«مشادات» بين الجزائر ومالي في أجهزة الأمم المتحدة

بعد الهجوم على معاقل الطوارق في المنطقة الحدودية

صورة أرشيفية لمقاتلين من الطوارق من تنسيقية حركات أزواد يمرون بالقرب من كيدال شمال مالي (أ.ف.ب)
صورة أرشيفية لمقاتلين من الطوارق من تنسيقية حركات أزواد يمرون بالقرب من كيدال شمال مالي (أ.ف.ب)
TT

«مشادات» بين الجزائر ومالي في أجهزة الأمم المتحدة

صورة أرشيفية لمقاتلين من الطوارق من تنسيقية حركات أزواد يمرون بالقرب من كيدال شمال مالي (أ.ف.ب)
صورة أرشيفية لمقاتلين من الطوارق من تنسيقية حركات أزواد يمرون بالقرب من كيدال شمال مالي (أ.ف.ب)

اشتد الخلاف بين الجزائر وجارتها الجنوبية مالي، على خلفية هجوم عسكري شنه الجيش المالي في 25 من شهر أغسطس (آب) المنقضي على مواقع متمردين من الطوارق بالحدود مع الجزائر.

وكانت علاقة البلدين شهدت مطلع العام تدهوراً إثر إعلان السلطة العسكرية في باماكو رفضها الوساطة الجزائرية بين طرفي الصراع، بزعم أن الجزائريين «منحازون» للمعارضة الطرقية التي تبحث عن إقامة دولة في شمال البلاد. وصدر ذلك كرد فعل على استقبال الرئيس الجزائري ممثلين عن المعارضة، وخصوصاً رجل الدين محمود ديكو المعروف بحدة خطابه تجاه الحكومة.

سفير الجزائر لدى الأمم المتحدة عمار بن جامع (الخارجية الجزائرية)

وامتد الخلاف إلى الأمم المتحدة، حيث وقعت ملاسنة بين ممثلي البلدين في جلسة نقاش بمناسبة الذكرى الـ75 لاتفاقيات جنيف حول النزاعات المسلحة، نظمت بجنيف نهاية الشهر المنقضي. ووفق ما نقلته صحف ومواقع إخبارية، الاثنين، فقد دافع ممثل الجزائر بمكتب الأمم المتحدة بجنيف رشيد بلادهان عن موقف زميله السفير بنيويورك عمار بن جامع، حينما طالب الأسبوع الماضي من مجلس الأمن بإصدار عقوبات ضد باماكو بعد هجومها على تجمع سكني بالمدينة الحدودية تين زاواتين يوم 25 من الشهر الماضي، مخلفا 21 قتيلا مدنياً من بينهم 11 طفلا، حسب بيانات لتنظيمات المعارضة المالية.

سفير مالي لدى الأمم المتحدة عيسى كونوفورو (مواقع إخبارية مالية)

ورد سفير مالي يومها عيسى كونوفورو على عمار بن جامع بأن جيش بلاده «استهدف سيارات تابعة لإرهابيين، كانت تنقل شحنة سلاح»، في إشارة إلى مسلحين معارضين طوارق. مؤكداً أنه «لم يستعمل في هجومه مسيَرات، بعكس ما يقوله ممثل الجزائر». وبحسب تنظيمات المعارضة، فقد ضربت القوات المسلحة صيدلية بتين زاواتين، وأن كل القتلى مدنيون جرى نقلهم إلى مستشفى المدينة داخل الأراضي الجزائرية.

وقال السفير بلادهان إن تصريحات بن جامع «تهدف إلى تسليط الضوء على دور الجزائر تجاه جيرانها وأشقائها في مالي، فلم يكن أبداً لها أي نية لإلحاق ضرر بدولة مالي»، مشدداً على «ضرورة التمييز بين الأعمال الإرهابية وأعمال المقاومة المشروعة»، يقصد أن عناصر «أزواد» الطوارق ليسوا إرهابيين في نظر الجزائر. وأضاف: «كان التصريح واضحاً للغاية (كلام السفير بن جامع)، فقد ركز على أنه لا أحد يجب أن يشك في التعريف الدولي للإرهاب... والجزائر لديها تجربة في مكافحة الإرهاب، ولم تشجع هذه الآفة تحت أي ظرف».

أرشيفية لعنصرين من «فاغنر» في مالي (متداولة)

وتابع: «أود أن أشير إلى أن الجزائر دائماً ما كانت تبحث عما يحفظ مصالح مالي وشعبها... نحن لا نتدخل في عملية اتخاذ القرار في مالي، ولا في الخيارات التي يتخذها جيراننا الأعزاء في هذا البلد». وكان بن جامع عبَر عن قلق الجزائر من «انتشار الجيوش الخاصة في المنطقة»، في إشارة إلى مجموعات «فاغنر» الروسية المتحالفة مع باماكو ضد خصومها المعارضين.

وكان السفير المالي خاطب نظيره الجزائري بنبرة اتهام، عادّاً حديثه عن وقوع قتلى مدنيين في تين زاواتين «لا أساس له»، وبأنه «نقل معلومات صحافية خاطئة وروَج لدعاية الإرهابيين في منطقتنا». وقالت مواقع إخبارية إن العملية العسكرية استعملت فيها مسيرات تركية.

ودعا الدبلوماسي المالي إلى «تبني موقف أكثر بنَاء واحتراماً تجاه مالي وشعبها، بما يتماشى مع العلاقات التاريخية الطيبة من حسن الجوار والأخوة، والتعاون، والصداقة القائمة بين مالي والجزائر».

طوارق مع عناصر في الجيش الجزائري أثناء نقل جرحى إلى المستشفى (خبير عسكري جزائري)

وعرفت علاقة الجزائر بالسلطات في باماكو توتراً لافتاً إثر هجوم عسكري على مدينة كيدال في الشمال، في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، وهي نقطة تمركز المعارضة قرب الحدود مع الجزائر. وتم ذلك بدعم معلن من «فاغنر» التي مكنت باماكو من مدينة استراتيجية. وبدأ الخلاف مطلع العام الحالي، لما أعلن الحاكم العسكري العقيد عاصيمي غويتا إلغاء «اتفاق السلام» مع المعارضة، الموقع في 2015 بالجزائر، ودعا الجارة الشمالية إلى «التوقف عن التدخل في شؤون مالي الداخلية وعن تقديم الدعم للإرهابيين».


مقالات ذات صلة

الجزائر: المرشحون لـ«التشريعية» أمام تحدي إقناع الناخبين بجدوى التصويت

شمال افريقيا أطر سلطة الانتخابات يتابعون مجريات الحملة الانتخابية (السلطة)

الجزائر: المرشحون لـ«التشريعية» أمام تحدي إقناع الناخبين بجدوى التصويت

وجَّهت «السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات» ما يشبه تحذيراً إلى المترشحين، يخص مخلفات قانونية محتملة قد تؤدي إلى عقوبات قضائية.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
رياضة عالمية مشاجرة عنيفة بين مشجعي منتخبي الأرجنتين والجزائر لكرة القدم في نيويورك (رويترز)

«مونديال 2026»: شجار بين جماهير الجزائر والأرجنتين يثير أزمة في نيويورك

اندلعت مشاجرة عنيفة بين حشود من مشجعي منتخبي الأرجنتين والجزائر لكرة القدم، في ميدان «تايمز سكوير» الشهير بنيويورك.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
شمال افريقيا عناصر الشرطة قبل تنفيذ مداهمة حي بشرق البلاد تسيطر عليه عصابة (الشرطة الجزائرية)

الجزائر تعلن الحرب على عصابات الشوارع لتعزيز الأمن

بحث وزير الداخلية الجزائري سعيد سعيود مع مسؤولين حكوميين تسريع تفعيل «استراتيجية أمنية» تم إطلاقها لمواجهة عصابات الأحياء.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
رياضة عربية ليونيل ميسي في تدريبات الأرجنتين استعداداً للجزائر (أ.ف.ب)

الأرجنتين حذرة قبل لقاء الجزائر في مستهل مشوارهما بالمونديال

قال المدرب ليونيل سكالوني، الاثنين، إنَّ الأرجنتين ستخوض مباراتها الافتتاحية في كأس العالم لكرة القدم ضد الجزائر بحذر واحترام.

«الشرق الأوسط» (كانساس سيتي (الولايات المتحدة))
شمال افريقيا محكمة القطب الجزائي المختص في قضايا الفساد بالجزائر (الإذاعة الحكومية)

السجن 7 سنوات لوزير السكن الجزائري السابق عبد الوحيد طمار

أصدرت محكمة العاصمة الجزائرية المتخصصة في قضايا الإجرام المالي والفساد، الاثنين، حكماً بالسجن 7 سنوات حبساً نافذاً على وزير السكن السابق عبد الوحيد طمار.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

«تمرد بونتلاند»... محاكاة لـ«أرض الصومال» أم ورقة ضغط لحل سياسي؟

جنود من الجيش الصومالي في محافظة شبيلى السفلى (وكالة الأنباء الصومالية)
جنود من الجيش الصومالي في محافظة شبيلى السفلى (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

«تمرد بونتلاند»... محاكاة لـ«أرض الصومال» أم ورقة ضغط لحل سياسي؟

جنود من الجيش الصومالي في محافظة شبيلى السفلى (وكالة الأنباء الصومالية)
جنود من الجيش الصومالي في محافظة شبيلى السفلى (وكالة الأنباء الصومالية)

في 18 مايو (أيار) 1991، أعلن إقليم «أرض الصومال» انفصاله عن الحكومة الفيدرالية، مستغلاً أزمات داخلية غرقت فيها مقديشو من جراء حرب أهلية.

وبعد نحو 35 عاماً، تظهر «ولاية بونتلاند» بمواقف تناهض الدولة الصومالية وتتوعدها، وسط أزمة سياسية طاحنة تشهدها البلاد.

وتقود «بونتلاند» تمرداً لم يصل ليكون مشروعاً انفصالياً يبحث عن اعتراف دولي، بقدر ما يعكس محاولة لرفع الضغط السياسي على الحكومة الفيدرالية بخاصة في ظل تقارب أهداف المعارضة والولاية منذ اندلاع الأزمة السياسية قبل عام تقريباً، مع رفض الانتخابات المباشرة بالدستور الجديد، وتوسيع صلاحيات الرئيس وتمديد ولايته عاماً انتقالياً، وفق ما يراه خبير في الشأن الصومالي، مستبعداً الصدام المسلح مع توقعات بفرص للحوار أكثر من خيارات التصعيد.

والتوتر قائم بين الحكومة الفيدرالية و«ولاية بونتلاند»، التي أصدرت أكثر من موقف على مدار أكثر من عام مخالف لتوجهات الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، ورفضت الحوار معه، وانضم رئيسها عبد الله سعيد دني إلى «مجلس مستقبل الصومال المعارض» الذي يطالب برحيل النظام.

«تمرد جديد»

وأعلنت سلطات «بونتلاند»، في بيان، أنها لم تعد جزءاً من الجيش الوطني الصومالي إلى حين التوصل إلى اتفاق بشأن جميع نقاط الخلاف مع الحكومة الفيدرالية.

وأشار البيان الذي صدر عقب اجتماع حكومي برئاسة رئيس الولاية، إلى أن الاجتماع «ناقش الوضع الأمني ​​في بونتلاند بشكل معمق، وقرر أن الولاية لن تكون جزءاً من الجيش الوطني حتى حل جميع الخلافات مع الحكومة الفيدرالية، بما في ذلك عملية إنشاء جيش وطني على المستوى الفيدرالي».

ووجهت رئاسة الإقليم، «جميع المؤسسات الأمنية التابعة لها بعدم السماح للمركبات والقوات التي لا تنتمي إلى قوات حكومة بونتلاند بالبقاء على أراضي الولاية أو المرور عبرها».

وفي مايو الماضي، أعلن دني، عدم الاعتراف بشرعية الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، بعدما مدد البرلمان ولايته عاماً إضافياً إلى مايو 2027 في إطار تعديل الدستور.

ودعا إلى «اجتماع عاجل لجميع الأحزاب السياسية في الصومال للاتفاق على عملية انتخابية شاملة».

وتأتي هذه الخلافات بالتزامن مع إعلان «مجلس الإنقاذ المعارض» المدعوم من دني، بدء احتجاجات أسبوعية في مقديشو ابتداءً من 4 يونيو (حزيران)، تُعقد كل خميس، حتى التوصل إلى اتفاق سياسي بشأن انتخابات البلاد، المقررة دستورياً عبر التصويت المباشر لأول مرة منذ عقود، وهو المسار الذي تتحفظ عليه المعارضة.

وبحسب ما نقلته «وكالة الأنباء الصومالية» في 16 مايو، أعلن شيخ محمود البدء في تطبيق الدستور الجديد الذي أُقر في مارس (آذار) الماضي، وسط رفض من المعارضة، وهو ما يعني تمديد فترة ولايته عاماً انتقالياً.

رئيس ولاية بونتلاند سعيد عبد الله دني (صفحته على منصة إكس)

من جانبه، يرى المحلل السياسي المختص بالشؤون الأفريقية والصومالية، علي محمود كلني، «أن إعلان بونتلاند يعيد إلى الواجهة التساؤلات بشأن مستقبل العلاقة بين مقديشو والأقاليم الفيدرالية، ومدى قدرة الدولة على احتواء الخلافات المتصاعدة دون الانزلاق إلى مواجهة داخلية جديدة، خاصة أن الحكومة الفيدرالية تواجه تحديات معقدة تتراوح بين الحرب المستمرة ضد حركة الشباب، والخلافات السياسية بشأن التعديلات الدستورية والنظام الانتخابي، وصولاً إلى التوترات المتكررة مع بعض الإدارات الإقليمية التي تتهم المركز بالسعي إلى تقليص صلاحياتها».

ويعتقد كلني، أن «إعلان بونتلاند لا يمثل بالضرورة خطوة نحو الانفصال بقدر ما يعكس محاولة لرفع سقف الضغط السياسي على الحكومة الفيدرالية»، لافتاً إلى أن الإقليم «يعد من أبرز ركائز النظام الفيدرالي الصومالي وطالما أكد تمسكه بوحدة البلاد، لكنه في المقابل يطالب بإعادة صياغة العلاقة بين المركز والأقاليم على أسس أكثر توازناً وشراكة».

واستدرك قائلاً: «ومع ذلك، فإن استمرار هذا النهج يثير مخاوف من أن تتحول الخلافات السياسية إلى واقع مؤسساتي جديد يضعف سلطة الدولة المركزية ويعزز النزعات المناطقية، خاصة في ظل تجربة أرض الصومال التي تمكنت على مدى أكثر من ثلاثة عقود من بناء مؤسسات حكم منفصلة عن مقديشو رغم غياب الاعتراف الدولي باستقلالها».

ورغم المقارنات المتزايدة بين الحالتين، «تبدو الفوارق السياسية والقانونية كبيرة، فأرض الصومال تتبنى مشروعاً انفصالياً واضحاً وتسعى إلى اعتراف دولي كامل، بينما تطرح بونتلاند نفسها باعتبارها شريكاً في الدولة الفيدرالية لا خصماً لها»، وفق ما يرى كلني.

وحذر من أن «اتساع فجوة الثقة بين الطرفين قد يؤدي عملياً إلى نتائج متشابهة من حيث إضعاف مؤسسات الدولة الوطنية، حتى وإن لم يكن الانفصال هدفاً معلناً، فكلما تراجعت مساحة التوافق السياسي، ازدادت صعوبة إعادة بناء سلطة اتحادية قادرة على إدارة البلاد بشكل متوازن».

مواقف مقديشو

ولم تعلق مقديشو على تصعيد دني، غير أن الفترات الماضية شهدت انتقادات رسمية له وتحركات رئاسية مع وجهاء الولاية.

وفي مايو الماضي، وجه وزير الداخلية في الحكومة الفيدرالية علي يوسف علي (حوش)، انتقادات شديدة إلى دني، متهماً إياه بأنه «عقبة أمام الدولة ووحدة البلاد وتنميتها، بعد إعلانه عدم الاعتراف بشرعية الرئيس حسن شيخ محمود عقب التمديد».

وعن السيناريوهات المحتملة في ضوء تحركات وانتقادات مقديشو، يرى كلني أن «احتمالات لجوء الحكومة الفيدرالية إلى مواجهة عسكرية مباشرة مع بونتلاند ستكون محدودة في المدى المنظور، خاصة أن الصومال يخوض معركة مفتوحة ضد حركة الشباب»، مؤكداً أن أي صدام بين القوات الحكومية وقوات الإقليم «قد يفتح جبهة داخلية جديدة تستنزف الموارد العسكرية والأمنية وتمنح الجماعات المسلحة فرصة للاستفادة من الانقسامات».

ويعتبر كلني، «أن سيناريوهات التصعيد قد تقود إلى نزاع داخلي بين مكونات الدولة، سيكون مكلفاً سياسياً وأمنياً بالنسبة لجميع الأطراف»، مضيفاً: «في ظل هذه المعطيات، تبدو فرص الحوار أكثر واقعية من خيارات التصعيد، والحكومة الفيدرالية تدرك أن الحفاظ على وحدة البلاد يتطلب توافقات سياسية واسعة، بينما تدرك بونتلاند أن القطيعة الطويلة مع مقديشو قد تفرض عليها تحديات سياسية واقتصادية وأمنية متزايدة».

لكن المحلل السياسي الصومالي أشار إلى أن «نجاح أي حوار محتمل سيظل مرهوناً بمدى استعداد الطرفين لتقديم تنازلات متبادلة بشأن القضايا الخلافية، وفي مقدمتها توزيع الصلاحيات، وإدارة الموارد، ومستقبل النظام الانتخابي، وآليات تعديل الدستور».

ويخلص كلني إلى أن «الصومال ليس أمام تمرد مسلح بالمعنى التقليدي بقدر ما يواجه أزمة ثقة عميقة بين المركز والأقاليم، قد تتحول إلى فرصة لإعادة بناء التوافق الوطني إذا أحسن الأطراف استثمارها، أو إلى محطة جديدة في مسار الانقسامات إذا استمرت لغة التصعيد وتراجعت فرص التسوية السياسية».


ليبيا: «خطاب الكراهية» يضع «المهاجرين» في دائرة الاستهداف

ليبيون وسط العاصمة يحتجون رفضاً لـ«توطين المهاجرين» في ليبيا (أ.ف.ب)
ليبيون وسط العاصمة يحتجون رفضاً لـ«توطين المهاجرين» في ليبيا (أ.ف.ب)
TT

ليبيا: «خطاب الكراهية» يضع «المهاجرين» في دائرة الاستهداف

ليبيون وسط العاصمة يحتجون رفضاً لـ«توطين المهاجرين» في ليبيا (أ.ف.ب)
ليبيون وسط العاصمة يحتجون رفضاً لـ«توطين المهاجرين» في ليبيا (أ.ف.ب)

أعاد الجدل المصاحب للاحتجاجات المناهضة لما يُعرف بـ«توطين المهاجرين غير النظاميين» إلى الواجهة قضية «خطاب الكراهية» في ليبيا، الذي ارتبط لسنوات بالصراعات السياسية والأمنية، لكنه بات مؤخراً يضيق الخناق بصورة متزايدة على المهاجرين واللاجئين.

مظاهرة في طرابلس الأسبوع الماضي ضد «توطين المهاجرين» (صفحة حراك نشطاء طرابلس ضد التوطن والتوطين)

منذ سنوات، تشكو ليبيا من تصاعد «خطاب الكراهية» بين الأطراف المتنازعة، كسلاح للنيل من الخصوم في بلد يعاني انقساماً سياسياً وعسكرياً ممتداً منذ إسقاط نظام الرئيس الراحل معمر القذافي. لكن عدوى هذا الخطاب والتحذيرات منه انتقلت فيما يبدو إلى ملف المهاجرين، وسط مخاوف دولية وحقوقية من أن يؤدي إلى «مزيد من الاستهداف والعنف بحق آلاف المهاجرين وطالبي اللجوء».

ويحظى تصاعد الخطاب المعادي للمهاجرين في ليبيا بمتابعة وثيقة من الأمم المتحدة، التي أبدت قلقاً متزايداً إزاء تداعياته. وقد تصدّر هذا الملف إحاطة المبعوثة الأممية هانا تيتيه الأخيرة أمام مجلس الأمن، الخميس، إذ تحدثت بوضوح عن «موجة عارمة من التضليل وخطاب الكراهية والمعلومات المغلوطة والتحريض»، تستهدف اللاجئين والنازحين والعاملين في الأمم المتحدة، وذلك على خلفية مزاعم متداولة بشأن وجود خطة لتوطين المهاجرين في ليبيا.

مهاجرون سريون تم توقيفهم بعد تسللهم إلى البلاد عبر جنوب ليبيا (الشرق الأوسط)

وجاء تحذير تيتيه حاسماً عندما اعتبرت أن هذه الادعاءات أسهمت في «خلق أجواء من العدائية والعنف»، في إشارة إلى ما يمكن أن تفضي إليه حملات التضليل والكراهية. ومع أنها أقرت بأن ملف الهجرة يثير مخاوف مشروعة لدى الليبيين، فإنها شددت على ضرورة التعامل معه استناداً إلى الحقائق والخطاب المسؤول، لا عبر السرديات القائمة على التحريض والتضليل وتأجيج المخاوف.

وقال الحقوقي الليبي طارق لملوم، مدير «مركز بنغازي لدراسات الهجرة واللجوء»، إن «خطاب الكراهية والتحريض ضد المهاجرين تصاعد بشكل ملحوظ وضيّق الخناق عليهم، بالتزامن مع انطلاق المظاهرات المناهضة لما يعرف بالتوطين، حيث جرى تكريس صورة نمطية تُحمّل المهاجرين مسؤولية الأزمات التي تعانيها ليبيا».

وأضاف لملوم، موضحاً لـ«الشرق الأوسط»، أن الأمر «لم يعد يقتصر على خطاب عام، بل تطور إلى استهداف جنسيات بعينها، مثل الإريتريين والإثيوبيين ومواطني جنوب السودان، مع تداول معلومات عن أماكن وجودهم وتمركزهم».

وفي المقابل، يقول ناشطون يقودون الحراك المناهض لما يصفونه بـ«توطين المهاجرين» إن تحركاتهم لا تستهدف المهاجرين أنفسهم، بل تنبع من مخاوف تتعلق بالتوازن الديموغرافي والهوية الوطنية. ويستند هؤلاء إلى التقديرات التي تشير إلى وجود نحو 990 ألف مهاجر ولاجئ في ليبيا، وفق بيانات المنظمة الدولية للهجرة.

مهاجرون من جنوب أفريقيا داخل أحد مراكز الاحتجاز في طرابلس (الشرق الأوسط)

تداعيات هذا الموقف لم تقتصر على الخطاب المتداول عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بل امتدت آثارها إلى وقائع ميدانية أثارت استياءً واسعاً. ومن بين تلك الوقائع تداول مقطع فيديو يظهر الاعتداء على مهاجر أفريقي في إحدى المدن الليبية على خلفية دينية، وهو ما أعاد النقاش بشأن حماية المهاجرين وحرية المعتقد في ظل تنامي التحريض ضد الوافدين.

وتقول «المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان في ليبيا» إنها وثّقت «اعتداءً جسدياً» على أحد الوافدين الأفارقة في سوق الكريمية بطرابلس على أيدي أشخاص وصفتهم بـ«الخارجين عن القانون»، معتبرة أن الواقعة جاءت في سياق التحريض والعنصرية المتزايدة ضد المهاجرين عبر منصات التواصل الاجتماعي.

كما تحدثت المؤسسة عن واقعة أخرى تعرّض فيها لاجئ سوداني لاعتداء وحرق بالنار في منطقة رأس أجدير، على الحدود الليبية - التونسية، قبل أن يتدخل عدد من شباب مدينة الجميل لنقله إلى إحدى المصحات لتلقي العلاج.

ويرى لملوم أن «هذا التحريض دفع بعض مالكي المساكن إلى طرد مهاجرين من شققهم خلال ساعات الليل، بينهم نساء وأطفال وعائلات كاملة، كما سُجلت اعتداءات طالت أطفالاً مهاجرين».

يشار إلى أن المظاهرات التي شهدتها العاصمة الليبية، خلال وقت سابق من الشهر الحالي، ترافقت مع اعتداءات وإغلاقات استهدفت مقارّ المفوضية السامية لشؤون اللاجئين والبعثة الأممية والمنظمة الدولية للهجرة في ليبيا، في سياق تصاعد التوتر المرتبط بملف الهجرة واللاجئين.

ويعتقد حقوقيون ليبيون أن مخاطر هذه الحملة قد تتجاوز حدود التحريض اللفظي. وفي هذا السياق، حذّر لملوم «من أن استمرار هذا الخطاب في ظل انتشار السلاح ووجود مجموعات مسلحة قد يعرّض المهاجرين لمخاطر جسيمة».

من جانبه، يرى رئيس «المنظمة العربية لحقوق الإنسان في ليبيا»، عبد المنعم الزايدي، أن انتشار خطاب الكراهية، الذي لا يقتصر على المهاجرين، «ليس عفوياً، بل ممنهج ومدعوم تقنياً».

ودعا الحر، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى «تبني استراتيجية وطنية متكاملة، تبدأ من تحصين الفضاء الرقمي، وتبني النخب السياسية لخطاب تصالحي، وصولاً إلى تعزيز التربية الإعلامية الرقمية للمواطن الليبي لتمييز التحريض وتفكيكه، قبل أن يتحول إلى واقع ميداني ملموس».


التحوّل إلى «الدعم النقدي» في مصر معلّق بقرار «رغيف العيش»

مصريون يشترون طعام الإفطار من أحد المطاعم في القاهرة (رويترز)
مصريون يشترون طعام الإفطار من أحد المطاعم في القاهرة (رويترز)
TT

التحوّل إلى «الدعم النقدي» في مصر معلّق بقرار «رغيف العيش»

مصريون يشترون طعام الإفطار من أحد المطاعم في القاهرة (رويترز)
مصريون يشترون طعام الإفطار من أحد المطاعم في القاهرة (رويترز)

قبل أيام من تطبيقه، يبقى التحول إلى «الدعم النقدي» في مصر معلقاً بقرار «رغيف العيش»، وآليات صرفه لحاملي البطاقات التموينية، وسط جدل حول المنظومة الجديدة، وتخوفات من ارتفاع أسعار «الخبز» الذي يشكل المكون الرئيسي على موائد المصريين.

وتشهد مصر نقاشات واسعة بسبب اتجاه الحكومة لتحويل «الدعم العيني» (سلع غذائية) إلى نقدي في يوليو (تموز) المقبل، وفق تصريحات رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال مؤتمر صحافي قبل نحو أسبوعين. ويستفيد نحو 68 مليون مواطن من منظومة الدعم التمويني بمصر، حسب وزارة التموين.

وعقد وزير التموين والتجارة الداخلية شريف فاروق اجتماعاً نهاية الأسبوع الماضي مع مسؤولين في «شعبة المخابز» بـ«اتحاد الغرف التجارية»، لبحث سبل تطوير منظومة الدعم، والتصورات الخاصة بتطبيق الدعم النقدي الموجّه. وأكد «أهمية استمرار التنسيق والتعاون بين الوزارة والشعبة العامة للمخابز خلال مراحل تطوير المنظومة بما يحقق التوازن بين مصالح المواطنين وأصحاب المخابز».

ومطلع الشهر الحالي، أكد رئيس الوزراء أن «النظام المقترح يعتمد على تقسيم المستحقين إلى شرائح وفقاً لمستوى الاحتياج الاقتصادي والاجتماعي»، موضحاً أن «الحكومة تعمل بصورة شبه يومية لإنهاء الدراسات الخاصة بملف التحول من الدعم العيني إلى النقدي».

رئيس الشعبة العامة للمخابز بـ«اتحاد الغرف التجارية» عبد الله غراب تحدث عن تخوفات من ارتفاع أسعار «الخبز» عقب تطبيق «الدعم النقدي»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «آليات التعامل مع رغيف الخبز المدعم في منظومة الدعم النقدي لم تحدد بعد؛ فما زالت النقاشات جارية في الوزارات المعنية وداخل شعبة المخابز». ويتابع: «ما زلنا نقوم بدراسة أفضل الآليات، لكن يوجد اتجاه باستمرار تخصيص 5 أرغفة لكل مواطن يومياً بوزن 70 غراماً يشتريها من نقود الدعم النقدي».

اجتماع وزير التموين شريف فاروق مع مسؤولين بشعبة المخابز الأسبوع الماضي (وزارة التموين)

وبحسب غراب، فإنه «يُتوقع أن يؤدي تطبيق الدعم النقدي إلى ارتفاع أسعار الخبز السياحي غير المدعم نتيجة ارتفاع الطلب عليه»؛ لذلك «لا يمكن عملياً البدء في تطبيق الدعم النقدي قبل تحديد آليات التعامل مع رغيف الخبز».

وتعكف وزارة التموين على وضع تصورات لآليات التحول إلى «الدعم النقدي»، بما فيها الموقف من «رغيف الخبز». وعقد الوزير فاروق اجتماعاً أخيراً مع وفد شركة «برايم لاستشارات الأعمال»، لدراسة عدد من النماذج والرؤى الفنية المتعلقة بآليات تطبيق الدعم النقدي، إلى جانب استعراض تجارب دولية متنوعة في هذا المجال.

في المقابل، يرى محمود العسقلاني رئيس جمعية «مواطنون ضد الغلاء» (أهلية)، أن تطبيق الدعم النقدي لن يؤدي إلى ارتفاع سعر «رغيف الخبز»، وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أنه «وفق منظومة الدعم النقدي، سيحصل المواطن على مبلغ مالي يشتري به أي سلعة يريدها، ومنها الخبز، الذي يمكن أن يشتريه بأي وزن يريده، وهذا أفضل، وسيضمن وصول الدعم إلى مستحقيه، لكن ستظل الإشكالية المستقبلية هي مواجهة التضخم».

تخوف من ارتفاع سعر الخبز مع بدء تطبيق الدعم النقدي (شعبة المخابز بالقاهرة)

وتطبق الحكومة منظومة لدعم السلع الضرورية منذ عقود طويلة، بهدف خفض نفقات المعيشة لـ«الفئات الأولى بالرعاية»، ويحصل المواطن على السلع المدعمة من خلال البطاقات التموينية.

ورفعت مصر قيمة الدعم والحماية الاجتماعية في الموازنة الجديدة للدولة، التي ستطبق بداية من يوليو المقبل، إلى 832.3 مليار جنيه، وفق وزارة المالية (الدولار يساوي 49.90 جنيه).

ورجح الخبير الاقتصادي رشاد عبده أن «يتم إرجاء تطبيق منظومة الدعم النقدي لحين تحديد مصير رغيف الخبز»، ودلّل على ذلك بأن «الحكومة ليس لديها رؤية أو تصورات محددة لمنظومة الدعم النقدي بشكل عام، أو آليات التعامل مع رغيف الخبز؛ لذلك ربما يتم إرجاء موعد التطبيق إلى حين الانتهاء من الدراسات اللازمة»، حسب رأيه. لكن عبده أكد لـ«الشرق الأوسط» أن «تطبيق الدعم النقدي سيؤدي إلى زيادة سعر رغيف الخبز، فهو سلعة غير مرنة؛ بمعنى أنه ليس له بدائل، وسيضطر المواطن لشرائه بأي سعر».