مصر تسعى لتسجيل «الحناء» و«السمسمية» بـ«تراث اليونسكو»

الحناء لها طرق مختلفة في الرسم (موقع اليونسكو)
الحناء لها طرق مختلفة في الرسم (موقع اليونسكو)
TT

مصر تسعى لتسجيل «الحناء» و«السمسمية» بـ«تراث اليونسكو»

الحناء لها طرق مختلفة في الرسم (موقع اليونسكو)
الحناء لها طرق مختلفة في الرسم (موقع اليونسكو)

تسعى مصر لتسجيل «طقوس الحناء» وآلة «السمسمية» الموسيقية ضمن قائمة التراث غير المادي بمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة «اليونسكو»، خلال اجتماع اللجنة الحكومية الدولية المقرر عقده في المنظمة الأممية خلال ديسمبر (كانون الأول) المقبل، في دولة باراغواي.

وأكد وزير الثقافة المصري، الدكتور أحمد فؤاد هنو، خلال اجتماعه، الاثنين، مع المديرة الإقليمية لمكتب «اليونسكو» بالقاهرة، الدكتورة نوريا سانز، أن «مصر تعد التراث الثقافي غير المادي مجالاً للتعبير عن الاحترام المتبادل بين الثقافات على المستويين الإقليمي والدولي»، وفق بيان صحافي لوزارة الثقافة المصرية.

وتناولت المباحثات بين هنو وسانز «تعزيز التعاون بين وزارة الثقافة والمنظمة الأممية في المجالات المختلفة». واستعرض وزير الثقافة المصري «الموقف الحالي بشأن تسجيل عدد من الملفات الوطنية، أو المشتركة، على القوائم التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي بـ(اليونسكو)، لا سيما الطقوس والممارسات المرتبطة بالحناء، وآلة السمسمية».

تراث السمسمية موجود في مدن ساحل البحر الأحمر (موقع اليونسكو)

كما ناقش الجانبان «سبل التعاون في الاحتفاء بالأيام الدولية، خلال الفترة المقبلة، ومنها؛ يوم السلام، ويوم الشعر، ويوم التراث الثقافي غير المادي». وأكدت سانز «أهمية التعاون الثنائي مع مصر، وتقديم سُبل الدعم اللازمة لكل المشاريع الثقافية الهادفة إلى صون التراث الثقافي، والتعاون في مجال الترجمة والصناعات الثقافية والإبداعية المتعددة». وقالت المسؤولة الأممية إن «الثقافة أصبحت مصدراً من مصادر الدخل القومي لكثير من الدول».

ووفق موقع «اليونسكو» فإن دول «السعودية ومصر والجزائر والبحرين والإمارات والعراق والكويت والأردن وعمان والمغرب وتونس وفلسطين وموريتانيا واليمن وقطر والسودان، تقدمت بملف لتسجيل طقوس الحناء، من المقرر التصويت عليه نهاية العام الحالي».

ومن المقرر التصويت في الاجتماع نفسه على «طلب مصر والسعودية تسجيل آلة السمسمية الموسيقية».

وكانت وزارة الثقافة المصرية قد أعلنت عام 2022 عزمها «تجهيز ملف بشأن طقوس الحناء وآلة السمسمية تمهيداً لتسجيلهما على قائمة التراث غير المادي في (اليونسكو)».

الحناء طقس قديم في الأفراح المصرية (موقع اليونسكو)

وقدمت مصر الملف إلى المنظمة الدولية في مارس (آذار) الماضي، حيث شاركت مصر دولاً عربية أخرى في إعداد الملف الخاص بطقوس الحناء، وفق مستشارة وزير الثقافة للتراث غير المادي، الدكتورة نهلة إمام.

وقالت مستشارة الوزير لـ«الشرق الأوسط» إن «مصر تقدمت بملفين هذا العام لليونسكو، الأول مع 15 دولة عربية أخرى لتسجيل طقوس الحناء ضمن قائمة التراث غير المادي، والثاني مع السعودية، ويتعلق بتسجيل آلة السمسمية الموسيقية، ومن المنتظر التصويت على اعتمادهما في اجتماع نهاية العام الحالي».

وأوضحت أن «الاعتقاد السائد كان أن آلة السمسمية محلية مصرية، لكن في أثناء إعداد الملف تبين وجودها في السعودية بالمناطق المطلة على البحر الأحمر، لذلك انضمت المملكة للملف المقدم لـ(اليونسكو)»، مشيرة إلى أن «دولاً أخرى مثل اليمن والسودان والأردن أبدت استعدادها للانضمام لملف آلة السمسمية حال تسجيلها باسم مصر والسعودية في قائمة التراث غير المادي».

وتابعت نهلة: «يبدو أن آلة السمسمية الموسيقية مرتبطة بمناطق البحر الأحمر».

والسمسمية آلة موسيقية وترية، تعود جذورها إلى مصر القديمة، وتنتشر في محافظات البحر الأحمر ومدن القناة المصرية، خصوصاً السويس وبورسعيد والإسماعيلية.

آلة السمسمية تُعزف في الكثير من الاحتفالات الشعبية بمصر (موقع اليونسكو)

ولدى مصر حتى الآن 8 عناصر مسجلة على قوائم «اليونسكو» للتراث غير المادي وهي: السيرة الهلالية، والتحطيب، والممارسات المرتبطة بالنخلة، وفنون الخط العربي، والنسيج اليدوي في صعيد مصر، والأراجوز، والاحتفالات المرتبطة برحلة العائلة المقدسة، وفنون النقش على المعادن.

ولفتت مستشارة وزير الثقافة المصري إلى أن «الوزارة تعكف حالياً على تجهيز ملف عن الكشري لتقديمه لقائمة التراث غير المادي بـ(اليونسكو) العام المقبل، كما تعمل مع دول أخرى على إعداد ملف مرتبط بآلة العود الموسيقية، وآخر عن الحرف المرتبطة بصناعة الخوص والسعف والبردي وغيرها».

ويقصد بالتراث غير المادي «الممارسات والتقاليد والمعارف والمهارات، وما يرتبط بها من آلات وقطع ومصنوعات وأماكن ثقافية، التي تعدها الجماعات والمجموعات، وأحياناً الأفراد، جزءاً من تراثهم الثقافي، ويجري توارثه جيلاً بعد جيل»، وفق «اليونسكو».


مقالات ذات صلة

اكتشاف فيلا مفقودة منذ 18 قرناً قرب روما

يوميات الشرق ما كشفته المجارف أكبر من حجارة وزخارف (وزارة الثقافة الإيطالية)

اكتشاف فيلا مفقودة منذ 18 قرناً قرب روما

اكتشف علماء الآثار فيلا فاخرة تعود إلى القرن الأول الميلادي، زارها 3 أباطرة، وذلك في منطقة كاستيل دي غويدو الواقعة على مشارف روما...

«الشرق الأوسط» (روما)
ثقافة وفنون قصر هشام في أريحا

قصر هشام في أريحا

تحوي البادية السورية قصرين يحملان اسم «قصر الحير»، وينسبان إلى هشام بن عبد الملك. يقع أحدهما شمال شرق تدمر، ويُعرف بقصر الحير الشرقي، ويقع الآخر جنوب غرب تدمر

محمود الزيباوي
يوميات الشرق أعمال التطوير الجارية في ميدان السيدة عائشة (الشرق الأوسط)

ملامح تطوير محيط قلعة صلاح الدين بالقاهرة ضمن مسار «آل البيت»

يخضع محيط قلعة صلاح الدين وميدان السيدة عائشة بالعاصمة المصرية القاهرة لعملية تطوير وتغييرات كبيرة وجذرية منذ نحو عام.

حمدي عابدين (القاهرة )
يوميات الشرق مصلحة الآثار الليبية بغرب البلاد تتسلم مومياء «تخرخوري» 14 يونيو (وزارة الثقافة)

«فتاة الصحراء تخرخوري» تستقر في المتحف الليبي

لحين عرضها للجمهور الليبي في 30 يوليو المقبل، قالت وزارة الثقافة بغرب البلاد إن هيئة الآثار تسلمت مومياء الفتاة «تخرخوري» بعد رحلة ترميم في إيطاليا.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق تطوير المنطقة التراثية في قلب رشيد (رئاسة مجلس الوزراء)

مصر لاستغلال مباني رشيد الأثرية سياحياً وترفيهياً

تسعى مصر لاستغلال مباني رشيد الأثرية في التنمية السياحية، ضمن خطة الدولة لمضاعفة معدلات حركة السياحة.

محمد الكفراوي (القاهرة )

استقالة رئيس «فوجيتسو» اليابانية بسبب «سلوك غير لائق مرتبط بالنساء»

شعار شركة أنظمة الحوسبة اليابانية «فوجيتسو» (أ.ف.ب)
شعار شركة أنظمة الحوسبة اليابانية «فوجيتسو» (أ.ف.ب)
TT

استقالة رئيس «فوجيتسو» اليابانية بسبب «سلوك غير لائق مرتبط بالنساء»

شعار شركة أنظمة الحوسبة اليابانية «فوجيتسو» (أ.ف.ب)
شعار شركة أنظمة الحوسبة اليابانية «فوجيتسو» (أ.ف.ب)

أفادت شركة أنظمة الحوسبة اليابانية «فوجيتسو»، اليوم الأربعاء، بأن رئيس مجلس إدارتها هيدينوري فوروتا تنحّى عن منصبه بسبب «سلوك غير لائق مرتبط بالنساء».

تأتي الاستقالة بعدما علمت الشركة بالأمر، هذا الشهر، وفق ما أفاد متحدث باسمها، رفض الكشف عن تفاصيل القضية، لكنه أشار إلى أن هذا التغيير في المنصب لم يأت نتيجة أي انتهاك للقانون، وفق ما ذكرت «وكالة الصحافة الفرنسية».

ولا توجد خطط لتعيين خلف له، وفقاً للمتحدث.

تولى فوروتا منصب رئيس «فوجيتسو» في عام 2024، بعدما شغل منصبيْ نائب الرئيس التنفيذي وكبير مسؤولي التكنولوجيا بالشركة.

وتُعد «فوجيتسو»، ومقرُّها طوكيو، من بين كبرى شركات خدمات تكنولوجيا المعلومات في العالم.

كانت الشركة في قلب فضيحة تتعلّق بتكنولوجيا المعلومات داخل فروع مكتب البريد البريطاني، بعد أن تسببت مشاكل في برنامج المحاسبة التابع لها في اختفاء مبالغ من الحسابات من طريق الخطأ.

وقامت هيئة البريد البريطانية بملاحقة قضائية عن طريق الخطأ لنحو 1000 من مديري الفروع بين عاميْ 1999 و2015.


اكتشاف فيلا مفقودة منذ 18 قرناً قرب روما

ما كشفته المجارف أكبر من حجارة وزخارف (وزارة الثقافة الإيطالية)
ما كشفته المجارف أكبر من حجارة وزخارف (وزارة الثقافة الإيطالية)
TT

اكتشاف فيلا مفقودة منذ 18 قرناً قرب روما

ما كشفته المجارف أكبر من حجارة وزخارف (وزارة الثقافة الإيطالية)
ما كشفته المجارف أكبر من حجارة وزخارف (وزارة الثقافة الإيطالية)

اكتشف علماء الآثار فيلا فاخرة تعود إلى القرن الأول الميلادي، زارها 3 أباطرة، وذلك في منطقة كاستيل دي غويدو الواقعة على مشارف روما، مما يُسلّط ضوءاً جديداً على حياة النخبة الرومانية في ذلك العصر.

ووفق «الإندبندنت»، فقد عُثر على الفيلا خلال عمليات تنقيب جرت على بُعد نحو 19 كيلومتراً (12 ميلاً) غرب أسوار مدينة روما في منطقة لوريوم الأثرية، وهو الموقع الذي عُثر فيه سابقاً على عقار مرتبط بالإمبراطور أنطونينوس بيوس؛ وقد أزيح الستار عن الموقع بعد إبلاغ الشرطة المحلية بوجود أعمال حفر وتنقيب غير مشروعة في أراضٍ مملوكة للدولة في تلك المنطقة.

وعقب ذلك، باشر علماء الآثار عمليات تنقيب طارئة لتوثيق البنية المعمارية للموقع، وتثبيتها، لحمايتها من الانهيار.

وقالت عالمة الآثار أليسيا كونتينو، من وزارة الثقافة الإيطالية: «بفضل البلاغ المحلّي، والتدخُّل السريع، أمكن تحديد جزء من فيلا ضخمة تعود إلى العهد الإمبراطوري، ولم تكن معروفة من قبل، والكشف عن مجموعة رائعة من الزخارف، فضلاً عن العثور على تمثال منحوت من الرخام الأبيض النقي».

للمكان هيبة حتى بعد رحيل ساكنيه بقرون (وزارة الثقافة الإيطالية)

ومن جانبها، صرَّحت المُشرفة الخاصة لآثار روما التابعة لوزارة الثقافة الإيطالية، دانييلا بورو: «إن اكتشاف هذه الفيلا الرومانية في منطقة كاستيل دي غويدو يبرهن على الثراء الأثري الاستثنائي لمدينتنا حتى خارج نطاق مركزها التاريخي».

وأضافت أنّ هذا الاكتشاف يعكس أيضاً مدى فاعلية جهود الحماية القائمة على التعاون، وسرعة التدخُّل.

وقد أسفرت أعمال التنقيب في الموقع عن الكشف عن جدران في حالة ممتازة من الحفظ يصل ارتفاعها إلى 1.5 متر، بالإضافة إلى لوحات من الفسيفساء، وزخارف من الجصّ الملوَّن.

وحدَّد الباحثون بهو الفيلا الذي يتميّز بوجود حوض مركزي غائر، وزخارف راقية تُحاكي أشكالاً هندسية، ونباتية.

وضمَّت إحدى الغرف المُكتَشفة 9 لوحات هندسية باللونَيْن الأبيض والأسود، في حين احتوت غرفة أخرى على أشكال ثمانية الأضلاع باللون الأسود على خلفية بيضاء، وجاءت الغرفة الثالثة مزينة بزخارف على شكل مستطيلات سوداء.

وأفاد الباحثون بأنه عُثر أيضاً على غرف مرصوفة بالفسيفساء، وبنى معمارية مرتبطة بأنشطة ومتعلّقات عدة خاصة بالفيلا.

كما عُثر في الموقع على تمثال مجزأ يُجسّد شخصية ملتحية تحمل حيواناً أليفاً صغيراً، يُرجَّح أنه عجل، أو خنزير صغير.

وقال الباحثون: «إن جودة المكتشفات والزخارف التصويرية والفسيفساء تشهد على المكانة الاجتماعية الرفيعة لأصحاب هذه الفيلا».

ورغم أن الهوية الحقيقية لمالك الفيلا لا تزال غير واضحة، فإنّ الأدلة المتاحة حتى الآن تشير إلى أنها كانت مملوكة لأفراد من الطبقة الأرستقراطية الرومانية، ويُرجَّح أنهم من المقربين إلى العائلة الإمبراطورية.

وتشير الشواهد إلى أنّ الفيلا بُنيت على الأرجح في أوائل القرن الأول الميلادي، ثم هُجرت في القرن الثالث الميلادي.

وكانت منطقة لوريوم نفسها مقصداً يتردَّد عليه الأباطرة الرومان؛ بدءاً من هادريان، ولاحقاً أنطونينوس بيوس الذي شيَّد مقره هناك، فضلاً عن الإمبراطور ماركوس أوريليوس.

وتشير السجلات التاريخية إلى أن عائلتَي الإمبراطور أنطونينوس بيوس من جهتَي الأب والأم، والذي امتدّت مرحلة حكمه من عام 138 إلى 161، عاشتا في منطقة لوريوم.

ويرى العلماء أن هذه الفيلا، بمجمل مكتشفاتها، تفتح آفاقاً جديدة لفهم أعمق للإمبراطورية الرومانية خلال القرن الأول الميلادي.


«خزفة من أجل طفل»... السيراميك يُداوي جراح الطفولة

أشكال مختلفة يجمعها شغف التحوّل (الشرق الأوسط)
أشكال مختلفة يجمعها شغف التحوّل (الشرق الأوسط)
TT

«خزفة من أجل طفل»... السيراميك يُداوي جراح الطفولة

أشكال مختلفة يجمعها شغف التحوّل (الشرق الأوسط)
أشكال مختلفة يجمعها شغف التحوّل (الشرق الأوسط)

يجمع معرض «خزفة من أجل طفل» المستمرّ في «غاليري شريف تابت» بالأشرفية البيروتية حتى 20 يونيو (حزيران) الحالي، بين عالمَيْن قد يبدوان متباعدين: السيراميك والعمل الاجتماعي، وإذا بالتجوّل بين الأعمال المعروضة يكشف عن خيط عميق يصل بينهما يتعلَّق بفكرة التحوّل قبل أن يتعلَّق بفكرة المساعدة.

كلّ قطعة وصلت إلى شكلها بطريقها الخاصة (الشرق الأوسط)

في المجتمعات المُثقَلة بالأزمات، يعتاد الناس النظر إلى الأطفال المتأثّرين بالعنف أو الفقر أو التفكُّك الأُسري من زاوية النقص. يتحوَّل الطفل ملفّاً اجتماعياً أو حالةً تحتاج متابعة. تختفي فرديّته خلف التعريفات السائدة، وتصبح الصعوبات التي واجهها جزءاً من هويته في عيون الآخرين. ذلك يُضاعف أهمية جهود «دار الطفل اللبناني (AFEL)» منذ 50 عاماً. فالجمعية ترى في هؤلاء الأطفال إمكاناتهم المقبلة أكثر مما ترى جراحهم السابقة.

في السيراميك كما في الحياة لا يشبه مسارٌ مساراً آخر (الشرق الأوسط)

يحضر هذا المعنى داخل المعرض من دون أن يُقال مباشرة... فالقِطع الخزفية المعروضة لا تروي حكايات عن الطفولة، ولا تستعير صوَر الأطفال أو معاناتهم. 20 فناناً مُشارِكاً تركوا المادة تتحدَّث بلغتها الخاصة. أشكال متنوّعة وأحجام مختلفة وأسطُح تحتفظ بآثار التشكيل، وتكوينات تتراوح بين الاستخدامي والتجريدي. لا شيء يوحي بالسعي إلى نموذج مُوحَّد أو نتيجة مُتشابِهة. الأعمال مجتمعةً تحتفي بفكرة الاختلاف أيضاً.

ما تصنعه اليد يبقى أطول مما نظنّ (الشرق الأوسط)

هذه الفكرة تُلازم التجربة الإنسانية التي تعمل الجمعية على ترسيخها. فالأطفال الذين تُواكبهم يحملون تجارب مُتباينة. بعضهم جاء من بيوت مضطربة، وبعضهم عرف العنف في مرحلة مبكرة من حياته، فيما خاض آخرون علاقة شاقَّة مع المدرسة بسبب صعوبات تعلُّم لم تجد مَن يفهمها أو يتعامل معها على نحو مُلائم، فتحوَّلت سنوات الدراسة تجربةَ إقصاءٍ بدلَ أن تكون تجربة معرفة. وهذه التجارب تلتقي عند عبء مشترك يتمثَّل في النظرة التي تختزل أصحابها في تعثُّرهم المُبكر.

آثار الأصابع لا تختفي دائماً... وهذا ما يمنح الأشياء تفردها (الشرق الأوسط)

ذلك يمنح «مدرسة الدعم التعليمي» التابعة للجمعية في منطقة برج حمود أهمية استثنائية. فهي تستقبل أطفالاً يعانون فرط الحركة، وعسر القراءة، واضطرابات اللغة والنمو النفسي الحركي، ضمن حالات كثيراً ما تقود في البيئات التعليمية إلى العَزْل أو الإحباط أو فقدان الثقة بالنفس. وبينما يُحسِّن العمل هناك الأداء الدراسي، فإنه يُرمِّم علاقة الطفل بقدراته ويُحرّره من الصورة السلبية التي راكمتها سنوات من سوء الفَهْم أو المقارنة أو الفشل المتكرّر.

ومن المثير أنّ فنّ السيراميك يحمل في جوهره تصوّراً قريباً من هذه الرؤية. فالفنان يتعامل مع المادة من داخل إمكاناتها الكامنة، وليس وفق شكل مُسبَق يفرضه عليها. العملية قائمة على التفاعل مع خصائص كلّ قطعة، وسُمكها وتوازنها واستجابتها. لذلك لا تُنتَج قِطع متشابهة حتى حين تنطلق من المادة نفسها. تحتفظ كلّ منها بشخصيتها المُتفرِّدة ومسارها الخاص.

50 عاماً من حماية الطفولة واستعادة ما كاد يُفقد (الشرق الأوسط)

تحمل العلاقة بين المعرض والجمعية أبعاداً تتخطَّى الغاية التضامنية المُعلَنة، فلا تُعرَض الأعمال لتؤدّي دور الوسيط لجَمْع التبرّعات فقط. هي تمنح الزائر مساحة للتأمُّل في ضرورة الفرصة الثانية التي غالباً ما تغيب عن النقاشات الاجتماعية. فالمجتمعات تميل إلى تصنيف الأفراد وفق انطباعات أولى، بينما يحتاج النمو الإنساني وقتاً أطول من الأحكام. والطفولة؛ أعمق من أيّ مرحلة أخرى، تتأثَّر بنوعية هذه النظرة التي تُرمَى عليها.

ما يبدو ساكناً يحتفظ بالحياة في داخله (الشرق الأوسط)

ففي العادة، لا يلتفت المجتمع إلا إلى النتائج... إلى الطفل الذي طُرِد من المدرسة أو انجرف إلى العنف أو خسر معركته مع التهميش. أما القصص التي لم تصل إلى هذه النهايات، فقلَّما تجد مَن يرويها. بنظرة مُنصِفة إلى الطفولة، راكمت «دار الطفل اللبناني» تجارب آلاف المسارات الإنسانية التي عَبَرَت برامجها خلال العقود الـ5 الماضية ثم شقَّت الطُرق نحو حياة مختلفة. أطفالٌ أصبحوا أهالي، وبعضهم دخلوا مجالات مهنية متنوّعة، وبعضهم اختاروا قطاع التربية أو الخدمة الاجتماعية. وإنما جميعهم أكّدوا أنّ السيرة الإنسانية لا تُكتَب في فصلها الأول فقط، فالمصير أوسع من البدايات.