«صدمات الإنعاش» لا تنعش الصحافة الورقية الأردنية

نقاشات متواصلة من أجل الحصول على دعم حكومي

صحف إردنية (غيتي)
صحف إردنية (غيتي)
TT

«صدمات الإنعاش» لا تنعش الصحافة الورقية الأردنية

صحف إردنية (غيتي)
صحف إردنية (غيتي)

فقدت الصحافة الورقية الأردنية خلال السنوات العشر الأخيرة، صدارتها في صناعة الرأي العام المحلّي بعدما توسعت رقعة الإعلام الرقمي ومواقع التواصل الاجتماعي، مع تراجع مقابل لعوائد الإعلان التجاري الورقي الذي يؤشر مستثمرون على تراجعه بنسبة لا تقل عن 60 في المائة.

ورغم «صدمات الإنعاش» المالية العديدة، التي حاولت الحكومات المتعاقبة في الأردن توجيهها للصحف الورقية، خاصة التي تمتلك مؤسسات حكومية فيها حصصاً بوصفها شركات مساهمة عامة، فإن التضخّم الإداري لتلك المؤسسات الصحافية واعتمادها على الإيرادات الحكومية من دون أن تشكل منصاتها الرقمية منافساً جادّاً، تسببا في «تراجع التأثير». وهنا، لا ينفصل عن الصورة الكاملة أيضاً «حجم الرقابة» على أداء هذه المؤسسات، ما أفضى إلى تراجع مؤشر الحريات الصحافية، وفقاً لتقارير رصدية محلية عديدة ودولية.

الدكتور عمر الرزاز (رويترز)

جائحة «كوفيد - 19» أثرت سلباً

الواقع أنه منذ جائحة «كوفيد - 19». تراكمات أزمات الصحف الورقية، ولقد أمر رئيس الوزراء الأردني السابق عمر الرزّاز في مارس (آذار) 2020 بوقف طباعة الصحف والاكتفاء بالنشر الرقمي نتيجة تفشي «كوفيد - 19». قبل أن تعاود الصدور في يونيو (حزيران) من العام ذاته. إلا أن أثر هذا الانقطاع امتد لسنتين بسبب اشتراك المؤسسات الصحافية في برامج سميت بـ«استدامة»، وهي برامج طبقتها الحكومة على ما أسمته «القطاعات الأكثر تضرّراً»، تحمّلت فيها الكوادر الصحافية الأردنية في المؤسسات الثلاث اليومية الكبرى اقتطاعات مالية غير مسبوقة.

وبالتوازي، طالما شكّلت مطالبات المؤسسات الصحافية الحكومة بإعادة برمجة الدعم المالي لها في عهد حكومة بشر الخصاونة، وكانت حكومة هاني الملقي (2016 - 2018) قد اتخذت قراراً برفع سعر الإعلان الحكومي الورقي في 2017 بنسبة 120 في المائة للكلمة (من 25 قرشاً للكلمة إلى 55 قرشاً)، وكذلك الحال في عهد حكومة الخصاونة عام 2022 وتحديداً في شهر أكتوبر (تشرين الأول) حيث قرر مجلس الوزراء، رفع سعر الإعلان الحكومي مرة أخرى ليصبح ديناراً أردنياً للكلمة الواحدة في الإعلان.

وخلال النقاشات المتواصلة بين الحكومة وإدارات الصحف الورقية، تعددت مطالبات دعمها بين زيادة الإعلانات الحكومية عدا عن إعلانات التبليغات القضائية التي تستفيد منها غالبية الصحف الورقية الكبرى والصغيرة، وبين من طالب بتخصيص صندوق وطني لدعم الصحافة الورقية، إلا أن هذه المطالبة اصطدمت بتوّجه الحكومة لوضع معايير للاستفادة من مخصصات هذا الصندوق، وهو ما قوبل من المؤسسات بالرفض بحسب مصادر مطلعة أكدت لـ«الشرق الأوسط»، بدعوى الحاجة إلى «جهات مستقلة لوضع المعايير».

الدكتور بشر الخصاونة (د.ب.أ)

رواتب الصحافيين تفاقم الأزمة

في خضم كل ذلك، تشهد بعض هذه المؤسسات الصحافية، تعثراً في صرف الأجور الشهرية للعاملين، في بلد بلغ معدل التضخم فيه لشهر مايو (أيار) الحالي 2024 نحو 1.8 في المائة. وللعلم، لم تخل السنوات الماضية من تنفيذ قرارات تسريح وفصل تعسفي، بينما تتفاعل المعضلة الحقيقية المتعلقة بانتقال الصحف الورقية من خانة صناعة الخبر والرأي العام، إلى خانة نقل الخبر وملاحقته.

وباستثناء الإعلام الرسمي المموّل من الخزينة العامة، دخل الصحافيون على حسابات خط الفقر بعد توقف دخلهم، وتعثرهم في سداد مديونياتهم لصالح البنوك، وغيرها من مؤسسات الإقراض. وهذا حال كثيرين من زملاء المهنة الذين لم يجدوا دعماً من نقابتهم لتستمر معاناتهم وتداعياتها حتى يومنا هذا، بل إن نقابة الصحافيين الأردنيين قرّرت هذا العام تسجيل دعوى قضائية على عدة مؤسسات إعلامية وصحافية مختلّفة عن تسديد التزاماتها للنقابة منذ سنوات، وهي التزامات فرضها قانون نقابة الصحافيين، بتوريد ما نسبته 1 في المائة من أرباح هذه المؤسسات من الإعلان التجاري للنقابة، عدا عن الاشتراكات المالية السنوية.

وفي هذا الصدد، يشير التقرير المالي والإداري لنقابة الصحافيين الصادر في أبريل (نيسان) 2024. عن السنة المالية السابقة، إلى أن إيرادات النقابة الإجمالية قد بلغت في 2023 فقط 376 ألف دينار، يضاف لها من عوائد الـ«1 في المائة» نحو9 آلاف دينار أردني الواردة لها من المؤسسات الصحافية عن هذه النسبة. وبيّن التقرير أن الديون المتراكمة على الصحف اليومية كإيرادات غير متحصلة تحت بند الـ«1 في المائة»، قد بلغ مجموعها مليون و669 ألف دينار أردني.

نذكر هنا أن عدد الصحف اليومية في البلاد يبلغ الآن ست صحف هي: «الدستور»، وهي أقدم صحف المملكة، و«الرأي» و«الغد» و«الأنباط» و«صدى الشعب» و«نبض البلد»، وهذه الصحف تتوقف عن الطباعة يومي الجمعة والسبت، سعياً وراء تخفيض أكلاف الطباعة مع استمرار عمل منصاتها الإلكترونية، غير أن بعض الصحف الورقية ما تزال تُبالغ في طباعة عدد الصفحات والملاحق على حساب المحتوى الجاذب.

تعددت الأسباب والنتيجة واحدة

يقول رئيس تحرير أسبق لإحدى الصحف اليومية إلى «الشرق الأوسط»، فضل إغفال اسمه، إن أزمة الصحافة الورقية كانت «بخذلان الحكومات لها». وفي ذروة قوة الصحف اليومية، عندما كانت تطبع عشرات الآلاف من نسخها وتجني أرباحها بفعل الإعلانات التجارية والاشتراكات، كانت حكومات تستخدمها «لترويج سياساتها، حتى لو على حساب مؤشر الثقة لدى جمهور القراء».

ثم يضيف قائلاً إنه بلغ الأمر في زمن حكومات ليست بعيدة بأنها «عيّنت أرقاماً زائدة على اللزوم من كوادر الصحف اليومية، بل وعيّنت كذلك قيادات صحافية وتدخلت في مساحات النشر، وكان مقص الرقيب الرسمي مسلطاً على رقاب رؤساء تحرير والقيادات الصحافية». ويستطرد: «... وكانت بعض الحكومات تُرسل مقالات تُبجل سياساتها بأسماء مستعارة ووهمية». ويؤكد رئيس التحرير الأسبق أن كل تلك التدخلات كانت على حساب مصداقية ما تنشره الصحف شبه الرسمية، وأنه بعد «الربيع الأردني» عام 2011 بدأ مؤشر الثقة بمضامين الصحف الورقية بالانخفاض، ولم تهتم الحكومات بانخفاض معدل إيرادات الصحف من الإعلانات التجارية، بسبب قلة إقبال القراء على شرائها أو الاشتراك بها.

وحقاً تشير دراسة بحثية علمية، كانت الأولى من نوعها، وأعدها معهد الإعلام الأردني (معهد متخصص في منح درجة الماجستير في الإعلام) عام 2022. إلى تراجع حاد في متابعة الأردنيين للصحف الورقية كمصدر للأخبار وبما نسبته 2 في المائة فقط. في حين أشارت الدراسة التي نُفّذت على عيّنة ممثلة لمحافظات المملكة، حجمها 1800 شخص، إلى أن القنوات التلفزيونية تتمتع بترتيب متقدّم في اعتماد الجمهور عليها في الوصول إلى الأخبار، وهي الأكثر ثقة ومصداقية في أخبارها، بل حققت القنوات التلفزيونية العامة المصداقية الأعلى بين وسائل الإعلام كافة.

كذلك أوضحت الدراسة، أن هناك تراجعاً كبيراً في الاعتماد على الصحافة اليومية، كما أن هناك تراجعاً في ثقة الجمهور بالوظيفة التفسيرية والتحليلية للشؤون العامة الأردنية، وذلك وفق عدد المتابعين ومستوى الثقة بما يُطرح في الإعلام من آراء وتحليل. ومن ناحية أخرى تبين أن شبكات الإعلام الاجتماعي، وتحديداً «فيسبوك»، باتت تعدّ المصدر الأول للأخبار لدى الأردنيين، وإن كانت في الوقت نفسه الأقل ثقة ومصداقية.

ومع أن حكومة هاني الملقي (2016 - 2018) والحكومة الحالية قررتا زيادة سعر الإعلان الحكومي في الصحف، فإن هذا القرار لم يحقق نقطة التعادل في الإيرادات والنفقات في المؤسسات الصحافية، لا سيما أن بعضها قد تراكمت ديونه وبيعت أصوله، ولم تنجح المبادرات في التحول الرقمي من تخفيض كلف الورق والحبر والطباعة. والواقع أن «الشرق الأوسط» تحتفظ بأرقام مديونيات صحف لم تأخذ الإذن في نشرها.

أزمة مصطلحات وتعريفات

في أي حال، يعمل راهناً في المملكة نحو 19 محطة فضائية و39 إذاعة، وكذلك 156 موقعاً إخبارياً على الفضاء الإلكتروني، من بينها 18 موقعاً مرخصاً لأحزاب سياسية. ولكن كل هذا وسط تراجع ملحوظ لمتوسط مداخيل الصحافيين، كما يغلب طابع التغطية الخدماتية على محتوى هذه المؤسسات، بدلاً من مساءلة السلطات العامة وانتقاد سياساتها.

أيضاً، لا يوجد تعريف محكّم لمفهوم الإعلام الرسمي والمستقل في البلاد، فمعظم الصحف تكاد تتشابه في عناوينها ومضامينها وفق مراقبين، وسط غياب «لافت» لمقالات الرأي، التي كانت تؤثر نسبياً في المزاج العام. وباستثناءات محدودة قد يكون كتّاب الرأي المتفاعلون غائبين عن ورق الصحف اليومية، وذلك إما بسبب عدم تخصيص مخصصات لهم أو التعثر في دفع الرواتب، أو لتراجع سقوف الحريات وسط تعدد أزمات الصحافة الورقية، وتنامي الأذرع الإعلامية «الرسمية الموجهة» على حساب الإعلام المستقل. ومن ثم، أصبحت معايير التجربة الأردنية المهنية، وخاصة الإعلام الاستقصائي غير حاضرة في ملفات مهمة.

وختاماً، يمكن القول إن الحاصل لدى جمهور النخب التقليدية في الأردن، هو أن الصحافة الورقية - وحتى المحتوى الخبري - صارت مرهونة بالكامل لمرجعيات رقابية، على حد وصف مراقبين، تسمح لها بالبقاء لكنها لا تسمح لها بالانتعاش. وبالتوازي، ترفض قيادات الصحف رفع صوتها بعيداً عن الخط الرسمي، الذي يلزمها السير ضمن خطوط مرسومة مسبقاً.


مقالات ذات صلة

«فيسبوك» يراهن على الذكاء الاصطناعي لمواجهة «تراجع التفاعل»

إعلام شعار "فيسبوك" (د ب أ)

«فيسبوك» يراهن على الذكاء الاصطناعي لمواجهة «تراجع التفاعل»

عاد الجدل حول مستقبل التفاعل على منصة «فيسبوك» إلى الواجهة، في ظل مؤشرات أداء حديثة تُظهر استمرار تراجع معدلات التفاعل، مقارنة بمنصات اجتماعية منافسة.

إيمان مبروك (القاهرة)
يوميات الشرق «المنتدى السعودي للإعلام» يختتم نسخته الـ5 في الرياض

«المنتدى السعودي للإعلام» يختتم نسخته الـ5 في الرياض

اختتم «المنتدى السعودي للإعلام» أعمال نسخته الخامسة في الرياض، أمس، بعد عقد أكثر من 60 جلسة حوارية وورشة عمل، ناقش فيها 300 متحدث من مختلف دول العالم، محاور.

عمر البدوي (الرياض)
يوميات الشرق حفل جوائز «المنتدى السعودي للإعلام 2026» الذي عقد الأربعاء في الرياض (الشرق الأوسط)

حسين النجار... الصوت الإذاعي الذي شكّل ذاكرة السعوديين

توّج الدكتور حسين النجار المذيع السعودي بجائزة شخصية العام خلال حفل جوائز «المنتدى السعودي للإعلام 2026» الذي عقد الأربعاء في الرياض تقديراً لتجربته العريضة

عمر البدوي (الرياض)
يوميات الشرق الكاتب محمد الرميحي والمحرر عبد الهادي حبتور يحتفلان بالجائزتين (الشرق الأوسط)

«المنتدى السعودي للإعلام» يتوّج الفائزين بجوائز دورته الخامسة

كرّم «المنتدى السعودي للإعلام»، مساء الأربعاء، الفائزين بجوائز نسخته الخامسة، التي نظمت في الرياض، على مدى 3 أيام، بحضور جمع من الإعلاميين.

عمر البدوي (الرياض)
رياضة سعودية علاء شاهين خلال حديثه عن المحتوى الرقمي في منتدى الإعلام (الشرق الأوسط)

منتدى الإعلام السعودي يناقش صناعة محتوى رياضي رقمي يستهدف «جيل زد»

ناقش المنتدى السعودي للإعلام، اليوم، التحولات المتسارعة التي يشهدها المحتوى الرياضي الرقمي في ظل تطور أدوات الإعلام وتغيّر أنماط التلقي.

شوق الغامدي (الرياض)

«تيك توك» تركز على «دعم الاقتصاد الإبداعي» في المنطقة

"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)
"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)
TT

«تيك توك» تركز على «دعم الاقتصاد الإبداعي» في المنطقة

"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)
"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)

قالت كِندة إبراهيم، المديرة العامة الإقليمية لشؤون العمليات لدى «تيك توك» في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب ووسط آسيا، إن استراتيجية المنصة في المنطقة خلال عامي 2026 و2027 ترتكز على بناء «اقتصاد إبداعي مستدام» يحوّل المحتوى من نشاط رقمي إلى مسار مهني حقيقي، ويمنح المواهب المحلية أدوات النمو والوصول إلى الاقتصاد الرقمي العالمي.

وأوضحت إبراهيم، خلال لقاء مع «الشرق الأوسط» على هامش حفل جوائز «تيك توك» الذي نُظم أخيراً، أن المنصة «لا تنظر إلى نفسها بوصفها منصة ترفيه فحسب، بل منظومة متكاملة تتحول فيها الإبداعات إلى مهن، والاهتمامات إلى مجتمعات رقمية، والقصص المحلية إلى محتوى قادر على الانتشار عالمياً مع الحفاظ على هويته الثقافية».

وأضافت أن هذه الاستراتيجية «تقوم على الاستثمار في أدوات صناعة المحتوى، وتوسيع فرص تحقيق الدخل المستدام، وتعزيز أنظمة الأمان، وبناء شراكات تمكّن المواهب المحلية من النمو داخل المنطقة وخارجها بثقة». وأردفت أن تركيز المنصة سيظل منصبّاً على أسواق رئيسية مثل المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية ومصر، إلى جانب أسواق واعدة أخرى تشهد زخماً متزايداً في ريادة الأعمال والإبداع الرقمي.

مؤشرات نضج المنظومة

في هذا السياق، رأت كندة إبراهيم أن نتائج حفل جوائز «تيك توك» لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لعام 2025 «شكّلت مؤشراً واضحاً على نضج منظومة صناع المحتوى في المنطقة، بعدما شارك أكثر من 5.7 مليون مستخدم في التصويت، مما يعكس تحول الجمهور من مجرد متلقٍّ إلى شريك فاعل في صناعة المشهد الإبداعي».

وأوضحت أن تكريم 33 صانع محتوى ضمن 11 فئة شملت الترفيه والتعليم والتأثير الاجتماعي والرياضة والطعام والأزياء والابتكار، «يعكس اتّساع نطاق الإبداع وعمقه».

وتابعت قائلةً إن صناعة المحتوى في المنطقة «لم تعد مرتبطة بلحظة انتشار عابرة أو بنوع واحد من المحتوى، بل أصبحت منظومة حقيقية تبني مجتمعات رقمية وتسهم في تشكيل الثقافة».

واستطردت بأن «وصول 66 صانع محتوى إلى القوائم النهائية قبل بدء التصويت يؤكد وجود قاعدة واسعة ومتنوعة من المواهب في مختلف أنحاء المنطقة، وهو ما دفع (تيك توك) إلى تطوير برامج دعم جديدة لعام 2026، تشمل استثمارات أكبر في أدوات مثل (تيك توك استديو) و(تيك توك ون)، إلى جانب برامج متخصصة للمعلمين والفنانين وصناع المحتوى الرياضيين ورواة القصص».

كِندة إبراهيم، المدير العام الإقليمي لشؤون العمليات لدى "تيك توك" في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب ووسط آسيا.(الشرق الأوسط)

محركات النمو

من جهة ثانية، ذكرت كندة إبراهيم أن نمو «تيك توك» في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا تقوده ثلاثة عوامل رئيسة تتمثل في: الاكتشاف، والمجتمع، وفرص الدخل المستدام.

ولفتت إلى أن «نظام التوصية القائم على الاهتمامات، وليس على عدد المتابعين، يتيح للأصوات الجديدة الظهور بسرعة، ويسمح للاهتمامات المتخصصة من التعليم والرياضة إلى الطعام والجمال، بأن تتحول إلى حركات ثقافية واسعة تقودها المجتمعات نفسها... وأدوات مثل (تيك توك ون)، والتعاون بين صناع المحتوى، أمور تسهم في تحويل التفاعل إلى علاقات أعمق وفرص دخل حقيقية، مما يدعم بناء منظومة إبداعية أكثر استدامة في المنطقة». ومن ثم، فإن المنصة -وفق كندة ابراهيم- «تقيس هذا النمو عبر مجموعة من المؤشرات، تشمل عدد المستخدمين النشطين، ووقت المشاهدة، والتفاعل المتكرر، ونشاط صناع المحتوى، وتبني أدوات تحقيق الدخل، إضافة إلى عدد الصنّاع الذين ينشرون محتوى بشكل منتظم، وسرعة وصول المواهب الجديدة إلى مجتمعاتها».

التعليم والترفيه

ورداً على سؤال عن طبيعة المحتوى، أكدت أن الترفيه لا يزال عنصراً أساسياً في تجربة «تيك توك»، لكنه لم يعد النوع الوحيد الذي يبحث عنه الجمهور... ذلك أن المحتويين التعليمي والمعرفي، إلى جانب محتوى ريادة الأعمال والتأثير الاجتماعي، قطاعات تشهد نمواً متزايداً، خصوصاً عبر مبادرات مثل «تعلم في تيك توك».

وأوضحت أن التعليم على المنصة لا يأتي بصيغة تقليدية، بل في قالب بسيط وسريع وممتع، يمزج بين الفائدة والترفيه، وهو ما يجعل المحتوى أكثر قرباً من الناس وأكثر قابلية للمشاركة والاستمرار.

منصة متعددة الأجيال

وفيما يتعلق بالفئات العُمرية، شددت المدير العام الإقليمي لشؤون العمليات لدى «تيك توك» في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب ووسط آسيا، على أن «تيك توك» باتت «منصة متعددة الأجيال بطبيعتها». إذ تعتمد تجربة المستخدم على الاهتمامات لا على العمر، وبالتالي، «فإن كل مستخدم يجد محتوىً يناسبه، سواءً للترفيه أو التعلّم أو التعبير عن الذات، مما يجعل التجربة أكثر شمولاً وإنسانية».

السلامة والذكاء الاصطناعي

أما عن التحديات، فقالت إن «تيك توك» تولي أولوية قصوى لبناء بيئة رقمية آمنة وشفافة، خصوصاً مع الانتشار المتزايد لأدوات الذكاء الاصطناعي. وشرحت كيف أن المنصة كانت أول جهة تطبّق تقنية «بيانات اعتماد المحتوى Content Credentials بالتعاون مع تحالف C2PA لتمييز المحتوى المُنشأ بالذكاء الاصطناعي».

وأضافت أن أكثر من 37 مليون صانع محتوى استخدموا أداة وسم المحتوى المُنشأ بالذكاء الاصطناعي منذ العام الماضي، كما جرى وسم أكثر من 1.3 مليار فيديو بعلامات مائية غير مرئية، في خطوة تهدف إلى تعزيز الشفافية.

كذلك كشفت عن إطلاق صندوق بقيمة مليوني دولار لدعم محو الأمية في مجال الذكاء الاصطناعي، إضافةً إلى الانضمام إلى «Partnership on AI» لتعزيز التعاون على مستوى الصناعة. وشددت على أن هدف «تيك توك» في الشرق الأوسط وأفريقيا هو مواكبة الابتكار، مع الحفاظ على بيئة آمنة ومسؤولة تحترم الخصوصية، وتعزز الثقة، وتدعم الإبداع الحقيقي الذي يعكس ثقافة وقيم مجتمعات المنطقة.

هذا، وتجدر الإشارة إلى أن المنصة كانت قد نظّمت اخيراً حفل جوائزها السنوي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا احتفاءً بأبرز صنّاع المحتوى في المنطقة الذين كان لهم تأثير متميز خلال عام 2025، وتم تكريم صنّاع المحتوى الذين ساهمت قصصهم وإبداعاتهم وتأثيرهم في رسم ملامح هذا العام على المنصة وخارجها.

تنامي المنصة

للعلم، تُعدّ «تيك توك» من المنصات الرقمية المتنامية العالم. وخلال السنوات الماضية عملت على طرح المحتوى بشكل مختلف من خلال الفيديوهات القصيرة. إذ تقوم فلسفة المنصة على نموذج اكتشاف قائم على الاهتمامات لا على عدد المتابعين، مما يمنح الأصوات الجديدة فرصة الظهور والانتشار السريع، ويتيح للمجتمعات الرقمية أن تتشكل حول متابعات مشتركة، سواءً في التعليم أو الرياضة أو الطعام أو ريادة الأعمال أو الفنون.

وفي منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا، تتطلع «تيك توك» لأن تكون لاعباً رئيسياً في تشكيل الثقافة الرقمية، إذ تحوّلت إلى مساحة للتعبير عن الهوية المحلية، ومسرح للأفكار الجديدة، ومنصة لإطلاق المواهب الشابة.


«فيسبوك» يراهن على الذكاء الاصطناعي لمواجهة «تراجع التفاعل»

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)
TT

«فيسبوك» يراهن على الذكاء الاصطناعي لمواجهة «تراجع التفاعل»

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)

عاد الجدل حول مستقبل التفاعل على منصة «فيسبوك» إلى الواجهة، في ظل مؤشرات أداء حديثة تُظهر استمرار تراجع معدلات التفاعل، مقارنة بمنصات اجتماعية منافسة. وهذا الأمر يدفع الآن شركة «ميتا»، مالكة المنصة، إلى الرهان على الذكاء الاصطناعي بوصفه مساراً لاستعادة التفاعل عبر تحسين أنظمة التوصية وترتيب المحتوى، وتقديم تجربة أكثر تخصيصاً للمستخدمين.

لقد أشار تقرير أجرته «سوشيال إنسايدر» (وهي شركة متخصصة في تحليل بيانات وسائل التواصل الاجتماعي وتقديم تقارير مؤشرات أداء)، خلال الشهر الحالي، إلى أن «متوسط معدلات التفاعل على (فيسبوك) بلغ 0.15 في المائة. وهي نسبة تعكس انخفاضاً تم تسجيله منذ مطلع عام 2025». وتبيّن المؤشرات التي استندت إلى تحليل بيانات نحو 70 مليون منشور عبر منصات «تيك توك» و«إنستغرام» و«فيسبوك» و«إكس» (تويتر سابقاً)، أنه لا يمكن فصل هذا التراجع عن التحولات الأوسع في سلوك المستخدمين، ولا عن المنافسة المحتدمة مع منصات تقدّم أنماطاً أكثر حيوية من المحتوى، وفي مقدمتها الفيديو القصير.

حاتم الشولي، المشرف على تحرير الإعلام الرقمي في قناة «الشرق للأخبار»، أرجع انخفاض التفاعل على «فيسبوك» إلى عدة عوامل. وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «(فيسبوك) بات يعاني من هجرة جيلَي زد وألفا، وتحوّل المنصة إلى فئة عُمرية أكبر (في سن 35 سنة)، والسبب في ذلك أساساً وجود منافسين أكثر حيوية ومنصّات تقدّم أنماطاً جديدة من المحتوى مثل (تيك توك) و(إنستغرام)، حتى إن (فيسبوك) باتت منصة الآباء والأجداد».

الشولي يشير إلى «تحول (فيسبوك) لإحراق المحتوى؛ إذ تتعرّض الحسابات العادية لنحو 1500 منشور محتمل خلال أقل من 8 ساعات، ما أدى إلى مفهوم انهيار السياق والاتجاه نحو التلوث في الكم مع إغفال النوع». ويضيف: «هو بالأساس يدخل في إطار فلسفة الاقتصاد، بتحويل انتباه المستخدمين وجعلها عملية نادرة، تتنافس عليها الشركات المعلنة، الأمر الذي أدى لتحول المنصة لسوق من الإعلانات، مع انعدام المحتوى». ويلفت إلى أن «الكمية الهائلة من المنشورات ولّدت فقراً في الانتباه، كما يقول هربرت سايمون، الذي أسس لفكرة اقتصاد الانتباه».

جدير بالذكر أن مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لـ«ميتا»، كان قد ألمح إلى نية الشركة الدفع باتجاه مزيد من الأدوات والاستخدامات المعززة بالذكاء الاصطناعي، وهو ما عدّه خبراء «رهاناً لتعويض تراجع التفاعل». وكشفت «ميتا» عقب إعلانها أحدث تحديثات الأداء عن دور أنظمتها المتقدمة المدعومة بالذكاء الاصطناعي في تحسين ترتيب المحتوى وزيادة الصلة داخل الخلاصات.

عودة إلى الشولي، فإنه يرى صعوبة في إيجاد تغيير ملموس بشكل كامل على «فيسبوك»؛ إذ يقول: «المنصة بحاجة لإعادة نظر في شكلها الحالي وطبيعة عملها... والأهم من ذلك استقطابها لجمهور الشباب؛ إذ لدى (فيسبوك) نحو 3 مليارات مستخدم نشط شهرياً، منهم 2 مليار ناشطون بشكل يومي، ولكن معدل الأعمار الأكثر نشاطاً هم الأكبر بالعمر، وهذه مشكلة عنق الزجاجة التي تعاني منه (فيسبوك) طوال السنوات العشر الماضية».

ويضيف أن «الذكاء الاصطناعي قد يؤثر في استهلاك المحتوى من قبل المستخدمين؛ لكن داخل حيز الحسابات النشطة فقط». وهو لا يعتقد بارتفاع أعداد الحسابات النشطة أكثر مما عليه الآن.

من جهة ثانية، وفق البيانات الرسمية لـ«ميتا»، أسهمت تحسينات ترتيب الخلاصات والفيديو على «فيسبوك» خلال الربع الرابع من عام 2025 في زيادة مشاهدات منشورات الخلاصة والفيديو العضوية بنسبة 7 في المائة، مع تسجيل نمو في وقت مشاهدة الفيديو على أساس سنوي داخل الولايات المتحدة. كذلك زادت المنصة من عرض المقاطع القصيرة المنشورة في اليوم نفسه بنسبة تجاوزت 25 في المائة مقارنة بالربع الثالث من العام ذاته.

وهنا ذكرت دعاء عمار، الصحافية المتخصصة في الذكاء الاصطناعي وصناعة المحتوى، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن «فيسبوك» لم تنجح في جذب الشرائح الأصغر سناً. ولفتت إلى التغيّر في تفضيلات الخوارزمية، قائلة: «في السابق كانت خوارزمية (فيسبوك) تعرض ما ينشره أصدقاؤك وأقاربك، أما الآن فتحاول (فيسبوك) استنساخ (تيك توك)». وأردفت دعاء عمار أن «الخوارزمية المدعومة بالذكاء الاصطناعي ما تشاهده على أساس اهتمامك الحالي، وليس بناء على مَن تتابعهم»، معتبرة أن هذا قلّل «الحميمية» التي كانت قبل ذلك دافعاً أساسياً للتفاعل بالتعليقات والمشاركة.

وبالنسبة لرهان «فيسبوك» على الذكاء الاصطناعي، رأت دعاء عمار أن «المشكلة تكمن في أن خوارزميات الذكاء الاصطناعي مصممة لزيادة التفاعل بأي ثمن، ما قد يؤدي على سبيل المثال إلى انتشار الأخبار المضللة أو حبس المستخدم في فقاعة من المحتوى الذي يوافق مزاجه فقط؛ ما قد يخلق استقطاباً مجتمعياً حاداً». ومن ثم «التفاعل يجب أن يكون هدفاً مقيداً وليس الهدف الوحيد... والحد الفاصل هو عندما يتحوّل الذكاء الاصطناعي من أداة لتحسين التفاعل، إلى محرّك غير خاضع للمساءلة لزيادة هذا التفاعل».


«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
TT

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)

أعلنت صحيفة «واشنطن بوست»، السبت، تنحي رئيسها التنفيذي ويل لويس من منصبه، بعد أيام من بدء تنفيذ خطة واسعة النطاق لخفض عدد الموظفين في هذه المؤسسة الصحافية الأميركية التي يملكها جيف بيزوس.

مقر صحيفة «واشنطن بوست» (إ.ب.أ)

وتسبب إعلان الخطة الأربعاء لتسريح قرابة 300 صحافي من أصل 800 بصدمة، في ظل تنامي التحالف بين مؤسس «أمازون» والرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي يشنّ باستمرار حملات على وسائل الإعلام التقليدية منذ عودته إلى السلطة.

وفي رسالة إلكترونية أُرسلت إلى الموظفين وكشفها أحد صحافيي «واشنطن بوست» على وسائل التواصل الاجتماعي، قال ويل لويس إنه «بعد عامين من العمل على تطوير صحيفة واشنطن بوست، حان الوقت المناسب للتنحي عن منصبه».

وسيتم استبداله بجيف دونوفريو الذي يشغل منصب المدير المالي لواشنطن بوست منذ العام الماضي، بحسب الصحيفة.

قراء صحيفة واشنطن بوست شاركوا في وقفة احتجاجية أمام مبنى الصحيفة الخميس الماضي (ا.ف.ب)

وتعاني «واشنطن بوست»، المعروفة بكشفها فضيحة «ووترغيت ووثائق البنتاغون، والحائزة 76 جائزة بوليتزر منذ العام 1936، أزمة مستمرة منذ سنوات.

وخلال ولاية ترمب الأولى، حققت الصحيفة أداء جيدا نسبيا بفضل أسلوبها الصريح في تغطية الأحداث. وبعد مغادرة الملياردير الجمهوري البيت الأبيض، تراجع اهتمام القراء بها وبدأت نتائجها بالانخفاض الحاد.

وخسرت الصحيفة 100 مليون دولار في عام 2024، وفق صحيفة «وول ستريت جورنال».

في خريف عام 2024، امتنعت «واشنطن بوست» عن نشر افتتاحية تدعم كامالا هاريس في الحملة الرئاسية ضد دونالد ترمب، رغم أنها أيدت المرشحين الديموقراطيين في انتخابات أعوام 2008 و2012 و2016 و2020. واعتبر كثر ذلك محاولة من جيف بيزوس للتقرب من ترمب.

واستحوذ بيزوس الذي تُقدّر ثروته حاليا بـ 245 مليار دولار وفقا لمجلة فوربس، على صحيفة واشنطن بوست عام 2013.

وقال لويس في رسالته «خلال فترة إدارتي، اتُخذت قرارات صعبة لضمان مستقبل مستدام للصحيفة، حتى تتمكن من الاستمرار في نشر أخبار عالية الجودة وغير متحيزة لملايين القراء يوميا».

ونقل بيان «واشنطن بوست» عن بيزوس قوله إن الصحيفة لديها «فرصة استثنائية. ففي كل يوم، يزوّدنا قراؤنا بخريطة طريق نحو النجاح. تقول لنا البيانات ما هو قيّم وأين يجب أن نركز جهودنا».

وجرى الاستغناء عن عدد كبير من المراسلين الأجانب، بمن فيهم جميع من يغطون أخبار الشرق الأوسط والأحداث في روسيا وأوكرانيا.

كما طالت عمليات الصرف الجماعي أقسام الرياضة والكتب والبودكاست والأخبار المحلية والرسوم البيانية، حتى أن بعضها أُلغي في شكل شبه كامل.