ارتياح بعد تمديد ولاية «يونيفيل»: لبنان تحت المظلة الدولية

أصعب مفاوضات منذ 1984 قادتها فرنسا في ظل حرب الجنوب

جندي من قوات «يونيفيل» يراقب من مرجعيون الحدودية في جنوب لبنان بلدتي الخيام اللبنانية والمطلة الإسرائيلية (إ.ب.أ)
جندي من قوات «يونيفيل» يراقب من مرجعيون الحدودية في جنوب لبنان بلدتي الخيام اللبنانية والمطلة الإسرائيلية (إ.ب.أ)
TT

ارتياح بعد تمديد ولاية «يونيفيل»: لبنان تحت المظلة الدولية

جندي من قوات «يونيفيل» يراقب من مرجعيون الحدودية في جنوب لبنان بلدتي الخيام اللبنانية والمطلة الإسرائيلية (إ.ب.أ)
جندي من قوات «يونيفيل» يراقب من مرجعيون الحدودية في جنوب لبنان بلدتي الخيام اللبنانية والمطلة الإسرائيلية (إ.ب.أ)

أرخى تمديد مجلس الأمن لمهمة قوات حفظ السلام الدولية العاملة في جنوب لبنان (يونيفيل) ارتياحاً لبنانياً؛ كونه يؤشر إلى أن الغطاء الدولي لا يزال موجوداً فوق لبنان، رغم أن هذه المفاوضات التي خاضتها فرنسا بصفتها «حامل القلم»، هي «الأصعب منذ عام 1984»، وتأتي في ظل حرب مستعرة على الحدود الجنوبية بين «حزب الله» وإسرائيل.

وصوّت مجلس الأمن، الأربعاء، بإجماع أعضائه الـ15، على قرار جديد يمدد عاماً كاملاً مهمة «يونيفيل». ووصفت مصادر دبلوماسية غربية هذه المفاوضات بأنها «الأصعب منذ إنشاء (يونيفيل) بصيغتها الحالية عام 1984»، موضحة لـ«الشرق الأوسط» أنه «حتى العام الماضي، كان النقاش في إدخال تعديلات أو تغييرات في المهام وتطوير في الولاية، وكان الأمر يمر بسهولة بعد نقاشات، لكن في هذا العام، كانت هناك علامات استفهام حول ما إذا كان سيتم التمديد للبعثة من عدمه»، مؤكدة أن هذا الأمر جعل المفاوضات التي خاضتها الدبلوماسية الفرنسية «صعبة ومعقدة»، كما جعلت المباحثات «الأصعب في تاريخها».

و«يونيفيل» هي واحدة من بعثتين عسكريتين أمميتين موجودتين في لبنان، أولاهما هي «مراقبو الهدنة» التي وصلت إلى لبنان عام 1949، و«يونيفيل» التي أنشأها مجلس الأمن في مارس (آذار) 1978 بعد الاجتياح الإسرائيلي الأول في «عملية الليطاني»؛ لتأكيد انسحاب إسرائيل من لبنان، واستعادة الأمن والسلام الدوليين ومساعدة الحكومة اللبنانية على استعادة سلطتها الفاعلة في المنطقة. وتم تعديل المهمة مرتين نتيجة التطورات عام 1982 بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان وعاصمته بيروت، وعام 2000 بعد انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان. وبعد حرب يوليو (تموز) 2006، عزّز مجلس الأمن القوة وقرَّر أن البعثة، إلى جانب مهامها الأخرى، سوف تراقب وقف الاعتداءات، ومرافقة القوات اللبنانية ودعمها في عملية الانتشار في جنوب لبنان، وتمديد المساعدة لتأكيد وصول المعونات الإنسانية للمواطنين المدنيين والعودة الطوعية الآمنة للمهجرين.

ولم تنص الولاية بتاتاً على تطبيق القرارات، بل مراقبتها؛ كون الجهة المسؤولة عن التطبيق هي الدولة اللبنانية عبر الجيش الوطني، وإسرائيل.

ممثل فرنسا في مجلس الأمن نيكولا دي ريفيير وممثل إسرائيل داني دنون في ختام جلسة المناقشات حول الوضع الحدودي بين لبنان وإسرائيل (رويترز)

المظلة الدولية

ويُنظر إلى التمديد لبعثة «يونيفيل» على أنه «إنجاز للبنان»؛ كونه «يعطي صورة واضحة على أن الغطاء الدولي على البلاد لا يزال قائماً»، كما تقول المصادر الدبلوماسية، كما يثبت أن «الاستقرار في لبنان يتصدر أولويات الدول الصديقة للبنان وفي مقدمها فرنسا» التي قاد دبلوماسيتها المفاوضات عبر العواصم وفي مجلس الأمن، لا سيما مع واشنطن، في ضوء الحرب في الجنوب.

وقالت مصادر نيابية لبنانية على صلة بتفاصيل المفاوضات المستمرة منذ نحو شهرين، إن القرار «يثبت أن لبنان لا يزال تحت مظلة الاهتمام الدولي رغم الحرب»، مشيرة في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إلى أن هذا القرار «يبعث على الارتياح، ويشير إلى أن الأولوية بالنسبة للدول المعنية بالملف اللبناني، هي الحفاظ على الاستقرار، وخصوصاً فرنسا التي لعبت دوراً مهماً في هذا الاتجاه».

ويتكرر هذا التقدير على لسان المصادر الدبلوماسية الغربية التي أكدت أن «التمديد يثبت اهتمام المجتمع الدولي بلبنان»، كما «يؤكد وجود الملف اللبناني، بسياقاته الإقليمية والداخلية، في قائمة اهتمامات باريس الموجودة أيضاً في مساعٍ لإيجاد حلول للأزمات الداخلية، وفي مقدمها الشغور الرئاسي في لبنان».

وتقول المصادر إن فرنسا «تعمل بكل السبل على ضرورة المحافظة على الدولة اللبنانية ومؤسساتها الرسمية»، وهي تدخلات ظهرت بعد الأزمة المعيشية عام 2019 وبعد انفجار مرفأ بيروت عام 2020، لكنها كانت تدخلات إنسانية وتربوية ودعماً صحياً، وتطور إلى دعم سياسي ودبلوماسي؛ وذلك «انطلاقاً من أن ضرورة المحافظة على الدولة اللبنانية، لا يمكن أن يتحقق من دون استقرار».

جنود من بعثة «يونيفيل» يشاركون باحتفال عيد الفصح في بلدة القليعة الحدودية بجنوب لبنان (أرشيفية - أ.ف.ب)

الدور الفرنسي

وينطلق الدور الفرنسي في المفاوضات من مجموعة معطيات، أبرزها أن باريس تشارك بقوة عسكرية في البعثة الأممية بنحو 700 جندي؛ ما يعني أن الحضور الميداني في الجنوب قائم وفاعل، وهي آخر قوة عسكرية فرنسية موجودة خارج فرنسا بعد الانسحاب العسكري الفرنسي من دول أفريقية العام الماضي. كما أن فرنسا تؤكد على الدوام «وقوفها إلى جانب لبنان والشعب اللبناني»، وأن هاجس تثبيت الاستقرار في لبنان من أولوياتها، وأولويات دول غربية أخرى تضطلع بأدوار تزايدت منذ انخراط «حزب الله» في حرب «مساندة» لقطاع غزة، وظهر هذا الأمر في زيارات متكررة نفذها موفدون أميركيون وفرنسيون وبريطانيون وألمان وغيرهم باتجاه لبنان للحيلولة دون توسع الحرب.

وتؤكد المصادر الدبلوماسية الغربية لـ«الشرق الأوسط» أن لبنان «موجود بالفعل على الأجندة الدولية»، مشيرة إلى أن «للبنان حصة كبيرة في التفاعل بين القوى العالمية».

رئيس حكومة تصريف الأعمال اللبنانية نجيب ميقاتي ووزير الخارجية الفرنسي ستيفان سيجورنيه خلال زيارته الأخيرة إلى بيروت (أ.ف.ب)

ارتياح رسمي لبناني

وعكست المواقف اللبنانية بعد تمديد ولاية «يونيفيل»، ارتياحاً. وأعرب رئيس الحكومة نجيب ميقاتي عن «امتنان لبنان العميق لأعضاء مجلس الأمن على جهودهم الدؤوبة في تجديد ولاية (يونيفيل)». ورأى أن التجديد لولاية «يونيفيل» «أمر ضروري للحفاظ على الاستقرار في جنوب لبنان، ونحن نقدر الدعم والتعاون المستمر من مجلس الأمن في هذا الصدد». وأكد التزام لبنان بالعمل بشكل وثيق مع «يونيفيل» لمواجهة التحديات والتهديدات التي تواجه الاستقرار في الجنوب. كما جدد التزام لبنان «بتطبيق القرارات الدولية ذات الصلة، وفي مقدمها القرار 1701».

وشكرت الخارجية اللبنانية الدول الأعضاء التي وافقت على التمديد؛ «إدراكاً منها لأهمية وجود قوات الأمم المتحدة المؤقتة في جنوب لبنان ودورها في الحفاظ على الاستقرار، لا سيما في ظل الظروف الحالية».


مقالات ذات صلة

«يونيفيل» تعلن سحب معظم عناصرها من جنوب لبنان منتصف 2027

المشرق العربي جندي إيطالي من قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة يقف حارساً على طريق يؤدي إلى قاعدة تابعة لقوة الأمم المتحدة المؤقتة بلبنان (أ.ب)

«يونيفيل» تعلن سحب معظم عناصرها من جنوب لبنان منتصف 2027

تعتزم قوة الأمم المتحدة المؤقتة العاملة في جنوب لبنان «يونيفيل» سحب معظم قواتها من لبنان بحلول منتصف عام 2027.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي عناصر في «يونيفيل» ببلدة الخيام جنوب لبنان (أ.ف.ب)

دول أوروبية تبلغ لبنان ببقائها جنوباً بعد مغادرة «يونيفيل»

تتمسّك الحكومة اللبنانية ببقاء العين الدولية على الجنوب، لملء الفراغ الناجم عن انتهاء انتداب قوات الطوارئ الدولية «يونيفيل» أواخر العام الحالي.

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي عناصر في «اليونيفيل» ببلدة الخيام في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

«اليونيفيل» تتعامل «دفاعياً» مع تهديد جوي إسرائيلي في جنوب لبنان

أعلنت قوات حفظ السلام الأممية العاملة في جنوب لبنان (يونيفيل)، أن جنودها تعاملوا مع مسيرتين إسرائيليتين كانتا تحلقان فوقهم بشكل عدائي.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي عناصر من «اليونيفيل» يتفقدون بيت ضيافة نسفته القوات الإسرائيلية خلال توغل إلى بلدة الخيام بجنوب لبنان السبت (أ.ف.ب)

هل رشّت إسرائيل «فوسفوراً أبيض» على قرى جنوب لبنان؟

تتقصى السلطات اللبنانية مواد كيميائية رشتها طائرات إسرائيلية في المنطقة الحدودية بالجنوب، استهدفت مواقع حرجية وزراعية بالمنطقة بهدف تحليلها.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يستقبل رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام في قصر الإليزيه الجمعة (أ.ف.ب)

سلام: لا تراجع عن «حصرية السلاح» ومتمسكون بالـ«ميكانيزم»

أكد رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام أن «لا تراجع بموقفنا حول حصرية السلاح»، مشيراً إلى أن الدولة «حقّقت سيطرة عملانيّة كاملة على جنوب الليطاني»

«الشرق الأوسط» (بيروت)

إسرائيل تُصفّي نشطاء بارزين في «حماس» و «الجهاد»

فلسطينيون يشيّعون قتلى سقطوا بضربات إسرائيلية في مدينة غزة الثلاثاء (رويترز)
فلسطينيون يشيّعون قتلى سقطوا بضربات إسرائيلية في مدينة غزة الثلاثاء (رويترز)
TT

إسرائيل تُصفّي نشطاء بارزين في «حماس» و «الجهاد»

فلسطينيون يشيّعون قتلى سقطوا بضربات إسرائيلية في مدينة غزة الثلاثاء (رويترز)
فلسطينيون يشيّعون قتلى سقطوا بضربات إسرائيلية في مدينة غزة الثلاثاء (رويترز)

تواصل إسرائيل حملتها لتصفية نشطاء بارزين في حركتي «حماس» و«الجهاد الإسلامي» في قطاع غزة، من خلال هجمات جوية تنفذها داخل مناطق غرب «الخط الأصفر»، مستغلة خروج عناصر مسلّحة من أنفاق رفح وتحييدهم، كحدث أمني تعدُّه خرقاً لاتفاق وقف النار، بهدف تنفيذ هجمات ضد أهداف كانت قد رصدتها سابقاً.

وقُتل فلسطينيان، أمس، في غارة إسرائيلية استهدفت دراجة هوائية كهربائية، وسط قطاع غزة، أحدهما هو عاصم أبو هولي، قائد وحدة النخبة في «سرايا القدس»، الجناح العسكري لـ«الجهاد الإسلامي».

وكانت إسرائيل شنت، الاثنين، غارة على شقة سكنية في حي النصر بمدينة غزة، مستهدفة 3 نشطاء بارزين في كتيبة بيت حانون، التابعة لـ«كتائب القسام»، الجناح العسكري لـ«حماس».

من جهة أخرى، جاءت ردود الفعل الأميركية على الإجراءات الإسرائيلية الرامية لضم الضفة الغربية «خجولة»، مع تأكيد مسؤول في البيت الأبيض، لم يعلن عن اسمه، معارضة الرئيس دونالد ترمب، لعملية الضم، من دون انتقاد مباشر للإجراءات أو تلويح بأي خطوة رادعة.


تقرير: مسودة خطة بشأن غزة تتضمن احتفاظ «حماس» ببعض الأسلحة الخفيفة

جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)
جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)
TT

تقرير: مسودة خطة بشأن غزة تتضمن احتفاظ «حماس» ببعض الأسلحة الخفيفة

جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)
جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)

نسبت صحيفة «نيويورك تايمز» إلى مصادر مطلعة، الثلاثاء، أن مسودة خطة أميركية بشأن غزة تطالب حركة «حماس» بتسليم جميع الأسلحة القادرة على ضرب إسرائيل، لكنها ستسمح للحركة بالاحتفاظ ببعض الأسلحة الخفيفة في البداية على الأقل.

وقالت الصحيفة إن من غير المرجح أن تسحب إسرائيل قواتها من القطاع قبل أن تُلقي «حماس» والفصائل الفلسطينية الأخرى أسلحتها.

وذكرت أن فريقاً بقيادة أميركية، يضم جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب، والمبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف، والمسؤول الأممي السابق نيكولاي ملادينوف، يعتزم عرض المسودة على «حماس» في غضون أسابيع.

وحذر المسؤولون الذين تحدثوا إلى الصحيفة الأميركية، ومن بينهم دبلوماسي من المنطقة، ومصادر مطلعة على الخطة، من أن التفاصيل قابلة للتغيير، وأن مسودات مختلفة قد تظهر لاحقاً.

وذكرت «نيويورك تايمز» أن المسودة تبدو مبنية على مبادئ نوقشت علناً من قبل؛ إذ قدم كوشنر الشهر الماضي عرضاً في دافوس بسويسرا تناول الخطوات التالية لنزع سلاح غزة، مشيراً إلى أن الأسلحة الثقيلة ستخرج من الخدمة، وستسجل الأسلحة الشخصية وتخرج من الخدمة مع تولي إدارة فلسطينية جديدة مسؤولية الأمن في القطاع.

وتشمل الخطوات التالية لخطة السلام نشر قوة استقرار دولية في غزة، وبدء إعادة إعمار واسعة النطاق، وتسليم إدارة القطاع إلى لجنة فلسطينية تكنوقراطية.


لتضميد جراح الحرب... فتيات يتدربن على الملاكمة في غزة (صور)

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)
مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)
TT

لتضميد جراح الحرب... فتيات يتدربن على الملاكمة في غزة (صور)

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)
مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

على حلبة ملاكمة مرتجلة أقيمت على الرمل بين خيام النازحين بجنوب قطاع غزة، تمارس فتيات تمارين الإحماء قبل توجيه لكمات قوية باتباع تعليمات مدربهن الذي يقول إن هذا يساعدهن على التفريغ النفسي بعد عامين من الحرب الشرسة.

قبل اندلاع الحرب في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، كان أسامة أيوب يدير نادياً للملاكمة في مدينة غزة، لكن القصف الإسرائيلي دمره كما دمر منزله أسوة بالدمار الذي لحق بكل قطاع غزة ومرافقه من جراء الحرب الانتقامية التي تشنها إسرائيل منذ هجوم «حماس».

مدرب الملاكمة أسامة أيوب يدرب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي (إ.ب.أ)

وبعد أن وجد نفسه وسط مآسي النازحين الذين تكدسوا في عشرات الآلاف من الخيام المهترئة في ظروف مزرية وسط رعب القصف والغارات التي لم يكونوا بمنأى منها، قرر أن يفعل شيئاً من أجلهم، ولم يجد أفضل من تسخير خبرته مدرباً رياضياً لمساعدتهم.

يقول أيوب: «بعدما فقدنا منزلنا وتهجَّرنا من غزة في الشمال إلى خان يونس في الجنوب، قررنا أن نعمل داخل المخيم. كبداية أردنا أن يكون ذلك نوعاً من التفريغ النفسي من جراء صدمات الحرب».

على الحلبة خلفه، يتواجه عدد من اللاعبات بحماسة وسط تشجيع زميلاتهن، في حين تتدرب أخريات على أكياس اللكم.

يقول أيوب إن الفتيات متأثرات كثيراً من جراء «القصف واستشهاد أفراد من عائلاتهن وأقربائهن وصديقاتهن. إنهن يشعرن بالألم ويحتجن إلى تفريغه، والملاكمة تساعدهن على التعبير عن مشاعرهن وانفعالاتهن».

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يدرب فتيات صغيرات في خان يونس بجنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

يوفر أيوب حصص تدريب مجانية لخمس وأربعين فتاة بين الثامنة والتاسعة عشرة من العمر، ثلاث مرات في الأسبوع.

وفي إشارة إلى نجاح المبادرة يقول إن هذه التدريبات وفرت «راحة كبيرة، حتى لدى أهالي الفتيات الذين يأتون لمشاهدتهن ويقومون بتشجيعهن».

ومن بين المتدربات، تأمل غزل رضوان البالغة من العمر 14 عاماً أن تصبح بطلة في الملاكمة يوماً ما. وتقول: «ألعب الملاكمة حتى أقوي شخصيتي وأفرغ الطاقة... أتدرب حتى أصبح في المستقبل بطلة وألعب مع فرق العالم الأخرى وأرفع علم فلسطين».

فتاة تتدرب على الملاكمة داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس في جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

نداء للمساعدة

يعاني قطاع غزة من النقص في كل شيء، من الماء والدواء والطعام وصولاً إلى مواد البناء، وهو ما اضطر المدرب أيوب إلى إقامة حلبة ملاكمة متواضعة بما توفر من مواد.

ويوضح أيوب: «أحضرنا الخشب وصنعنا حلبة ملاكمة مربعة، ولكن ليس لدينا حُصر ولا وسائل لتوفير السلامة».

في ظل الحصار الإسرائيلي الذي يسبب نقصاً حاداً في المواد الضرورية الأساسية، تأتي المعدات الرياضية في مرتبة متأخرة جداً ضمن قائمة المواد التي قد يُسمح بإدخالها إلى القطاع الفلسطيني المدمر.

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (في الوسط) يدرب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس (إ.ب.أ)

وفي يناير (كانون الثاني)، أفادت «وكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية» (وفا)، بأن إسرائيل لم تسمح بدخول شحنة من العشب الصناعي تبرعت بها الصين للمجلس الأعلى للشباب والرياضة في غزة.

ووجه المدرب نداء إلى «المجتمع الدولي للاهتمام بالملاكمات ودعمهن ونقلهن من غزة إلى معسكرات تدريب خارج البلاد لتعزيز ثقتهن بأنفسهن وتوفير المزيد من الراحة النفسية لهن».

وتفيد اللاعبة ريماس ابنة السادسة عشرة بأنها أصرت على مواصلة التدريب «رغم الحرب والقصف والدمار».

فتيات صغيرات يتدربن على الملاكمة داخل خيمة في المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

وتقول متوجهة إلى العالم: «نحن الفتيات الملاكمات، نأمل منكم مساعدتنا، وأن تحضروا لنا طاولات وقفازات وأحذية. نحن نتدرب على الرمل، ونحتاج إلى فرشات وإلى أكياس لكم».