعيش في نيروبي مع أسرته، عندما سُئل عن السودان، فقال إنه يشتاق إلى قريته وأقاربه وأصدقائه، ويريد زيارتهم عندما تُتاح له الفرصة. وعند سؤاله عن المكان الذي يرغب في العيش فيه بشكل دائم، أجاب: «سأزور قريتي وأهلي وأرجع إلى كينيا».

ولا تمثل قصص ندى ولين وآمنة وعلي حالات فردية معزولة، فإثر اضطرار الناس إلى الفرار من ديارهم، كانت بينهم أعداد كبيرة من الأطفال، وجدوا أنفسهم في بيئات جديدة، ومجتمعات لم يعرفوها، ولغات لم يتحدثوا بها قط.

وأعداد اللاجئين السودانيين، حسب تقديرات منظمات الأمم المتحدة، بلغت منذ اندلاع الحرب في أبريل (نيسان) 2023، نحو أربعة ملايين شخص، النسبة الأكبر منهم أطفال. وتقول بعض التقديرات غير الرسمية إن الأطفال يشكلون نحو 60 في المائة من أعداد اللاجئين، ليرسموا واحدة من أسوأ أزمات النزوح في العالم حالياً.

وهكذا قد تبدو عبارة الطفل «علي» بسيطة، لكنها تكشف عن تحول عميق أحدثته سنوات الحرب في حياة جيل كامل من الأطفال السودانيين، فبالنسبة إلى الكبار قد تكون العودة إلى الوطن حلماً مؤجلاً ينتظر نهاية الحرب. أما لبعض الأطفال الذين أمضوا سنوات التكوين الأولى في أوغندا وكينيا فإن السؤال لم يعد متى العودة، بل «أين الوطن حقاً؟».

Your Premium trial has ended


«فاتورة الدعم» تُعيد جدل ملف المحروقات إلى الواجهة في ليبيا

اصطفاف سيارات بالقرب من إحدى محطات الوقود في درنة شرق ليبيا (من تسجيل مصور نقلته وسائل إعلام محلية)
اصطفاف سيارات بالقرب من إحدى محطات الوقود في درنة شرق ليبيا (من تسجيل مصور نقلته وسائل إعلام محلية)
TT

«فاتورة الدعم» تُعيد جدل ملف المحروقات إلى الواجهة في ليبيا

اصطفاف سيارات بالقرب من إحدى محطات الوقود في درنة شرق ليبيا (من تسجيل مصور نقلته وسائل إعلام محلية)
اصطفاف سيارات بالقرب من إحدى محطات الوقود في درنة شرق ليبيا (من تسجيل مصور نقلته وسائل إعلام محلية)

أعادت أزمة تدفق المحروقات التي عانت منها ليبيا الأيام الماضية، قضية الدعم إلى الواجهة مجدداً، مع اتساع عمليات تهريب الوقود، ووعود حكومية بمواجهة الظاهرة.

ويرى مراقبون أن أزمات الوقود المتكررة باتت من أقسى التحديات المعيشية في بلد نفطي، وسط مشهد يزداد تعقيداً مع تجدد طروحات رفع الدعم باعتباره الخيار الأبرز لمعالجة الاختلالات الهيكلية، وما صاحب ذلك من انقسام حول المنافع والمخاطر.

ويستند المدافعون عن رفع الدعم إلى أن انخفاض سعر الوقود مقارنة بدول الجوار «يمثل المحرك الرئيسي لعمليات التهريب»؛ حيث تحولت الدولة، وفق تقديراتهم، إلى «ممول غير مباشر لشبكات تستنزف جزءاً كبيراً من واردات الوقود التي تقترب فاتورتها السنوية من 9 مليارات دولار»، مطالبين باستبدال «بدل نقدي للمواطنين» بالدعم.

في المقابل، يقر المعارضون بضرورة إصلاح منظومة المحروقات، لكنهم يحذرون من أن رفع الدعم دفعة واحدة في ظل تراجع قيمة العملة وارتفاع التضخم، قد «يقود إلى موجة غلاء واسعة».

زحام أمام إحدى محطات الوقود بجبل نفوسة غرب ليبيا في مشهد متكرر (وسائل إعلام محلية)

ويُعدّ رجل الأعمال الليبي، حسني بي، من أبرز المطالبين بإلغاء الدعم واستبدال بدل نقدي لإيقاف التهريب به.

وسبق واستشهد في تدوينة على صفحته بـ«فيسبوك»، بتصريحات رئيس المؤسسة الوطنية للنفط، مسعود سليمان، بشأن تجاوز فاتورة استيراد المحروقات مليار دولار خلال شهر مايو (أيار) الماضي وحده، محذراً من أن «استمرار الدعم يهدر نحو 30 في المائة من الإنتاج النفطي، ويغذي صراع المجموعات المسلحة، خصوصاً بمدن المنطقة الغربية التي تتنازع حول حصتها من الوقود المدعوم ومسارات تهريبه خارج الحدود».

دعوة لرفع «تدريجي»

تصنف ليبيا بين أرخص دول العالم في أسعار البنزين؛ إذ يبلغ سعر اللتر نحو 0.15 دينار؛ غير أن هذا لا ينعكس على الواقع الميداني مع تكرار أزمات نقص الوقود وظهور طوابير طويلة أمام المحطات. (الدولار يساوي 6.36 دينار ليبي في السوق الرسمية).

ويدعو الناشط السياسي جعفر الأنصاري، أحد سكان مدينة أوباري بالجنوب الليبي، إلى رفع الدعم عن المحروقات، ولكن «بشكل تدريجي للحد من التهريب وضمان توافر الوقود في عموم البلاد»، مشيراً إلى أن مناطق الجنوب «عانت خلال عيد الأضحى من شح حاد أجبر المواطنين على شراء اللتر الواحد من السوق السوداء بعشرة دنانير».

وقال في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «إصلاح ملف المحروقات سيسهم في استقرار إمدادات الكهرباء أيضاً وتفادي تكرار المعاناة مع طرح الأحمال»، لافتاً إلى ضرورة «مراعاة الأوضاع المعيشية قبل تحريك السعر الراهن، وإيجاد بديل نقدي مناسب، مع الانتباه إلى خصوصية المناطق الصحراوية، حيث تمتلك كل أسرة أكثر من سيارة».

وتعيش ليبيا انقساماً سياسياً بين حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس، والحكومة المكلفة من البرلمان برئاسة أسامة حماد التي تدير شرق البلاد وأجزاء من الجنوب بدعم من القائد العام لـ«الجيش الوطني» المشير خليفة حفتر.

شاحنتان تحملان كمية من الوقود المُهرب إلى السوق السوداء في ليبيا (مكتب النائب العام)

في المقابل، أرجع رئيس حزب «التجديد الليبي» سليمان البيوضي، حماس البعض لمقترح رفع الدعم، إلى «الالتزام بتوصيات المؤسسات المالية الدولية»، محذراً من أن النتيجة «ستكون زيادة الضغوط على الفئات محدودة الدخل».

وخلال حديث لـ«الشرق الأوسط»، انتقد «غياب رؤى جادة لمعالجة أزمة الوقود التي تكمن جذورها في الفساد والتهريب، لا في مستوى الدعم نفسه».

ورغم مهاجمة حماد دعوة الدبيبة مطلع عام 2024 لرفع الدعم عن الوقود، وهو ما عدّه مراقبون انعكاساً لحالة التنافس بين الحكومتين، فإن حكومته في شرق ليبيا تبنت لاحقاً التوجه ذاته.

غلاء وضعف رقابة

من جانبه، أقر عضو المجلس الأعلى للدولة، سعد بن شرادة، بأن غالبية الليبيين «يرغبون في إنهاء تهريب المحروقات، لكنهم يطالبون بمعالجة الاختلالات الاقتصادية والأمنية قبل المساس بأسعار الوقود، لتفادي تحميل المواطن أعباء إضافية».

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «رفع سعر البنزين إلى مستويات تقارب الأسعار العالمية سيؤدي إلى زيادة تكاليف النقل وأسعار السلع الأساسية، وربما ينعكس على سعر الصرف، في وقت يعاني فيه المواطنون من الغلاء وضعف الرقابة على الأسواق».

ولفت إلى وجود أزمة سيولة متكررة؛ وقال: «قد يعجز قطاع واسع من المواطنين عن شراء الوقود لسياراتهم إذا رُفع الدعم، فالمبلغ الذي سيتحصلون عليه حينذاك لن يكفي. وفي ظل غياب شبكة مواصلات عامة، فإن حركة هؤلاء ستصاب بشلل»، منتقداً «غياب رؤية واضحة بشأن قيمة البدل النقدي وآليات صرفه وضمانات استمرار صرفه».

جانب من سيارات محمّلة بـ«وقود مهرّب» (جهاز البحث الجنائي بشرق ليبيا)

ومع استمرار النقاش والجدل بين سياسيين واقتصاديين، توحدت مطالب مواطنين بمنصات التواصل الاجتماعي بشأن ضرورة الدراسة المعمقة لأي تجربة جديدة تستهدف رفع الدعم تجنباً لتحميلهم تكلفتها وحدهم، خصوصاً أن الوقود المدعم يمثل آخر ميزة يتمتعون بها بوصفهم أبناء دولة نفطية.

وبشأن ارتفاع فاتورة واردات الوقود، تساءل بن شرادة عن أسباب تزايدها من نحو 3 مليارات دولار خلال الفترة ما بين 2016 و2019، إلى نحو 9 مليارات دولار في عام 2024، معتبراً أن الزيادة في الكميات المستوردة لا تعكس الاستهلاك الفعلي فقط بالنظر لمحدودية عدد سكان ليبيا مقارنة بدول جوارها، وبالتالي تعزز الشكوك بشأن تهريب ما بين 30 و40 في المائة منها.

ودعا إلى «الاستفادة من تجارب دول اعتمدت الرفع التدريجي للدعم، وربطته بمنظومات رقمية وحصص مدعومة للموكلين والمواطنين».

وتنتج ليبيا نحو 1.43 مليون برميل نفط يومياً.