الحجيلان: ترجمة لقاء للملك عبد العزيز أول درس سياسي تلقيته

«الشرق الأوسط» تنفرد بنشر مذكرات رجل الدولة السعودي الذي عاصر جميع الملوك (1 - 4)

TT

الحجيلان: ترجمة لقاء للملك عبد العزيز أول درس سياسي تلقيته

الحجيلان مترجماً خلال لقاء الملك عبد العزيز ووزير الخارجية الإسباني في أبريل 1952
الحجيلان مترجماً خلال لقاء الملك عبد العزيز ووزير الخارجية الإسباني في أبريل 1952

لسنوات تزيد على العشر، ظلت الأوساط الثقافية والإعلامية السعودية والعربية تتداول قرب صدور مذكرات رجل الدولة السعودي الشيخ جميل الحجيلان.

لم يأتِ هذا الاهتمام من فراغ؛ فالرجل أحد أبرز وجوه الدبلوماسية السعودية، وهو خدم في ديوان وزارة الخارجية يوم كان مقرّها في جدة قبل أن تنتقل إلى العاصمة الرياض عام 1984، ثم في سفارتيها لدى إيران وباكستان. وعُيّن مديراً عاماً للإذاعة والصحافة والنشر، قبل أن يعود إلى الخارجية بصفته أول سفير للسعودية في الكويت، ثم أصبح أول من حمل لقب وزير الإعلام في السعودية. تولى بعدها وزارة الصحة، ثم السفير السعودي لدى ألمانيا وفرنسا، وبعد ذلك بات أول سعودي يتولى منصب الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي.

الحجيلان عاصر جميع ملوك السعودية منذ عهد الملك عبد العزيز وحتى اليوم، ترجم لهم وحمل رسائلهم وكلفوه المهمات، وحضر في معيتهم القمم والاجتماعات، فسمع ورأى وشهد وشاهد، ووثَّق في مذكراته - التي تنفرد «الشرق الأوسط» بنشر فصول منها وستتوفر في جناح «شركة رف للنشر» بمعرض الرياض الدولي للكتاب بعنوان «جميل الحجيلان: مسيرة في عهد سبعة ملوك» - حوادث ومواقف وتفاصيل تنشر للمرة الأولى موثّقة مراحل من تاريخ السعودية السياسي والإداري والاجتماعي، وراصدة تحولاتٍ مرّت بها المنطقة ودولها خلال قرن من الزمان. إنها تجربة جيل وتاريخ أجيال فرّغ فيها الشيخ جميل ما اختزنته ذاكرته من ذكريات ومواقف وما حوته مكتبته من ملفات.

تكمن أهمية هذه المذكرات في اختلافها عما سبقها من سير ومذكرات المسؤولين السعوديين تحديداً؛ كونها أتت موثّقة لكثير من المواقف والحوادث المحلية والإقليمية خلال مائة عام، ومفصّلة لخلفياتها وشارحة لأسبابها ونتائجها، مِن شاهد لم يعاصرها فحسب؛ بل شارك في أحداثها، فجاءت سيرة رجل وتاريخ دولة.

النشأة القومية ونادي «البعث»

يذكر الحجيلان أن ولادته كانت في دير الزور (يناير/ كانون الثاني 1927) لأسرة مغتربة (من عقيلات القصيم)، وظروف أسرته في ظل غياب والده المستمر بسبب كثرة ترحاله ثم زواجه الثاني واستقراره في القاهرة، وتولي والدته وجدته تربيته. يتحدث عن دراسته الأولى في سوريا والنشأة القومية تحت الاحتلال الفرنسي ومشاركته في الاحتجاجات التي تناهض الاستعمار، والتحاقه في المرحلة الإعدادية بـ«نادي الثقافة» ذي الاتجاه «البعثي».

وعن ذلك يقول: «لم يكن المنتسبون للنادي، بالضرورة، أعضاء في حزب البعث، فقد كنا في عمرٍ لا نعي معه من السياسة إلا شعاراتها القومية. كنا نردِّد هذه الشعارات بحماس مُلْتهب، مأخوذين بأحلام الوحدة العربية التي سكنت ضمائرنا، وجعلنا منها صوتاً من أصوات التحدي للوجود الفرنسي في سوريا. كانت نداءات البعث، كما فهمناها، نحن الطلبة، تعبيراً عن التصدي للاحتلال الفرنسي لسوريا، فلم نكن قادرين على فهم التنظير العقائدي للحزب».

خطاب لمؤسس «الإخوان» وغداء مع الشيوعيين

تتطرق المذكرات إلى انتقاله لمصر (1944) ودراسته والحياة فيها إبان الحكم الملكي، ومعايشته وجيله لنكبة 1948، مروراً بتأثره بالتيارات السياسية على اختلاف اتجاهاتها، من حضوره خطاباً لحسن البنا، مؤسس «الإخوان المسلمين»، في مقرّ الجماعة، ثم تناوله الغداء مع أعضاء في الحزب الشيوعي السوداني. يعرج كذلك على الهزات السياسية التي مرّت بها مصر في أربعينات القرن الماضي، وظهور مواهبه الكتابية والشعرية والخطابية، حتى حصوله على ليسانس الحقوق من جامعة فؤاد الأول (1950).

الحجيلان في المدرسة المتوسطة (إلى اليمين) ثم في الجامعة

«الخارجية» في جدة والجامعيون الخمسة

يصوّر الحجيلان في مذكراته وصوله إلى وطنه للمرة الأولى مطلع عام 1951 والتحاقه بالعمل ملحقاً دبلوماسياً في مقرّ وزارة الخارجية بجدة، وكيف اصطحبه وكيل وزارة الخارجیة السید طاهر رضوان، إلى قصر خزام في جدة صباح الثلاثاء 2 يناير 1951، للسلام على الأمير فيصل بن عبد العزيز، وزير الخارجية، ليوقّع الأمير فيصل في اليوم التالي، قراراً بتعيينه ملحقاً دبلوماسياً ثانياً في وزارة الخارجية، براتب قدره ثلاثمائة وخمسة وثمانون ريالاً.

لم يكن عدد موظفي الخارجية يتجاوز الثلاثين موظفاً، بينهم خمسة جامعيين فقط. ويصف الحجيلان مقر وزارة الخارجية الذي كان في بدايته مبنى متواضعاً مكوناً من دورين، أبعاده أربعون في ثلاثين متراً لا تحيط به حديقة أو أرض فراغ (يقصد بيت باطويل في حي العمارية بجدة)، وفي الدور الأرضي سبع غرف تشغلها إدارات المراسم، والشؤون القنصلية، والترجمة، والملفات، والمؤتمرات، والشؤون الإدارية، وناسخو الآلة. وفي الدور العلوي مكتب وكيل الوزارة، والمكتب الخاص والبرقيات وصالون لاستقبال السفراء. هذا ما كان عليه مقر الوزارة حتى عام 1954.

في جدة، بدأ الحجيلان ينشر مقالات في جريدة «البلاد» السعودية ويكتب قصصاً قصيرة للإذاعة. ويورد في المذكرات ذكر بعض زملائه في الدراسة والعمل آنذاك كأحمد زكي يماني، وعبد الرحمن البيز، ومقبل العيسى، وناصر المنقور، وعبد الرحمن أبا الخيل، وإبراهيم العنقري، ومحمد الفريح، وعبد الرحمن المنصور، ومصطفى طيبة، وهاشم الدباغ، وأحمد صلاح جمجوم، وعمر السقاف، ومأمون قباني وعبد الله الجلاجل، وغيرهم.

القوميون العرب في السعودية

في مذكراته، حاول الحجيلان شرح أسباب تأثر كثير من المسؤولين السعوديين في تلك المرحلة بالأفكار القومية، وأحال ذلك إلى دراستهم في جامعات تنمي الفكر العربي القومي ومعايشتهم استعمار أكثر البلاد العربية والواقع العربي المليء بالضياع والانكسارات. ووصف إلى أي مدى هدّت نكبة 1948 جيل طلائع الخريجين الأوائل، الذي كان مزهواً بتعليمه، وعددهم لا يتجاوز 15 جامعياً. يقول: «لقد هدّتنا الهزيمة العربية في فلسطين، وضعضعت كل ما استقر فينا من موروث الزهو بتاريخنا».

مثلت النكبة علامة فارقة في وعي الحجيلان وجيله (أ.ف.ب)

وكيف أنهم قرروا المبادرة بإنشاء ما أسموه «مدرسة الثقافة الشعبية» لتثقيف المجتمع من خلال محاضرات مفتوحة في التاريخ، واللغة الإنجليزية، والعملیات البنكية والأدب العربي، يتناوب على إلقائها أولئك الجامعيون، كل في اختصاصه، وكان لها فرعان، واحد في مكة والآخر في جدة.

قصة لقاء للملك عبد العزيز

بيد أن الموقف الأهم في هذه المرحلة من تاريخ الحجيلان، كما ذكر في مذكراته، هو قيامه بالترجمة بين الملك عبد العزيز ووزير خارجية إسبانيا روبرتو خوزيه أرتاخو في الرياض (أبريل/ نيسان 1952). فاللقاء، كما يتذكر الحجيلان، «كان أول درس في سياسة بلادي الداخلية والخارجية أتلقاه بانبهار، من رجل يتحدَّث التاريخ عنه بانبهار، من ملك قاد مسيرة التوحيد والبناء، وأرسى نهجاً سياسياً حكيماً لدولة ظلت في قلب الأحداث، ملتزمة بالثوابت التي أرساها الملك عبد العزيز».

ويروي وقائع ذلك اللقاء قائلاً: «قال عبد العزيز - والذاكرة ضنينة بكل ما اختزنته عن ذلك اللقاء - إننا أمة كرَّمها الله بالإسلام، أقمنا عليه وجودنا أساساً للحكم والحياة، نريد أن نكثر من الأصدقاء، ونتحاشى العداوة أو الخلاف مع الآخرين وليس لنا مطمع في أرض أو مال أو جاه. فبلادنا والحمد لله واسعة شاسعة والخير عندنا بفضل الله كثير. وفوق هذا وذاك، شرّفنا الله بخدمة الحرمين الشريفين، وهو شرف لا يضاهيه شرف آخر. وعلاقتنا بإخواننا العرب والمسلمين هي أن نناصرهم إن كانوا مظلومين ونعينهم بالرجوع إلى الحق إن كانوا مخطئين. نحترم حقوق الجوار، ونلتزم بالعهود والمواثيق، لا نتدخّل في شؤون الآخرين، كما لا نقبل أن يتدخّل أحد في شؤوننا».

الحجيلان مترجماً خلال لقاء الملك عبد العزيز ووزير الخارجية الإسباني في أبريل 1952

ويضيف: «مرّت لحظة صمت عابرة أعقبها الملك عبد العزيز بقوله: هناك مسألة تؤلمنا وتوجع قلوبنا، وهي أحوال إخواننا في المغرب العربي. إنهم يعيشون مقهورين في دينهم، وفي لغتهم، وحياتهم، ورزقهم، بفعل الاستعمار الفرنسي لبلادهم، إن هذا أمر لا يرضي الله. ولا يتحمله إنسان، ومن الخير لفرنسا أن ترفع يدها عن هذه البلاد العربية المسلمة، وتتركها وشأنها، وإلا فإن شعوبها ستنفجر وتثور على هذا الظلم، وأنتم لستم غريبين على هذه القضیة، ویجب أن نتعاون معكم في ذلك. وإذا صممت هذه الشعوب على الخلاص مما هي فيه من ظلم واستكبار، فلن يقف في وجهها شيء، والمثل عندنا يقول: العزم أبو اللزم أبو الظفرات، والترك أبو الفرك أبو الحسرات».

كان الملك عبد العزيز حريصاً على أن يحسن الحجيلان ترجمة هذا المثل، «وعندما لاحظ السرعة التي أتيت بها على ترجمته - وكنت معداً نفسي لذلك - سألني: هل ترجمته يا ولدي؟ فقلت: نعم، طال عمرك!». كان الملك «ظاهر التأثر» في حديثه عن هذه القضية، «وعلا صوته بعد أن كان هادئاً خفيضاً، وكان يعلم، وهو يحدّث وزير خارجية إسبانيا، أن بلاده أيضاً قد وضعت يدها، تطاولاً وعدواناً، على جزء من التراب المغربي. لم ينس الملك عبد العزيز، صاحب الرؤية العربية الإسلامية الشاملة، ما كان يعانيه إخوانه في المغرب العربي، ولم تشغله همومه العربية القريبة من دياره، عما يجري في ديار إخوانه الآخرين. وكان حديثه في ذلك جوهر اللقاء مع الوزير، مبتدأه ومنتهاه. لقد صحّت نبوءة الملك عبد العزيز وصدقت رؤيته لمستقبل الأحداث في المغرب العربي، عندما انتفضت شعوبه تزيل عن صدرها أثقال حكم الطغاة، في معارك التضحية والفداء».

عشاء في الظلام!

يتذكر الحجيلان أن الأمير سعود، ولي العهد آنذاك، استقبل الضيف الإسباني وأقام له حفل عشاء في قصر الحمراء في الرياض، الواقع في محيط الجوار من قصر المربع، حیث كان يقيم والده الملك عبد العزيز. وهناك رأى الحجيلان الأمير سعود بن عبد العزيز ولي العهد للمرة الأولى. رافق الأمير سعود ضيفه إلى قاعة الطعام لتناول العشاء، وأثناء العشاء هطل مطر قوي، انقطع معه التيار الكهربائي، وغرقت قاعة الطعام في الظلام، ليتصایح الخدم: الإتريك، الإتريك! (كشاف الضوء)، في حين مضى ولي العهد وضيفه في حديث ودي عن تاريخ العرب في الأندلس.

ودفعاً للحرج الذي قد يكون شعر به ولي العهد، قال الوزير الإسباني بصوت قوي يحاول اختراق الظلام: «إننا نفرح كثيراً بهطول المطر في جنوب إسبانيا، وتستقبله النسوة بالأهازيج. فالمطر مفجّر لخيرات الأرض، ومولّد لبهجة الحياة. وأنتم أيضاً يا مولاي، كما نسمع، تحبون المطر، وتفرحون لنزوله». أجابه ولي العهد: «نعم نفرح لنزوله. قدومكم إلينا يا معالي الوزير، قدوم خير علينا».

تحوّل قصر الحمراء في مطالع الستینات مقراً للأمانة العامة لمجلس الوزراء، وتحوَّلت قاعة الطعام، تلك، مكاناً لانعقاد جلسات مجلس الوزراء، ليعود الحجيلان لها، لكن هذه المرة عضواً في مجلس الوزراء للمشاركة في اجتماعاته في هذه الغرفة.

رسالة سوفياتية ودعوات شيوعية في طهران

انتقل الحجيلان للعمل في السفارة السعودية في طهران (يونيو/ حزيران 1953)، وكانت زيارة الملك سعود لإيران (يوليو/ تموز 1955) الحدث الأبرز خلال مدة عمله هناك، وتولى الترجمة بين الملك سعود والسفير السوفياتي في طهران الذي أبدى رغبته في لقاء الملك ونقل رسالة من القيادة السوفياتية. واسترعى انتباهه في طهران الدعوات التي كانت تصله من سفارات الدول الشيوعية: «لاحظنا، زوجتي وأنا خلال عملي في طهران من دون أن ندرك في حينه الهدف من وراء هذه الظاهرة أن معظم الدعوات التي كانت ترد إلينا ممن هم في مراتبنا هي من دبلوماسيي دول أوروبا الشرقية مثل يوغسلافيا، تشيكوسلوفاكيا، هنغاريا، بلغاريا، بولندا ورومانيا.

الحجيلان متحدثاً عن مذكراته لـ«الشرق الأوسط» (تصوير: محمد عثمان)

كانت هذه الدول التي انهارت أنظمتها الملكية باجتياح الاتحاد السوفياتي لها، في طريق زحفه لألمانيا المنكسرة، قد تحوَّلت جمهوريات ذات أنظمة شيوعية تدور في فلك موسكو. وفي أعوام الخمسينات من القرن الماضي تعزَّز الوجود الدبلوماسي الخارجي لهذه الدول وحرصت، بإيعاز من موسكو، أن تولي اهتماماً خاصاً لتعاملها مع العالم العربي.

كان يُعرض علينا بعد العشاء في سفارات هذه البلدان أفلام سينمائية قصيرة عن مكاسب شعوبها بانصهارها في نظام شيوعي «هدم الحواجز وأقرَّ مبادئ العدالة والمساواة بين المواطنين»، وأفلام وثائقية أخرى عن بطولات الشعب الروسي خلال حصار الألمان لمدينتي ستالينغراد، وموسكو وغيرهما. لم يكن هذا النشاط الدبلوماسي الممنهج مجهولاً لدى أوساط الأمن في إيران. كان حزب توده الشيوعي أقوى الأحزاب اليسارية الإيرانية الخفية والمعلنة منها، ويتلقى تعليماته من سفارة الاتحاد السوفياتي في طهران».

زيارة أيزنهاور لباكستان وسؤال الملك فيصل

انتقل الحجيلان للعمل في السفارة السعودية في كراتشي (أغسطس/ آب 1956) وأصبح القائم بالأعمال بعد مغادرة السفير عبد الرحمن البسام، وحدث أن زار الرئيس الأميركي الجنرال دوايت أيزنهاور باكستان في يناير 1958، والتقى الرئيس الباكستاني أيوب خان. كانت الزيارة حدثاً سياسياً كبيراً، فبادر الحجيلان بكتابة تقرير رسمي ورفعه مباشرة للأمير فيصل، وزير الخارجية آنذاك، فرد عليه بالشكر، وتمنى «لو تضمّن الخطاب معلومات عن المحادثات التي جرت بين الرئيسين».

ويذكر أنه حينما عُيّن الشيخ محمد الحمد الشبيلي سفيراً سعودياً لدى باكستان، كتب إلى الملك سعود وولي العهد الأمير فيصل «يوصيهما بموظف واعد كفؤ اسمه جميل الحجيلان»، ولا ينسى الحجيلان فضله عليه، كما يذكر الدور الحاسم لصديقه الشيخ عبد العزيز بن إبراهيم بن معمر، المستشار المقرّب من الملك سعود الذي رشحه على مسؤوليته لدى الملك، كما لعب دوراً حاسماً - وفقاً للحجيلان - في تعيينه وغيره من الوزراء والمسؤولين في التشكيل الحكومي (ديسمبر/ كانون الأول 1960) أو ما عرف وقتذاك بـ«وزارة الشباب» والتي شُكلت برئاسة الملك سعود، وكان أكثر أعضائها من جيل الشباب. جاء ذلك التغيير الوزاري إثر استقالة ولي العهد الأمير فيصل من رئاسة الحكومة.

أول سفير سعودي في الكويت

في سبتمبر (أيلول) 1962، كان من المقرر أن يكون جميل الحجيلان عضواً في الوفد السعودي الذي كان يرأسه إبراهيم السويل لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، إلا أن برقية عاجلة وردت من الديوان الملكي تستدعي الحجيلان بشكل عاجل إلى الطائف. وعند وصوله إلى قصر الحوية، بُلّغ بالأمر الملكي بتعيينه سفيراً لدى الكويت.

بدأت مسيرة الحجيلان الدبلوماسية في الكويت وامتدت علاقته بها حتى تقاعده (أ.ف.ب)

يقول الحجيلان عن ذلك: «على أني لم أتبين دواعي الاستعجال لرجوعي والعدول عن انتدابي إلى نيويورك، إلا بعد أن علمت من الأوساط العليمة في الديوان الملكي السعودي الوجه الخفي لموجبات هذا الاستدعاء العاجل، وهو أنه كان يمثل بريطانيا، دولة الحماية في الكويت، حاكم سياسي اسمه السير جون ريشموند، ورغبت بريطانيا في أن يكون مندوبها أول من يقدم أوراق اعتماده لأمير الكويت الشیخ عبد الله السالم الصباح؛ كي تكون لها عمادة السلك الدبلوماسي في الكويت، وهو الموجود فعلاً في الكويت والقائم بمهمة تمثيل بلاده؛ وذلك أخذاً بالعرف الذي يمنحه الأفضلية على غيره من السفراء. إلا أن الشيخ عبد الله السالم لم يستحسن هذه المبادرة من بريطانيا، ورأى فیها أمراً لا يليق بالكويت وهي تبدأ عهداً جديداً في تاريخها العربي، وكان للسعودية أيضاً في الكويت قبل استقلالها تمثيل تجاري (شبه قنصلي) يرعى مصالحها، ومصالح رعاياها تقوم عليه أسرة سعودية - كويتية هي أسرة آل النفيسي.

وتأسيساً على هذه الاعتبارات، جرى التفاهم بين الشيخ عبد الله السالم والملك سعود على أن تبادر السعودية لاختيار سفير لها على نحو عاجل، وتبعث به إلى الكويت كي يكون أول من يقدم أوراق اعتماده من السفراء، وتكون، بذلك، عمادة السلك الدبلوماسي في الكويت للسعودية».

مهمة سياسية - إعلامية في الكويت

في الكويت، عايش الحجيلان الأزمة العراقية - الكويتية، لكن التحدي الأكبر كان إيصال الصوت الإعلامي السعودي للرأي العام الكويتي، خصوصاً في ظل التحامل الإعلامي الناصري على السعودية، وهو ما ازداد مع الانقلاب على الحكم الإمامي في اليمن (سبتمبر 1962).

الستینات كانت عقد التوتر في العلاقات العربیة - العربیة (غيتي)

كان ولي العهد الأمير فيصل قد عاد نائباً لرئيس مجلس الوزراء ووزيراً للخارجية (مارس/ آذار 1962) ثم شُكّل مجلس الوزراء برئاسته (أكتوبر/ تشرين الأول 1962) مع احتفاظه بحقيبة الخارجية. لم تكن قد استُحدثت وزارة الإعلام وكان وزير الدولة الشيخ عبد الله بلخير يشرف على المديرية العامة للإذاعة والصحافة والنشر.

يتذكر الحجيلان أن «أعوام الستينات كانت أعوام التوتر في العلاقات العربية - العربية، كانت السعودية، في موقف المواجهة مع اليسار. وكان الإعلام، وليس المدفع والقذيفة، سلاح تلك المواجهة». في الكويت، كان الحجيلان يرصد ردود الفعل حول انقلاب اليمن ويرفع التقارير لوزير الخارجية، مبيناً أن إعلام الرئيس المصري جمال عبد الناصر «أعلى صوتاً وأبلغ أثراً وأكثر قدرة على الهيمنة على المشاعر، والعقول، وترسيخ ما يدعو إليه من فكر سياسي».


مقالات ذات صلة

رحلة ناظم الزهاوي من عالم الأعمال إلى مزالق السياسة

ثقافة وفنون «الفتى القادم من بغداد»... رحلة ناظم الزهاوي من عالم الأعمال إلى مزالق السياسة

رحلة ناظم الزهاوي من عالم الأعمال إلى مزالق السياسة

يروي ناظم الزهاوي مسيرة حياته منذ سنواته الأولى في العراق حتى مسيرته السياسية البريطانية حيث تولى عدة مناصب وزارية في حزب «المحافظين»

ميرزا الخويلدي (الدمام)
أوروبا مذكرات ملك إسبانيا السابق خوان كارلوس «رجل جريح» (رويترز)

ملك إسبانيا السابق خوان كارلوس يعترف في مذكراته بارتكاب «أخطاء»

يصف ملك إسبانيا السابق خوان كارلوس نفسه بأنه «رجل جريح». في مذكراته الصادرة الأربعاء في فرنسا، التي يعترف فيها العاهل السابق بأخطائه.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يسير إلى جانب زوجته ميلانيا في البيت الأبيض (أ.ب)

ميلانيا ترمب تُصدر كتاباً صوتياً لمذكراتها بواسطة الذكاء الاصطناعي

حصلت السيدة الأميركية الأولى، ميلانيا ترمب، على مساعدة من الذكاء الاصطناعي لإنتاج نسخة صوتية من مذكراتها.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق الكتابة شكَّلت عزاءه (سيرا أرسلانيان)

مذكرات الصحافي هاروتيون زينيان إلى الضوء لإنصاف الأرمن

تُعجَب سيرا أرسلانيان بمثابرة جدِّها وإصراره، تراه اختزالاً لروح أرمينيا المتفوّقة على موتها، فلمّا عَبَر درب الاضطهاد ورأى أصناف المحو، حفظت ذاكرته المشهد.

فاطمة عبد الله (بيروت)
مذاقات ديكورات جميلة ولكن مذاق الطعام عادي (إنستغرام)

المطاعم و«إنستغرام»... قصة حب غير مكتملة

في الماضي، كان الناس يخرجون لتناول الطعام في مطعمهم المفضل وتذوق طبقهم الألذ فيه، أما اليوم....

جوسلين إيليا (لندن)

فيصل بن فرحان ولافروف يناقشان جهود تعزيز أمن المنطقة

وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان ونظيره الروسي سيرغي لافروف (الشرق الأوسط)
وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان ونظيره الروسي سيرغي لافروف (الشرق الأوسط)
TT

فيصل بن فرحان ولافروف يناقشان جهود تعزيز أمن المنطقة

وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان ونظيره الروسي سيرغي لافروف (الشرق الأوسط)
وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان ونظيره الروسي سيرغي لافروف (الشرق الأوسط)

ناقش الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي مع نظيره الروسي سيرغي لافروف، الأربعاء، مستجدات الأوضاع في المنطقة، والجهود الرامية إلى تعزيز الأمن والاستقرار.

جاء ذلك خلال اتصالٍ هاتفي تلقاه الأمير فيصل بن فرحان من الوزير لافروف.


البديوي: استقرار الخليج ينعكس على العالم

جاسم البديوي خلال إحاطة أمام لجنة الشؤون الخارجية للبرلمان الأوروبي في بروكسل الأربعاء (مجلس التعاون الخليجي)
جاسم البديوي خلال إحاطة أمام لجنة الشؤون الخارجية للبرلمان الأوروبي في بروكسل الأربعاء (مجلس التعاون الخليجي)
TT

البديوي: استقرار الخليج ينعكس على العالم

جاسم البديوي خلال إحاطة أمام لجنة الشؤون الخارجية للبرلمان الأوروبي في بروكسل الأربعاء (مجلس التعاون الخليجي)
جاسم البديوي خلال إحاطة أمام لجنة الشؤون الخارجية للبرلمان الأوروبي في بروكسل الأربعاء (مجلس التعاون الخليجي)

قال جاسم البديوي، أمين عام مجلس التعاون الخليجي، إن التطورات الأمنية الأخيرة في المنطقة، وما رافقها من تهديد للممرات البحرية وسلاسل الإمداد وأمن الطاقة والغذاء، تؤكد أن استقرار الخليج ليس شأناً إقليمياً فحسب، بل عنصر أساس في الاستقرار العالمي.

وشدَّد البديوي، خلال جلسة عمل أمام لجنة الشؤون الخارجية بالبرلمان الأوروبي، في بروكسل، الأربعاء، على أن العلاقات الخليجية - الأوروبية، باتت أكثر أهمية من أي وقت مضى في ظل التحديات الإقليمية والدولية الراهنة، داعياً للارتقاء بها من مستوى التشاور إلى شراكة عملية ومؤسساتية أوسع.

وتطلع أمين عام المجلس إلى أن تسفر القمة الخليجية - الأوروبية المقبلة عن نتائج عملية، تشمل أيضاً إحراز تقدم في ملفات مثل الإعفاء من تأشيرة «شنغن» للمواطنين الخليجيين، وتوسيع التعاون الاقتصادي والتجاري والثقافي بين الجانبين.

البديوي أكد أن ما يجمع مجلس التعاون الخليجي والاتحاد الأوروبي يتجاوز إدارة الأزمات إلى بناء رؤية مشترك (المجلس)

وأكد البديوي أن مضيق هرمز يجب أن يبقى مفتوحاً وآمناً وفقاً للقانون الدولي، ولا سيما اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، مشيداً بموقف الاتحاد الأوروبي الذي أدان الهجمات الإيرانية على دول الخليج، وذلك خلال الاجتماعات العاجلة والاتصالات السياسية بهدف احتواء التصعيد.

وبيّن الأمين العام أن ما يجمع مجلس التعاون والاتحاد الأوروبي يتجاوز إدارة الأزمات إلى بناء رؤية مشتركة قوامها احترام القانون الدولي، وسيادة الدولة، والعدالة، والاستقرار، مضيفاً إلى أن العلاقات الممتدة بين الجانبين منذ نحو أربعة عقود بلغت مرحلة ناضجة تستدعي الانتقال لمستوى جديد من الشراكة الاستراتيجية.

ودعا البديوي لتوسيع مجالات التعاون لتشمل التحول الرقمي، والذكاء الاصطناعي، وحماية البنى التحتية الحيوية، وربط شبكات الطاقة والنقل والبيانات، وتعزيز التعاون في البحث العلمي والابتكار، باعتبار أنها تمثل مصالح متبادلة يمكن ترجمتها إلى نتائج ملموسة تخدم التنمية والازدهار.

البديوي أكد أن ما يجمع مجلس التعاون الخليجي والاتحاد الأوروبي يتجاوز إدارة الأزمات إلى بناء رؤية مشترك (المجلس)

ونوَّه الأمين العام بأهمية التعاون البرلماني، وأشار إلى مقترح لإنشاء آلية تعاون بين المجلس التشريعي الخليجي والبرلمان الأوروبي، بما يرسخ الحوار المؤسسي، ويعزز التنسيق في القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك.

من جهة أخرى، بحث البديوي مع ماغنوس برونر، المفوض الأوروبي للشؤون الداخلية والهجرة، تعزيز العلاقات بين الجانبين، وأكدا متابعة ما ورد في بيان القمة الخليجية - الأوروبية الأولى، وخاصة ترحيبها بنتائج المنتدى الوزاري رفيع المستوى حول الأمن والتعاون الإقليمي، كما رحّبا بعقد اجتماعات سنوية لمواصلة التنسيق المشترك، وناقشا آخر مستجدات المنطقة.

وجدَّد برونر تأكيده على موقف الاتحاد الأوروبي الداعم لدول الخليج ضد الاعتداءات الإيرانية على أراضيها، مشيداً بالتسهيلات والخدمات التي قدمتها لعمليات إجلاء الرعايا الأوروبيين خلال هذه الأزمة.

جاسم البديوي خلال لقائه سفراء دول الخليج المعتمدين لدى بلجيكا والاتحاد الأوروبي (مجلس التعاون الخليجي)

إلى ذلك، التقى البديوي، الثلاثاء، سفراء دول الخليج المعتمدين لدى بلجيكا والاتحاد الأوروبي، واستعرض معهم آخر مستجدات المنطقة، وخاصةً ما يتعلق بالأزمة الحالية وجهود دولهم في التنسيق والتعاون بمختلف الجوانب، للتغلب على المخاطر التي واجهتها في ظل الاعتداءات الإيرانية، مؤكداً أن دول الخليج حققت نموذجاً قيماً في عملية التنسيق بينها، مما أسهم في تقليل هذه المخاطر، وعدم تأثرها بشكل كبير.


نقاشات سعودية - باكستانية تبحث التطورات والعلاقات

الأمير سعود بن مشعل نائب أمير منطقة مكة المكرمة لدى استقبال رئيس وزراء باكستان محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس)
الأمير سعود بن مشعل نائب أمير منطقة مكة المكرمة لدى استقبال رئيس وزراء باكستان محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس)
TT

نقاشات سعودية - باكستانية تبحث التطورات والعلاقات

الأمير سعود بن مشعل نائب أمير منطقة مكة المكرمة لدى استقبال رئيس وزراء باكستان محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس)
الأمير سعود بن مشعل نائب أمير منطقة مكة المكرمة لدى استقبال رئيس وزراء باكستان محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس)

وصل رئيس وزراء باكستان محمد شهباز شريف، والوفد المرافق له إلى جدة، الأربعاء، وكان في استقباله بمطار الملك عبد العزيز الدولي، الأمير سعود بن مشعل بن عبد العزيز، نائب أمير منطقة مكة المكرمة.

وبدأ رئيس الوزراء الباكستاني زيارة رسمية للسعودية؛ لنقاش التطورات وتطوير العلاقات، على رأس وفد يضم نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية إسحاق دار، ووزير الإعلام عطا الله طرار، والمساعد الخاص لرئيس الوزراء طارق فاطمي، إلى جانب مسؤولين كبار آخرين. في بداية سلسلة من الزيارات تتبعها إلى تركيا وقطر.

وأكدت وزارة الخارجية الباكستانية في بيان صباح الأربعاء، أن رئيس الوزراء، رفقة وفد رفيع المستوى، يجري زيارات رسمية للسعودية وقطر وتركيا في الفترة من 15 إلى 18 أبريل (نيسان).

جهود الوساطة

يأتي ذلك في وقت كثّفت فيه باكستان جهودها للتوسط بين الولايات المتحدة وإيران لإنهاء الحرب التي اجتاحت الشرق الأوسط، مما أدى إلى وقف مؤقت هش لإطلاق النار وجولة أولى من المحادثات في إسلام آباد.

الأمير سعود بن مشعل نائب أمير منطقة مكة المكرمة لدى استقبال رئيس وزراء باكستان محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس)

وقال الدكتور أحمد القريشي، المحلل السياسي الباكستاني إن الزيارة ترمي إلى إحاطة القيادة السعودية بشأن تقييم إسلام آباد لطبيعة التعاطي الإيراني خلال المفاوضات، إضافةً إلى تأكيد ضرورة وضع القضايا الحيوية لدول مجلس التعاون الخليجي على طاولة التفاوض مع طهران.

وتربط السعودية وباكستان علاقات راسخة توَّجها الجانبان باتفاقية استراتيجية وسَّعت الشراكة الدفاعية وتضمنت عدّ أي هجوم خارجي مسلح على أحد البلدين بأنه اعتداء على البلد الآخر.

وفي الشهر الماضي، أشاد رئيس الوزراء شهباز بالسعودية لما أبدته من «ضبط نفس ملحوظ» خلال الأعمال العدائية الجارية، وشدد على ضرورة خفض التصعيد بشكل عاجل.

وفي التاسع من مارس (آذار)، عقد ولي العهد السعودي ورئيس الوزراء الباكستاني «اجتماعاً مغلقاً» وفقاً لبيان صادر عن المتحدث باسم رئيس الوزراء الباكستاني، وخلال الاجتماع، أعرب شريف عن «تضامن باكستان الكامل ودعمها للسعودية في هذه الظروف الصعبة»، واتفق الجانبان على العمل من أجل السلام والاستقرار الإقليميين.

علاقات متعددة الأوجه

جمعت باكستان والسعودية علاقات متعددة الأوجه، متجذرة في التعاون العسكري الاستراتيجي، والمصالح الاقتصادية، وشملت المساعدات الاقتصادية وإمدادات الطاقة.

وفي وقت سابق من الأربعاء، أعلنت وزارة المالية السعودية تعهدها بتقديم ودائع إضافية بقيمة 3 مليارات دولار لباكستان، ومددت تسهيلاتها الحالية البالغة 5 مليارات دولار لمدة ثلاث سنوات أخرى.

وأوضحت الوزارة كذلك أن الوديعة السعودية الحالية البالغة 5 مليارات دولار لن تخضع بعد الآن لاتفاقية التجديد السنوية السابقة، وسيتم تمديدها لفترة أطول.

في 11 أبريل (نيسان)، أكدت وزارة الدفاع السعودية أن باكستان أرسلت قوة عسكرية وطائرات مقاتلة إلى السعودية لتعزيز الأمن بموجب اتفاقية تعاون دفاعي مشترك بين البلدين.