لبنان: تقديرات أممية بتكاليف تصل لـ100 مليون دولار شهرياً في حالة حرب شاملة

هل يمكن أن يتكرر صراع 2006 أم يكون أكثر دماراً؟

تصاعد الدخان من الخيام وسط اشتباكات عبر الحدود بين «حزب الله» والقوات الإسرائيلية (رويترز)
تصاعد الدخان من الخيام وسط اشتباكات عبر الحدود بين «حزب الله» والقوات الإسرائيلية (رويترز)
TT

لبنان: تقديرات أممية بتكاليف تصل لـ100 مليون دولار شهرياً في حالة حرب شاملة

تصاعد الدخان من الخيام وسط اشتباكات عبر الحدود بين «حزب الله» والقوات الإسرائيلية (رويترز)
تصاعد الدخان من الخيام وسط اشتباكات عبر الحدود بين «حزب الله» والقوات الإسرائيلية (رويترز)

أثار تبادل إطلاق النار العنيف بين «حزب الله» والجيش الإسرائيلي مخاوف من اندلاع حرب إقليمية خارج الحدود المتوترة، خاصة أن المخاطر التي يواجهها لبنان أصبحت أكبر بكثير مما كانت عليه في عام 2006، عندما انتهت حرب استمرت شهراً مع إسرائيل بالتعادل.

عانى لبنان لسنوات من أزمات سياسية واقتصادية تركته غارقاً في الديون، دون إمدادات كهرباء مستقرة، ونظام مصرفي سليم، وانتشار الفقر على نطاق واسع، وفقاً لوكالة «أسوشييتد برس».

ومع تزايد قوة «حزب الله» العسكرية بشكل كبير، هناك مخاوف من أن تكون الحرب الجديدة أكثر تدميراً وأطول أمداً.

ويبقى السؤال هل يستطيع لبنان تحمل أي من ذلك؟

بدأ الاستعداد لتكرار حرب 2006 - أو ما هو أسوأ منذ أن بدأ «حزب الله» وإسرائيل في تبادل إطلاق الصواريخ والطائرات من دون طيار بعد يوم واحد من اندلاع الحرب بين إسرائيل و«حماس» في غزة في 7 أكتوبر (تشرين الأول)، لكن الصراع بقي محصوراً في الغالب على المدن الحدودية.

ولكن مع التهديد بحرب أوسع نطاقاً، سارع لبنان إلى تجهيز المستشفيات بالإمدادات وإعداد المدارس العامة لفتح أبوابها للأشخاص الباحثين عن مأوى.

وقالت ليلى الأمين، التي ترأس مكتب منظمة الإغاثة الدولية «ميرسي كوربس» في بيروت، إن الغارة الجوية الإسرائيلية في جنوب بيروت الشهر الماضي والتي قتلت أحد كبار قادة «حزب الله»، أشعلت موجة من الاجتماعات بين المنظمات الإنسانية والحكومة اللبنانية.

والمنظمة هي واحدة من نحو 60 منظمة تساعد الحكومة في جهود الإغاثة. وقد أعدت الحكومة ووكالات الأمم المتحدة خطة استجابة شاملة هذا الشهر تحدد سيناريوهين محتملين: تصعيد محدود يشبه حرب 2006، مع نزوح ما يقدر بنحو 250 ألف شخص، وسيناريو أسوأ «صراع غير منضبط» من شأنه أن يشرّد مليون شخص على الأقل.

وتتوقع الخطة التي أعدتها الأمم المتحدة، والتي حصلت وكالة «أسوشييتد برس» على نسخة منها، تكلفة شهرية قدرها 50 مليون دولار في حالة التصعيد المحدود و100 مليون دولار في حالة اندلاع حرب شاملة. وقالت الحكومة اللبنانية إن تمويل الطوارئ سيأتي من الدائنين ومنظمات المساعدات الإنسانية.

لكن السلطات تكافح من أجل إيجاد الأموال اللازمة لرعاية 100 ألف نازح حالياً ونحو 60 ألف شخص يعيشون في مناطق الصراع، وهو ما يكلف نحو 24 مليون دولار شهرياً.

وقال وزير البيئة ناصر ياسين، الذي يتولى قيادة عمليات الإغاثة، للصحافيين بعد اجتماع طارئ للحكومة يوم الأحد إن الهجمات الصباحية لن تغير الخطة.

وقال ياسين: «إنها تقدم بالفعل سيناريوهات لجميع الاحتمالات التي يمكن أن تحدث، من بينها توسع الأعمال العدائية».

فلبنان المثقل بالديون والمحروم من السيولة النقدية في حاجة ماسة إلى أموال المساعدات. وقد أدت عقود من الفساد والشلل السياسي إلى توقف عمل المصارف اللبنانية بالكاد، في حين أصبحت خدمات الكهرباء بالكامل تقريباً في أيدي أصحاب مولدات الديزل وموردي الوقود.

وتعتمد مؤسسات الخدمة العامة على مجموعات المساعدة والجهات المانحة الدولية للعمل على المستوى الأساسي. ويتلقى اللبنانيون الذين عاشوا ذات يوم في راحة نسبية الطعام والمساعدات المالية للبقاء على قيد الحياة.

وفي عام 2020 ألحقت جائحة «كوفيد - 19» المزيد من الضرر بالاقتصاد، ودمّر انفجار مرفأ بيروت عدة أحياء في قلب العاصمة.

كما قاومت المصارف اللبنانية والنخبة الحاكمة الإصلاحات المؤلمة بوصفها شرطاً للحصول على خطة إنقاذ من صندوق النقد الدولي، في حين استمرت البنية التحتية في التدهور وتدهورت الظروف المعيشية. كما تضررت السياحة، التي اعتمد عليها المسؤولون للمساعدة في إعادة بناء الاقتصاد، منذ الصراع الحدودي مع إسرائيل.

وعلى عكس عام 2006 يستضيف لبنان أكثر من مليون لاجئ سوري فروا من الصراع في بلادهم. وقال وزير الصحة فراس أبيض لوكالة «أسوشييتد برس» في وقت سابق من هذا الشهر إن النظام الصحي اللبناني غير مجهز لعلاج السكان الإضافيين في حالة اندلاع حرب شاملة، مع استمرار انخفاض التمويل الدولي للاجئين السوريين.

وفي أبريل (نيسان)، قال ياسين إن البلاد لديها نصف الأموال اللازمة فقط للاستجابة للصراع والاحتياجات الإنسانية التي تلته.

ويواجه لبنان صعوبات لوجيستية أكثر في عام 2006، حين قصفت إسرائيل مدارج المطار الوحيد في لبنان، مما أدى إلى خروجه عن الخدمة إلى حد كبير، وفرض حصاراً جوياً وبحرياً. وأدى قصفها إلى شلل البنية التحتية الحيوية وتسوية الأحياء بالأرض، مع أضرار وخسائر بقيمة 3.1 مليار دولار، وفقاً للبنك الدولي. لكن مجموعات الإغاثة تمكنت في النهاية من إرسال الإمدادات عبر موانئ البلاد وفي بعض الأحيان عبر المطار باستخدام مساحة المدرج المحدودة المتبقية.

وفي تقييمها للحرب، قالت الأمم المتحدة إن جهود الإغاثة لم تكن استجابة لأزمة إنسانية. وفي تقرير أصدره مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية بعد شهر من الحرب، قال المكتب: «لم يمت الناس بسبب سوء الصرف الصحي أو الجوع أو المرض. بل ماتوا بسبب القنابل والقذائف».

وتمكن كثير من اللبنانيين من الفرار إلى سوريا المجاورة، حيث أدت ثورة عام 2011 إلى دفع البلاد إلى حرب أهلية. ومن غير الواضح مدى سهولة عبور الحدود هذه المرة، سواء بالنسبة للمدنيين أو لمجموعات الإغاثة. ومن غير الواضح أيضاً ما إذا كان مرفأ بيروت، الذي لم يتم إعادة بنائه بالكامل بعد الانفجار المدمر في عام 2020، سيتمتع بطاقة كافية في حالة اندلاع حرب أوسع نطاقاً. وانهارت صوامع الحبوب المتضررة في عام 2022، وتعتمد البلاد على الحد الأدنى من تخزين المواد الغذائية بسبب الأزمة المالية.

وقالت الأمين: «يبدو أن لبنان لديه مخزونات من المواد الغذائية والوقود لمدة شهرين إلى ثلاثة أشهر، ولكن ماذا يحدث بعد هذه المدة. لدينا مطار واحد فقط ولا يمكننا نقل الأشياء عبر حدودنا البرية. سيكون من الصعب إدخال المواد إلى البلاد».

في عام 2006، ورد أن «حزب الله» لديه نحو 15 ألف صاروخ في ترسانته: «لكن التقديرات غير الرسمية الأحدث تشير إلى أن هذا العدد قد زاد بنحو 10 مرات»، كما تقول دينا عرقجي، المحللة المساعدة في شركة استشارات المخاطر «كونترول ريسكس» ومقرها المملكة المتحدة.

وأضافت أن المجموعة «استحوذت أيضاً على أسلحة أكثر تطوراً، بما في ذلك صواريخ دقيقة وأنواع إيرانية من الأسلحة، بالإضافة إلى أسلحة صينية وروسية».

كما قام «حزب الله»، الذي يعتمد على شبكة من الجماعات المتحالفة مع إيران والتي يمكن أن تدخل الصراع، بتوسيع ترسانته وقدراته من الطائرات من دون طيار بشكل كبير، والتي أصبحت الدفاعات الجوية الإسرائيلية أقل فاعلية ضدها.

ويأمل المسؤولون اللبنانيون والدبلوماسيون الدوليون أن يؤدي اتفاق وقف إطلاق النار المراوغ في غزة إلى الهدوء في جنوب لبنان.

وقال «حزب الله» إنه سيوقف هجماته على طول الحدود إذا كان هناك وقف لإطلاق النار في غزة.


مقالات ذات صلة

القبض على علي كيالي المتهم الرئيسي بارتكاب مجزرة بانياس عام 2013‏

العالم العربي عناصر من الجيش السوري منتشرة في دمشق (أ.ف.ب)

القبض على علي كيالي المتهم الرئيسي بارتكاب مجزرة بانياس عام 2013‏

ألقى جهاز الاستخبارات العامة القبض على المدعو علي كيالي، المعروف باسم ‌‏«معراج أورال»، والمتهم الرئيسي بارتكاب مجزرة بانياس عام 2013‏.

«الشرق الأوسط» (دمشق - لندن)
أوروبا سيارة تحترق بعد غارة روسية على منطقة في إقليم خاركيف وسط تصاعد حرب أوكرانيا (أ.ب)

خطة أميركية أوروبية من 4 نقاط لإنهاء حرب أوكرانيا

تحركت الولايات المتحدة وأوروبا تدريجياً نحو بلورة مقترح سلام من شأنه أن يوفر مزايا مالية وأمنية لكل من أوكرانيا وروسيا، تمهيداً إنهاء الحرب.

«الشرق الأوسط» (كييف)
الاقتصاد غورغييفا خلال جلسة إحاطة المديرين العامين حول أجندة السياسة العالمية خلال الاجتماعات السنوية لصندوق النقد ومجموعة البنك الدوليين في بانكوك (أ.ف.ب) p-circle 00:18

صندوق النقد الدولي: تداعيات الاعتداءات على السعودية قد تطال العالم

حذّرت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي من أن الاعتداءات الأخيرة على السعودية قد تخلّف تداعيات سلبية تمتد إلى مختلف أنحاء العالم.

«الشرق الأوسط» (بانكوك)
شؤون إقليمية إيرانيون على دراجات نارية يمرون أمام صواريخ وصور للمرشد الإيراني مجتبى خامنئي وقادة عسكريين وعلماء نوويين قُتلوا في ضربات أميركية وإسرائيلية بطهران (أ.ب) p-circle

تقرير: إيران تحصّن منشآتها النووية وتهيِّئ شعبها للعودة إلى القتال

كشف تقرير نشرته صحيفة «وول ستريت جورنال» عن أن إيران تعمل في الوقت الحالي على تكثيف استعداداتها لاحتمال استئناف المواجهة العسكرية مع الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (طهران)
يوميات الشرق الاستخدام الخبيث للذكاء الاصطناعي والنزاعات النووية يشكلان أكبر تهديدين للبشرية (رويترز)

تقرير: الذكاء الاصطناعي والحرب النووية يهددان بفناء البشرية بحلول 2100

حذر تقرير جديد من أن الاستخدام الخبيث للذكاء الاصطناعي والنزاعات النووية يشكلان أكبر تهديدين قد يؤديان لانقراض البشرية بحلول عام 2100.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

مجموعة الـ7 تتعهد بـ2.5 مليار دولار لدعم الأمن الغذائي في الدول الأكثر هشاشة

مكان انعقاد الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك (الصندوق)
مكان انعقاد الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك (الصندوق)
TT

مجموعة الـ7 تتعهد بـ2.5 مليار دولار لدعم الأمن الغذائي في الدول الأكثر هشاشة

مكان انعقاد الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك (الصندوق)
مكان انعقاد الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك (الصندوق)

تعهدت دول مجموعة السبع بتخصيص 2.5 مليار دولار لدعم الأمن الغذائي في الدول الأكثر عرضة للمخاطر، في ظل ارتفاع أسعار الطاقة عالمياً وتداعياته على إمدادات الأسمدة وتكاليف الغذاء، وفق ما أعلنه وزير الاقتصاد الفرنسي، رولان ليسكور، الخميس.

وقال ليسكور، على هامش الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في بانكوك، إن البنك الدولي حدد 44 دولة قد تواجه مشكلات في الأمن الغذائي نتيجة الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة العالمية.

وأوضح الوزير الفرنسي أن التعهد يستهدف مساعدة الدول الأكثر فقراً، مع تركيز خاص على الأسمدة، التي تُعد عنصراً أساسياً في الإنتاج الزراعي، في وقت تؤدي فيه اضطرابات الإمدادات وارتفاع تكاليف الطاقة إلى زيادة الضغوط على أسعار الغذاء.

وفي سياق آخر، قال ليسكور إن دول المجموعة جمعت 260 مليون يورو (291 مليون دولار) للمساهمة في إصلاح القبة الواقية في موقع كارثة تشيرنوبل النووية، التي تضررت جراء هجمات روسية في فبراير (شباط) 2025.

وكانت فرنسا، التي تتولى الرئاسة الحالية لمجموعة السبع، قد قدرت في مارس (آذار) الماضي تكلفة الإصلاحات بنحو 500 مليون يورو، ودعت الدول الأعضاء إلى المساهمة في تمويلها. وأعلنت الولايات المتحدة في أبريل (نيسان) تقديم 100 مليون دولار لهذا الغرض.

وأضاف ليسكور أن هناك حاجة إلى تأمين بضعة ملايين إضافية من اليورو، مشيراً إلى تنظيم مؤتمر للتعهدات المالية في باريس خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل لجمع مزيد من التمويل. كما أكد استمرار رغبة دول المجموعة في دعم أوكرانيا.


وكالة الطاقة الدولية تسرّع الإفراج عن 100 مليون برميل من الاحتياطيات النفطية

شعار وكالة الطاقة الدولية في باريس (رويترز)
شعار وكالة الطاقة الدولية في باريس (رويترز)
TT

وكالة الطاقة الدولية تسرّع الإفراج عن 100 مليون برميل من الاحتياطيات النفطية

شعار وكالة الطاقة الدولية في باريس (رويترز)
شعار وكالة الطاقة الدولية في باريس (رويترز)

أعلن مجلس إدارة وكالة الطاقة الدولية عزمه تسريع الإفراج عن الكميات المتبقية من الاحتياطيات النفطية، والبالغة نحو 100 مليون برميل، في إطار التحرك الجماعي الذي أُقر في مارس (آذار) الماضي استجابةً لأزمة مضيق هرمز، وذلك في ظل استمرار شح أسواق النفط، خصوصاً الديزل.

وقال المجلس، في بيان صدر الخميس، إن الدول الأعضاء أفرجت حتى الآن عن نحو 330 مليون برميل، فيما اتفقت على اتخاذ الخطوات اللازمة لاستكمال الكميات المتبقية في الوقت المناسب، مع مراعاة الظروف الوطنية لكل دولة.

وأوضح أن خططاً محددة وُضعت لتسريع الإفراج عن الكميات المتبقية، تشمل إتاحة أكثر من 20 مليون برميل من الديزل في أقرب وقت ممكن، في وقت تواصل فيه الوكالة مراقبة تطورات الأسواق وتقييم احتياجاتها.

وأشار المجلس إلى أن بعض الدول الأعضاء أفرجت عن كميات تفوق ما تعهّدت به في مارس، فيما تعتزم دول أخرى زيادة الكميات المطروحة، بما يرفع إجمالي الاحتياطيات المقرر الإفراج عنها إلى أكثر من 400 مليون برميل، وهو الحجم الأصلي للعمل الجماعي.

ودعا المجلس الدول الأعضاء التي تمتلك قدرات لإنتاج النفط وتكريره إلى زيادة إمدادات الخام والمنتجات المكررة، مع التركيز على الديزل، مؤكداً أهمية ضمان حرية تدفق تجارة الطاقة.

وجاء البيان عقب اجتماع مجلس الإدارة، الذي أكد التزام الوكالة بأمن الطاقة العالمي، مشيراً إلى أحدث تقييمات أمانتها العامة التي تظهر استمرار الضغوط على أسواق النفط، ولا سيما سوق الديزل.

وأضاف أن الوكالة ستواصل متابعة تنفيذ خطة مارس، بما يتماشى مع بيان قادة مجموعة السبع، وستطلع قادة المجموعة ومجلس إدارتها على التقدم المحرز، وأي إجراءات إضافية قد تستدعيها تطورات السوق، استناداً إلى تقييم محدث يُركز على سوق الديزل.


أسهم الذكاء الاصطناعي تقود خسائر «وول ستريت» وسط تقلبات عالمية حادة

أشخاص يمرّون أمام بورصة نيويورك (أ.ب)
أشخاص يمرّون أمام بورصة نيويورك (أ.ب)
TT

أسهم الذكاء الاصطناعي تقود خسائر «وول ستريت» وسط تقلبات عالمية حادة

أشخاص يمرّون أمام بورصة نيويورك (أ.ب)
أشخاص يمرّون أمام بورصة نيويورك (أ.ب)

شهدت «وول ستريت»، يوم الخميس، موجةً جديدةً من عمليات بيع أسهم شركات الذكاء الاصطناعي، في أعقاب تقلبات واسعة النطاق في الأسواق العالمية أثارت مخاوف بشأن استدامة «حمى» الذكاء الاصطناعي.

وانخفض مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.5 في المائة، مُسجِّلاً تراجعاً للمرة السادسة خلال الأيام الـ7 التي أعقبت وصوله إلى مستوى قياسي. وأدى ضعف أسهم الذكاء الاصطناعي إلى هبوط مؤشر «ناسداك» المركب بنسبة 1.2 في المائة، ليسجِّل أكبر خسارة بين المؤشرات الرئيسية، في حين أظهرت قطاعات أخرى من سوق الأسهم مزيداً من الصمود. وفي الساعة 9:35 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، ارتفع مؤشر «داو جونز» الصناعي بمقدار 251 نقطة، أو بنسبة 0.5 في المائة، كما سجَّلت غالبية الأسهم الأميركية مكاسب.

وتزامنت هذه التقلبات مع صدور تقرير أظهر تسارع التضخم في الولايات المتحدة بوتيرة تجاوزت توقعات الاقتصاديِّين. ويُعزى استمرار ارتفاع الأسعار جزئياً إلى مواصلة المستهلكين الإنفاق رغم زيادة التكاليف، إذ أظهر تقرير منفصل، صدر يوم الخميس، أن إيرادات تجار التجزئة الأميركيِّين خلال الشهر الماضي تجاوزت توقعات المحللين.

وبالنسبة إلى أسهم الذكاء الاصطناعي، بدأت موجة الهبوط الحادة في «وول ستريت» يوم الأربعاء، قبل أن تمتد تداعياتها إلى الأسواق الآسيوية، حيث تراجع مؤشر «كوسبي» في كوريا الجنوبية بنسبة 7.6 في المائة، ومؤشر «نيكي 225» في اليابان بنسبة 4.9 في المائة، لتعود هذه التقلبات وتلقي بظلالها على الأسواق الأميركية.

وتشكِّل هذه التطورات أحدث حلقة في سلسلة من التقلبات الحادة التي تشهدها أسهم شركات الذكاء الاصطناعي، والتي قادت أداء الأسواق لسنوات. وتضخ الشركات استثمارات ضخمة في هذا المجال، أملاً في زيادة أرباحها وتعزيز الإنتاجية. غير أن إنشاء مراكز البيانات وتوفير رقائق الذكاء الاصطناعي يتطلبان تكاليف باهظة، ما دفع كثيراً من الشركات إلى اللجوء إلى الاقتراض لتمويل هذه الاستثمارات.

ومع وصول عوائد السندات في الأسواق العالمية إلى مستويات مرتفعة لم تشهدها منذ سنوات، تزداد المخاوف بشأن قدرة الشركات على مواصلة هذا الإنفاق المتسارع. فقد راكمت شركات كثيرة مرتبطة بالذكاء الاصطناعي ديوناً كبيرة في إطار سعيها إلى تحقيق طموحاتها التوسعية، في حين تتعرَّض أسهمها لضغوط متزايدة بفعل أعباء التمويل.

وفي هذا السياق، تراجع سهم شركة «كور ويف» المتخصصة في توفير قدرات الحوسبة السحابية للذكاء الاصطناعي، بنسبة 7 في المائة، بعد هبوطه بنسبة 15.5 في المائة في الجلسة السابقة. وكانت الشركة قد أعلنت خلال الصيف أنها ستسدد ديوناً مستحقة بقيمة 4.41 مليار دولار خلال النصف الثاني من العام الحالي، إضافة إلى 6.18 مليار دولار في عام 2027. وحتى 30 يونيو (حزيران)، كانت الشركة تمتلك سيولةً نقديةً تزيد على 5.5 مليار دولار.

كما تجعل العوائد المرتفعة في سوق السندات المستثمرين أقل استعداداً، بوجه عام، لدفع أسعار مرتفعة مقابل الأسهم، لا سيما تلك التي تُتداول عند مستويات تقييم عالية.

وتراجع سهم «إنفيديا» الشركة المتخصصة في تصنيع رقائق الذكاء الاصطناعي، بنسبة 3.1 في المائة، ليكون أكبر عامل ضغط على مؤشر «ستاندرد آند بورز 500». وكانت الشركة قد استفادت من طفرة الذكاء الاصطناعي لتصبح الأعلى قيمة سوقية في «وول ستريت»، في حين حقَّق سهمها مكاسب بنحو 1415 في المائة منذ نهاية عام 2022 وحتى بداية تعاملات يوم الخميس.

وجاءت هذه الخسائر رغم إعلان إحدى الشركات الرائدة في قطاع الذكاء الاصطناعي، التي تُعد نتائجها مؤشراً على أداء القطاع، أرباحاً قوية. فقد أعلنت شركة تايوان لصناعة أشباه الموصلات (تي إس إم سي) نتائج فصلية تجاوزت توقعات المحللين، بينما قال المدير المالي للشركة، ويندل هوانغ، إن التوقعات تشير إلى استمرار قوة الطلب خلال الأشهر الـ3 الأخيرة من عام 2026.

ورغم هذه النتائج، فإن سهم الشركة المدرج في الولايات المتحدة انخفض بنسبة 4.4 في المائة.

وكانت شركة أخرى محورية في قطاع الذكاء الاصطناعي قد أعلنت، يوم الأربعاء، نتائج قوية للأرباح، لكنها لم تنجح بدورها في استعادة حماسة المستثمرين تجاه القطاع. وقال كريستوف فوكيه، الرئيس التنفيذي لشركة «إيه إس إم إل» الهولندية، إن الطلب المدفوع بالذكاء الاصطناعي قوي للغاية، إلى درجة أن بعض العملاء يتحدثون عن تقديم طلبيات تمتد حتى عامي 2029 و2030.

في المقابل، تراجعت عوائد سندات الخزانة الأميركية في تعاملات يوم الخميس، في إشارة إلى ارتفاع أسعار السندات مع إقبال المستثمرين على شرائها. وتُعدُّ سندات الخزانة من الأصول الاستثمارية الأكثر أماناً نسبياً، نظراً إلى انخفاض مخاطر تعثر الحكومة الأميركية عن السداد، وغالباً ما يزداد الإقبال عليها في أوقات القلق والاضطرابات في الأسواق.

وانخفض العائد على سندات الخزانة لأجل 10 سنوات إلى 5.05 في المائة، مقارنة بـ5.19 في المائة في وقت متأخر من يوم الأربعاء. وكانت العوائد قد تجاوزت 5.30 في المائة في وقت سابق من الشهر الحالي، مسجِّلة أعلى مستوياتها منذ عام 2002، وسط مخاوف من ارتفاع التضخم، ومؤشرات على استمرار قوة الاقتصاد الأميركي، إلى جانب عوامل أخرى.

وجاء تراجع العوائد رغم صدور بيانات اقتصادية أميركية أقوى من المتوقع، وهي بيانات من شأنها عادةً أن تدفع العوائد إلى الارتفاع. فإلى جانب بيانات مبيعات التجزئة، أظهر تقرير آخر أن عدد الأميركيين الذين تقدموا بطلبات للحصول على إعانات البطالة خلال الأسبوع الماضي جاء أقل من توقعات الاقتصاديين، ما قد يشير إلى تراجع وتيرة تسريح العمال في البلاد.

وفي الأسواق العالمية، تكبَّدت الأسهم الكورية الجنوبية أكبر الخسائر، إذ هبط مؤشر «كوسبي»، الذي تهيمن على أدائه شركتا الرقائق الإلكترونية «سامسونغ للإلكترونيات» و«إس كيه هاينكس» مُسجِّلاً أسوأ أداء يومي له منذ يوليو (تموز). وبذلك، يكون المؤشر قد تراجع بنسبة 39 في المائة مقارنة بمستواه القياسي المُسجَّل في يونيو الماضي.