4 شروط تركية للتطبيع مع سوريا أولها «لا انسحاب عسكرياً»

اتهام دمشق بعرقلة المفاوضات كلما نجحت وساطة

لقاء عائلي بين الأسد وإردوغان في دمشق عام 2009 (أرشيفية)
لقاء عائلي بين الأسد وإردوغان في دمشق عام 2009 (أرشيفية)
TT

4 شروط تركية للتطبيع مع سوريا أولها «لا انسحاب عسكرياً»

لقاء عائلي بين الأسد وإردوغان في دمشق عام 2009 (أرشيفية)
لقاء عائلي بين الأسد وإردوغان في دمشق عام 2009 (أرشيفية)

أكدت مصادر في وزارة الخارجية التركية، أن سحب تركيا قواتها من سوريا غير ممكن حالياً بسبب التهديدات «الإرهابية» للحدود الجنوبية لها.

وقالت المصادر، إنه يجب تطهير الأراضي السورية من العناصر الإرهابية وتهيئة الظروف اللازمة للعودة الطوعية والآمنة للاجئين، قبل الحديث عن انسحاب القوات التركية.

وبحسب وسائل الإعلام التركية، الأربعاء، حددت المصادر 4 شروط لعودة العلاقات التركية - السورية إلى مستويات ما قبل عام 2011، تتمثل في تطهير سوريا من العناصر الإرهابية؛ حفاظاً على سلامة أراضيها ووحدتها، وتحقيق مصالحة وطنية حقيقية وشاملة، وإنجاز العملية السياسية ودستور جديد في إطار قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254 على أساس المطالب والتوقعات المشروعة للشعب السوري، وتهيئة الظروف اللازمة لعودة آمنة وكريمة للاجئين، مع ضمان استمرار وصول المساعدات الإنسانية للمحتاجين دون انقطاع.

وتصاعد الحديث مرة أخرى، عن العودة إلى المحادثات الرامية لتطبيع العلاقات بين أنقرة ودمشق على مستويات مختلفة تبدأ من مخابرات البلدين لتهيئة الأرضية للقاء الرئيسين رجب طيب إردوغان وبشار الأسد، وقد سبق الحديث عن إمكانية تحققه خلال فترة قصيرة، بعد إعلان الأسد، أمام مجلس الشعب السوري، الأحد الماضي، أن دمشق لم تضع انسحاب القوات التركية شرطاً للمحادثات، وأن المفاوضات التي جرت من قبل لم تحقق نتائج، كذلك تأكيد الرئيس السوري الاستعداد للاستمرار في المفاوضات، شريطة الالتزام بالمتطلبات السورية، وفي مقدمتها الحفاظ على سيادة البلاد، ومكافحة الإرهاب، والنظر في عودة اللاجئين.

تركيا لا ترى إمكانية لسحب قواتها من شمال سوريا في الوقت الراهن (أرشيفية)

صيغتان للمفاوضات

وتحدث الكاتب في صحيفة «حرييت» المقرب من دوائر الحكم في تركيا، عبد القادر سيلفي، عن صيغتين يمكن العمل عليهما لإعادة العلاقات التركية - السورية إلى طبيعتها، الأولى عقد اجتماع لنواب وزراء الخارجية والدفاع، ثم الوزراء، وأخيراً عقد لقاء إردوغان والأسد، بحسب ما اقترحت بغداد من قبل.

وأضاف أن الصيغة الأخرى، تقوم على نظام «الهرم المقلوب»، أي أن عقد لقاء إردوغان والأسد أولاً، وبموجب تعليماتهما يتم إنشاء آليات بين البلدين، لافتاً إلى أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين هو الوحيد القادر على تطبيق هذه الصيغة.

ورأى سيلفي، أنه «سيكون من السذاجة توقع حل كل شيء من خلال اجتماع إردوغان والأسد، لكن سيتم تجاوز العتبة الحرجة وإنشاء آليات مشتركة، لافتاً إلى أن تطبيع سوريا مع تركيا ليس مثل التطبيع الذي حدث مع السعودية ومصر والإمارات؛ لأن هناك حقيقة في سوريا هي الحرب الأهلية».

وقال إنه لهذا السبب؛ لا بد من رسم «خط أحمر» بين إردوغان والأسد، كما كان الحال بين الرئيسين الأميركي والروسي خلال الحرب الباردة. وينبغي إنشاء آلية يستطيع الرئيسان من خلالها الحديث عبر الهاتف على مدار الساعة؛ لأن هذه هي الطريقة الوحيدة للتغلب على المشاكل.

لقاء عائلي بين الأسد وإردوغان في دمشق عام 2009 (أرشيفية)

لقاء إردوغان والأسد

وشدد الكاتب على أنه لا يمكن الحديث عن انتهاء فرص عقد اللقاء بين إردوغان والأسد؛ لأن هذا هو الشرق الأوسط، وكل يوم هناك متغيرات جديدة. مضيفاً أنه لو سأل أحد وقبل بضع سنوات: «هل يمكن أن يجتمع إردوغان والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي؟»، لكانت الإجابة «لا»، لكن أردوغان ذهب إلى القاهرة، وسيزور السيسي أنقرة يوم 4 سبتمبر (أيلول) المقبل.

وأشار إلى أنه كان من المتوقع عقد اللقاء بين إردوغان والأسد في أغسطس (آب) الحالي، وقيل إن اللقاء قد يُعقَد في بغداد أو في معبر كسب الحدودي بين تركيا وسوريا، لكن أغسطس ينتهي، ولا يوجد مثل هذا الاحتمال، هذا لا يعني أن ذلك لن يحدث في المستقبل.

وتابع أن إسرائيل على أبواب سوريا، وأن الحريق الذي يمتد إلى سوريا هو أكثر ما يقلق تركيا، وأن الظروف تجبر الزعيمين (إردوغان والأسد) على اللقاء؛ لأن خريطة الشرق الأوسط تجري إعادة تشكيلها، وأميركا لم تنشر ثلث قواتها المسلحة في المنطقة من أجل أمن إسرائيل فقط.

أرشيفية لأحد مخيمات اللاجئين السوريين في تركيا

وعدّ الكاتب التركي، أن الوقت قد حان لأولئك الذين يضغطون على إردوغان من أجل «الاجتماع مع الأسد»، حتى الآن، لكي يضغطوا على الأسد من أجل «الاجتماع مع إردوغان»؛ لأن إردوغان ذكّرهم بأنه والأسد وعائلتيهما التقوا كأسرة واحدة في الماضي، وأنه «بمجرد أن يتخذ الأسد خطوة نحو لتحسين العلاقات مع تركيا، سنظهر هذا النهج تجاهه».

التحليل المنشور في صحيفة «حرييت» التركية، لفت إلى أنه حتى الآن، لم يصافح الأسد يد إردوغان الممدودة إليه، ويبعث برسائل مختلطة؛ ولهذا السبب هناك حاجة إلى التساؤل: «هل الخطاب الذي ألقاه الأسد في البرلمان السوري صحيح؟».

الرئيس السوري بشار الأسد خلال خطاب أمام مجلس الشعب الأحد (سانا)

أضاف أن «دمشق وضعت دائماً الشرط المسبق وهو انسحاب الجنود الأتراك، بعد كل نجاح يتم إحرازه في المحادثات الرامية إلى تطبيع العلاقات؛ ولهذا السبب لم يتسن عقد لقاء بين نواب وزراء الخارجية والدفاع في بغداد، دون شروط مسبقة»، بحسب اقتراح تركيا والعراق وروسيا وإيران؛ بناءً على جهود رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، لكن حتى الآن لم يتم الإعلان عن إلغائه.

تابع سيلفي، استناداً إلى مصادر تركية مطلعة، إذا عُقد الاجتماع على مستوى نواب الوزراء في بغداد، فستبدأ الاجتماعات على مستوى وزراء الخارجية والدفاع، وهنا سيتم إعداد البنية التحتية لاجتماع إردوغان والأسد، وستعلن «وثيقة إطار التفاوض».

اقرأ أيضاً


مقالات ذات صلة

تركيا تسعى لتفعيل «مبادرة إسطنبول للتعاون» خلال قمة «ناتو» في أنقرة

شؤون إقليمية اجتماع مجلس حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأعضاء «مبادرة إسطنبول للتعاون» في الكويت عام 2019 بمناسبة مرور 15 عاماً على إطلاقها (الموقع الرسمي لناتو)

تركيا تسعى لتفعيل «مبادرة إسطنبول للتعاون» خلال قمة «ناتو» في أنقرة

تجري تركيا مشاورات مع حلفائها في «ناتو» لدعوة الدول الخليجية المشاركة بـ«(مبادرة إسطنبول للتعاون) بين (ناتو) ودول الشرق الأوسط الكبير» لحضور قمته المقبلة بأنقرة

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية الرئيس التركي رجب طيب إردوغان (الرئاسة التركية)

إردوغان: نتخذ خطوات للحد من تأثير التوتر الإقليمي على الاقتصاد

قال الرئيس ​التركي رجب طيب إردوغان، الاثنين، إن أنقرة تدرك الضغوط التي تفرضها الزيادات ‌المؤقتة ‌في ​الأسعار ‌والناجمة ⁠عن ​التوتر في ⁠المنطقة.

«الشرق الأوسط» (إسطنبول)
شؤون إقليمية آلاف الأكراد شاركوا في مسيرة بديار بكر جنوب شرقي تركيا ليل السبت إلى الأحد (رويترز)

تباين في المواقف التركية يعرقل حلّ «المشكلة الكردية»

تمر عملية السلام في تركيا بصعوبات لغياب الجدول الزمني بعد حل حزب «العمال الكردستاني» وتحديد وضع زعيمه عبد الله أوجلان.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية جنود إسرائيليون خلال عملية استطلاع في هضبة الجولان السورية المحتلة (رويترز)

تركيا تطالب إسرائيل بالتزام اتفاق فض الاشتباك مع سوريا

أكدت تركيا أن أحد أبرز العوامل التي تهدد الاستقرار في المنطقة هو النشاطات العسكرية الإسرائيلية داخل الأراضي السورية، داعية لالتزام اتفاق فض الاشتباك لعام 1974.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية الرئيس التركي رجب طيب إردوغان يتحدّث خلال إلقاء كلمة في القمة غير الرسمية لقادة منظمة الدول التركية في كازاخستان الجمعة (الرئاسة التركية)

إردوغان يعدّ قمة «الناتو» في أنقرة محطة فارقة في مستقبل الحلف

توقع الرئيس التركي رجب طيب إردوغان اتخاذ قرارات مهمة خلال قمة حلف شمال الأطلسي (ناتو) المقررة في أنقرة يوليو المقبل، تتعلق بمستقبل الحلف وبنية الأمن العالمي.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

إسرائيل تعلن نقل 430 ناشطاً من «أسطول الصمود» إلى سفنها

جنود إسرائيليون على متن سفينة تحمل رموز أسطول الصمود العالمي وخلفها سفينة شحن كما شوهدت من أشدود جنوب إسرائيل (رويترز)
جنود إسرائيليون على متن سفينة تحمل رموز أسطول الصمود العالمي وخلفها سفينة شحن كما شوهدت من أشدود جنوب إسرائيل (رويترز)
TT

إسرائيل تعلن نقل 430 ناشطاً من «أسطول الصمود» إلى سفنها

جنود إسرائيليون على متن سفينة تحمل رموز أسطول الصمود العالمي وخلفها سفينة شحن كما شوهدت من أشدود جنوب إسرائيل (رويترز)
جنود إسرائيليون على متن سفينة تحمل رموز أسطول الصمود العالمي وخلفها سفينة شحن كما شوهدت من أشدود جنوب إسرائيل (رويترز)

أعلنت السلطات الإسرائيلية ليل الثلاثاء- الأربعاء، أن 430 ناشطاً كانوا على متن أسطول مساعدات متجه إلى غزة، هم في طريقهم إلى إسرائيل، بعد أن تم اعتراض سفنهم في البحر في اليوم السابق قبالة سواحل قبرص.

وأفاد متحدث باسم الخارجية الإسرائيلية بأن «أسطول علاقات عامة آخر وصل إلى نهايته. تم نقل جميع الناشطين البالغ عددهم 430 إلى سفن إسرائيلية، وهم في طريقهم إلى إسرائيل؛ حيث سيتمكنون من مقابلة ممثليهم القنصليين».

جنود إسرائيليون على متن سفينة تحمل رموز أسطول الصمود العالمي وخلفها سفينة حربية إسرائيلية كما يظهر من مدينة أشدود (رويترز)

وكان «أسطول الصمود العالمي» قد أعلن صباح الاثنين أن القوات الإسرائيلية «تصعد» إلى متن قواربه التي يبلغ عددها نحو 50. وجاء في منشور لاحق له على منصة «إكس»: «الاحتلال الإسرائيلي اعترض مرة أخرى، بشكل غير قانوني وعنيف، أسطولنا الدولي من القوارب الإنسانية، واختطف متطوعينا»، مطالباً بـ«الإفراج السريع عن الناشطين، وإنهاء الحصار المفروض على غزة».

من جانبه، قال الرئيس الكوري الجنوبي ​لي جاي ميونغ اليوم الأربعاء إن إسرائيل ألقت القبض على مواطنين كوريين جنوبيين في ‌المياه الدولية، ‌ووصف ​هذا ‌التصرف ⁠بأنه «تجاوز صارخ ​للحدود».

وذكر في ⁠اجتماع لمجلس الوزراء أن إسرائيل احتجزت المواطنين لأسباب لا تستند إلى ⁠القانون الدولي، وتساءل ‌عما ‌إذا كان ​من ‌الممكن السماح بتمرير ‌مثل هذه التصرفات دون احتجاج.

وعبر عن اعتقاده بأن العديد ‌من الدول الأوروبية تعتزم اعتقال رئيس ⁠الوزراء ⁠الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بموجب مذكرة اعتقال أصدرتها المحكمة الجنائية الدولية، لكن على سول أن تتخذ قرارها الخاص في هذا ​الشأن.

تجمع احتجاجي أمام وزارة الخارجية في أثينا يوم 18 مايو 2026 تنديداً باعتراض البحرية الإسرائيلية لأسطول الصمود قبالة سواحل قبرص (رويترز)

ويُعد «أسطول الصمود العالمي» ثالث مبادرة خلال عام تهدف إلى كسر الحصار الإسرائيلي على قطاع غزة، الذي يعاني من نقص حاد في الغذاء والمياه والأدوية والوقود، منذ اندلاع الحرب بين إسرائيل وحركة «حماس» في أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

وأكد نتنياهو، الاثنين، اعتراض القوارب، معتبراً أنه «إحباط مخطط عدائي».

وقال نتنياهو لقائد البحرية الإسرائيلية، المشرف على عملية الاعتراض، وفق بيان صادر عن مكتبه أُرفق بمقتطف من المحادثة: «أعتقد أنكم تقومون بعمل استثنائي (...) واصلوا حتى النهاية».

اعترضت القوات الإسرائيلية أسطول مساعدات متجهاً إلى غزة يوم 18 مايو 2026 بعد إبحاره من تركيا الأسبوع الماضي (أ.ف.ب)

وكانت وزارة الخارجية الإسرائيلية قد هددت في وقت سابق، الاثنين، بأن الدولة العبرية «لن تسمح بأي خرق للحصار البحري القانوني المفروض على غزة».


ترمب يُمهل إيران يومين لتفادي الضربة

مروحية أميركية تحلق قرب سفينة تجارية في عرض البحر خلال عملية مراقبة قرب مضيق هرمز (سنتكوم)
مروحية أميركية تحلق قرب سفينة تجارية في عرض البحر خلال عملية مراقبة قرب مضيق هرمز (سنتكوم)
TT

ترمب يُمهل إيران يومين لتفادي الضربة

مروحية أميركية تحلق قرب سفينة تجارية في عرض البحر خلال عملية مراقبة قرب مضيق هرمز (سنتكوم)
مروحية أميركية تحلق قرب سفينة تجارية في عرض البحر خلال عملية مراقبة قرب مضيق هرمز (سنتكوم)

أمهل الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، إيران، «يومين أو ثلاثة أيام» لتفادي ضربة عسكرية جديدة، قائلاً إنه كان على بُعد ساعة واحدة من اتخاذ قرار بالمضي في الهجوم قبل أن يؤجله لإفساح المجال أمام مسار تفاوضي. وشدد ترمب على أن المهلة «محدودة» لأن واشنطن لا تستطيع السماح لطهران بامتلاك «سلاح نووي جديد»، مضيفاً أن قادة إيران «يتوسلون» للتوصل إلى اتفاق.

وتمسّكت طهران بمقترحها الأخير للتسوية. وقال نائب وزير الخارجية الإيراني للشؤون السياسية كاظم غريب آبادي، لنواب البرلمان، إن المقترح يتضمن إنهاء الأعمال القتالية على جميع الجبهات، ورفع العقوبات، والإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة، وإنهاء الحصار البحري الأميركي، إضافة إلى انسحاب القوات الأميركية من المناطق القريبة من إيران ودفع تعويضات عن أضرار الحرب.

كما حذر المتحدث باسم الجيش الإيراني محمد أكرمي نيا، من فتح «جبهات جديدة» إذا استؤنفت الهجمات.

وقال قائد القيادة المركزية الأميركية، الأدميرال براد كوبر، إن الحرب أضعفت بدرجة كبيرة الصواريخ الباليستية والمسيّرات الإيرانية، ودمّرت 90 في المائة من القاعدة الصناعية الدفاعية لإيران.

وبدأ حلف شمال الأطلسي «الناتو» مناقشة إطلاق مهمة بحرية محتملة إذا استمر إغلاق المضيق حتى يوليو (تموز) المقبل، حسبما نقلت وكالة «بلومبرغ».


مهلة ترمب لإيران... نافذة تفاوض أم مقدمة لاستئناف الحرب؟

ترمب يتحدث للصحافيين في البيت الأبيض (أ.ب)
ترمب يتحدث للصحافيين في البيت الأبيض (أ.ب)
TT

مهلة ترمب لإيران... نافذة تفاوض أم مقدمة لاستئناف الحرب؟

ترمب يتحدث للصحافيين في البيت الأبيض (أ.ب)
ترمب يتحدث للصحافيين في البيت الأبيض (أ.ب)

لم يكن إعلان الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، تعليق ضربة عسكرية جديدة ضد إيران مجرد قرار عابر في مسار الحرب المستمرة منذ أسابيع، بل بدا كاشفاً عن مأزق أوسع: هل يفتح إرجاء الهجوم نافذة حقيقية لاتفاق سياسي، أم إن القرار يندرج في نمط مألوف من التهديدات عالية السقف ثم التراجع في اللحظة الأخيرة؟

المفارقة أن ترمب قدّم التعليق بوصفه استجابة لوساطة خليجية ترى أن «مفاوضات جدية» جارية، وأن اتفاقاً «مقبولاً» يمكن أن يولد قريباً. لكنه، في الوقت نفسه، أبقى التهديد قائماً، موجهاً الجيش إلى الاستعداد لـ«هجوم واسع النطاق» إذا لم تصل المفاوضات إلى نتيجة.

هنا تكمن دلالة اللحظة: واشنطن لا تبدو في موقع الحسم العسكري الكامل، ولا في موقع التسوية السياسية الناضجة، بل في منطقة وسطى تتداخل فيها حسابات الردع، وأسعار النفط، وضغوط الحلفاء، ومحدودية قدرة القوة الجوية على فرض استسلام سياسي كامل.

تجنب دفع التكلفة

ورغم الضربات القاسية التي استهدفت قيادات إيران وبناها العسكرية والبحرية، فإنها ما زالت تحتفظ بأدوات ضغط مؤلمة، مثل الصواريخ، والمسيّرات، والقدرة على تعطيل مضيق هرمز، والتهديد بنقل التوتر إلى باب المندب... ولذلك؛ فإن طلب تأجيل الضربة لا يعني بالضرورة أن طهران قدمت تنازلات جوهرية، بل ربما تكسب الوقت للانخراط مجدداً في حرب إقليمية أكبر تكلفة.

فرزين نديمي؛ كبير الباحثين بالشأن الإيراني في «معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى»، يضع هذا العامل في صلب تفسير القرار. وقال في حديث مع «الشرق الأوسط» إن «أسباباً عسكرية وراء تأجيل الضربة» تتعلق بتهديدات إيران، واحتمال وقوع إصابات وأضرار في صفوف القوات الأميركية، إضافة إلى الردود الإيرانية الأخرى. وبرأيه، فإن ترمب «قد يفضل عدم تجديد العملية العسكرية إذا كان ممكناً تحقيق حد أدنى من الشروط مع تقليص الأخطار»، لكن «احتمالات العمل العسكري تبدو متساوية مع فرص الحل الدبلوماسي».

مروحية أميركية تحلق بجوار سفينة تجارية في عرض البحر خلال عملية مراقبة قرب مضيق هرمز (سنتكوم)

فجوة في الأولويات

تتحدث تسريبات عن تبادل مقترحات وردود مضادة عبر وسطاء، بينهم باكستانيون، وعن نقاشات تشمل الملف النووي، وفتح مضيق هرمز، ورفع بعض القيود أو العقوبات عن النفط الإيراني، وربما إرسال جزء من مخزون اليورانيوم المخصب إلى الخارج، لكن المشكلة ليست في وجود أفكار تفاوضية، بل في ترتيبها...

تريد إيران، وفق ما تسرّب، اتفاقاً يبدأ بوقف الحرب والحصار، ثم يترك الملف النووي؛ الأعلى حساسية، لمسار لاحق. أما واشنطن فتريد اتفاقاً متزامناً يثبت نتائج الحرب: قيود طويلة الأمد على التخصيب، وضمانات ضد امتلاك سلاح نووي، وربما التزامات تتعلق بالصواريخ، والوكلاء، وفتح «هرمز». هذه الفجوة تجعل الحديث عن «تقدم حقيقي» مشروطاً لا مؤكداً.

الأرجح أن ترمب، تحت ضغط أسعار الطاقة والانتخابات النصفية المقبلة، بدأ يضيّق نطاق مطالبه العملية؛ فبدلاً من الإصرار على التزامن بشأن تغيير سلوك إيران الإقليمي، وتفكيك قدراتها الصاروخية، وإنهاء شبكة الوكلاء، بات التركيز العلني أوضح على «الملف النووي» و«هرمز». ولا يعني هذا أن الشروط الأخرى اختفت، لكن الإدارة قد تكون مضطرة إلى التمييز بين ما تريد تحقيقه سياسياً وما تستطيع فرضه عسكرياً.

بين الردع وحدود القوة

تشكك وسائل الإعلام وصحف أميركية عدة في رواية البيت الأبيض، ليس بالضرورة لأنها تعارض ترمب سياسياً فقط؛ بل لأن مسار الأزمة نفسه يعطي أسباباً لهذا التشكيك. الرئيس حدد مواعيد، وأطلق تهديدات، وأعلن أن الحرب تقترب من نهايتها، ثم عاد إلى تمديد المهل. كما أن إيران، رغم الخسائر الكبيرة، لم تقبل حتى الآن شروطاً تعدّها استسلامية، ولم تتخلَّ عن أوراقها الأساسية في «هرمز» أو «الردع الصاروخي».

مايكل روبن، كبير الباحثين في «معهد أميركان إنتربرايز»، يذهب أبعد من ذلك في حديثه مع «الشرق الأوسط»؛ إذ يرى أن ترمب «يرتجل وهو يمضي»، «رغم امتلاكه فرقاً قادرة على التخطيط لاستراتيجيات معقدة». ويقول إن «ما يحرك الرئيس غالباً هو شعوره بأن إيران تهينه شخصياً؛ مما قد يدفعه إلى ضربات أعمق تركيزاً على الملف النووي، أو حتى إلى اغتيالات مستهدفة، لكنه لا يقود إلى استراتيجية متماسكة».

هذا التقييم قاسٍ، لكنه يلامس معضلة حقيقية في إدارة الأزمة: ترمب يريد أن يظهر بمظهر الرئيس الذي لا يتراجع، لكنه يريد أيضاً تجنب حرب مفتوحة لا تحظى بشعبية داخلية وتستنزف الذخائر وترفع أسعار الوقود... يريد إعلان النصر، لكنه لم يحصل بعد على وثيقة استسلام... يريد استخدام القوة لإنتاج اتفاق، لكنه يواجه خصماً اعتاد امتصاص الضغط وإعادة تعريف الخسارة بوصفها صموداً.

لذلك؛ لا يمكن اختزال المسألة في «انتصار الدبلوماسية» أو «ضعف ترمب». التعليق يعكس توازناً متبادلاً: واشنطن تخشى تكلفة التصعيد، وطهران تخشى ضربة أشد تدميراً.

إيرانيون أمام لوحة دعائية مناهضة للولايات المتحدة تُظهر رسماً لمضيق هرمز وشفتَي الرئيس الأميركي دونالد ترمب مَخيطتين (رويترز)

تنازلات متزامنة

رد ترمب العنيف على الإعلام يعكس حساسيته المعروفة تجاه أي تصوير له بوصفه متردداً أو عاجزاً عن فرض شروطه. لكن السؤال الأهم: «هل تشكيك الإعلام نابع من حقائق أم من حسابات سياسية؟ الجواب الأقرب أنه مزيج من الاثنين، مع أفضلية واضحة للوقائع في هذه الحالة»، وفق فرزين نديمي. ويضيف أن «الوقائع تقول إن الضربات الأميركية - الإسرائيلية أضعفت إيران عسكرياً، لكنها لم تحلّ المعضلة السياسية».

والوقائع تقول إن أسعار النفط، والقلق الاقتصادي الأميركي، أصبحا عاملين في حسابات البيت الأبيض. والوقائع تقول أيضاً إن إيران لم تقدم بعد تنازلاً يرقى إلى قبول كامل بالشروط الأميركية، وإن الوسطاء يتحدثون عن صيغ جزئية أكثر مما يتحدثون عن صفقة نهائية.

أما البعد السياسي، فيظهر في طريقة قراءة هذه الوقائع داخل واشنطن... خصوم ترمب يرون في كل تراجع دليلاً على الفوضى. أنصاره يرون في كل تعليق للضربة مناورة ذكية تمنح الخصم فرصة أخيرة. لكن بين القراءتين، تبدو الحقيقة أشد تعقيداً: ترمب يستخدم التهديد العسكري أداةً تفاوضية، لكنه لم ينجح بعد في تحويله اتفاقاً نهائياً.

كما أن إيران تستخدم قدرتها على تعطيل الطاقة والرد الإقليمي لتقليل أثر الضغط الأميركي، لكنها لا تستطيع أيضاً تجاهل تكلفة الحرب والحصار عليها.

لهذا؛ فإن تعليق الضربة لا يكشف بالضرورة عن قرب اتفاق يرضي الجميع؛ لأن اتفاقاً كهذا يفترض تنازلات متزامنة لم تظهر بعد. لكنه لا يعني أيضاً مجرد تراجع مجاني. إنه بالأحرى محاولة لإدارة مأزق: إبقاء العصا مرفوعة من دون استخدامها فوراً، ومنح الوسطاء فرصة قصيرة، وطمأنة الأسواق والحلفاء، مع الحفاظ على صورة الرئيس الذي يستطيع العودة إلى القصف «في أي لحظة».