تركيا تسقط طائرة روسية وتحتمي بـ«الناتو».. وبوتين يتهمها بالتواطؤ مع الإرهاب

العملية تدفع العلاقات بين البلدين إلى حافة الهاوية.. ومواجهات بالواسطة بين الطرفين في سوريا

لقطات فيديو تظهر طائرة السوخوي الروسية من إصابتها حتى سقوطها في إقليم هاتاي بجنوب غربي تركيا أمس (رويترز)
لقطات فيديو تظهر طائرة السوخوي الروسية من إصابتها حتى سقوطها في إقليم هاتاي بجنوب غربي تركيا أمس (رويترز)
TT

تركيا تسقط طائرة روسية وتحتمي بـ«الناتو».. وبوتين يتهمها بالتواطؤ مع الإرهاب

لقطات فيديو تظهر طائرة السوخوي الروسية من إصابتها حتى سقوطها في إقليم هاتاي بجنوب غربي تركيا أمس (رويترز)
لقطات فيديو تظهر طائرة السوخوي الروسية من إصابتها حتى سقوطها في إقليم هاتاي بجنوب غربي تركيا أمس (رويترز)

دفع إسقاط تركيا طائرة روسية قالت إنها اخترقت مجالها الجوي عند الحدود السورية أمس، العلاقات بين البلدين، إلى حافة الهاوية، بعد النبرة العالية للرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي اتهم أنقرة صراحة بـ«التواطؤ مع الإرهاب»، فيما لم ترتسم بعد صورة المشهد الميداني على الأرض في ظل معلومات عن حصول مواجهة غير مباشرة بين البلدين في منطقة جبل التركمان الحدودية، التي تشهد مواجهات حامية منذ نحو أسبوع.
وفيما وصف بوتين إسقاط تركيا لطائرة (سو - 24) الروسية بأنه «طعنة في الظهر من جانب القوى المتواطئة مع الإرهاب»، وحذر في تصريحات حادة اللهجة من أن «روسيا لن تتسامح مع جريمة مثل مهاجمة الطائرة الروسية»، احتمت تركيا بحلف شمال الأطلسي (الناتو)، الذي عقد اجتماعا ليل أمس في أراضي تركيا، البلد العضو في الحلف. علما أن حادثة إسقاط الطائرة، تعد التصعيد الأكبر في العلاقة بين الحلف وروسيا، كونها المرة الأولى التي يتم فيها إسقاط طائرة روسية من قبل دولة في الحلف. وقالت مصادر تركية غير رسمية لـ«الشرق الأوسط» أن أنقرة فتحت حدودها أمام آلاف المتطوعين الأتراك الذي شاركوا في عمليات الدفاع عن مناطق جبل التركمان التي تسكنها أغلبية تركمانية سورية متحالفة مع أنقرة. وأشارت المصادر إلى أن كميات كبيرة من الأسلحة والمقاتلين وصلت خلال الأيام الماضية إلى المنطقة مما غير من وجهة المعركة فيها.
وأكد بوتين خلال استقباله أمس العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني بأن «الطائرة الروسية لم تكن تشكل أي تهديد لتركيا بأي حال من الأحوال»، لافتًا إلى أنها كانت تقوم بعمليات قصف لمواقع بالقرب من اللاذقية، حيث تتمركز مجموعات من الإرهابيين غالبيتهم من أبناء القوقاز. ووجه الرئيس الروسي اتهامات مبطنة لتركيا بأنها تدعم المجموعات الإرهابية حين أشار إلى أن بلاده رصدت منذ زمن نقل كميات كبيرة من النفط من سوريا إلى تركيا، وهذا حسب قوله: «مصدر تغذية مالي كبير للمجموعات الإرهابية»، التي «تحظى إلى جانب ذلك بدعم جيوش بعض الدول». واستغرب الرئيس الروسي كيف تقوم تركيا بدعوة الـ(ناتو) لبحث الحادثة، قائلاً إنهم «يدعون لهذا الاجتماع وكأن الطائرة التي أسقطت تركية وليست طائرة روسية». وبعد تذكيره بأن بلاده كانت تنظر إلى تركيا على أنها ليست مجرد شريك بل وكدولة صديقة، استطرد بوتين محذرا وبلهجة صارمة من أنه «سيكون للحادثة تأثير كبير على العلاقات الروسية - التركية».
وفي المقابل، بدت تركيا وكأنها تحاول امتصاص صدمة الحادثة، لكنها أكدت في المقابل إصرارها على منع أي خرق لحدودها وأي تهديد أمني. وقالت مصادر رسمية تركية لـ«الشرق الأوسط» أن أنقرة مصرة على العلاقات الطيبة مع روسيا، لكنها لن تتهاون في مسألة أمن حدودها وسيادتها. وقللت المصادر من خطورة الحادثة التي وصفتها بأنها «معزولة»، مؤكدة أن ليس في نية تركيا الدخول في مواجهات مع أحد، لكنها متمسكة بالدفاع عن سيادتها. وأشار المصدر إلى أن تركيا نسقت مواقفها بعد الحادثة مع حلفائها في الـ«ناتو»، نافيًا أي تنسيق مع الأميركيين قبل العملية.
وقال رئيس الوزراء التركي أحمد داود أوغلو، إنه «يجب على العالم بأسره أن يعلم أننا سنقدم كل التضحيات، ونتخذ جميع التدابير عندما يتعلق الأمر بأمن حدودنا وحياة وكرامة مواطنينا، وينبغي تناول رد فعل قواتنا المسلحة الفوري لانتهاك الطائرات للأجواء التركية اليوم في هذا الإطار». وأضاف: «ليست لدينا أطماع بأراضي أي دولة أخرى، وعلى الجميع أن يدرك أنّ لتركيا حق الدفاع عن أمن أراضيها، لا سيما أننا نبّهنا إلى ذلك مرارًا، وأكدنا عليه خلال اجتماعنا الأمني الأخير، وإنّ رد تركيا على انتهاك أجوائها وأراضيها رغم التحذيرات المتكررة، حق قومي ودولي».
ودعا داود أوغلو المجتمع الدولي، لإطفاء النار في سوريا، مضيفًا: «رسالتنا واضحة حيال من يقصف تركمان «باير بوجاق»، وعرب حلب، وأكراد وعرب وتركمان إعزاز (مدينة في ريف حلب)، سواء كان النظام السوري، أو التنظيمات الإرهابية، أو أي عناصر خارجية، فالشعب السوري يستحق الحياة بسلام وكرامة مثل بقية الشعوب».
وأكد داود أوغلو أن «على العالم بأسره أن يكون مدركا وواثقا من أننا سنقوم بما يلزم، من أجل إحلال السلام في تركيا ومحيطها، وضمان ديمقراطية وطمأنينة وأمن بلادنا داخل حلقة النار هذه».
وترأس رئيس الجمهورية رجب طيب إردوغان ليلا اجتماعا أمنيا لبحث آخر التطورات في المنطقة حضره رئيس الوزراء أحمد داود أوغلو، ورئيس الأركان خلوصي آكار، ورئيس جهاز الاستخبارات هاكان فيدان، وبعض الوزراء.
وأعلنت وزارة الدفاع الروسية استدعاءها الملحق العسكري في السفارة التركية في موسكو على خلفية «مهاجمة مقاتلات إف - 16 تابعة لسلاح الجو التركي طائرة سو - 24 - روسية وإسقاطها»، فيما طالب رومان خودياكوف العضو في مجلس الدوما عن الحزب الليبرالي الديمقراطي بإطلاق عملية برية لإنقاذ الطيارين الروس. وفي حديث له على واحدة من محطات الإذاعة الروسية أعرب البرلماني الروسي عن قناعته بضرورة بدء عملية برية واتخاذ كل التدابير اللازمة لتحرير الطيارين الروسيين من الأسر». ومن مجلس الدوما أيضًا طالب نيكولاي ليفتشيف نائب رئيس المجلس الوكالة الفيدرالية للنقل الجوي النظر في إمكانية وقف الرحلات الجوية بين روسيا وتركيا «إلى حين اتخاذ التدابير الشاملة لتفادي كل مصادر التهديد الإرهابي في المطارات التركية». وكتب ليفتشيف في خطاب وجهه إلى ألكسندر نيرادكو مدير وكالة النقل الجوي الروسية: «في ظل الظروف التي لا يمكن معها وصف علاقة تركيا مع (داعش) الإرهابي بأنها علاقات سلبية، هناك مخاطر كبيرة من احتمال تسلل مقاتلين من (داعش) إلى المطارات التركية، وهو ما قد يؤدي إلى رفع مستوى التهديد الإرهابي للطائرات الروسية». وقال ليفتشيف إنه لا بد من الحد من الخطر الذي قد يحدق بالمواطنين الروس في تركيا «ولهذا من المجدي وقف الرحلات الجوية مع تركيا وإجلاء الرعايا الروس من هناك، والتفكير باستدعاء سفيرنا من أنقرة للتشاور».
وفي خلفية ردود الفعل الأولية، أعلن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إلغاء زيارة كانت مقررة له اليوم إلى أنقرة، وقال للصحافيين إنه لا بد من التأكيد على أن «التهديد الإرهابي الذي يتسرب عبر تركيا آخذ بالتنامي» و«دون الربط مع الحادثة التي وقعت اليوم» ويقصد حادثة إسقاط مقاتلات تركية للطائرة الروسية أمس. وأعرب لافروف عن يقينه بأن «مستوى الخطر الإرهابي في تركيا ليس أقل مما هو عليه في مصر»، مستطردًا أن وزارة الخارجية الروسية لهذا السبب تنصح المواطنين الروس بعدم السفر إلى تركيا.
إلى ذلك، قالت وزارة الدفاع الروسية إن نتائج تحليل بياناتها الخاصة تؤكد بما لا يدع مجالا للشك بأن المقاتلة الروسية لم تخترق الأجواء التركية. وأن طائرة «إف16» تابعة للسلاح الجوي التركي أسقطت الطائرة الروسية أثناء عودتها إلى قاعدة حميميم الجوية، بعد تنفيذها مهامها القتالية.
هذه الحادثة استدعت رد فعل سريع من جانب الخبراء والمحللين الروس أيضًا وطالب البعض بقطع العلاقات مع تركيا، وهناك من كرر الدعوات لإرسال قوات برية من أجل إنقاذ الطيارين الروس، وكانت هناك أصوات تدعو إلى التريث وترك الأمر للسياسيين يتخذون التدابير اللازمة بعد تحليل شامل لما جرى. أما المحلل السياسي مكسيم يوسين من صحيفة «كوميرسانت» فقد اعتبر أن حادثة الطائرة تبدو وكأنها عمل استفزازي متعمد، جاء في الوقت الذي تنتظر فيه موسكو الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند لاتخاذ قرار حول إمكانية التعاون بين روسيا والغرب في الحرب على الإرهاب. ويرى يوسين أن هذا التطور لا يرضي إردوغان، لأن التعاون بين موسكو والغرب سيعني بقاء الأسد خلال المرحلة الانتقالية، الأمر الذي يرفضه إردوغان، ولهذا «ستفعل تركيا كل ما بوسعها كي تنتهي العملية العسكرية الروسية في سوريا بالفشل وبحيث لا تتمكن موسكو من الاتفاق مع الولايات المتحدة وأوروبا على العمل المشترك في سوريا، وفق ما يرى المحلل السياسي الروسي مكسيم يوسين.



66 عاماً على استقلال الصومال... الفيدرالية تواجه «خطر الانقسام»

خطر الانقسام يحيط بالصومال في ذكرى الاستقلال (رويترز)
خطر الانقسام يحيط بالصومال في ذكرى الاستقلال (رويترز)
TT

66 عاماً على استقلال الصومال... الفيدرالية تواجه «خطر الانقسام»

خطر الانقسام يحيط بالصومال في ذكرى الاستقلال (رويترز)
خطر الانقسام يحيط بالصومال في ذكرى الاستقلال (رويترز)

تحلّ الأربعاء ذكرى مرور 66 عاماً على استقلال الصومال واتحاد شمالها مع جنوبها، بينما تواجه الحكومة الفيدرالية ضغوطاً عديدة وخلافات جذرية مع ولايتي «بونتلاند» و«غوبالاند» بسبب الانتخابات وصلاحيات الأقاليم، إلى جانب انفصال إقليم «أرض الصومال» والاعتراف الإسرائيلي به وتداعياته.

تلك الخلافات التي تحيط بالفيدرالية في الصومال تحمل مزيداً من المخاطر، خاصة خطر الانقسام، بحسب خبير في الشأن الأفريقي والصومالي تحدث لـ«الشرق الأوسط»، داعياً إلى إطلاق حوار وطني سريع يُعلي من قيمة المصالح الوطنية ويتجنب المصالح الشخصية.

وأفادت وكالة الأنباء الصومالية الرسمية، الثلاثاء، بأن «جمهورية الصومال الفيدرالية، قيادةً وشعباً، تحيي ذكرى أعياد الاستقلال والوحدة الوطنية»، مؤكدة أنها «تشكل ملحمة مستمرة من الكفاح ضد الكيانات الاستعمارية التي توافدت على سواحل شرق أفريقيا».

ووفق الوكالة، «تُوجت الجهود الوطنية بنيل الأقاليم الشمالية استقلالها في 26 يونيو (حزيران) 1960، حيث رُفع أول علم صومالي حرّ في حديقة الحرية بمدينة هرجيسا. وبعد 4 أيام فقط، وتحديداً في الأول من يوليو (تموز) 1960، نالت الأقاليم الجنوبية استقلالها، ليعلَن في اليوم ذاته عن التحام الشطرين الشمالي والجنوبي وتأسيس الجمهورية الصومالية الأولى، في مشهد جسّد أسمى قيم التلاحم والوحدة والسيادة».

وتفقَّد وزير الإعلام والثقافة والسياحة، عبد الفتاح قاسم محمود، الثلاثاء، سير استعدادات الاحتفالات الرسمية والشعبية بذكرى يوم الاستقلال والوحدة الوطنية، مؤكداً أن «المواطنين مستعدون تماماً للحفاظ على مكتسبات الاستقلال وسيادة الدولة، ولن يسمحوا بأي محاولات تهدف إلى تقسيم البلاد أو تفريق وحدة شعبها، وسيقفون سداً منيعاً أمام أي مساعٍ تهدف إلى تجزئة الوطن أو النيل من نسيجه الاجتماعي».

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)

ويرى المحلل السياسي الصومالي، عبد الولي جامع بري، أن تشديد مقديشو الرسمي على رفض المساس بوحدة البلاد يعكس أن قضية الوحدة «أصبحت من أبرز التحديات السياسية في المرحلة الحالية، خاصة أن النظام الفيدرالي يواجه ضغوطاً حقيقية». واستدرك: «لكن ذلك لا يعني أن الانقسام أصبح حتمياً، مع الإقرار بأن خطره لا يزال قائماً».

وكان الصومال قد فقد في 18 مايو (أيار) 1991 إقليماً مهماً هو «أرض الصومال» الذي انفصل مستغلاً أزمات داخلية غرقت فيها البلاد جراء حرب أهلية. وفي ديسمبر (كانون الأول) 2025، اعترفت إسرائيل بالإقليم وسط رفض صومالي وعربي واسع.

وداخلياً لا يزال التوتر قائماً بين الحكومة الفيدرالية وولاية بونتلاند التي صدر عنها على مدار عام أكثر من موقف مخالف لتوجُّهات الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، ورفضت الحوار معه، وانضم رئيسها عبد الله سعيد دني إلى «مجلس مستقبل الصومال المعارض» الذي يطالب برحيل النظام.

وأعلنت سلطات «بونتلاند»، في بيان، قبل أيام، أنها لم تعد جزءاً من الجيش الوطني الصومالي، إلى حين التوصل إلى اتفاق بشأن جميع نقاط الخلاف مع الحكومة الفيدرالية.

وفي مايو الماضي، أعلن دني عدم الاعتراف بشرعية الرئيس حسن شيخ بعدما مدّد البرلمان ولايته عاماً إضافياً إلى مايو 2027 في إطار تعديل الدستور.

ولا يزال الخطر يتصاعد مع اشتباكات مسلحة بين موالين للمعارضة والشرطة في أعقاب احتجاجات دعا لها معارضون رفضاً لاستمرار الرئيس في منصبه أو إجراء انتخابات بالاقتراع المباشر بدلاً من النظام القبلي المتبع منذ عقود.

كما أن هناك توتراً قائماً بين «ولاية غوبالاند» بجنوب الصومال والحكومة الفيدرالية، بدأ في 2024 عقب قرار الإقليم تعليق العلاقات والتعاون معها، بعد خلافات زادت وتيرتها بعد إجراء الانتخابات الرئاسية، وفوز أحمد مدوبي بولاية ثالثة، وعدم اعتراف مقديشو بفوزه.

ويُرجع المحلل السياسي عبد الولي جامع أسباب الواقع المتردي في ذكرى استقلال الصومال إلى استمرار الخلافات بين الحكومة الفيدرالية وبعض الولايات حول توزيع الصلاحيات والموارد، وتباين الرؤى بشأن استكمال الدستور وتقاسم السلطة، واستمرار التهديدات الأمنية التي تعيق بناء مؤسسات الدولة، واستمرار أزمة انفصال «أرض الصومال» وتداعياتها بعد تدخل إسرائيل واعترافها بالإقليم الانفصالي.

وهو يعتقد أن فرص تجاوز هذه التحديات لا تزال قائمة إذا توفرت الإرادة السياسية، وذلك من خلال «إطلاق حوار وطني شامل بين الحكومة الفيدرالية والولايات، واستكمال الدستور، بما يحدد بوضوح صلاحيات كل مستوى من مستويات الحكم، وبناء الثقة بين المؤسسات الفيدرالية وحكومات الولايات، وإعطاء الأولوية للمصلحة الوطنية على الخلافات السياسية».

ويخلص برى إلى أن مستقبل الفيدرالية في الصومال يبقى مرتبطاً بقدرة القيادات السياسية على إدارة الخلافات عبر الحوار والتوافق، مؤكداً أنها إذا نجحت في ذلك فبالإمكان أن تتحول الفيدرالية إلى عامل استقرار ووحدة، «أما إذا استمرت الخلافات دون حلول مؤسسية، فقد تزداد مخاطر الانقسام السياسي، حتى إن لم يؤدِ ذلك بالضرورة إلى تفكك الدولة».


تصدُّع في التحالفات القبلية يثير قلق الحوثيين

حشود قبلية توافدت إلى منطقة الريان في محافظة الجوف اليمنية لمؤازة زعيم قبلي (إعلام محلي)
حشود قبلية توافدت إلى منطقة الريان في محافظة الجوف اليمنية لمؤازة زعيم قبلي (إعلام محلي)
TT

تصدُّع في التحالفات القبلية يثير قلق الحوثيين

حشود قبلية توافدت إلى منطقة الريان في محافظة الجوف اليمنية لمؤازة زعيم قبلي (إعلام محلي)
حشود قبلية توافدت إلى منطقة الريان في محافظة الجوف اليمنية لمؤازة زعيم قبلي (إعلام محلي)

أثارت تحركّات قبلية يقودها منشقون عن الجماعة الحوثية قلقاً متزايداً داخل الجماعة من اتساع دائرة التمرد في مناطق سيطرتها، لا سيما في المناطق القبلية التي تمثل الركيزة الأساسية لعمليات التجنيد والحشد العسكري.

ووفق مصادر قبلية وأخرى سياسية تحدثت إليها «الشرق الأوسط»، فإن الجماعة الحوثية تخشى أن تؤدي هذه التحركات إلى تراجع نفوذها داخل الحاضنة القبلية التي اعتمدت عليها طوال سنوات الحرب، عبر شبكة من المصالح والعلاقات التي نسجتها مع عدد من زعماء القبائل والوجاهات الاجتماعية لضمان استمرار سيطرتها.

ولهذا أمرت الجماعة الحوثية بتنظيم وقفات قبلية في أكثر من منطقة تحت مبرر الجاهزية لأي معركة، في رسائل موجهة إلى التجمعات القبلية المنشقة.

وخلال الأيام الماضية، أعلن الزعيم القبلي حمد بن فدغم، أحد أبناء قبيلة دهم في محافظة الجوف، انشقاقه عن الحوثيين، بعد تعرضه -حسب روايته- للاعتقال والتعذيب والإهانة داخل سجون الجماعة.

تجمعات قبلية في منطقة الريان بمحافظة الجوف دعماً لبن فدغم (إعلام محلي)

وأطلق الرجل دعوة إلى أبناء القبائل للوقوف إلى جانبه والثأر لما تعرض له، الأمر الذي قوبل باستجابة لافتة، حيث توافد رجال قبائل من مناطق مختلفة إلى منطقة الريان بمحافظة الجوف لإعلان تضامنهم معه.

ويعد بن فدغم من أبرز الشخصيات القبلية التي لعبت دوراً في حشد المقاتلين لصالح الحوثيين خلال السنوات الماضية، وهو ما منح انشقاقه أهمية خاصة، بوصفه يأتي من داخل الدائرة القبلية التي اعتمدت عليها الجماعة في ترسيخ نفوذها.

رواية بن فدغم

خلال تجمع قبلي أعقب وصوله إلى المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة اليمنية، ظهر بن فدغم متأثراً وهو يروي تفاصيل اعتقاله، قبل أن يعلن نصب قطاعات مسلحة تستهدف تاجر السلاح المعروف فارس مناع، المنتمي إلى محافظة صعدة، متهماً إياه بالوقوف وراء عملية اعتقاله واحتجازه داخل أحد السجون السرية التابعة للحوثيين في صنعاء.

كما اتهم بن فدغم مناع بالاستيلاء على فيلا في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء تعود لامرأة تزعم أنها ابنة من زوجة سرية للرئيس العراقي الراحل صدام حسين، مشيراً إلى أن مناع كان يستأجر العقار لسنوات قبل أن يرفض إخلاءه بعد اندلاع الحرب.

الزعيم القبلي حمد بن فدغم خلال إعلانه الانشقاق عن الحوثيين (إعلام محلي)

وحسب الرواية المتداولة، بدأت القضية عندما لجأت تلك المرأة إلى قبيلة دهم طالبةً مساعدة بن فدغم لاستعادة ممتلكاتها. وعلى أثر ذلك توجه الرجل إلى صنعاء للقاء قيادات حوثية مطالباً بإعادة الفيلا إليها، غير أن الجماعة رفضت طلبه، مؤكدةً أن المرأة مواطنة يمنية وتنتمي إلى إحدى الأسر في مديرية أرحب شمال صنعاء. وبعد فترة وجيزة، جرى اعتقال بن فدغم وإيداعه السجن لنحو خمسين يوماً، قبل أن يفر لاحقاً إلى خارج مناطق سيطرة الحوثيين.

امتداد الخلاف إلى أرحب

لم تتوقف تداعيات القضية عند حدود محافظة الجوف، بل امتدت إلى مديرية أرحب شمال صنعاء، حيث أثارت خلافات داخل الأوساط القبلية. فقد نفى القيادي الحوثي فارس الحباري، خلال اجتماع قبلي، صحة الرواية التي تقول إن المرأة تنتمي إلى إحدى الأسر في المديرية، إلا أن حديثه قوبل باعتراض من الزعيم القبلي عبد الواحد الجرادي، أحد أبرز وجهاء المنطقة، ليتحول النقاش إلى مشادة كلامية كادت تتطور إلى مواجهة مسلحة، قبل أن يتدخل الحاضرون لاحتواء الموقف.

وأفادت مصادر قبلية بأن الحوثيين اعتقلوا عدداً من الأشخاص الذين كانوا موجودين في الاجتماع، بعد قيامهم بتصوير المشادة التي اندلعت بين الطرفين، في خطوة عكست حساسية الجماعة تجاه أي خلافات قبلية قد تتحول إلى مادة للتداول على نطاق واسع.

وقفات قبلية نظمتها الجماعة في مناطق سيطرتها لإظهار التأييد (إعلام محلي)

وتكتسب مديرية أرحب، التي ترتبط جغرافياً بمحافظتي عمران والجوف، أهمية خاصة للحوثيين، إذ تضم أحد أبرز المراكز العقائدية التي أنشأتها الجماعة عقب تمددها من محافظة صعدة باتجاه العاصمة صنعاء عام 2014. كما تضم المنطقة عدداً من العناصر العقائدية التي تلقت تدريبات داخل اليمن وخارجه منذ تسعينات القرن الماضي وبدايات الألفية الجديدة، عبر برامج تدريب في سوريا ولبنان وإيران.

وعُرفت هذه المناطق ذات الثقل القبلي بوجود علاقات تاريخية بين عدد من مشايخها وأسلاف الحوثيين، في إطار التنافس التقليدي مع قبيلة حاشد، التي وقفت في مراحل مختلفة إلى جانب النظام الجمهوري في مواجهة المشروع الإمامي. وأعاد الحوثيون إحياء تلك التحالفات منذ اندلاع تمردهم على السلطة المركزية عام 2004، قبل أن تتعزز بصورة أكبر مع سيطرتهم على العاصمة صنعاء، حيث تولى عدد من شيوخ القبائل مناصب ونفوذاً داخل منظومتهم مقابل استمرار ولائهم لها.

وفي مواجهة هذه التحركات، شن مؤيدو الحوثيين هجوماً حاداً على بن فدغم وتجمعات القبائل المساندة له، ووجهوا مسؤولي المحافظات الخاضعة لهم بتنظيم وقفات قبلية منذ أيام في عدد من المحافظات، بهدف إظهار أن الجماعة ما زالت تمتلك حاضنة قبلية، ولو كانت من خارج عمقها التقليدي، وخشية تصاعد النقمة القبلية مما تعرض له الزعيم القبلي.

وحرصت وسائل إعلام الجماعة على القول إن هذه التجمعات جاءت استجابة لدعوة زعيم الحوثيين للاستعداد لما تسمى «معركة تحرير فلسطين».

Your Premium trial has ended


انقطاع الرواتب يفاقم معاناة اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين

ملايين اليمنيين يفتقدون الخدمات ويعيشون تحت طائلة الفقر (الشرق الأوسط)
ملايين اليمنيين يفتقدون الخدمات ويعيشون تحت طائلة الفقر (الشرق الأوسط)
TT

انقطاع الرواتب يفاقم معاناة اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين

ملايين اليمنيين يفتقدون الخدمات ويعيشون تحت طائلة الفقر (الشرق الأوسط)
ملايين اليمنيين يفتقدون الخدمات ويعيشون تحت طائلة الفقر (الشرق الأوسط)

مع أول خيوط الفجر، ينهض محمود من فراشه قبل أن يستيقظ أطفاله وهو لا يملك خُطة واضحة لليوم، لكنه يعرف شيئاً واحداً يتمثل في العودة إلى المنزل ومعه ما يكفي لشراء الخبز.

يقول محمود، وهو أب لـ5 أولاد، ويقطن منزلاً بالإيجار شمال صنعاء، لـ«الشرق الأوسط»، إنه كان قبل سنوات موظفاً حكومياً، يتسلم راتبه نهاية كل شهر، ويُخطط لمصروف أسرته بهدوء. ويضيف: «لكن اليوم، لم يعد التقويم يعني لي شيئاً. فالأيام تتشابه، والشهر يبدأ وينتهي دون أن يصل الراتب الذي كان يُمثل شريان الحياة الوحيد لعائلتي».

ويعيش أكثر من مليون موظف حكومي يمني، يعيلون ملايين أفراد أسرهم في مناطق سيطرة الحوثيين، مُنذ سنوات دون رواتب، ما دفع كثيراً منهم إلى استنزاف مدخراتهم، وبيع ممتلكاتهم، والاعتماد على الأعمال اليومية أو الديون لتأمين الحد الأدنى من احتياجات الحياة.

آلاف الأسر اليمنية تعاني حرماناً شديداً في استهلاك الغذاء (الأمم المتحدة)

ويضطر محمود إلى الخروج كل صباح بحثاً عن أي عمل، سواء في نقل البضائع، أو إصلاح باب منزل، أملاً في العودة بما يسد رمق أسرته. ويقول: «خلال الأيام التي لا أجد فيها عملاً، أعود بخطوات بطيئة، محاولاً أن أبدو طبيعياً أمام أطفالي»، مضيفاً أنه لا يريد أكثر من راتبه؛ لا ليصبح غنياً، بل ليعيش بكرامة ويستطيع توفير مُتطلبات أولاده دون أن يطرق أبواب الناس.

رواتب غائبة ومعيشة تتآكل

ليست أسرة محمود استثناءً، فهناك عائلات كثيرة في العاصمة المختطفة صنعاء وبقية مدن سيطرة الجماعة الحوثية، تعيش كل يوم القصة نفسها؛ موظفون بلا رواتب، وأمهات يقتسمن ما تبقى من الطعام، وأطفال يكبرون على مفردات لم يكن ينبغي أن يعرفوها مبكراً؛ كالدين، والتقشف، وتأجيل الأحلام.

من جهتها، تجلس أم عبد الله، وهي والدة أحد الموظفين الحكوميين الذي لم يتقاضَ راتبه مُنذ سنوات، داخل منزل متواضع في أحد أحياء صنعاء، وهي تعيد ترتيب قائمة المصروفات للمرة العاشرة خلال الشهر. تقول: «لم نعد نسأل ماذا سنشتري؛ بل ماذا سنحذف من احتياجاتنا. اللحوم باتت مناسبة نادرة، والدواء مؤجل حتى إشعار آخر».

بائعة متجولة تحمل ألعاباً قابلة للنفخ في أحد شوارع صنعاء حيث العاصمة المختطفة (إ.ب.أ)

وتؤكد أن السؤال لم يعد متى سيأتي الراتب، بل كيف ستُؤمَّن وجبة الغد، مشيرة إلى أن الوظيفة التي أفنى فيها ولدها سنوات عمره لم تعد توفر لهم شيئاً، وأن استمرار هذه الحال يجعلهم أمام واقع يزداد صعوبة عاماً بعد آخر، مع تراكم الديون واستنزاف ما تبقى من مصادر الدخل.

وتُفيد زوجة موظف حكومي آخر بريف صنعاء بأن أصعب ما يواجهها ليس الفاقة بحد ذاتها؛ بل سؤال طفلها: «متى سنأكل الدجاج مرة أخرى؟» دون أن تجد جواباً مقنعاً.

وتُشير إلى أنه لم يعد يتوفر في مطبخهم سوى القليل من الأرز والدقيق وبعض الشاي والسكر، أما الفاكهة فأصبحت رفاهية، وحتى البيض لم يعد ضيفاً دائماً على المائدة.

وتقول إن الأسرة باتت تكتفي بتقليص الوجبات وتأجيل شراء كثير من الاحتياجات الأساسية، في محاولة للاستمرار وسط ظروف معيشية تزداد قسوة.

تحذيرات من تفاقم الجوع

على وقع هذه المعاناة، كشفت مصادر إغاثية أن مئات الآلاف من الموظفين العموميين في مناطق سيطرة الحوثيين يواصلون مواجهة أوضاع معيشية متدهورة جراء استمرار غياب الرواتب، ما دفع كثيراً من الأسر إلى الاعتماد على الديون والأعمال اليومية لتأمين احتياجاتها.

وبينت المصادر أن عشرات آلاف الأسر أصبحت عاجزة عن توفير الحد الأدنى من القوت الضروري، وأن العاملين في عدد من المؤسسات الخاضعة لسيطرة الجماعة ما زالوا يطالبون بصرف رواتبهم بصورة منتظمة، في وقت انعكست فيه الأزمة على الحق في الغذاء والصحة ومستوى المعيشة اللائق.

يمنيون في صنعاء يصطفون على رصيف شارع في انتظار الحصول على عمل (الشرق الأوسط)

وأجبر حرمان مئات الآلاف من الموظفين الحكوميين من رواتبهم على مدى سنوات، على اللجوء إلى الديون وبيع الممتلكات، بينما اضطر الأطفال إلى ترك الدراسة والانخراط في سوق العمل لمساندة ذويهم.

وفي خضم هذا الحرمان، حذرت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) وبرنامج الأغذية العالمي، في تقرير مشترك، من تفاقم أزمة الجوع في اليمن، حيث صنفت البلاد ضمن أخطر «بؤر الجوع الساخنة» في العالم، في ظل استمرار النزاعات وتدهور الأوضاع الاقتصادية والانخفاض الحاد في تمويل العمليات الإنسانية.

وأوضح التقرير أن ملايين الأشخاص يواجهون خطر الانزلاق إلى مستويات كارثية من انعدام الأمن الغذائي، بسبب تداخل الصراع المسلح مع الأزمات الاقتصادية والمناخية، لافتاً إلى أن اليمن لا يزال من بين أكثر الدول عرضة لتفاقم أزمة الغذاء على مستوى العالم.

وأكد أن تراجع تمويل برامج المساعدات الإنسانية يزيد من حدة الأزمة، مشيراً إلى انخفاض التمويل المخصص للاستجابة الغذائية بنحو 60 في المائة بين عامي 2022 و2025، وهو ما يحد من قدرة المنظمات الدولية على توفير المساعدات المنقذة للحياة، ويضاعف مخاطر سوء التغذية، خصوصاً بين الأطفال والنساء.

عاجل مونديال 2026: النروج تتخطى ساحل العاج 2-1 وتبلغ ثمن النهائي