من النكبة إلى غزة... سليمان منصور يؤرّخ لفلسطين بألوان الأرض والدم

الفنان التشكيلي لـ«الشرق الأوسط»: أحلم برَسم الوطن حراً وجميلاً من دون تجميل

الرسّام والفنان التشكيلي الفلسطيني سليمان منصور ولوحة بعنوان «القدس» (إنستغرام الفنان)
الرسّام والفنان التشكيلي الفلسطيني سليمان منصور ولوحة بعنوان «القدس» (إنستغرام الفنان)
TT

من النكبة إلى غزة... سليمان منصور يؤرّخ لفلسطين بألوان الأرض والدم

الرسّام والفنان التشكيلي الفلسطيني سليمان منصور ولوحة بعنوان «القدس» (إنستغرام الفنان)
الرسّام والفنان التشكيلي الفلسطيني سليمان منصور ولوحة بعنوان «القدس» (إنستغرام الفنان)

سليمان منصور أكبر من النكبة بعام. طفلاً، مرّغ يدَيه بتراب رام الله المخضّب دماءً وعرَقاً وزيتوناً. وهو ما كاد يبلغ العاشرة، حتى بدأ يسكب ألوان البلاد على الورق. ظنّه الأهل ولداً يلهو بالرسم كأترابه، إلى أن فاز في مسابقة نظّمتها الأمم المتحدة وهو بعدُ في الـ13 من عمره. كانت الجائزة حينها 200 دولار؛ لكن الفرحة فاقت المبلغ بأشواط.

كبُر الطفل وكبُر المشروع معه. حملت ريشة سليمان منصور على عاتقها توثيق تاريخ فلسطين بمُرّه الكثير وحُلوِه القليل. لكن رغم المآسي، لطالما أفردَ الرسّام والفنان التشكيلي لوحاته للجمال: «لأنّي أردتُ رسمَ فلسطين بأسلوب رومانسي، ومن دون شوائب»، وفق ما يخبر «الشرق الأوسط».

منصور مشاركاً في ورشة عمل للرسم في القدس مخصصة للأطفال الذين يعانون من السرطان (إنستغرام الفنان)

«جمل المحامل»... من الأقصى إلى غزة

يوم رسم «جمل المحامل» عام 1973، دخل منصور كل بيتٍ فلسطيني حول العالم. كرّسته تلك اللوحة التي تمثّل مُسناً يحمل القدس والمسجد الأقصى على ظهره، أحد أبرز سفراء الفن الفلسطيني.

منذ سنة بلغت لوحة «جمل المحامل» نصف قرن، ولم تنتهِ رحلة الشقاء. عن آخر فصولها يتحدّث منصور: «كل فلسطيني يعرف أن الحركة الصهيونية ستسعى إلى طرده من أرضه عندما تحين الفرصة؛ لكني لم أتصوّر أن تكون عملية الطرد بهذه الوحشيّة. ظننتُ أنّ عصر النكبة قد ولّى، وأنّ وسائل التواصل ستحمينا ولو قليلاً؛ لكني كنت على خطأ».

لوحة «جمل المحامل» بريشة الفنان الفلسطيني سليمان منصور (إنستغرام الفنان)

سحبت فاجعة غزة اللون من اللوحات، كما سحبت الحرب الروح من القطاع. «هنا في الضفّة، اختفت الألوان بقرارٍ ذاتي تضامناً مع غزة ومع فنّانيها الذين فقدوا مراسمهم وأدواتهم وألوانهم»، كما يقول منصور، ويضيف: «لم يبقَ سوى الفحم والحبر وأقلام الرصاص لتوثيق اليوميات المسيّجة بالدمار والشظايا والأشلاء».

«أمهات غزة» من أحدث لوحات سليمان منصور (مجموعة الفنان)

تحلّ مأساة غزة ضيفة دائمة على مرسم الفنان الفلسطيني وعلى أفكاره. غالباً ما يستقي من أرشيفه لينشر بعضاً من لوحاته القديمة، عبر صفحته على «إنستغرام»، وهي تأتي لتؤكّد أن تاريخ الظلم والإجرام الإسرائيلي يعيد نفسه في فلسطين.

لوحة لسليمان منصور تعود إلى الثمانينات تجسّد القذائف المنهمرة على أطفال فلسطين بدل الطعام (إنستغرام الفنان)

اللوحة الحلم

لا مفرّ من أن تترك حرب غزة بصماتها على الفن التشكيلي الفلسطيني. غير أنّ ذلك سيحصل تدريجياً وفق منصور، أي «بعد أن يستقرّ الحدث في وجدان الفنان، وربما بعد سنوات؛ خصوصاً أن غالبيّة الفنانين المعنيين بما يجري يراقبون عن بُعد، لا من قلب الفاجعة».

هو الذي رسم بلاده في كل حالاتها، من مواسم ليمونها وزيتونها، إلى حصارها وانتفاضتها، وليس انتهاءً بجُرح غزة المفتوح، يقرّ بأنه لم يُنجز بعد اللوحة الحلم: «أنا أحلم برسم فلسطين محرّرة وجميلة من دون عمليات تجميل».

لوحة بعنوان «صباح هادئ» رسمها سليمان منصور عام 2009 (إنستغرام الفنان)

لوحاتٌ من قهوة وسمّاق وحنّاء

لوحة سليمان منصور هي ابنة أرضها. تستعين بعناصرها الطبيعية وبرموزها كموادّ أولية ومصادر وحي، فتأتي النتيجة محاكاة للإرث الفلسطيني تاريخاً وجغرافيا.

مع بداية الانتفاضة الأولى عام 1987، وبوصفه موقفاً سياسياً يعبِّر عن الاكتفاء الذاتي، تزامناً مع مقاطعة البضائع الإسرائيلية، راح منصور يبحث عن مواد من الطبيعة لاستعمالها في الفن. يخبر كيف أنه صار يخلط الطين بمكوّنات يأتي بها من المطبخ، مثل السمّاق، والكمّون، والقهوة، والحنّاء. «كانت أعمالي في تلك الفترة تجريديّة، ولاحقاً ركّزت على الطين ودلالاته الإنسانية والسياسية ليعود فنّي إلى الواقعيّة».

تعدّدت الموادّ والتقنيات، وبقي الثابت في لوحة سليمان منصور الرموز الفلسطينية، كالزي التقليدي المطرّز، والكوفيّة، وطيور الحمام، وشجر الزيتون، وسنابل القمح، وقبّة الأقصى، والعائلة المقدّسة.

لوحة بعنوان «عائلة فلسطينية» تجسّد يسوع المسيح والقدّيسَين مريم ويوسف (إنستغرام الفنان)

«العائلة المقدّسة الفلسطينية»

في وجه محاولات شيطنة الفلسطيني وتشويه صورته من قِبَل آلة الإعلام الإسرائيلية، غالباً ما تقف الريشة سلاحاً. يشرح سليمان منصور كيف أنّ «تجسيد العائلة المقدّسة كعائلة فلسطينية، هو جزء من جهد إعادة الإنسانية إلى الفلسطينيين، وهو تذكير بأن المسيح كان فلسطينياً بثقافتَيه المادية والمعنويّة، بغضّ النظر عن هويّة إيمانه».

في طليعة أهداف الرسّام: «تقديم الإنسان الفلسطيني بأجمل صورة؛ خصوصاً من خلال المرأة التي هي رمز الوطن». عن تلك المرأة التي غالباً ما تعود في لوحاته، يقول إنها يجب أن تكون «جميلة وذات عنق ممشوق، رمزاً لشموخها. كما يجب أن تكون يداها قويّتَين رمزاً لارتباطها بالأرض والعمل، ثم يأتي الثوب التقليدي ليكمّل هويّتها الفلسطينية».

لوحة بعنوان «المهاجرة» تجسّد المرأة الفلسطينية المتمسّكة بجذورها حتى في غربتها (إنستغرام الفنان)

حكايات الصمود

من النكبة، مروراً بالانتفاضتَين الأولى والثانية، وليس انتهاءً بالعدوان على غزة، أرّخ سليمان منصور لحكايات الصمود كلّها على طريقته. لم يبخل عليه القدَر الفلسطيني بالقصص، فلم يشعر بالحاجة يوماً إلى سرد رواية أخرى من خلال لوحاته. عجنته البلاد، وهو لم يجد خبزاً يومياً يُشبعُه سواها.

عن تكريس رحلته الفنية بكاملها لفلسطين، يشرح منصور أنه عاش جزءاً كبيراً من التاريخ الفلسطيني المعاصر بشكلٍ شخصي، وقد أثّر فيه كثيراً؛ خصوصاً أنه اختبر العيش تحت وطأة الاحتلال. كلّما نظر حوله، كان يجد حكاية جديدة في انتظار ريشته. حتى عندما رسمَ مائدة خبز الطابون والطماطم والزيتون عام 1980، رأى فيها المتلقّي انعكاساً للواقع الاقتصادي والسياسي، ولقدرة الفلسطيني على الاكتفاء بخيرات أرضه.

«إفطار فلسطيني» لوحة لسليمان منصور رسمها بالأتربة الملوّنة والبيض (إنستغرام الفنان)

«طفل البطّيخة»

قبل 36 عاماً، خرج طفلٌ بملامح شخصٍ بالغ من رحمِ بطّيخة. رمزت تلك اللوحة إلى أطفال فلسطين الذين ينضجون قبل الأوان. لطالما كان فنّ منصور رؤيوياً، ولطالما وظّف الرموز في مواقعها المناسبة.

عاد البطّيخ ليُلهم الملايين حول العالم بالتزامن مع حرب غزة. يقول منصور إن «الفنان بحاجة دائمة إلى رموز وعناصر جمالية مشحونة بالمعاني والعواطف، من أجل إثراء لوحته». يردّ الجميل في ذلك إلى «الأجداد الذين زرعوا الأرض ورفعوا الأسوار، وإلى الجدّات اللواتي طرّزن الملابس وصنعن أطباق القشّ وأواني الفخّار».

لوحة لسليمان منصور تجسّد طفلاً بملامح رجل يخرج من البطّيخة (إنستغرام الفنان)

للأجداد الذين زرعوا أرض فلسطين، وللأحفاد الذين حصدوا الثمار، الحلوة منها والمُرّة، ما زال سليمان منصور يرسم منذ نصف قرن وأكثر. أما لونه المفضّل فلا اسم له في مدارس الرسّامين، هو «لون التراب المحمر بالدمّ... إنه لون فلسطين».


مقالات ذات صلة

بلا مأوى وطعام... الفلسطينيون يخشون تكرار نكبة 1948

المشرق العربي عبد الله أبو سمرة أمام خيمته في مدينة خان يونس (نيويورك تايمز)

بلا مأوى وطعام... الفلسطينيون يخشون تكرار نكبة 1948

لطالما روى عبد الله أبو سمرة قصته مع نكبة 1948 مراراً لعائلته، وفي كل مرة كان يركّز على تفاصيل مختلفة ليضمن أن تحفظها العائلة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
المشرق العربي فلسطينيون يتدافعون للحصول على طعام من تكيّة خيرية في جباليا بشمال قطاع غزة يوم الخميس (أ.ب)

الصين تدعو إلى اتخاذ خطوات عاجلة لتحقيق حل دائم للقضية الفلسطينية

دعا نائب الممثل الدائم للصين لدى الأمم المتحدة، قنج شوانج، إلى اتخاذ خطوات عاجلة لتحقيق حل شامل ودائم للقضية الفلسطينية.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
المشرق العربي فلسطينيون في شارع الرشيد ينتظرون العودة إلى مناطقهم التي نزحوا منها شمال قطاع غزة (إ.ب.أ)

لماذا يثير مقترح ترمب بنزوح الفلسطينيين من غزة قلق المنطقة؟

اقترح الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن يستقبل الأردن ومصر مزيداً من الفلسطينيين من غزة التي مزقتها حرب استمرت 15 شهراً، وهو ما أثار مخاوف بين سكان القطاع.

خاص رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إيهود أولمرت (يمين) مع رئيس الوزراء الحالي بنيامين في الكنيست 2009 (غيتي)

خاص فلسطين وإسرائيل... 3 انقلابات ونكبة في ربع قرن

«بيت القصيد» أن إسرائيل في العهد الطويل لبنيامين نتنياهو، لم تعد ناجحة وهي تواجه خطر الانزلاق إلى الهاوية؛ إذ بات يتمسك بالكرسي خوفاً من المغادرة إلى السجن.

نظير مجلي (تل أبيب)
خاص الحجيلان مترجماً خلال لقاء الملك عبد العزيز ووزير الخارجية الإسباني في أبريل 1952 p-circle 01:12

خاص «الشرق الأوسط» تنفرد بمذكرات الحجيلان: ترجمة لقاء للملك المؤسس أول درس تلقيته

لأكثر من عشر سنوات، ظلت الأوساط الثقافية والإعلامية السعودية والعربية تتداول قرب صدور مذكرات رجل الدولة السعودي الشيخ جميل الحجيلان. «الشرق الأوسط» تنفرد بها.

بندر بن عبد الرحمن بن معمر (الرياض)

جهود مصرية لإنقاذ «الحبارى الأفريقي» من الانقراض

طائر الحبارى الأفريقي (وزارة البيئة المصرية)
طائر الحبارى الأفريقي (وزارة البيئة المصرية)
TT

جهود مصرية لإنقاذ «الحبارى الأفريقي» من الانقراض

طائر الحبارى الأفريقي (وزارة البيئة المصرية)
طائر الحبارى الأفريقي (وزارة البيئة المصرية)

بعد إطلاقها نحو 2000 طائر حبارى أفريقي بمحمية «العميد» في مطروح (شمال غربي مصر) قبل 4 سنوات، تواصل مصر تكثيف جهودها لإنقاذ هذه الطيور من الانقراض الذي يسببه الصيد الجائر.

ويأتي مشروع إنقاذ «الحبارى الأفريقي» ضمن مشروعات الشراكة البيئية بين مصر و«الصندوق الدولي للحفاظ على طائر الحبارى» بدولة الإمارات العربية المتحدة؛ حيث عُقد اجتماع، الأحد، في القاهرة، ضم وزيرة التنمية المحلية والبيئة المصرية، الدكتورة منال عوض، ومجلس إدارة الصندوق، لبحث أوجه التعاون المصري الإماراتي في مجال حماية الحياة البرية.

وأكدت الدكتورة منال عوض حرص الوزارة على تعزيز التعاون في مجال حماية المحميات الطبيعية، والاستفادة من الخبرات العلمية المتخصصة في تطوير آليات الإدارة والحماية، بما يُسهم في الحفاظ على النظم البيئية وصون التنوع البيولوجي، مع مراعاة الخصائص الطبيعية لكل محمية واحتياجاتها البيئية للحفاظ عليها للأجيال القادمة.

وينتشر طائر «الحبارى الأفريقي» في دول شمال أفريقيا، ومنها مصر. وقد شهدت محمية «العميد» بمحافظة مطروح، في يونيو (حزيران) 2022، إطلاق 2000 طائر من هذا النوع وإعادة توطينها، في إطار بروتوكول التعاون بين جهاز شؤون البيئة في مصر و«الصندوق الدولي للحفاظ على الحبارى» بدولة الإمارات العربية المتحدة، الذي يستهدف تنفيذ الأبحاث والأنشطة المشتركة لاستعادة طيور الحبارى والمحافظة عليها، وتبادل الخبرات ورفع القدرات الوطنية في مجال حماية الحياة البرية والإدارة المستدامة للطيور والأنواع الرئيسية.

طائر الحبارى الأفريقي معرض للانقراض (وزارة البيئة المصرية)

ويرى أستاذ علوم البيئة بجامعة عين شمس، الدكتور عبد المسيح سمعان، أن جهود الحفاظ على طائر «الحبارى الأفريقي» تحمل أهمية مزدوجة. ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن «الأهمية الأولى المباشرة هي إنقاذه من الانقراض، والأهمية الأكبر تتعلق بالحفاظ على التوازن البيئي والتنوع البيولوجي، وهو تنوع الأنواع والتنوع داخل النوع نفسه»، موضحاً أن «انقراض كائن ما معناه انقراض كائنات أخرى داخل ما يُسمى بالسلسلة الغذائية، ويؤثر الانقراض على صحة النظام البيئي وعلى الإنسان نفسه».

وخلال الاجتماع، وجّهت وزيرة التنمية المحلية والبيئة المصرية بـ«تشكيل لجنة علمية متخصصة تضم خبراء من خارج الوزارة وممثلين عن قطاع المحميات الطبيعية، لإجراء دراسة متكاملة لمحمية (العميد)، تتناول خصائصها ومكوناتها وتكويناتها البيئية، وتقييم مقومات التنوع البيولوجي بها، وتحديد أفضل الآليات والإجراءات اللازمة لحماية مواردها الطبيعية وموائلها، بما يدعم استدامة نظمها البيئية».

جانب من عملية إطلاق طائر الحبارى في عام 2022 (وزارة البيئة المصرية)

ويؤكد سمعان أن «الجهود المصرية تهدف إلى استقرار النظام البيئي وتوازنه، بالحفاظ على الأنواع المهددة بالانقراض، فحتى أي كائنات لا تُمثل أهمية مباشرة للإنسان يجب الحفاظ عليها لضمان سلامة البيئة، وهو دور تقوم به المحميات الطبيعية المصرية؛ حيث تشكل هذه الكائنات شكلاً من أشكال التراث الطبيعي، ومنها الحبار الأفريقي».

وتقع محمية «العميد» على الساحل الشمالي الغربي بمحافظة مرسى مطروح، وتبلغ مساحتها 700 كيلومتر مربع، وأُعلنت محمية طبيعية عام 1986.

ووفق «الهيئة العامة للاستعلامات» المصرية، تشتمل البيئة الطبيعية للمحمية على أهم البيئات المتباينة الموجودة بالساحل الشمالي الغربي، ومنها الكثبان الرملية، والمستنقعات والمسطحات الملحية، والأراضي الضحلة المستوية، والسفوح الصخرية، والكثبان الرملية السيليكية الداخلية، والمسطحات الرملية، والوديان والمنخفضات ذات الأراضي الخصبة.

كما أن المنطقة مغطاة بتكوينات رسوبية من العصرين الميوسيني والهولوسيني، ومنها رواسب شاطئية وكثبان رملية ورواسب خلجانية وتكوينات طباشيرية.


«بيع الهواء»... ظاهرة تؤرق الإعلام المصري وتَصِم فضائياته

مدينة الإنتاج الإعلامي في مصر (صفحتها على فيسبوك)
مدينة الإنتاج الإعلامي في مصر (صفحتها على فيسبوك)
TT

«بيع الهواء»... ظاهرة تؤرق الإعلام المصري وتَصِم فضائياته

مدينة الإنتاج الإعلامي في مصر (صفحتها على فيسبوك)
مدينة الإنتاج الإعلامي في مصر (صفحتها على فيسبوك)

تصاعدت في الفترة الأخيرة ظاهرة «بيع الهواء» على فضائيات مصرية، أي تأجير ساعات بث لأشخاص أو شركات دون تدخل القنوات في المحتوى. ورصد المجلس الأعلى للإعلام تجاوزات عدّة، واستدعى، على فترات متباعدة، قنوات للتحقيق بشأنها. وعدّ خبراء ومتخصصون هذه الظاهرة مصدر قلق للإعلام المصري، إذ ترتبط باستغلال البث لأغراض تجارية أو للسعي إلى الشهرة والانتشار.

وقبل أيام، قرّرت لجنة الشكاوى بالمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام استدعاء الممثل القانوني لقناة «الحدث اليوم» لجلسة استماع، في ضوء ما رصدته الإدارة العامة للرصد بالمجلس من مخالفات للأكواد الإعلامية في محتوى حلقات برامج «نبض الوطن»، و«أمن وأمان»، و«خط أحمر»، و«المشوار مع روان».

وفي إطار مواجهة هذه الظاهرة، قررت اللجنة، في 5 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، استدعاء الممثل القانوني لقناة «هي» لجلسة استماع، بعدما رصدت إدارة الرصد مخالفات للأكواد الإعلامية في محتوى حلقات برامج «حكايات مروة عزام»، و«بشرة خير» و«هي مش صدفة»، شملت خلط المادة الإعلامية بالإعلانية، والترويج لمنتجات تخسيس مجهولة المصدر، فضلاً عن ادّعاء تفسير الأحلام والرؤى.

ويُعرّف المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام نفسه، على صفحته بـ«فيسبوك»، بأنه «السلطة المختصة في مصر بحماية الرأي والفكر». وينظّم عمله القانون رقم (180) لسنة 2018 واللوائح المنظمة لعمله ولجانه المختصة.

ويؤكد المجلس دائماً مواصلته، عبر إداراته المختصة، متابعة ما يُتداول في وسائل الإعلام والصفحات والحسابات على مواقع التواصل الاجتماعي، لرصد أي مخالفات لأحكام القانون أو الأكواد والمعايير المهنية والإعلامية، واتخاذ الإجراءات القانونية المقررة حيالها، ضماناً للالتزام بالقوانين والضوابط المنظمة.

المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في مصر تصدى لظاهرة بيع الهواء (فيسبوك)

من جانبه، يرى أستاذ الإعلام، الدكتور حسن علي، مؤسس جمعية حماية المشاهدين، أن «المشكلة تكمن في قانون ضمانات وحوافز الاستثمار، الذي أُنشئت بموجبه المنطقة الإعلامية الحرة في مدينة الإنتاج الإعلامي بمدينة السادس من أكتوبر، غرب القاهرة».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «هذا القانون يسمح لأي شخص لديه المال بإنشاء قناة وفقاً للشروط المحددة، من دون قواعد تُلزم القنوات بعدم بيع الهواء، ما يشير إلى عوار قانوني يحتاج إلى تعديل».

ولفت إلى أن «هذه الظاهرة قديمة، لكن عيوبها بدأت تطفو على السطح أخيراً، بعدما تسببت في تراجع مستوى المحتوى المقدَّم على الشاشة، وأتاحت لأشخاص مشبوهين وغير مؤهلين الظهور إعلامياً، من بينهم سارة خليفة، المحكوم عليها بالإعدام مؤخراً».

وأوضح أن «أدوات المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في الرصد أو استقبال البلاغات محدودة، ويمكنه بعد رصد المخالفات تفعيل سلطته التي قد تصل إلى إغلاق القناة. ولكي يتابع المجلس الالتزام بأكواده الإعلامية، يجب أن يكون لديه مرصد يضم كفاءات وخبرات في الرصد والمتابعة، بما يمكّنه من أداء دوره».

ويؤكد حسن علي أن «هذه الظاهرة تصم قنوات، وتسيء إلى المهنة، بل إلى الدولة أيضاً، من خلال طرح موضوعات غريبة بحثاً عن (فرقعات) إعلامية».

ومن القرارات التي اتخذها المجلس في هذا الصدد، خلال سبتمبر (أيلول) الماضي، وقف بث 3 برامج عبر قناتَي «الحدث اليوم» و«الشمس»، بعدما رصدت الإدارة العامة للرصد مخالفات للأكواد الإعلامية في محتواها، وخلطاً للمادة الإعلامية بالإعلانية. وشمل القرار برنامجَي «من الجاني؟» و«الكورة مع الناشئين» على قناة «الحدث اليوم»، وبرنامج «من القلب» على قناة «الشمس»، وفق بيان للمجلس. كما قرر استدعاء الممثل القانوني لمجموعة قنوات «بانوراما» لجلسة استماع، لمخالفة بعض القرارات والضوابط التنظيمية الصادرة عنه.

وترى الدكتورة سارة فوزي، المتخصصة في الإعلام الرقمي وعضو مجلس إدارة مركز بحوث ودراسات الرأي العام بكلية الإعلام في جامعة القاهرة، أن «استمرار بيع الهواء وتكرار الخروقات يستدعيان مواقف حازمة من المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، تشمل وقف برامج لفترات طويلة، وفرض غرامات بالملايين، بدلاً من الغرامات الحالية، مع ضرورة أن تتخذ نقابة الإعلاميين موقفاً جاداً بمساءلة المذيعين عن مخالفاتهم».

وتضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «برامج شراء الهواء تروّج، للأسف، لخرافات وتبتعد عن التفكير العلمي، فضلاً عن تقديم نصائح للأسرة المصرية تخالف القيم والتقاليد. وتندرج ضمن هذا الإطار أيضاً برامج طبية غريبة، وإعلانات لم تعد تقتصر على البرامج الطبية، بل تُبثّ خلال برامج الطبخ وغيرها من برامج شراء الهواء، ويُسمح فيها لأطباء بالإعلان عن عيادات وعقاقير».

ويدرس «الأعلى للإعلام» مشروع لائحة مقدَّماً من نقابة أطباء مصر لتنظيم ظهور الأطباء في وسائل الإعلام والمنصات الرقمية، يتضمن ضوابط تمنع استغلال الظهور الإعلامي للترويج لمصالح شخصية أو لجهات أخرى. كما يحظر المشروع تقديم معلومات طبية مضللة أو غير دقيقة، والترويج لعلاجات ونتائج غير مثبتة علمياً، وادّعاء قدرات علاجية غير مؤكدة، فضلاً عن الترويج لأدوية أو أنظمة غذائية أو علاجية غير معترف بها رسمياً.


«عودة كابتن كابونجا» يوثق أحلام وخيبات «أقوى رجل في العالم»

«كابونجا» يتوسط المخرج وفريق العمل في كواليس التصوير (الشركة المنتجة)
«كابونجا» يتوسط المخرج وفريق العمل في كواليس التصوير (الشركة المنتجة)
TT

«عودة كابتن كابونجا» يوثق أحلام وخيبات «أقوى رجل في العالم»

«كابونجا» يتوسط المخرج وفريق العمل في كواليس التصوير (الشركة المنتجة)
«كابونجا» يتوسط المخرج وفريق العمل في كواليس التصوير (الشركة المنتجة)

يوثِّق فيلم «عودة كابتن كابونجا» أحلام وخيبات المصارع المصري أشرف محروس، الملقب بـ«أقوى رجل في العالم»، بعدما استطاع تحطيم 3 أرقام بموسوعة «غينيس» للأرقام القياسية، من بينها: «سَحب قطار كامل يزن 279 رطلاً بأسنانه فقط،»، و«تحريك سفينة يصل وزنها إلى 700 طن» بساحل البحر الأحمر.

الفيلم الذي ينافس في مسابقة الأفلام الوثائقية الطويلة في الدورة التاسعة لمهرجان الجونة السينمائي، شهد حضوراً لافتاً من الفنانين وصناع الأفلام، خلال عرضه العالمي الأول، السبت، ومن بينهم: أمينة خليل، وشريف منير، وخالد الصاوي، وأشرف عبد الباقي، وحسن الرداد، وريهام حجاج، ونجلاء بدر، وركين سعد. كما استقبلت السجادة الحمراء طاقم الفيلم، وفي مقدمتهم كابتن كابونجا، والمخرج أمير الشناوي الذي قال خلال كلمته إن «الفيلم حاز 6 جوائز في الدورة الماضية من منصة (سيني جونة)، وهو ما ساعدنا على الوجود هنا»، معبراً عن تقديره لفريق العمل الذي شاركه على مدى 5 سنوات استغرقها الفيلم، ما بين تطوير وتصوير.

«كابونجا» يستعرض قوته مع ابنته في أحد مشاهد الفيلم (الشركة المنتجة)

وكتب المخرج كريم الشناوي عبر حسابه على «فيسبوك» معبراً عن سعادته وفخره باختيار فيلم شقيقه أمير الشناوي بمسابقة الجونة، كما عبر عن سعادته شخصياً لمشاركته بجزء صغير في إنتاجه، وبالجهد الذي بذله فريق العمل على مدى 5 سنوات، في ظل مجهود كبير قام به أمير والمنتج أحمد فتحي، ليكون الفيلم جاهزاً للعرض.

الفيلم من إنتاج أحمد عبد السلام، وقد حاز دعماً من صندوق البحر الأحمر، ومن الصندوق العربي للثقافة والفنون (آفاق)، إلى جانب منصة «سيني جونة».

ويتتبع الفيلم رحلة مصارع استثنائي ينتمي لبلدة صغيرة على أطراف محافظة الإسماعيلية (شرق القاهرة) يسعى إلى إحياء حلمه بنشر لعبة المصارعة، وإقامة حلبة جديدة لتكوين فريق من المصارعين الشباب وتدريبهم للوصول للعالمية، بعدما أجبرته جائحة «كورونا» على التوقف، وفي ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي دفعته لبيع الحلبة التي أقامها في أرض فضاء بقريته.

وعلى الرغم من نجاحاته التي حققها وشهادة موسوعة «غينيس» التي حازها، وتكريم وزير الشباب والرياضة المصري له، فإنه بلا وظيفة دائمة، رغم ارتباطه بزوجتين وعدد من الأطفال، لذا تقول والدته بأسى: «كنت أتمنى أن تكون له وظيفة ودخل من أجل أولاده».

طاقم الفيلم على السجادة الحمراء بمهرجان الجونة (إدارة المهرجان)

ويقترب الفيلم من ذلك الجانب الهش في حياة هذا الرجل العملاق، ضخم الجثة طيب القلب، وكيف أثَّرت عليه الصعوبات الاقتصادية المتزايدة. فقد سافر إلى دولة الإمارات في رحلة للبحث عن عمل يضمن له قدراً من الاستقرار لتحقيق حلمه، غير أنه يعود بخيبة أمل، ويكتشف أن شغفه الكبير لا يؤدي بالضرورة إلى مصدر دخل ثابت يعينه على إعالة أسرته، وأن دخوله موسوعة «غينيس» لا يؤدي إلا لنجاح عابر لا يعينه حتى على إعالة نفسه كرجل تناول 30 بيضة نيئة كمشروب في دقيقة، ضمن أحداث وثَّقها الفيلم في حياته.

ويتولى المنتج محمد حفظي توزيع الفيلم من خلال شركته، وهذه هي أول مرة يتصدى فيها حفظي لتوزيع فيلم وثائقي. ويقول في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «لقد تحمسنا لهذا الفيلم تحديداً، ولمخرجه أمير الشناوي، وبطله كابتن كابونجا، وهو شخصية مثيرة للاهتمام، وشعرنا بأن الفيلم سيكون به عنصر جذب جماهيري، وجاء العرض بالمهرجان فرصةً لاختبار ذلك، وقد تفاعل الجمهور بشكل رائع مع الفيلم، ونتطلع لعرضه تجارياً بدور العرض بمصر والدول العربية، بعد مشاركته بجولة في المهرجانات.

كابونجا ووالدته في لقطة من الفيلم وخلفهما شهادات «غينيس» على الحائط (الشركة المنتجة)

وعَدَّ الناقد الفني المصري سيد محمود فيلم «عودة كابتن كابونجا» محاولة لتوثيق حياة رياضي معروف بقوته الخارقة. ويقول في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إن «كابونجا صنع شهرته ونجوميته بنفسه. وقد قدَّم أمير الشناوي فيلمه ببساطة بعيداً عن الإثارة؛ بل نقل الصورة بواقعها المرير»، لافتاً إلى أن «الفيلم لم تكن به صورة سينمائية لافتة».

ويُعد فيلم «عودة كابتن كابونجا» رابع أفلام المخرج الشاب أمير الشناوي بعد فيلمَيه الوثائقيين الطويلين «الكيلو 64» و«سبع قمم»، وفيلم «إدريس» الوثائقي القصير، وقد حازت أفلامه جوائز عدة.

ويشير الناقد حسام الخولي إلى أن «أول شيء يتبادر إلى ذهن المشاهد بعد مشاهدة الفيلم هو سؤال: عن أي عودة يتحدث الفيلم؟»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «كابونجا يدور في حلقة مفرغة داخل حلم لم يتحقق، يُدرك خلاله أن عليه أن يسعد بما كان يملكه في البداية، وفق رؤية الفيلم».

وأشار الخولي إلى أنه «خلال هذه الرحلة لا يستقر المخرج تماماً على الصورة التي يريد خلقها للبطل لدى المتفرج، مما يخلق نوعاً من الارتباك بين التعاطف والسخرية تجاه أفعال البطل»، على حد تعبيره.