البرلمان المصري لمناقشة تقليص «الحبس الاحتياطي» في السجون

ضمن تحركات حكومية بشأن تعديل قانون «الإجراءات الجنائية»

حنفي جبالي خلال اجتماعه مع وزراء ورؤساء أحزاب سياسية وحقوقيين لاستعراض تعديلات قانون الإجراءات الجنائية (النواب المصري)
حنفي جبالي خلال اجتماعه مع وزراء ورؤساء أحزاب سياسية وحقوقيين لاستعراض تعديلات قانون الإجراءات الجنائية (النواب المصري)
TT

البرلمان المصري لمناقشة تقليص «الحبس الاحتياطي» في السجون

حنفي جبالي خلال اجتماعه مع وزراء ورؤساء أحزاب سياسية وحقوقيين لاستعراض تعديلات قانون الإجراءات الجنائية (النواب المصري)
حنفي جبالي خلال اجتماعه مع وزراء ورؤساء أحزاب سياسية وحقوقيين لاستعراض تعديلات قانون الإجراءات الجنائية (النواب المصري)

يبدأ مجلس النواب المصري (البرلمان) مناقشة تعديلات شاملة على قانون «الإجراءات الجنائية» في البلاد، تتضمن تقليص مدد «الحبس الاحتياطي»، والتعويض عن الحبس الخاطئ، وتنظيم إجراءات تتعلق بالحقوق والحريات، من بينها تدابير المنع من السفر، والتحفظ على الأموال، وتفتيش المدانين في قضايا مختلفة.

وتأتي المناقشات البرلمانية ضمن إجراءات حكومية لتعديل قانون «الإجراءات الجنائية»، الذي لم يتم تغييره منذ 74 عاماً. وتطالب أحزاب وقوى سياسية مصرية بإعادة النظر في قانون «الإجراءات الجنائية» لصدوره منذ سنة 1950 وحتى يواكب التطورات القانونية والسياسية الحالية بمصر.

وقدمت الحكومة المصرية مشروعاً للبرلمان المصري لتعديل 356 مادة من أصل 461 مادة، غير أن «النواب» المصري رأى إعداد مشروع قانون جديد للإجراءات الجنائية. وكلف البرلمان «لجنة فرعية» منبثقة عن اللجنة التشريعية والدستورية لإعداد التشريع الجديد، تضم قانونيين متخصصين من الوزارات ذات الصلة (العدل، والداخلية، والمجالس النيابية) وممثلين عن مجلس القضاء الأعلى، ومجلس الدولة، والنيابة العامة، وهيئة مستشاري مجلس الوزراء، والمجلس القومي لحقوق الإنسان، ونقابة المحامين، حسب إفادة للبرلمان المصري.

واستعرض رئيس البرلمان المصري، حنفي جبالي، السبت، نتائج صياغة التشريع الجديد لقانون الإجراءات الجنائية، في اجتماع مع وزيرَي العدل والشؤون النيابية، ورؤساء وممثلي الأحزاب السياسية وشخصيات عامة، وحقوقيين وممثلين عن مجلس الشيوخ (الغرفة الثانية للبرلمان)، و«الحوار الوطني». وقال إن أهم تعديلات القانون الجديد «تخفيض مدد الحبس الاحتياطي وتنظيم التعويض عنه، وإعادة تنظيم اختصاصات وصلاحيات مأمور الضبط القضائي بإقرار مزيد من الضمانات التزاماً بالمحددات المنصوص عليها في الدستور».

وأوضح جبالي أن «القانون الجديد ألغى الباب الخاص بالإكراه البدني للمحكوم عليهم، واستبدل به إلزام المحكوم عليهم بأداء أعمال بالمنفعة العامة». وأشار إلى أن التعديلات «عالجت نصوصاً قانونية تتعارض مع الكثير من أحكام دستور 2014 في مصر».

اجتماع سابق لمجلس أمناء «الحوار الوطني» (الحوار الوطني على «فيسبوك»)

وعدّ وكيل «لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية» بمجلس النواب المصري، رئيس اللجنة الفرعية لإعداد قانون «الإجراءات الجنائية»، النائب إيهاب الطماوي، أن «القانون الجديد نقلة تشريعية تنظم ممارسة الحقوق والحريات العامة». وأرجع ذلك إلى أن «المقترح الجديد للقانون يتضمن 540 مادة، ويغير من التشريع الحالي الصادر عام 1950»، مشيراً إلى أن إعداد القانون «استغرق 14 شهراً».

وتحدث الطماوي عن مجموعة من التعديلات الجديدة التي يتضمنها القانون الجديد، منها «تخفيض مدد الحبس الاحتياطي بواقع 4 أشهر في قضايا الجنح بدلاً من 6 أشهر، و12 شهراً في قضايا الجنايات بدلاً من 18 شهراً، و18 شهراً في القضايا التي تصل عقوبتها للإعدام أو المؤبد بدلاً من 24 شهراً»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن التعديلات أكدت «عدم تخطي مدة الحبس الاحتياطي 24 شهراً»، إلى جانب إقرار القانون «التعويض عن الحبس الاحتياطي الخاطئ».

ومن النصوص الجديدة في القانون، حسب الطماوي، «تنظيم عمليات الترقب والوصول للمتهمين، وقوائم الوصول والمنع من السفر، وإعادة تنظيم الإجراءات الخاصة بالأحكام الغيابية لحماية حقوق المتهمين، وتنظيم حق الصمت أثناء التحقيقات والمحاكمة».

وتناقش اللجنة التشريعية بالبرلمان المصري، الثلاثاء، المقترح الجديد لقانون «الإجراءات الجنائية». وعدّ الطماوي أن فتح النقاش حول القانون الجديد خلال فترة الإجازة البرلمانية بمصر «يعكس إرادة البرلمان لإنجاز مشروع القانون في دور الانعقاد البرلماني القادم».

وفي يوليو (تموز) الماضي، أعلن رئيس البرلمان المصري، فضّ دور الانعقاد البرلماني الرابع، على أن يبدأ المجلس دور الانعقاد الخامس في الأول من أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، وفقاً للمادة 274 من اللائحة الداخلية لمجلس النواب المصري.

الإفراج عن محبوسين مصريين بعد العفو عنهم في أبريل الماضي (الداخلية المصرية)

ويرى رئيس «حزب العدل المصري»، عضو مجلس النواب (البرلمان)، النائب عبد المنعم إمام، أن «تعديلات قانون الإجراءات الجنائية الجديدة ضرورية، لإعادة النظر في ملفات تتعلق بالحقوق والحريات، مثل ملف الحبس الاحتياطي». وأرجع ذلك إلى أن الحبس الاحتياطي «تحول إلى عقوبة في حد ذاته خلال الوضع الحالي للقانون».

واعتبر إمام أن القانون المقترح «يلبي مطالب القوى السياسية بخفض مدد الحبس الاحتياطي في مختلف القضايا، وتنظيم إجراءات تفتيش محل إقامة المتهمين، والمنع من السفر، والرقابة على الأموال والأصول». وعدّ ذلك «من إيجابيات التشريع الجديد»، غير أنه طالب بـ«تقليل مرة أخرى مدد الحبس الاحتياطي المطروحة في التعديلات»، مشيراً لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «تلك التعديلات ستنهي قضية الحبس».

ولفت رئيس «حزب العدل المصري» إلى أن «القانون الجديد ينظم العلاقة بين المواطن والقضاء في مختلف الإجراءات القضائية، ويحقق التوازن بين الحقوق والحريات»، داعياً إلى ضرورة «استجابة السلطة التنفيذية للتعديلات المطروحة في القانون، وأن تضعها محل تنفيذ».

في حين اعتبر نائب رئيس «حزب المؤتمر المصري»، عضو البرلمان، أحمد مقلد، أن «تعديلات نصوص قانون الحبس الاحتياطي في قانون الإجراءات الجنائية، تتكامل مع توصيات ومخرجات (الحوار الوطني)»، مشيراً إلى أن «التعديلات تتضمن التوسع في الإجراءات الاحترازية البديلة للحبس». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن من بين الإجراءات الاحترازية المنصوص عليها في القانون الجديد «تحديد محل الإقامة، واستحداث وسائل رقابة إلكترونية».

وناقش «الحوار الوطني» بمصر في يوليو الماضي، قضية الحبس الاحتياطي بحضور 50 مشاركاً من القانونيين والحقوقيين والسياسيين. ووافق مجلس أمناء «الحوار الوطني» الذي يضم شخصيات عامة وحزبية وأكاديميين وسياسيين، على التوصيات المقدمة في محاور تتعلق بـ«مدة وبدائل الحبس الاحتياطي، والتعويض عن الحبس الخاطئ، والتدابير المصاحبة للحبس الاحتياطي»، مع رفعها للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لاتخاذ ما يلزم بشأنها.


مقالات ذات صلة

«بخط اليد»... «روشتَّات» الأطباء المصريين ترهق الصيادلة

شمال افريقيا «نقابة صيادلة القاهرة» تطالب بكتابة الوصفة الطبية إلكترونياً (رويترز)

«بخط اليد»... «روشتَّات» الأطباء المصريين ترهق الصيادلة

طالبت «نقابة صيادلة القاهرة» في مخاطبة رسمية، نهاية الأسبوع الماضي، بـ«إلزام الأطباء والمنشآت الصحية كتابة الوصفات الطبية بالاسم العلمي للدواء».

أحمد عدلي (القاهرة )
شمال افريقيا مقر «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)

مصر: معركة على الذاكرة لإعادة صياغة أحداث «فض رابعة»

دخل محسوبون على «تنظيم الإخوان»، الذي تصنّفه مصر إرهابياً، ومؤيدون للدولة، في تلاسن لم يتوقف خلال الأيام الماضية على منصات التواصل الاجتماعي.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
الاقتصاد وزير البترول المصري يتابع الأحد برامج الحفر والاستكشاف وتنمية الحقول في البحر المتوسط (صفحة مجلس الوزراء على «فيسبوك»)

مصر تسرّع تشغيل حقل «هارمتان» لدعم إمدادات الغاز المحلي

تسرّع مصر جهود تشغيل حقل «هارمتان» البحري لدعم إمدادات الغاز المحلي، وذلك بهدف إنتاج 200 مليون قدم مكعبة يومياً.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
المشرق العربي لقاء الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ومستشار ترمب في العلمين الأحد (الرئاسة المصرية)

لقاء بين الحية وكوشنر لدفع خطة السلام في غزة

كشفت مصادر مصرية مطلعة وكذلك مصادر من حركة «حماس» لـ«الشرق الأوسط»، أن وفد الحركة برئاسة خليل الحية التقى الأحد في مدينة العلمين المصرية مع جاريد كوشنر.

هشام المياني (القاهرة)
شمال افريقيا سد النهضة الإثيوبي (رويترز)

تحذير مصري لإثيوبيا من خطط السيطرة على تدفقات مياه النيل

في تصعيد جديد للتوتر بين القاهرة وأديس أبابا بشأن أزمة «سد النهضة» الإثيوبي، حذّر مصدر مصري مسؤول من «خطط إثيوبيا للسيطرة على تدفقات مياه النيل».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

حفتر يرسخ حضوره في الحسابات الأميركية من بوابة «الساحل والصحراء»

المشير خليفة حفتر في لقاء مع قائد «أفريكوم» الفريق داغفين أندرسون في ديسمبر الماضي (إعلام القيادة العامة)
المشير خليفة حفتر في لقاء مع قائد «أفريكوم» الفريق داغفين أندرسون في ديسمبر الماضي (إعلام القيادة العامة)
TT

حفتر يرسخ حضوره في الحسابات الأميركية من بوابة «الساحل والصحراء»

المشير خليفة حفتر في لقاء مع قائد «أفريكوم» الفريق داغفين أندرسون في ديسمبر الماضي (إعلام القيادة العامة)
المشير خليفة حفتر في لقاء مع قائد «أفريكوم» الفريق داغفين أندرسون في ديسمبر الماضي (إعلام القيادة العامة)

أعاد الإفراج عن مواطن أميركي كان محتجزاً لدى جماعة مرتبطة بتنظيم «داعش» في منطقة الساحل، مع حديث عن دور سلطات شرق ليبيا في العملية، تسليط الضوء على الانفتاح المتدرج في العلاقة بين واشنطن وقائد «الجيش الوطني» المشير خليفة حفتر.

فبعد سنوات كان يُنظر خلالها إلى حفتر في دوائر صنع القرار الأميركي باعتباره طرفاً في الصراع الليبي، بات اليوم -حسب دبلوماسيين ومحللين- لاعباً أمنياً تتعامل معه الولايات المتحدة في ملفات تتجاوز حدود بلاده إلى مكافحة الإرهاب وأمن منطقة الساحل.

ويقول الدبلوماسي الليبي محمد خليفة المرداس إن المقاربة الأميركية خلال السنوات الأخيرة تبدو أكثر براغماتية في التعامل مع حفتر، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أنه «لم يتحول إلى حليف أميركي، لكنه انتقل من طرف في معادلة صراع ينبغي احتواؤه إلى لاعب أمني لا تستطيع واشنطن تجاهله، خصوصاً مع تنامي دوره في الملفات الأفريقية وقدرته على التأثير في مناطق جنوب ليبيا المتصلة بمنطقة الساحل والصحراء».

وظهر الأميركي كيفن رايدوت، في تسجيل مصور مقتضب بثته قنوات محلية ليبية، فجر الاثنين، متحدثاً عن نقله بدراجة نارية إلى مالي بعد اختطافه في النيجر حيث كان يعمل في منظمة غير حكومية.

الأميركي كيفن رايدوت متحدثاً عقب وصوله إلى بنغازي الليبية بعد تحريره من قبضة «داعش» في مالي (قناة الحدث المحلية)

لكن مجرد ظهور اسم حفتر في عملية تتعلق برهينة أميركي في منطقة الساحل يعكس، حسب مراقبين، اتساع هامش التعامل معه باعتباره «صاحب نفوذ أمني يتجاوز الحدود الليبية».

ويربط رئيس «المجلس الوطني للعلاقات الأميركية-الليبية»، هاني شنيب، التطورات الأخيرة في العلاقة بين واشنطن وحفتر، وآخرها دوره في تحرير الرهينة الأميركي، بما يمكن قراءته في استراتيجية الأمن القومي الأميركي لعام 2025، التي أعادت تركيز السياسة الخارجية على «المصالح القومية الأميركية الأساسية والحيوية فقط»، وفق ما قال لـ«الشرق الأوسط».

وفي بلد يعيش انقساماً عسكرياً بين شرقه وغربه منذ عام 2014، رسم هذا الانفتاح مساره على مدى نحو سبع سنوات.

ففي ذروة هجوم حفتر على طرابلس عام 2019، عارضت واشنطن العملية ودعت إلى وقفها، في حين عدّت «الخارجية الأميركية» الحسم العسكري تهديداً لمسار التسوية السياسية. وجاء ذلك في وقت تصاعد فيه التنافس الروسي-الأميركي حول ليبيا، رغم أن الرئيس دونالد ترمب تحدث هاتفياً مع حفتر في أبريل (نيسان) من العام نفسه، وأشاد بدوره في مكافحة الإرهاب وتأمين موارد النفط الليبية.

ومع وصول جو بايدن إلى البيت الأبيض، استمرت واشنطن في حوارها مع حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في طرابلس، والمسار الذي ترعاه الأمم المتحدة، وظلت حَذِرة من حفتر، خصوصاً بسبب علاقاته مع روسيا.

لكن التواصل العسكري المباشر منح العلاقة بُعداً أكثر وضوحاً.

ففي أغسطس (آب) 2024، التقى قائد القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا (أفريكوم)، الجنرال مايكل لانغلي، مسؤولين في طرابلس، قبل أن يتوجه إلى بنغازي للقاء حفتر وقيادات الجيش. وقالت «أفريكوم» إن المحادثات تناولت سبل توحيد الجيش الليبي وتعزيز سيادة البلاد.

ويقول شنيب لـ«الشرق الأوسط» إن السياسة الأميركية منذ عهدَي الرئيسين الأسبق باراك أوباما والسابق جو بايدن بدت متناغمة مع أوروبا وإلى حد ما مع الأمم المتحدة، لكنه يرى أنها «تغيرت الآن لتنصبَّ فقط على مصلحتها بطراز ترمب».

وبعد شهر من عودة ترمب إلى البيت الأبيض، تكرر مشهد التواصل العسكري مع حفتر بصورة أكثر مباشرة، عندما التقاه نائب قائد «أفريكوم»، الجنرال جون برينان، في فبراير (شباط) 2025، كما التقى نجله صدام في سرت، ضمن لقاءات مع مسؤولين في الشرق والغرب هدفت إلى تعزيز التعاون الأمني. وبلغ التعاون ذروته عندما رَعَت «أفريكوم» مناورات مشتركة شاركت فيها قوات من شرق ليبيا وغربها.

ومنذ ذلك الحين، باتت واشنطن تنظر إلى حفتر باعتباره «الخيار الأفضل القادر على ضبط الجغرافيا الليبية، في مرحلة تريد فيها الولايات المتحدة تقليص انخراطها في أزمات أخرى، مع تركيز استراتيجي أكبر على آسيا والمنافسة مع الصين والصراع مع إيران»، حسبما يقول المرداس.

وتَعزّز الحديث عن هذه المقاربة مع «مبادرة أميركية» لتقاسم السلطة بين طرفَي الصراع الليبي. وتقوم المبادرة، وفق ما تسرب منها، التي جاءت تتويجاً لتحركات دبلوماسية نشطة لكبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، على تولي صدام حفتر رئاسة المجلس الرئاسي، مقابل ترؤس عبد الحميد الدبيبة حكومة موحدة.

ويصف شنيب رفع واشنطن مستوى علاقتها علناً مع حفتر بأنه بمثابة «حافز له مقابل أن يتحول علناً هو الآخر إلى داعم أساسي لسياسة أميركا في ليبيا والشرق الأوسط والساحل».

غير أن تنامي العلاقات بين حفتر وواشنطن يضع علامات استفهام أمام علاقته بموسكو، ولا سيما وجودها العسكري في ليبيا، باعتباره «العقدة الأصعب في هذا التقارب».

ويتمثل الوجود الروسي في «الفيلق الأفريقي» التابع لوزارة الدفاع والمتمركز في مواقع استراتيجية، بشرق البلاد وجنوبها، وينظر إليه بوصفه تأميناً لنفوذ موسكو على البحر المتوسط وخطوط إمدادها نحو أفريقيا.

ويرى الباحث الروسي كيريل سيمينوف أن علاقة حفتر بموسكو تقوم على اعتماد متبادل؛ إذ لا تزال روسيا «توفّر له دعماً عسكرياً وخبرة تشغيلية مهمة، خصوصاً في مجال الدفاع الجوي، فهي تحتاج إلى وجوده لتثبيت نفوذها في ليبيا وأفريقيا».

غير أن سيمينوف لا يعتقد، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن إدارة الرئيس ترمب تبدو مستعدة للدخول في مواجهة مباشرة مع النفوذ الروسي في ليبيا. ولذلك، فإن التقارب الأميركي مع حفتر لا يعني، في تقديره، «أن واشنطن أصبحت بديلاً عن موسكو بالنسبة إليه، أو أن الرجل مستعد للتخلي عن الروس لمصلحة الأميركيين».

Your Premium trial has ended


«بخط اليد»... «روشتَّات» الأطباء المصريين ترهق الصيادلة

«نقابة صيادلة القاهرة» تطالب بكتابة الوصفة الطبية إلكترونياً (رويترز)
«نقابة صيادلة القاهرة» تطالب بكتابة الوصفة الطبية إلكترونياً (رويترز)
TT

«بخط اليد»... «روشتَّات» الأطباء المصريين ترهق الصيادلة

«نقابة صيادلة القاهرة» تطالب بكتابة الوصفة الطبية إلكترونياً (رويترز)
«نقابة صيادلة القاهرة» تطالب بكتابة الوصفة الطبية إلكترونياً (رويترز)

يضطر أحمد، الصيدلي المصري المتخرج حديثاً، للاستعانة بزملائه الأقدم في قراءة بعض «الروشتات» الطبية التي كتبها طبيب أطفال تقع عيادته بالقرب من الصيدلية، نظراً لـ«عدم وضوح الخط» في أحيان كثيرة.

يقول أحمد الذي بدأ العمل في الصيدلية قبل بضعة أسابيع، إن الأمر كان يرهقه في البداية، قبل أن يستطيع تدريجياً معرفة أسماء الأدوية التي يكتبها الطبيب «بخط يده».

لم يكن أحمد حالة فريدة؛ فقد تصدرت مثل هذه المواقف الاهتمام في مصر بعد صرف دواء لطفلة عن طريق الخطأ، بسبب عدم استطاعة الصيدلي التمييز بين الدواء الموصوف وآخر لمعالجة الصرع، ما تسبب في نقل الطفلة للمستشفى ودخولها غرفة الرعاية المركزة.

وطالبت «نقابة صيادلة القاهرة» في مخاطبة رسمية، نهاية الأسبوع الماضي، وزير الصحة خالد عبد الغفار بـ«إلزام الأطباء والمنشآت الصحية كتابة الوصفات الطبية بالاسم العلمي للدواء بدلاً من الاسم التجاري، والبدء في تطبيق القرار على المضادات الحيوية كمرحلة أولى، مع المطالبة بتعميم نظام الروشتة الإلكترونية المطبوعة بدلاً من الكتابة اليدوية».

ويتجاوز عدد الصيدليات في مصر 71 ألف صيدلية، وفق إحصائيات «هيئة الدواء» الصادرة العام الماضي.

ويقول رئيس لجنة تصنيع الدواء بنقابة الصيادلة، محفوظ رمزي، لـ«الشرق الأوسط»، إن واقعة حصول الطفلة على دواء بالخطأ «أعادت فتح الملف الذي لا يتطلب تكلفة مالية كبيرة للتطبيق».

وأضاف: «الروشتة الإلكترونية جزء من منظومة التأمين الصحي الشامل الجاري تعميمها؛ لكن في المقابل يمكن للأطباء في عياداتهم الخاصة طباعة الروشتات عبر الحاسب الآلي، مكتوباً بها الاسم العلمي أو الدواء بشكل واضح».

واستطرد: «الصيدلي لم يدرس في الكلية لمدة 6 سنوات من أجل التعامل مع خطوط باليد غير واضحة. ما تطالب به النقابة قابل للتنفيذ على أرض الواقع، دون تحمل أي أعباء مالية».

صيادلة يشتكون عند صرف الأدوية من عدم وضوح الخط المكتوبة به الوصفة الطبية (رويترز)

لكن إليزابيث شاكر، عضو «لجنة الصحة» بمجلس النواب، تؤكد أن التطبيق العملي للروشتة الإلكترونية على أرض الواقع قد يستغرق سنوات، وتشير إلى عدم جاهزية بعض العيادات بأجهزة الحاسب الآلي والطابعات؛ خصوصاً خارج نطاق القاهرة، بالإضافة إلى أن إلزام الطبيب كتابة روشتة إلكترونية سيجعل الصيدلي ملزماً بصرف الدواء دون اللجوء إلى البدائل المتاحة التي تحتوي على المادة الفعالة نفسها.

وتضيف قائلة لـ«الشرق الأوسط»: «فكرة كتابة اسم المادة الفعالة هي أكثر فائدة للمريض؛ لكنها ستواجه مشكلة في عدد ليس بالقليل من الصيدليات التي لا يوجد فيها صيادلة، ويعمل فيها مساعدون لم يدرسوا الصيدلة بالمخالفة للقانون».

وتؤكد أن الأمر بحاجة إلى معالجة متكاملة عبر منظومة متكاملة، وليس بتحركات فردية.

ويشترط قانون مزاولة مهنة الصيدلة أن يكون صاحب ترخيص الصيدلية حاصلاً على بكالوريوس الصيدلة، كما يشترط القانون وجود صيدلي مرخَّص طوال ساعات العمل، على أن يكون مسؤولاً عن صرف الدواء والتعامل مع العملاء.

ويقول رمزي: «وجود الصيدلي أثناء العمل أمر يجب ألا يكون محل اعتراض؛ لكن في المقابل يجب التعامل مع الصيدلي بوصفه شريكاً في المنظومة الطبية ومحاولة تسهيل عمله، وهو ما يمكن تحقيقه عبر كتابة الروشتات الطبية بخط واضح».


موريتانيا: جدل سياسي بعد تقرير حكومي حول «الفساد»

الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (أ.ف.ب)
الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (أ.ف.ب)
TT

موريتانيا: جدل سياسي بعد تقرير حكومي حول «الفساد»

الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (أ.ف.ب)
الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (أ.ف.ب)

يحتدم الجدل السياسي في موريتانيا بعدما أعلنت المفتشية العامة للدولة، في مطلع الأسبوع، تقريراً يكشف اختلالات مالية في عدد من القطاعات الحكومية تبلغ قيمتها نحو 60 مليون دولار، بينما تباينت ردود الفعل بين المعارضة والموالاة.

ويرصد التقرير عمليات التفتيش خلال عامي 2024 و2025، وجاء بعد أشهر من الترقب والانتظار، وفي وقت تعلن السلطات رفع مستوى الحرب على الفساد.

وانطلقت الانتقادات بعد صدور التقرير يوم السبت، إذ كشف عمليات فساد بلغت قيمتها 2.3 مليار أوقية موريتانية جديدة (57.5 مليون دولار)، دون أن يتضمن اسم أي شخصية متورطة في هذا الفساد، أو اسم أي شركة أو جهة معينة.

وفيما اعتُبر حجب الأسماء نوعاً من «التستر على المفسدين»، قالت السلطات إنه يأتي في إطار «حماية البيانات الشخصية».

انتقادات المعارضة

وقال حزب «التجمع الوطني للإصلاح والتنمية» (تواصل)، أكبر أحزاب المعارضة وأكثرها تمثيلاً في البرلمان، إن على السلطات أن تبتعد عن «سياسة التعمية والتستر على الضالعين في عمليات الفساد، أياً كانت مواقعهم أو مناصبهم».

وأضاف أنه يجب على الحكومة نشر جميع نتائج متابعة المتورطين، وأنه «لا حصانة لفاسد مهما كان موقعه أو نفوذه».

وقال: «لقد آن الأوان أن يفهم الجميع أن المال العام ليس غنيمة، وأن مقدرات الشعب ليست مجالاً للمحاباة والتلاعب؛ فحماية المال العام ليست مطلب المعارضة وحسب، بل حق لكل مواطن موريتاني، وواجب على كل مسؤول حكومي».

ورفض الحزب أن تتحول تقارير الرقابة «إلى وثائق تُحفظ في الأدراج، أو مجرد توصيات تنضاف إلى ما سبقها من أرقام في تقارير سنوية مماثلة»، داعياً إلى «تنفيذ توصيات أجهزة الرقابة كاملة وبآجال محددة، ووجود إرادة حقيقية لمكافحة الفساد، وإحداث إصلاح جذري لمنظومة الصفقات العمومية وإغلاق منافذ التلاعب بها».

وقال النائب المعارض محمد الأمين ولد سيدي مولود إن تقرير المفتشية العامة للدولة كشف اختلالات مالية كبيرة، ولكن «قتلته الحكومة قبل أن يصدر، وذلك عبر حجب أسماء الضالعين في الاختلالات التي تطرق لها التقرير، وكذا المؤسسات التي جرت فيها تلك الخروقات».

وأضاف في تصريح صحافي: «ورغم أهمية نشر التقرير وجهود المفتشية المطورة نظرياً، فقد تم انتزاع لب التقرير منه».

وتابع: «التستر على المفسدين هو الذي جعل النظام يمكن أن يسند إليهم مسؤوليات في المستقبل، بعد أن تم حجبهم عن الرأي العام»؛ مشيراً إلى أن المبالغ التي تم الكشف عن التلاعب فيها كانت ضخمة، وكان يمكن أن تغطي تكاليف بناء مستشفيات أو مؤسسات تعليمية، وكذا صيانة الطرق أو تمويل مشروعات شبابية.

اختلالات أم اختلاسات؟

من جهة أخرى، قال زين العابدين ولد المنير، رئيس الفريق البرلماني لحزب «الإنصاف» الحاكم، إن نشر التقرير في حد ذاته «محطة مهمة في مسار تعزيز الشفافية وتطوير منظومة الرقابة»، مؤكداً أن الدولة التي تنشر تقرير جهازها الرقابي، بما يتضمنه من ملاحظات ونقائص ومعالجات، «تؤكد أن الرقابة ليست شأناً إدارياً مغلقاً، وإنما جزء من منظومة الحكامة التي يحق للمواطن أن يعرف نتائجها».

وأضاف أن هناك من يحاول مغالطة الرأي العام من خلال الإيحاء بأن الاختلالات المالية التي تحدث عنها التقرير هي عملية «اختلاس»، مشيراً إلى أن ذلك «ليس مجرد تفصيل لغوي... لأن هذه الاختلالات قد تختلف في طبيعتها وطريقة معالجتها، ولا يجوز تحويلها كلها إلى خانة واحدة بعنوان الاختلاس».

وأكد أن الإحالة إلى القضاء لا تعني بأي حال من الأحوال ثبوت الاختلاس، ولا تعني صدور حكم قضائي، وإنما تعني أن الملف وصل إلى الجهة القضائية المختصة لتتولى ما يدخل في نطاق اختصاصها، مشيراً إلى أن «الإحالة إلى القضاء ليست إدانة، والأثر المالي للملف القضائي ليس بالضرورة مبلغ اختلاس».

وأيَّد رئيس الفريق البرلماني لحزب «الإنصاف» قرار عدم نشر الأسماء في إطار ما قالت المفتشية إنه «حماية البيانات الشخصية».

وسبق أن قال الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني إنه يرفض أن تتحوَّل الحرب على الفساد إلى تصفية حسابات شخصية وإضرار بسمعة شخصيات ما تزال محل شبهة، ولم يُدِنها القضاء.