مخاطر التنافس الدولي والتجاري لاستعمار الفضاء

للفوز بالثروات على نمط الاستعمار الأوروبي القديم

مخاطر التنافس الدولي والتجاري لاستعمار الفضاء
TT

مخاطر التنافس الدولي والتجاري لاستعمار الفضاء

مخاطر التنافس الدولي والتجاري لاستعمار الفضاء

شهد العقد الماضي توسعاً سريعاً لصناعة الفضاء التجارية.

تنافُس فضائي دولي وتجاري

وبينما تجاهد الدول المتنافسة للحصول على مواقع عسكرية واقتصادية رئيسية خارج الأرض، تتنافس الكيانات العامة والخاصة على مهمات استخراج المعادن من القمر، وعلى زيادة تلوث منطقة متنامية من الحطام الفضائي في مدار الأرض المنخفض.

ممارسات استعمارية أرضية في الفضاء

في ورقة بيضاء عام 2023، حذرت مجموعة من علماء الفلك المعنيين من تكرار «الممارسات الاستعمارية» الأرضية في الفضاء الخارجي. ولكن ما الخطأ في استعمار الفضاء إذا لم يكن هناك أي شيء منذ البداية، أي إن الفضاء منطقة خالية؟

تقول ماري جين روبنشتاين*: «أنا فيلسوفة في العلوم والدين. أكتب عن صناعة الفضاء منذ عدة سنوات. ومع تحول أنظار الوكالات الحكومية والشركات الخاصة نحو النجوم، لاحظت أن عديداً من العوامل دفعت الاستعمار المسيحي الأوروبي بين القرنين الخامس عشر والتاسع عشر إلى الظهور من جديد في أشكال عالية السرعة وعالية التقنية».

استعمار على النمط الأوروبي القديم

وقد يشمل بعض هذه الممارسات الاستعمارية إغلاق الأراضي، واستغلال الموارد البيئية، وتدمير المناظر الطبيعية -باسم المُثُل العليا مثل «القدر والمصير» وإقامة الحضارة، وخلاص البشرية. ويزعم عديد من قادة صناعة الفضاء، مثل رئيس جمعية المريخ روبرت زوبرين، أنه على الرغم من أن الاستعمار على النمط الأوروبي ربما كانت له عواقب غير سارة على الأرض، فإنه السبيل الوحيد للمضي قدماً في الفضاء الخارجي.

وفي الواقع، يُحذِّر زوبرين من أن أي محاولة لإبطاء أو تنظيم صناعة الفضاء قانونياً، من شأنها أن تجعل حدود المريخ غير متاحة للبشرية، مما يتركنا عالقين على أرض مملة ومتدهورة على نحو متزايد.

فضاء خارجي فارغ أم بيئي؟

ويجادل زوبرين ضد المخاوف بشأن الاستعمار في الفضاء، إذ على النقيض من الأرض، فإن الفضاء الخارجي فارغ، كما يزعم. فلماذا ينبغي لأي شخص أن يهتم بحقوق الصخور وبعض الميكروبات الافتراضية؟

ولكن كما اتضح، فلا يتفق الجميع على أن الفضاء الخارجي فارغ. إذ يؤكد علماء الفلك المعنيون، أن التخلي عن نهج الاستعمار من شأنه أن يفيد قطاعات الصناعة الفضائية والجهات الأخرى على حد سواء.

أساطير الشعوب البدائية

هل الفضاء فارغ حقاً؟ أخبر سكان مقاطعة باواكا في شمال أستراليا خبراء صناعة الفضاء أن أسلافهم يوجهون الحياة البشرية من موطنهم في المجرة، وأن هذه العلاقة مهدَّدة بشكل متزايد من شبكات الأقمار الاصطناعية الضخمة التي تدور في مدارات حول الأرض.

على نحو مماثل، يقول شيوخ الإنويت إن أسلافهم يعيشون على الأجرام السماوية، فيما طلبت قيادة الهنود الحمر في نافايو من وكالة «ناسا» عدم إنزال رفات بشرية على القمر. وأصر شيوخ كاناكا على عدم بناء مزيد من التلسكوبات على ماونا كيا، التي يعدها سكان هاواي الأصليون أسلافاً ومقدسة. وتتناقض هذه المواقف الأصلية بشكل صارخ مع إصرار عديد من العاملين في الصناعة على أن الفضاء فارغ وغير حي.

الاتفاق على النهج ضروري

إن مفتاح التوفيق بين هذه المواقف المختلفة إلى حد كبير هو السعي إلى الاتفاق -ليس على المعتقدات أو وجهات النظر العالمية، بل على السلوك، أي النهج.

ولا يحتاج المتحمسون للفضاء العلمانيون إلى الموافقة على أن الفضاء الخارجي مأهول بالسكان أو أنه حي أو مقدس حتى يتمكنوا من التعامل معه بالرعاية والاحترام اللذين تطلبهما المجتمعات الأصلية من قطاع الصناعة الفضائية.

مشروع مسح لوكالة «ناسا» حول الاستكشاف الأخلاقي للفضاء

الحفاظ على الفضاء

قد يتضمن التعامل مع الفضاء الخارجي بعناية الحفاظ على التكوينات الطبيعية الجديرة بالملاحظة، والحد من التعدين، وتقليص تصاريح إطلاق الأقمار الاصطناعية، وإيجاد طريقة لتنظيف الحطام في المدار.

المخاوف البيئية الفضائية

يدرس مجال علم البيئة الفضائية الناشئ العلاقات بين التحف التي أنتجتها البشرية والبيئات الطبيعية في سياقات كل من مدار الأرض، وسطح القمر، والكواكب الأخرى. وبينما يسعى هذا التخصص إلى إثبات ذلك، فإن المدارات والأجسام الكوكبية تظل عبارة عن أنظمة متوازنة بدقة.

- إفساد مدار القمر: ومن دون تنظيم متسق، يمكن للنشاط الفضائي التجاري أن يجعل المدارات غير صالحة للاستخدام ويتسبب في إفساد الغلاف الجوي الشبيه بالفراغ للقمر.

- الحطام الفضائي المتكاثر: وفي الواقع، يمكن للضوء المنعكس عن الحطام الفضائي المتساقط -الأقمار الاصطناعية المعطلة، وقطع المركبات الفضائية، والهواتف المحمولة، والصواميل، والمسامير، وشظايا المعدن والزجاج- أن يمنع علماء الفلك من رؤية النجوم وتصويرها.

تفجيرات لاستخراج المعادن

- استخراج المعادن: يساعد القمر والمريخ والكويكبات العلماء على فهم كيفية تشكل الكواكب والنظام الشمسي، وما الظروف اللازمة للحياة، وكيف قد تبدو الكواكب في المستقبل. وإذا فجرت صناعة الفضاء الأجسام الكوكبية واستخرجت المعادن منها -وكذلك أيضاً تفجيرها نووياً بناءً على اقتراح من إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركة «سبيس إكس»- فقد يفقد العلماء الوصول إلى هذه المعرفة.

- أضرار على الأرض: لقد أحدثت صناعة الفضاء التجارية بالفعل أضراراً بيئية كبيرة على الأرض وما حولها. ولقد أدت اختبارات وإطلاقات الصواريخ المستمرة لشركة «سبيس إكس» إلى تدمير الأراضي الرطبة في بوكا تشيكا بولاية تكساس. كما تسبب انفجار مركبة «سبيس إكس ستارشيب» في أبريل (نيسان) 2023 في إتلاف ما يقدَّر بنحو 385 فداناً من الأراضي والممرات المائية والسلاحف والطيور، ناهيك بالسيارات والمنازل والضرر اللاحق برئات البشر.

ترسب الملوثات في الغلاف الجوي

- تلويث الغلاف الجوي: ويؤدي العدد المتزايد من عمليات الإطلاق الخاصة والعامة التي تنفذها الصناعة، إلى ترسب الكيروسين والكربون والكبريت في الغلاف الجوي العلوي، حيث تظل هذه المواد لفترة أطول مما هي عليه في طبقة الستراتوسفير.

- تغير المناخ: وقد أظهرت الأبحاث أن تراكم هذه المواد يمكن أن يؤدي إلى تفاقم تغير المناخ بشكل كبير. ووفقاً لتقدير واحد، فإن انبعاثات الصواريخ تسخن الغلاف الجوي بسرعة أكبر بنحو 500 مرة من انبعاثات الطيران.

حتى لو لم يصل ماسك إلى المريخ، فإن «سبيس إكس» ومجموعة من الشركات المنافسة لها تخلق حركة مرور عبر الأقمار الاصطناعية في مدار أرضي منخفض يمكن أن تهدد حياة رواد الفضاء وتخاطر بجعل هذه المدارات غير صالحة للاستخدام.

عبودية بشرية جديدة في الفضاء

يحتفل عديد من قادة الصناعة الفضائية بالفضاء بوصفه «العالم الجديد» أو «الحدود النهائية». وكانت الاقتصادات الاستعمارية السابقة المبكرة التي اعتمدت على محاصيل السكر والتبغ وعلى الذهب قد ولَّدت الأرباح لبناء الإمبراطوريات الأوروبية وبناء الولايات المتحدة من خلال الاستعباد والعبودية.

لذا سيتعين على قادة صناعة الفضاء أن يفكروا في الشكل الذي ستبدو عليه ترتيبات العمل عندما يرسلون العمال لإدارة فنادقهم وبناء مخابئهم في الفضاء وتسهيل تعدين الكويكبات. إذ بعد كل شيء، سيعتمد عمال الفضاء على أصحاب العمل ليس فقط للحصول على الراتب والرعاية الصحية، ولكن أيضاً للحصول على الطعام والماء والهواء والنقل إلى الأرض.

معاهدة مضادة لاستعمار الفضاء

في عام 1967، وقَّعت مجموعة من الدول بما في ذلك الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والاتحاد السوفياتي على معاهدة الفضاء الخارجي. أعلنت هذه المعاهدة، من بين أمور أخرى، أنه لا يمكن لأي دولة امتلاك جسم كوكبي أو جزء منه. تم التفاوض على معاهدة الفضاء الخارجي وتوقيعها في أعقاب حربين عالميتين، وكانت نتاجاً للصراع في أوروبا في القرن العشرين.

إذا كان الاستعمار على الأرض قد بلغ ذروته بهاتين الحربين، فإن الدول التي وقَّعت على معاهدة الفضاء الخارجي كانت تقول فعلياً: «دعونا لا نتقاتل من أجل الأراضي والموارد مرة أخرى. دعونا نتعامل مع الفضاء الخارجي بشكل مختلف».

في هذه المرحلة، أصبحت معاهدة الفضاء الخارجي عتيقة وغير قابلة للتنفيذ تقريباً. ولكن أي تشريع مستقبلي سيكون من الأفضل أن يحتفظ بروح المناهضة للاستعمار في المعاهدة الأصلية.

لذا ومن منظور السياسة، إذن، لا يهم ما إذا كان الفضاء مأهولاً بالفعل أو ما إذا كانت الصخور لها حقوق، لأن منع الاستعمار في الفضاء الخارجي لا يتطلب من صناعة الفضاء الاتفاق على هذه الأسئلة الميتافيزيقية.

بدلاً من ذلك، سيطلب من المشاركين عبر الصناعة وخارجها الاتفاق على مجموعة مشتركة من المعايير لرعاية الكواكب ومداراتها -سواء كانت دوافعهم علمية أو بيئية أو إنسانية أو دينية.

* عميدة العلوم الاجتماعية وأستاذة الدراسات الدينية والعلمية والتكنولوجية في جامعة «ويسليان»، مجلة «فاست كومباني»، خدمات «تريبيون ميديا».

حقائق

500

مرة أكثر تسخن انبعاثات الصواريخ الغلاف الجوي بسرعة أكبر مقارنةً بانبعاثات الطائرات

قد يتضمن التعامل مع الفضاء الخارجي بعناية الحفاظ على التكوينات الطبيعية الجديرة بالملاحظة، والحد من التعدين، وتقليص تصاريح إطلاق الأقمار الاصطناعية، وإيجاد طريقة لتنظيف الحطام في المدار.

ماري جين روبنشتاين


مقالات ذات صلة

كويكب بحجم حافلة يمر على مسافة قريبة جداً من الأرض… هل هناك خطر؟

يوميات الشرق تقارير تتحدث عن كويكب بحجم حافلة سيقترب من الأرض مطلع الأسبوع المقبل (رويترز)

كويكب بحجم حافلة يمر على مسافة قريبة جداً من الأرض… هل هناك خطر؟

خلال الأيام المقبلة، يستعدُّ الفلكيون لرصد مرور كويكب صغير نسبياً، لكنه لافت من حيث قربه الاستثنائي من كوكبنا.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تكنولوجيا صورة لإيلون ماسك تظهر إلى جانب شعار شركته «سبيس إكس» (رويترز)

تقرير: «غوغل» و«سبيس إكس» تبحثان وضع مراكز بيانات في الفضاء

شركة «غوغل» التابعة لمجموعة «ألفابت» تجري محادثات مع شركة «​سبيس إكس» المملوكة لإيلون ماسك بشأن صفقة لإطلاق صواريخ.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق في الفضاء أيضاً قد تقودنا المصادفة إلى أقصر الطرق (شاترستوك)

«طريق سرّي» نحو المريخ قد يختصر الرحلة إلى 153 يوماً

كشف علماء فلك عن ممرّ فضائي جديد قد يختصر مئات الأيام من زمن الرحلة إلى كوكب المريخ، من خلال الاستفادة من مسار طبيعي تسلكه بعض الكويكبات بين الكواكب.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق ما كان خيالاً... يقترب (شاترستوك)

كواكب من «حرب النجوم»... اكتشاف أنظمة بـ«سماء مزدوجة»

كشف مسح جديد باستخدام القمر الاصطناعي عن وجود 30 كوكباً غير مألوف تدور حول نجمين وليس نجماً واحداً.

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم الملك البريطاني تشارلز يلقي كلمة في حفل استقبال خلال زيارته الرسمية إلى برمودا (رويترز)

الملك تشارلز ينهي رحلة برمودا بإطلاق مشروع لوكالة الفضاء البريطانية

ينهي ملك بريطانيا تشارلز الثالث زيارته إلى برمودا بإطلاق مشروع «نوفا» التابع لوكالة الفضاء البريطانية رسمياً للمساعدة في تتبع الحطام الفضائي.

«الشرق الأوسط» (برمودا- لندن)

حاملة الطائرات الفرنسية «شارل ديغول» في بحر العرب

حاملة الطائرات «شارل ديغول» (أ.ف.ب)
حاملة الطائرات «شارل ديغول» (أ.ف.ب)
TT

حاملة الطائرات الفرنسية «شارل ديغول» في بحر العرب

حاملة الطائرات «شارل ديغول» (أ.ف.ب)
حاملة الطائرات «شارل ديغول» (أ.ف.ب)

أعلنت وزيرة الجيوش الفرنسية أليس روفو وصول حاملة الطائرات «شارل ديغول» والسفن المواكبة لها إلى الموقع الذي ستتمركز فيه في بحر العرب، استعداداً لإمكانية إطلاق مهمة «محايدة» تهدف لإعادة حركة الملاحة في مضيق هرمز.

وقالت الوزيرة في مقابلة مع قناة «بي إف إم تي في»، الخميس، إن الحاملة «عبرت قناة السويس، وتقدمت نحو بحر العرب، وهي حالياً في موقعها، لكنها ليست في مضيق هرمز».

وأضافت: «منذ البداية، كان موقف فرنسا هو عرض إمكانية إعادة حرية الملاحة في المضيق، ولكن بطريقة غير هجومية، بل دفاعية بحتة، وتحترم القانون الدولي».

وكانت حاملة الطائرات قد عبرت قناة السويس في السادس من مايو (أيار) وتوقفت لعدة أيام في جيبوتي حيث تقيم فرنسا قاعدة بحرية.

وقالت الوزيرة إن وجود حاملة الطائرات الفرنسية في منطقة الخليج «يمنحنا إمكانية تقييم الوضع والتأثير في المعادلة الدبلوماسية الإقليمية والعالمية».

وأعلنت بريطانيا وفرنسا الشهر الماضي بلورة خطة عسكرية لتأمين مضيق هرمز، من شأنها أن تتيح استئناف حركة الملاحة التجارية فيه.

وأفادت تقارير بموافقة نحو 40 دولة على المشاركة في مهمة متعددة الجنسيات بقيادة الدولتين لحماية الملاحة في هذا الممر المائي الرئيسي، حالما توافق إيران والولايات المتحدة على رفع الحصار عنه، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويُعيق إغلاق المضيق الاستراتيجي تصدير المحروقات من الخليج، ويرفع أسعارها، ما يؤثر على الاقتصاد العالمي.


القضاء على البعوض يثير الجدل رغم تسببه بمقتل أعداد كبيرة من البشر

يتسبب البعوض بمقتل نحو 760 ألف إنسان سنوياً بحسب بيانات رسمية (أ.ف.ب)
يتسبب البعوض بمقتل نحو 760 ألف إنسان سنوياً بحسب بيانات رسمية (أ.ف.ب)
TT

القضاء على البعوض يثير الجدل رغم تسببه بمقتل أعداد كبيرة من البشر

يتسبب البعوض بمقتل نحو 760 ألف إنسان سنوياً بحسب بيانات رسمية (أ.ف.ب)
يتسبب البعوض بمقتل نحو 760 ألف إنسان سنوياً بحسب بيانات رسمية (أ.ف.ب)

ليست الأسود ولا العناكب ولا الحيتان الحيوانات الأكثر حصداً لأرواح البشر، بل البعوض الصغير الذي يلدغ ويسبب حكة وينقل الأمراض، إلى حدّ أن فكرة القضاء عليه تصبح في كثير من الأحيان موضع جدل.

يتسبب البعوض بمقتل نحو 760 ألف إنسان سنوياً، بحسب بيانات رسمية، إذ ينقل نحو 17 في المائة من الأمراض المعدية، مثل الملاريا وحمى الضنك والحمى الصفراء وشيكونغونيا وزيكا.

وبسبب التغير المناخي، تنتشر هذه الحشرات في مناطق جديدة من العالم خلال فصول الصيف التي باتت أطول، ما يُثير مخاوف من أزمات صحية مستقبلية.

ومن هذا المنطلق، ألا يمكن للبشر القضاء على البعوض القاتل؟ وإذا كان ذلك ممكناً، فما تأثيره على البيئة؟

تشير عالمة الأحياء هيلاري رانسون من كلية ليفربول للطب الاستوائي في حديث لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إلى عدم الحاجة للقضاء على مختلف أنواع البعوض، إذ من 3500 نوع معروفة تقريباً لا يلدغ البشر سوى نحو مائة، بينما تُعدّ 5 أنواع فقط مسؤولة عن نحو 95 في المائة من العدوى لدى البشر.

وتوضح أن الأنواع الخمسة الناقلة للأمراض «تطورت لتكون شديدة الارتباط بالبشر»، لا سيما من خلال التغذية والتكاثر على مقربة منهم.

وتؤكد أنّ القضاء عليها نهائياً، وهو أمر «مقبول» بالنظر إلى الضرر الذي تُسببه، لن يكون له تأثير كبير على النظام البيئي ككل، لافتة النظر إلى أنّ أنواعاً من البعوض متشابهة جينياً، لكنها أقل فتكاً «ستسدّ سريعاً هذه الفجوة البيئية».

جدل أخلاقي

من جهته، يعدّ عالم الحشرات دان بيتش من جامعة جورجيا في الولايات المتحدة أن هناك حاجة إلى مزيد من المعلومات لمقارنة القضاء النهائي على البعوض بخيارات أخرى، ويقول: «نحن لا نعرف ما يكفي عن بيئة معظم أنواع البعوض لاتخاذ قرار نهائي في أي من الاتجاهات».

ويضيف أن البعوض «ينقل عناصر غذائية من موائله المائية التي يفقس فيها» إلى مناطق أخرى، ويُعدّ غذاء لكائنات حية أخرى كأنواع من الحشرات والأسماك. كما أنه يُلقّح النباتات، مع العلم أنّ هذه الظاهرة «ليست مفهومة بشكل جيد، وقد تختلف بحسب الأنواع».

وترى رانسون أن الجدل الأخلاقي الدائر بشأن القضاء على كائنات حية مشروع، مشيرة أيضاً إلى أنّ البشر يُبيدون أصلاً أنواعاً كثيرة منها من دون قصد.

ومن بين التقنيات الحيوية الواعدة للقضاء على البعوض، تقنية «الدفع الجيني» التي تقوم على تعديل كروموسوم لنقل صفة معينة إلى كل نسله. وقد نجح علماء عدّلوا جينات إناث بعوض أنوفيلة غامبية الناقل لمرض الملاريا لجعلها عقيمة، في القضاء على مجموعة من هذه الحشرات خلال بضعة أجيال فقط داخل مختبرات.

وتعتزم مبادرة «تارغيت ملاريا» (استهداف الملاريا)، الممولة من مؤسسة غيتس الأميركية، إجراء تجارب في دولة متضررة من الملاريا بحلول عام 2030.

وقد واجهت المبادرة انتكاسة في بوركينا فاسو، حيث أوقف المجلس العسكري الحاكم خلال العام الفائت مشروعاً يتعلق بسلالات معدلة وراثياً من البعوض، ولكن من دون استخدام تقنية الإجبار الجيني (إجبار جين معين على الظهور على نحو تفضيلي في الأجيال الآتية)، وذلك عقب انتقادات من المجتمع المدني وحملات تضليل إعلامي.

وتتمثل استراتيجية واعدة أخرى بجعل بعوض الزاعجة المصرية مُصابة ببكتيريا ولباكيا (الولبخية) التي تمنع انتشار الفيروس. ومن شأن ذلك أن يقلل من أعدادها أو يحدّ من قدرتها على نقل حمى الضنك.

«لا حلّ سحرياً»

تثير هذه التقنيات تساؤلاً آخر بشأن الحاجة الفعلية للقضاء على هذه الحشرات.

أظهرت دراسة نُشرت عام 2025 أن إطلاق بعوض مُصاب ببكتيريا ولباكيا في مدينة نيتيروي البرازيلية خفّض حالات حمى الضنك بنسبة 89 في المائة. وحالياً، يتمتع أكثر من 16 مليون شخص في خمس عشرة دولة بالحماية بفضل هذه البعوضات «من دون مواجهتهم أي آثار سلبية»، على ما يقول مؤسس البرنامج العالمي لمكافحة البعوض سكوت أونيل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

في غضون ذلك، يسعى مشروع آخر يهدف إلى «منع انتقال العدوى بشكل تام» إلى استخدام تقنية تحوير الجينات لمنع إناث بعوضة الأنوفيلة الغامبية من نقل الملاريا. تشير أبحاث مخبرية نُشرت في مجلة «نيتشر» أواخر عام 2025 إلى أن العلماء يقتربون من تحقيق هذا الهدف، ومن المتوقع بدء تجربة ميدانية عام 2030.

مع ذلك، أظهرت النكسة في بوركينا فاسو أن هذه المشاريع تتطلب قدراً من «الدعم السياسي أو موافقة» الدول التي تُجرى فيها التجارب، بحسب ما يؤكد معدّ الدراسة ديكسون ويلسون لويتويرا لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وبدل التعويل فقط على «حلّ تكنولوجي سحري» والذي عادة ما تموّله مؤسسة «غيتس»، تدعو رانسون إلى «حلّ أكثر شمولاً» لمكافحة الأمراض الفيروسية المنقولة عبر الحشرات.

وتقول رانسون إن هذا الحل يتضمن تعزيز إتاحة التشخيص والعلاجات واللقاحات الأكثر فاعلية لسكان الدول المتضررة. لكن بحسب منظمات غير حكومية، يهدّد خفض المساعدات الدولية من الدول الغربية الذي بدأ عام 2025، التقدم المُحرز في مكافحة معظم الأمراض التي ينقلها البعوض.


القادة يثقون بأدوات الذكاء الاصطناعي أكثر من ثقتهم بالبشر

القادة يثقون بأدوات الذكاء الاصطناعي أكثر من ثقتهم بالبشر
TT

القادة يثقون بأدوات الذكاء الاصطناعي أكثر من ثقتهم بالبشر

القادة يثقون بأدوات الذكاء الاصطناعي أكثر من ثقتهم بالبشر

أصبح الذكاء الاصطناعي جزءاً لا يتجزأ من العمليات الحديثة... من تطوير المنتجات إلى تخطيط القوى العاملة. إذ إن وعوده جذابة، فهو سيُؤتمت عمل المؤسسات ويُحسّنه على جميع المستويات لدفع عملية صنع القرار القائمة على البيانات، وزيادة الإنتاجية، وتحسين تجارب العملاء... ولكن ثمة مخاطر كامنة وراء هذه المكاسب، كما كتبت لويز ك. ألين(*).

اتخاذ القرار بالنيابة

إن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لاتخاذ قرارات أفضل- أمر، غير أن الاعتماد عليه لاتخاذ القرارات نيابةً عنك- أمر آخر.

وقد اتضح أن العديد من المديرين التنفيذيين يميلون إلى الخيار الثاني، حيث وجدت شركة SAP أن 74 في المائة من المديرين التنفيذيين الذين شملهم الاستطلاع قالوا إنهم يثقون في مخرجات الذكاء الاصطناعي أكثر من النصائح البشرية. بالإضافة إلى ذلك، فإن ما يقرب من نصفهم سيسمحون للذكاء الاصطناعي بتجاوز قرارهم الشخصي كانوا قد اتخذوه بالفعل.

وقد يُعرّض هذا التوجه نحو الثقة بالأدوات الذكية، القادة لمساءلة في المستقبل، ما يُقوّض مصداقيتهم ومهاراتهم في سعيهم لتحقيق الكفاءة.

تأثير الذكاء الاصطناعي على العقل

إن هذا النمط مألوف. إذ غالباً ما تندفع الشركات نحو أطر عمل وأدوات وعمليات جديدة، متوقعةً أن مجرد تبنيها كافٍ لتحقيق النتائج، دون مراعاة التداعيات الأوسع.

ولقد حدث هذا من قبل. ففي العديد من عمليات نقل البيانات إلى الحوسبة السحابية المبكرة، على سبيل المثال، تم تحديث الأنظمة، لكن العمليات ظلت على حالها.

ويسلك الذكاء الاصطناعي مساراً مشابهاً، سواء في الاستخدام الشخصي أو التجاري. إذ يُسوَّق له على أنه طريق مختصر لاتخاذ قرارات مثلى. وقد تقبّل الجمهور، بشكل عام، هذا الطرح دون تمحيص.

القرارات لا تُتخذ بمعزل عن السياق

تكمن المشكلة في أن القرارات لا تُتخذ بمعزل عن السياق. فهي تتطلب سياقاً وحكماً وتحليلاً. عندما يعتاد الناس على الاعتماد على مخرجات الذكاء الاصطناعي، تتضاءل مهارات الفهم والاستدلال مع ازدياد اعتمادهم على الأدوات في إنجاز العمل.

تشير الأبحاث بالفعل إلى مخاطر هذه الديناميكية. وقد أظهرت دراسة أجراها مختبر الإعلام في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا أن اعتماد الأفراد بشكل كبير على أدوات الذكاء الاصطناعي لإنجاز المهام التي تتطلب تفكيراً مكثفاً، أدى إلى انخفاض مستوى مشاركتهم الإدراكية. وكانت هذه الآثار بالغة الأهمية لدرجة أن المشاركين أظهروا ضعفاً في قدرتهم على تذكر محتوى أعمالهم.

السرعة أم الحكمة؟

والأمر الأكثر إثارة للقلق هو أن هذه الآثار لم تختفِ عند إزالة الأدوات، بل استمرت. وهذا يشير إلى أن الإفراط في الاعتماد على أدوات الذكاء الاصطناعي قد يؤثر على النتائج في لحظتها، ويُضعف المهارات المكتسبة بمرور الوقت.

في المناصب القيادية العليا، قد تكون تداعيات هذا التشويش المنهجي على سير العمل وخيمة. فمهمة القادة هي تحديد التوجه رغم الغموض، وتوحيد جهود الأفراد حول هذا الهدف المشترك.

باختصار، فإن القرارات التي يتخذها القائد يجب أن تكون أقل أهمية من جوانب التعاطف والسلطة والمصداقية التي تُبنى عليها هذه القرارات.

إن كل قرار يُعهد به إلى جهة خارجية يُعد فرصة ضائعة لصقل مهارات التفكير والتواصل.

* قيم المؤسسة وثقافتها وأهدافها طويلة الأجل هي وظائف بشرية في جوهرها*

إعادة صياغة دور الذكاء الاصطناعي

يُخاطر القادة الذين يُطلقون العنان لأدوات الذكاء الاصطناعي بشكل كامل بتقويض نجاحهم. تُتيح هذه الأدوات توسيع نطاق المدخلات التي يأخذها القادة في الاعتبار، وتحدي الافتراضات، وتسريع التحليل. مع ذلك، فإنَّ الموازنة بين الأولويات المتنافسة وإدارة التنفيذ بطرق تُجسّد قيم المؤسسة وثقافتها وأهدافها طويلة الأجل هي وظائف بشرية في جوهرها. وكلما زاد غموض هذا الخط الفاصل بين العمل والتنفيذ، زادت المخاطر التي تواجهها المؤسسات.

الانضباط عند اتخاذ القرار

ستكون المؤسسات الأكثر استفادة من الذكاء الاصطناعي هي تلك التي تتسم بالانضباط في اتخاذ قراراتها. وهذا يتطلب تركيزاً مُتجدداً على أساسيات القيادة: وضوح النية والقدرة على تطبيق الحكم السليم في المواقف التي تكون فيها البيانات غير مكتملة أو غامضة. قد يبدو هذا التمييز فلسفياً، ولكنه في الواقع عملي وواقعي.

الحفاظ على الطابع الإنساني للقرارات

إنّ أولئك الذين يُفكرون ملياً في كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي ومتى، وما يجب على القادة الاستمرار في تحمّل مسؤولياته، سيحققون نتائج أفضل من أولئك الذين يُركّزون كلياً على الكفاءة.

ذكاء «محايد ومتفاعل وخصم»

هذا يعني التخلي عن فكرة اعتبار الذكاء الاصطناعي صانع قرار أو مالك مشروع، والنظر إليه بدلاً من ذلك على النحو التالي:

1. طرف ثالث محايد: تستطيع أدوات الذكاء الاصطناعي معالجة البيانات وتلخيصها بسرعة، ما يساعد على إبراز الأنماط الموضوعية، ولكن على القادة تفسير الأرقام في ضوء تاريخ المؤسسة وثقافتها وخصوصياتها.

2. منصة تفاعلية لتبادل الآراء: استخدم الذكاء الاصطناعي لمناقشة الخيارات، وجمع المعلومات حول سيناريوهات مماثلة، وتطوير أساليب تفكير جديدة، مع الاحتفاظ بمسؤولية الحكم والتوجيه النهائي والتواصل.

3. خصمٌ شرس: دع الذكاء الاصطناعي يلعب دور المُعارض. اطلب منه أن يُشكك في أفكارك، وأن يختبر خططك بدقة، وأن يُحلل ثغرات تفكيرك من منظور مختلف أصحاب المصلحة، وذلك لفهم كيفية استقبال الآخرين لرؤيتك الاستراتيجية.

يُساعد هذا التغيير في التفكير على ترسيخ وتوضيح دور الذكاء الاصطناعي في سير العمل التنفيذي، وجعله عاملاً مُساعداً لا مُتحكماً في الخطوات اللاحقة. ففي نهاية المطاف، القيادة تعني تحمُّل مسؤولية التوجيه والأفراد والنتائج.

يُمكن للذكاء الاصطناعي دعم هذا العمل، لكنه لا يستطيع القيام به. سيجد المديرون التنفيذيون الذين يسمحون للذكاء الاصطناعي باتخاذ القرارات بدلاً من تقديم المعلومات، أنفسهم، حتماً تقريباً، يُعيدون صياغة رؤاهم وفقاً لصورة التكنولوجيا، مُتجاهلين حدودها. وهذا يُشكل خطراً، استراتيجياً وشخصياً.

* «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا».