تطورات جديدة في قضايا المتهمين بـ«التآمر على أمن الدولة» في تونس

عائلات المساجين تتظاهر وسط العاصمة

أنصار الرئيس التونسي قيس سعيد ينظمون مسيرة حاشدة احتفالاً بيوم الجمهورية التونسية إلى جانب احتجاج أنصار أحزاب المعارضة للمطالبة بالإفراج عن المعارضين السياسيين في البلاد (د.ب.أ)
أنصار الرئيس التونسي قيس سعيد ينظمون مسيرة حاشدة احتفالاً بيوم الجمهورية التونسية إلى جانب احتجاج أنصار أحزاب المعارضة للمطالبة بالإفراج عن المعارضين السياسيين في البلاد (د.ب.أ)
TT

تطورات جديدة في قضايا المتهمين بـ«التآمر على أمن الدولة» في تونس

أنصار الرئيس التونسي قيس سعيد ينظمون مسيرة حاشدة احتفالاً بيوم الجمهورية التونسية إلى جانب احتجاج أنصار أحزاب المعارضة للمطالبة بالإفراج عن المعارضين السياسيين في البلاد (د.ب.أ)
أنصار الرئيس التونسي قيس سعيد ينظمون مسيرة حاشدة احتفالاً بيوم الجمهورية التونسية إلى جانب احتجاج أنصار أحزاب المعارضة للمطالبة بالإفراج عن المعارضين السياسيين في البلاد (د.ب.أ)

أعلنت مصادر أمنية رسمية تونسية أن قوات مكافحة الإرهاب ووحدات أمنية من النخبة في محافظات عدة ألقت مؤخراً القبض على «عدد من المتهمين في قضايا إرهاب وتهريب بشر وبضائع واتجار في المخدرات».

العجمي الرويمي الأمين العام الجديد لحزب «النهضة» صدرت ضده مؤخراً بطاقة إيداع في السجن بشبهة «إخفاء متهم بالإرهاب» (متداولة)

وكشفت هيئة الدفاع عن الإعلامي والأكاديمي والأمين العام الجديد لحركة «النهضة» العجمي الوريمي أن قاضي التحقيق في قطب مكافحة الإرهاب في تونس، أصدر «بطاقة إيداع» في السجن ضد العجمي الوريمي، بعد أيام من الإبقاء عليه في حالة «إيقاف تحفظي» بتهمة التستر على مطلوب للعدالة مفتش عنه في «قضية ذات صبغة إرهابية».

قطب الإرهاب

كشف المحاميان فوزي جاب الله وصابر العبيدي أنه «بعد ساعات من استنطاق العجمي الوريمي واثنين من مرافقيه كانا معه قبل أيام على متن نفس السيارة في ضاحية «برج العامري» غرب العاصمة تونس، صدرت عن مكتب قاضي التحقيق في «قطب الإرهاب» بطاقة إيداع ضد العجمي الوريمي ومرافقيه محمد الغنوي ومصعب الغربي.

ووفق المحامية إيناس حراث وأعضاء من هيئة الدفاع عن الوريمي، فإن إيقاف الوريمي ومرافقيه كان أول الأمر في سياق عملية «مراقبة أمنية روتينية للسيارات» تطورت إلى إيقافهم «مؤقتاً»، بعد أن تبين أن أحد المرافقين كان «محل تفتيش» دون أن يعلم بذلك؛ لأنه صرح أمام المحققين بأنه كان يمارس حياته بصفة عادية في مقر إقامته ومقر عمله، واستدل بكونه قد نظم حفل زفافه علناً بحضور العموم.

ونفى العجمي الوريمي أمام المحققين الأمنيين وقاضي التحقيق في قطب الإرهاب أي علاقة له بما يسمى «قضايا تهم التآمر على أمن الدولة والإرهاب».

وكان العجمي الوريمي قد انتُخب عضواً في برلماني 2011 و2014 عن حزب «النهضة»، وترأس قسم الثقافة والإعلام في قيادة حزب «النهضة»، لكنه عُرف في وسائل الإعلام التونسية منذ عقود أساساً بصفته أستاذ فلسفة وشخصية لها حضور على الساحتين الثقافية والأكاديمية، ولم يسبق له أن تولى أي حقيبة حكومية رغم كثرة العروض التي وصلته.

أحد أنصار الرئيس التونسي قيس سعيد يقرأ لافتة وهم يتحدثون عن الوضع الحالي في بلادهم أمام المسرح البلدي في شارع الحبيب بورقيبة في تونس العاصمة الخميس 25 يوليو 2024 (أ.ب)

لذلك صدرت مواقف تضامن معه عن عدة شخصيات مستقلة ويسارية وعلمانية وحقوقية وعن رفاقه في قيادة «جبهة الخلاص الوطني» المعارضة التي يتزعمها المحامي أحمد نجيب الشابي والحقوقية شيماء عيسى والزعيم اليساري عز الدين الحزقي.

ورأت قيادة حركة «النهضة» في بيان أصدرته بالمناسبة أن اتهام العجمي الوريمي ومرافقيه وعدد من قياداتها، في قضايا إرهاب وتآمر على أمن الدولة تطور أمني سياسي، «في علاقة بمحاصرة المعارضين السياسيين والتضييق عليهم، ومحاولة سد الطريق أمام مشاركتهم في الشأن الوطني العام خصوصاً ما تعلق منه بالانتخابات الرئاسية المقبلة».

أحد أنصار الرئيس التونسي قيس سعيد يحمل صورته وهو يقف تحت علم وطني ضخم خلال مسيرة حاشدة في شارع الحبيب بورقيبة في تونس في 25 يوليو 2024 في الوقت الذي تحتفل فيه الأمة بالذكرى 67 لتأسيس الجمهورية (أ.ف.ب)

نقابة الصحافيين

في الأثناء نظمت النقابة الوطنية للصحافيين في مقرها المركزي «تظاهرة وطنية» تضامناً مع الصحافيين المساجين والموقوفين الذين يخضعون لتتبعات قضائية، بعد اتهامهم بانتهاكات للقوانين الجزائية، وإحالة عدد منهم وفق فصول تهم المعنيين بقضايا «الإرهاب والتآمر على أمن الدولة» و«قضايا قطب الفساد المالي» و«الجرائم الانتخابية»، والتي شملت خلال الأشهر الماضية عشرات السياسيين والإعلاميين ورجال الأعمال من تيارات مختلفة.

وقدم رئيس نقابة الصحافيين زياد دبار ورئيس الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان المحامي بسام الطريفي وممثلون عن هيئات حقوقية مداخلات طالبت بالإفراج عن كل الموقوفين والمساجين في قضايا ذات علاقة بعملهم في وسائل الإعلام التقليدية أو تدوينات في المواقع الاجتماعية. كما طالبوا بإحالة كل المتهمين في هذه القضايا وفق المرسوم 115 الذي يفرض على المخالفين لقوانين الصحافة والنشر عقوبات مالية، ولا ينص على إيداعهم السجن، أو فرض أي عقوبة بدنية عليهم.

تهم التآمر والخيانة والسرقة

وبمناسبة الذكرى الثالثة للقرارات الاستثنائية التي أعلن عنها الرئيس التونسي قيس سعيد في 25 يوليو (تموز) 2021، وبينها حل البرلمان والحكومة، انتظمت وسط العاصمة تونس وفي مدن عدة مظاهرات ووقفات مساندة للرئيس التونسي ومساره السياسي الحالي، مع مساندة إحالة عشرات رجال الأعمال والإعلام والسياسيين من تيارات عدة على المحاكم.

ورفع أنصار الرئيس بالمناسبة صوراً تدعم ترشحه لولاية ثانية ليواصل حربه على من وُصفوا بـ«المتآمرين على أمن الدولة والمتورطين في الإرهاب وفي الفساد المالي والإداري».

وألقى سعيد بالمناسبة كلمة توجه بها إلى الشعب اتهم فيها مجدداً بحدة بعض السياسيين ورجال الأعمال بـ«الفساد المالي واللصوصية والسرقة والخيانة الوطنية والتآمر على أمن الدولة الداخلي والخارجي والتعامل مع الصهيونية وشبكات الحركة الماسونية العالمية في تونس».

زوجات المساجين

في اليوم نفسه نظمت زوجات عشرات المساجين في قضايا ذات صبغة سياسية وحقوقية تظاهرة وسط العاصمة تونس للمطالبة بـ«رفع المظلمة» عن أزواجهن. ورفعت خلال هذه التظاهرة صور عشرات من الشخصيات السياسية والإعلامية والحقوقية التي سجنت خلال العامين الماضيين بتهم «التآمر على أمن الدولة» و«الإرهاب» بينهم عدد من البرلمانيين والوزراء السابقين والقضاة والمحامين والحقوقيين المستقلين، وقادة الأحزاب السياسية التي تصدرت المشهدين البرلماني والحكومي خلال العشرية الماضية.

جانب من مظاهرة زوجات المساجين السياسيين المتهمين في قضايا التآمر على أمن الدولة والضلوع في الإرهاب (الإعلام التونسي)

وألقيت بالمناسبة كلمات شاركت فيها زوجات عصام الشابي الأمين العام للحزب الجمهوري، الليبيرالي المعتدل، والبرلماني الصحبي عنيق والقيادي السابق في حزب «النهضة» عبد الحميد الجلاصي وشقيقة الأكاديمي جوهر بن مبارك المحامية دليلة مصدق بن مبارك ووالدهما الزعيم المعارض اليساري عز الدين الحزقي.

في الوقت نفسه تابع أنصار الحزب الدستوري الحر وزعيمته عبير موسي والقياديون في حزبي «التيار الديمقراطي» بزعامة نبيل الحجي و«الجمهوري» بزعامة عصام الشابي ، تحركاتهم داخل المحاكم وفي المحافل السياسية للمطالبة بالإفراج عن الموقوفين، وبتمكين السياسيين الموقوفين من حق تقديم ترشحاتهم للانتخابات الرئاسية، ما دامت المحاكم لم تصدر ضدهم أي حكم إدانة نهائي.


مقالات ذات صلة

«قمة ناتو» لمناقشة زيادة الإنفاق الدفاعي وتعزيز «الجناح الشرقي»

أوروبا شرطية تركية تشارك في عملية تأمين قمة حلف «ناتو» عشية انطلاقها بأنقرة (إ.ب.أ)

«قمة ناتو» لمناقشة زيادة الإنفاق الدفاعي وتعزيز «الجناح الشرقي»

يبحث قادة الدول الأعضاء في حلف «ناتو» خلال قمتهم الـ36 التي تنطلق بأنقرة الثلاثاء عدداً من الملفات أهمها زيارة الإنفاق العسكري وملفات دولية مثل إيران وأوكرانيا.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
المشرق العربي الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يتحدث خلال المؤتمر الدولي حول سوريا في باريس في فبراير 2025 (إ.ب.أ)

ماكرون في دمشق... زيارة سريعة في طريقه إلى اجتماع «الناتو»

يصل إلى دمشق، الاثنين، الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في زيارة هي الأولى لرئيس أوروبي منذ الإطاحة بالنظام السابق.

سعاد جروس (دمشق)
المشرق العربي عناصر أمنية أمام المقهى المستهدف في دمشق (أ.ف.ب)

«الداخلية السورية» تواصل جمع الأدلة لكشف حقيقة تفجير دمشق

«عملية جمع الأدلة تحتاج وقتاً حتى يتم الإعلان بشكل نهائي عن نتائج التحقيقات، باعتبار أن هذه المنطقة تعتبر من أكثر أحياء العاصمة دمشق ازدحاماً».

«الشرق الأوسط» (دمشق)
شؤون إقليمية مداهمة لأحد مواقع عناصر تنظيم «داعش» الإرهابي في إسطنبول (الداخلية التركية)

تركيا تعتقل العشرات من «داعش» قبل قمة الـ«ناتو»

تواصل السلطات التركية حملاتها على تنظيم «داعش» الإرهابي قبل أيام من انعقاد القمة الـ36 لحلف شمال الأطلسي (ناتو) في أنقرة يوم الثلاثاء المقبل.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
المشرق العربي الأمن السوري يتفقد موقع تفجير عبوة ناسفة في مقهى قرب مجمع المحاكم في قصر العدل في دمشق الخميس (أ.ب) p-circle 00:39

ارتفاع عدد ضحايا انفجار المقهى بدمشق إلى 9 قتلى و19 جريحاً

ارتفعت حصيلة ضحايا انفجار العبوة الناسفة الذي وقع، اليوم (الخميس)، داخل أحد مقاهي منطقة الحجاز ‏بدمشق، إلى 9 قتلى و19 جريحاً.

«الشرق الأوسط» (دمشق)

موريتانيا: مظاهرة للمعارضة تتهم الحكومة بالعجز عن محاربة الفساد

مظاهرة للمعارضة الموريتانية في مدينة نواذيبو بشمال غرب البلاد مساء الأحد (إعلام محلي)
مظاهرة للمعارضة الموريتانية في مدينة نواذيبو بشمال غرب البلاد مساء الأحد (إعلام محلي)
TT

موريتانيا: مظاهرة للمعارضة تتهم الحكومة بالعجز عن محاربة الفساد

مظاهرة للمعارضة الموريتانية في مدينة نواذيبو بشمال غرب البلاد مساء الأحد (إعلام محلي)
مظاهرة للمعارضة الموريتانية في مدينة نواذيبو بشمال غرب البلاد مساء الأحد (إعلام محلي)

انتقدت المعارضة الموريتانية، خلال مظاهرة مساء الأحد، سياسات الحكومة التي اتهمتها بـ«الفشل» و«العجز» عن مواجهة الفساد ما أدى إلى ارتفاع الأسعار واستمرار الأزمات والتضييق على الحريات.

وكان قادة المعارضة يتحدثون أمام المئات من أنصارهم خلال مظاهرة في مدينة نواذيبو بشمال غرب البلاد، وهي ثاني أهم مدينة في موريتانيا وتُعد عاصمتها الاقتصادية، حيث يتركز النشاط الصناعي وبخاصة صيد الأسماك وتصدير خامات الحديد.

المدينة المهددة

واختارت المعارضة مدينة نواذيبو، المطلة على المحيط الأطلسي ويقطنها قرابة 200 ألف نسمة، مكاناً للمظاهرة لأنها تعاني أزمة عطش حادة ظلت تؤرق الحكومات المتعاقبة منذ عقود دون الوصول إلى حل لها.

فالمدينة التي تعد شبه جزيرة داخل المحيط تعتمد منذ ستينيات القرن الماضي على المياه التي يجلبها القطار من على بعد مئات الكيلومترات، ولكن مع تزايد الضغط السكاني أصبحت تواجه خطر العطش الذي يهدد وجودها. وتتصاعد الأزمة مع ارتفاع درجات الحرارة في موسم الصيف من كل عام.

جانب من مظاهرة المعارضة في مدينة نواذيبو بشمال غرب موريتانيا مساء الأحد (إعلام محلي)

ووصف زعيم «مؤسسة المعارضة الديمقراطية» ورئيس حزب «التجمع الوطني للإصلاح والتنمية» (تواصل)، حمادي ولد سيدي المختار، سياسات الحكومة بأنها «فاشلة بكل ما تحمله الكلمة من معنى»، وقال إن هذا هو «سبب عطش نواذيبو، وعدم استفادتها من ثروتها السمكية».

وأضاف أمام أنصار المعارضة: «الشعب الموريتاني مطحون بسبب سياسات الحكومة التي اختارت زيادة الأسعار وتسببت في تفاقم معاناة المواطنين»، وأكد أن المعارضة «قدمت حلولاً لأزمة الغلاء وارتفاع الأسعار، ولكن الحكومة تجاهلتها».

أزمة الفساد

نفس الرأي جاء على لسان الرئيس الدوري لـ«ائتلاف المعارضة الديمقراطية»، محمد ولد مولود، الذي قال إن ما تعانيه مدينة نواذيبو من أزمات «سببه الفساد»، مشيراً إلى أن «الدولة لا تعاني نقص الموارد ولا غياب الحلول، وإنما تعاني الفساد الذي يقف وراء استمرار الأزمات».

وحول أزمة العطش في ثاني أهم مدينة موريتانية، قال: «الحكومة أعلنت في السابق إنشاء مصنع لتحلية المياه، كما أطلقت مشروعاً آخر كلف خزينة الدولة أكثر من 80 مليون دولار، ولكن كل هذه المشاريع فشلت في حل مشكلة العطش».

ودعا إلى محاسبة المسؤولين عن «هدر الأموال»، وقال إن على المواطنين «توحيد جهودهم للدفاع عن حقوقهم ومعالجة المشاكل بأنفسهم»، وإن الدولة «عاجزة عن مواجهة الفساد».

تصعيد المعارضة

يأتي خطاب المعارضة التصعيدي بالتزامن مع تقارب كبير بين الأطراف السياسية للدخول في حوار وطني بعد أن وقَّعت الأطراف على وثيقة وُصفت بأنها «خريطة طريق» للحوار المرتقب.

وجاء التوقيع رغم تباين مواقف الأغلبية والمعارضة حول النقاط التي سيجري الحوار حولها، حيث اعترضت أحزاب الأغلبية على بعض فقرات «الدليل المرجعي» للحوار، في حين رحبت به المعارضة لأنه استجاب لمطلب الابتعاد عن أي نقاش حول تعديل الدستور، وخاصة ما يتعلق بالمواد المحصنة التي تنص على أن رئيس الجمهورية له الحق في ولايتين رئاسيتين فقط.

الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني خلال حملته الانتخابية السابقة (رويترز)

وكانت هذه النقطة محل خلاف كبير بين أطراف المشهد السياسي في موريتانيا؛ فالبلاد تستعد لتنظيم انتخابات رئاسية عام 2029 ستكون مفصلية وحاسمة؛ لأن الرئيس الحالي محمد ولد الشيخ الغزواني لا يمكنه الترشح لها بسبب قيود الدستور الحالي للبلاد. وتجد المعارضة في ذلك فرصة كبيرة لإحداث تغيير.

أما أحزاب الأغلبية، أو على الأقل بعضها، فقد بدأت تعلن بشكل صريح دعمها لتعديل الدستور من أجل إزالة القيود المفروضة على عدد الولايات الرئاسية، وبالتالي السماح لولد الغزواني بالترشح لولاية رئاسية ثالثة «من أجل إكمال مشروعه التنموي»، على حد تعبيرها.


ما مصير الوجود الروسي في ليبيا حال تطبيق «المبادرة الأميركية»؟

القائد العام لـ«الجيش الوطني» خليفة حفتر مستقبِلاً سفير روسيا لدى ليبيا إيدار أغانين في أبريل الماضي (القيادة العامة)
القائد العام لـ«الجيش الوطني» خليفة حفتر مستقبِلاً سفير روسيا لدى ليبيا إيدار أغانين في أبريل الماضي (القيادة العامة)
TT

ما مصير الوجود الروسي في ليبيا حال تطبيق «المبادرة الأميركية»؟

القائد العام لـ«الجيش الوطني» خليفة حفتر مستقبِلاً سفير روسيا لدى ليبيا إيدار أغانين في أبريل الماضي (القيادة العامة)
القائد العام لـ«الجيش الوطني» خليفة حفتر مستقبِلاً سفير روسيا لدى ليبيا إيدار أغانين في أبريل الماضي (القيادة العامة)

أعاد الزخم المتواصل بشأن «المبادرة الأميركية» لحلحلة الأزمة الليبية طرح تساؤلات بشأن الوجود الروسي في البلاد، ولا سيما عناصر «المرتزقة»، وذلك في حال تطبيق هذه الخطة التي يدعمها مسعد بولس، مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

واتفق سياسيون ومحللون على أن الولايات المتحدة تسعى من خلال المبادرة إلى «كبح» نفوذ روسيا في المنطقة، وإلى تحقيق مآرب تخدم مصالحها، مشيرين إلى أن تفاصيل الخطة يكتنفها الغموض.

وقال صالح المخزوم، نائب رئيس «المؤتمر الوطني العام» السابق، إن تطبيق المبادرة الأميركية «سيضع الوجود الروسي في ليبيا في مأزق حقيقي»، وتوقَّع في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن تعمل واشنطن على توظيفها «لترسيخ واقع جديد يخدم مصالحها وأهدافها الاستراتيجية، وفي مقدمتها كبح النفوذ الروسي في شمال أفريقيا، انطلاقاً من ليبيا، عبر التضييق لا الصدام المباشر».

وتعيش ليبيا حالة انقسام سياسي وعسكري، تتنازع فيه على السلطة حكومتان: الأولى «الوحدة الوطنية» المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس بغرب البلاد، والأخرى مكلفة من مجلس النواب، وتدير الشرق وأجزاءً من الجنوب، وتحظى بدعم القائد العام لـ«الجيش الوطني»، المشير خليفة حفتر.

وتهدف المبادرة -حسب تأكيد بولس- إلى توحيد المؤسسات والسلطة ودعم الانتخابات، ولكنها تلقى معارضة في غرب ليبيا؛ خصوصاً مع تداول مقترح يقضي بتولي صدَّام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني»، رئاسة المجلس الرئاسي، وبقاء الدبيبة رئيساً لحكومة موحدة.

ووصف الباحث في المعهد الملكي للخدمات المتحدة، جلال حرشاوي، المبادرة بأنها «غامضة وغير مكتملة الملامح»، في ظل عدم وجود موقف معلَن من حكومة «الوحدة»؛ مشيراً إلى أن «جوهر المبادرة هو تقليص الفجوة بين معسكرَي شرق ليبيا وغربها، وهذا يحمل أنباءً سيئة لروسيا»، مقدراً عدد القوات الروسية بأكثر من ألفَي عنصر.

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن المبادرة «تتقاطع مع حسابات دول وقوى إقليمية تسعى إلى تصعيد صدَّام حفتر إلى واجهة السلطة؛ وإذا ما طُبقت فسيتعزز نفوذ هؤلاء. وفي ظل تقارب روسيا معهم، قد تحتفظ الأخيرة بتموضعها داخل ليبيا».

في المقابل، ورغم إقراره بوجود «انزعاج روسي» من المبادرة، استبعد مدير المركز الليبي للدراسات العسكرية والأمنية، اشريِّف عبد الله، حدوث تغيير جوهري في التموضع الروسي بليبيا. وقال لـ«الشرق الأوسط» إن القلق يدفع موسكو إلى نقل مزيد من العناصر والعتاد إلى قواعدها في ليبيا: «لكنه يُعد تعزيزاً استباقياً لا تحسباً لصدام».

وأشار أيضاً إلى قلق أوروبي من التمدد الروسي في جنوب المتوسط، وتعويل الأوروبيين على واشنطن لمكافحته، ويرى أن ذلك عامل آخر يدفع الولايات المتحدة إلى عدم إزاحة الوجود الروسي من ليبيا «لتستخدمه ورقة ضغط لضبط ميل بعض الدول الأوروبية إلى الخروج عن الطاعة الأميركية»، على حد قوله.

وتعمل القوات الروسية والعناصر التابعة لها إلى جانب «الجيش الوطني»، الذي يسيطر على شرق ليبيا وبعض مناطق الجنوب، بينما تعمل القوات التركية والعناصر الموالية لها لصالح سلطات غرب البلاد.

صدَّام حفتر خلال زيارة إلى العاصمة الروسية موسكو في مايو الماضي (القيادة العامة لـ«الجيش الوطني» الليبي)

وفيما يتعلق بالقوات و«المرتزقة» التابعين لتركيا في ليبيا، يرى عبد الله أن عددهم يتناقص مقارنة بما كان عليه سابقاً؛ خصوصاً مع عودة كثير من عناصر الفصائل السورية إلى بلادهم بعد سقوط نظام بشار الأسد. أما المجموعات المسلحة من دول الجوار الأفريقي، فيشير إلى أن «أغلبهم عادوا إلى أوطانهم؛ سواء للانخراط في صراعات محلية -كما في السودان- أو نتيجة تفاهمات سياسية».

ويقول مدير معهد «صادق» للأبحاث، أنس القماطي، إن روسيا بعد فقدان قواعدها في سوريا نقلت ثقلها اللوجستي إلى ليبيا، لتصبح الأخيرة «عموداً فقرياً لشبكة إمداد (الفيلق الأفريقي)، وبالتالي لا تفاوض على الخروج منها».

أما الوجود التركي في غرب ليبيا فيستند -حسب القماطي- إلى اتفاقية التعاون الأمني الموقَّعة مع حكومة «الوفاق» السابقة نهاية عام 2019؛ مشيراً إلى أن تمركز القوات التركية في مناطق وقواعد، من بينها الوطية ومعيتيقة وطرابلس ومصراتة والخمس: «يعد ضمانة استراتيجية لمصالحها في الطاقة وممرات شرق المتوسط».

وتوقع أن يكون لأنقرة دور في تطبيق المبادرة الأميركية «بحكم علاقاتها الوثيقة حالياً بالقوى الفاعلة في شرق ليبيا وغربها».

أما الأكاديمي والباحث السياسي أعلية العلاني، فتوقع استمرار الوضع الراهن إلى حين تشكيل حكومة منتخبة تملك شرعية شعبية تخولها المطالبة برحيل القوات الأجنبية، معتبراً أن هذا مسار «قد تسلكه واشنطن لإفراغ الساحة لنفوذها الخاص».

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن اهتمام واشنطن بليبيا تصاعد بعد أزمة الطاقة وإغلاق مضيق هرمز، معتقداً أنها «تريد تأمين استقرار تدفق النفط، وتهيئة المناخ لشركاتها العاملة في هذا القطاع، إضافة إلى الاستفادة من قرب موقع ليبيا من مسارات مكافحة الهجرة والتطرف وتجارة السلاح».

وانتهى العلاني إلى أن موسكو وأنقرة لديهما فرصة «تحويل حضورهما العسكري إلى شراكات متعددة، فضلاً عن احتمال صعود كتل برلمانية في المستقبل تدعم التنسيق مع روسيا».


«حقوق الإنسان» الأممي يأمر بـ«تحقيق عاجل» بشأن أحداث الأُبيّض السودانية

نساء وأطفال في طوابير لتلقي مساعدات غذائية مجانية تُوزع بمخيم المحيرة للنازحين قرب مدينة الأُبيَّض في منطقة جنوب كردفان (أ.ف.ب)
نساء وأطفال في طوابير لتلقي مساعدات غذائية مجانية تُوزع بمخيم المحيرة للنازحين قرب مدينة الأُبيَّض في منطقة جنوب كردفان (أ.ف.ب)
TT

«حقوق الإنسان» الأممي يأمر بـ«تحقيق عاجل» بشأن أحداث الأُبيّض السودانية

نساء وأطفال في طوابير لتلقي مساعدات غذائية مجانية تُوزع بمخيم المحيرة للنازحين قرب مدينة الأُبيَّض في منطقة جنوب كردفان (أ.ف.ب)
نساء وأطفال في طوابير لتلقي مساعدات غذائية مجانية تُوزع بمخيم المحيرة للنازحين قرب مدينة الأُبيَّض في منطقة جنوب كردفان (أ.ف.ب)

أمر مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة الاثنين بإجراء «تحقيق عاجل» في الانتهاكات والتجاوزات في مدينة الأُبيِّض السودانية، محذّراً من خطر وشيك لوقوع «فظائع واسعة النطاق».

وتخضع مدينة الأبيّض الواقعة في ولاية شمال كردفان بوسط السودان، لحصار تفرضه منذ أشهر «قوات الدعم السريع» التي تخوض حرباً ضد الجيش السوداني منذ أبريل (نيسان) 2023.

وفي قرار اعتمده الأعضاء السبعة والأربعون بالإجماع، الاثنين، عقب مناقشة عاجلة عُقدت الجمعة بناءً على طلب المملكة المتحدة، أعرب مجلس حقوق الإنسان عن «قلقه البالغ إزاء الخطر الوشيك لوقوع فظائع واسعة النطاق، ولا سيما العنف الجنسي المرتبط بالنزاع، والذي يتعرض له مئات الآلاف من المدنيين... في الأُبيَّض والمناطق المحيطة بها»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وبناءً على ذلك؛ كلف المجلس «البعثة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق بشأن السودان» التي كان قد أنشأها في بداية النزاع، إجراء «تحقيق عاجل» في «انتهاكات القانون الدولي الإنساني والجرائم الدولية ذات الصلة التي يُشتبه في ارتكابها».

خلال الأسابيع الثلاثة الماضية، أطلقت الأمم المتحدة ومنظمات غير حكومية وحكومات مختلفة تحذيرات بشأن هجوم وشيك محتمل على الأُبيّض، على غرار الهجوم الذي أدى العام الماضي إلى الاستيلاء على الفاشر في غرب السودان، وهي مدينة تقع في دارفور وتُتهم «قوات الدعم السريع» بارتكاب فظائع فيها.

وشدد المجلس على «عدم وجود حلّ عسكري للأزمة في السودان»، مجدداً دعوته إلى «وقف فوري وشامل لإطلاق النار، من دون شروط مسبقة»، وإلى إرساء «عملية انتقال سياسي ذات مصداقية وشاملة تفضي إلى حكومة وطنية منتخبة ديموقراطياً بعد فترة انتقالية بقيادة مدنية».

وتضمّ مدينة الأُبيّض نصف مليون نسمة، كما تستضيف نحو 100 ألف شخص نزحوا بسبب العنف في مناطق أخرى من البلاد.

ورغم تمكّن الجيش من كسر حصار طويل في فبراير (شباط) من العام الماضي، فإنه يواجه صعوبة في منع «قوات الدعم السريع» من إعادة فرض الحصار من خلال هجمات متكررة بطائرات مسيّرة تستهدف المدينة وبناها التحتية وطريق الخروج الرئيسي منها.

وأدان المجلس في قراره «الغارات الجوية ضد المدنيين واستهداف البنى التحتية المدنية بشكل غير مشروع»، مشيراً تحديداً إلى «عشرات الضربات بطائرات مسيّرة استهدفت مدينة الأُبيّض خلال الأسبوعين الماضيين، بما في ذلك مستشفيات ومرافق صحية أخرى؛ ما أسفر عن وقوع إصابات في صفوف المدنيين وعرقلة الوصول إلى الخدمات الأساسية».

وفي حين دعا النص «جميع أطراف النزاع إلى ضمان حماية المدنيين»، ولا سيما أولئك الذين أُجبروا على الفرار من منازلهم، ندّد أيضاً بـ«الاستخدام الواسع النطاق للاغتصاب وغيره من أشكال العنف الجنسي والقائم على النوع الاجتماعي كوسيلة من وسائل الحرب، بما في ذلك في أماكن الاحتجاز وكشكل من أشكال التعذيب».