برنامج الدردشة الذكي «الصديق» لطلاب المدارس العامة... يسقط

حرمان نصف مليون تلميذ أميركي من خدماته بعد انهيار الشركة المطورة له

ألبرتو كارفاليو المشرف على مدارس لوس أنجليس يتحدث عن نظام الذكاء الاصطناعي «إد»
ألبرتو كارفاليو المشرف على مدارس لوس أنجليس يتحدث عن نظام الذكاء الاصطناعي «إد»
TT

برنامج الدردشة الذكي «الصديق» لطلاب المدارس العامة... يسقط

ألبرتو كارفاليو المشرف على مدارس لوس أنجليس يتحدث عن نظام الذكاء الاصطناعي «إد»
ألبرتو كارفاليو المشرف على مدارس لوس أنجليس يتحدث عن نظام الذكاء الاصطناعي «إد»

استأجرت مدارس لوس أنجليس شركة ناشئة لبناء نظام دردشة تعليمي بالذكاء الاصطناعي لأولياء الأمور والطلاب. وبعد بضعة أشهر، انهارت الشركة.

موقع برنامج «إد»

برنامج «سيغير التعليم»

في خطاب ألقاه في أبريل (نيسان)، قام ألبرتو كارفاليو، المشرف على مدارس لوس أنجليس، بالترويج لنظام الذكاء الاصطناعي برنامج الدردشة الآلي الذي قال إنه «سيغير التعليم».

كان من المفترض أن تكون المنصة المسماة «إد» Ed «صديقاً تعليمياً» لنصف مليون طالب في المدارس العامة في لوس أنجليس (انظر «الشرق الأوسط» 19 - 6 - 2024).

في الدردشات المكتوبة، كان «إد» يوجّه الطلاب نحو الموارد الأكاديمية وموارد الصحة العقلية، أو يخبر أولياء الأمور ما إذا كان أطفالهم قد حضروا الفصل في ذلك اليوم، ويقدم أحدث نتائج اختباراتهم. وسيكون «إد» أيضاً قادراً على اكتشاف المشاعر والاستجابة لها مثل العداء والسعادة والحزن.

وقد تحدث ألبرتو كارفاليو، مشرف المنطقة، عن «إد» بعبارات جريئة. وفي ذلك الخطاب للترويج للبرنامج، ووعد بأنه «سيعمل على إضفاء الطابع الديمقراطي» و«تحويل التعليم». ورداً على المشككين في الذكاء الاصطناعي، تساءل: «لماذا لا نسمح لهذا النهج التعليمي الترفيهي بجذب انتباههم (الطلاب) وجذب انتباههم، ويكون بمثابة الحافز لهم؟».

قالت إحدى الفتيات في الصف السابع التي اختبرت برنامج الدردشة الآلي - الذي تجسّده شمس مبتسمة متحركة -: «أعتقد أن (إد) يحبني»، كما قال السيد كارفاليو.

انهيار شركة الذكاء الاصطناعي

وافقت لوس أنجليس على دفع ما يصل إلى 6 ملايين دولار لشركة «أل هير» AllHere الناشئة لتطوير «إد» Ed، وهو جزء صغير من الميزانية السنوية للمنطقة البالغة 18 مليار دولار.

لكن بعد شهرين فقط من العرض الذي قدمه كارفاليو في أبريل أثناء مؤتمر تكنولوجي مبهر، تركت مؤسسة الشركة ورئيستها التنفيذية منصبها، ومنحت معظم موظفيها إجازة. ونشرت على موقعها على الإنترنت أن الإجازات كانت بسبب «وضعنا المالي الحالي».

مخاطر الاستثمار

وتقوم الشركات بتسويق نفسها بشكل كبير للمدارس، التي تنفق عشرات المليارات من الدولارات سنوياً على التكنولوجيا. لكن الانهيار المفاجئ لـ«أل هير» يوضح بعض مخاطر استثمار أموال دافعي الضرائب في الذكاء الاصطناعي، وهي تكنولوجيا ذات إمكانات هائلة، ولكن سجلها ضئيل، خاصة عندما يتعلق الأمر بالأطفال.

مشكلات خصوصية التلاميذ

هناك العديد من المشكلات المعقدة، بما في ذلك خصوصية بيانات الطلاب ودقة أي معلومات مقدمة عبر برامج الدردشة الآلية. و«إد» قد يتعارض أيضاً مع اهتمام متزايد آخر لقادة التعليم وأولياء الأمور، وهو تقليل الوقت الذي يقضيه الأطفال أمام الشاشات.

إلا أن بريت فوغان، المتحدث باسم منطقة المدارس في لوس أنجليس، ميّز بين الطلاب المشتتين «الذين يستهلكون أوقاتهم بالهواتف أثناء اليوم الدراسي» والطلاب الذين يستخدمون أجهزة الكومبيوتر المحمولة أو الأجهزة اللوحية للتفاعل مع منصة «إد» التي قال إنها «تهدف إلى توفير مسارات تعليمية فردية لمعالجة تعلم الطلاب».

الانتظار والترقب أفضل

وقالت ناتالي ميلمان، أستاذة تكنولوجيا التعليم في جامعة جورج واشنطن، إنها تنصح المدارس في كثير من الأحيان باتباع نهج «الانتظار والترقب» لشراء التكنولوجيا الجديدة. بينما وقالت إنها تستحق الاستخدام والاختبار، وحذّرت من أن المدارس «تتحدث بشكل غامض عن هذه الأداة المجيدة. ونحن في حاجة إلى التأكد من أننا ننتقد ما يمكن أن تفعله، واحتمالية الضرر والتضليل».

«الصديق التعليمي» كان تجريبياً

وكان من المفترض أن يكون «إد» «صديقاً تعليمياً» لنصف مليون طالب في المدارس العامة في لوس أنجليس. و قال أنتوني أغيلار، رئيس التعليم الخاص بالمنطقة، إنه على الرغم من انهيار «أل هير»، ظلت النسخة المبتورة من «إد» متاحة للعائلات في 100 مدرسة «ذات أولوية» بالمنطقة، والتي يعاني طلابها الصعوبات الأكاديمية والحضور.

لكن هذا البرنامج ليس برنامج دردشة تفاعلياً متطوراً. إنه موقع ويب يجمع المعلومات من العديد من التطبيقات الأخرى التي تستخدمها المنطقة لتتبع الواجبات والدرجات وخدمات الدعم. ويمكن للطلاب الذين يستخدمون الموقع أيضاً إكمال بعض الأنشطة التعليمية على المنصة، مثل المسائل الرياضية.

وقال السيد أغيلار إن برنامج «إد» الذي روّج له السيد كارفاليو تم اختباره مع الطلاب الذين تبلغ أعمارهم 14 عاماً فما فوق، ولكن تم إيقافه عن العمل لتحسين كيفية إجابته عن أسئلة المستخدم.

توقف تطوير النظام

وكان الهدف هو أن يكون برنامج الدردشة الآلي متاحاً في سبتمبر (أيلول) المقبل، وهو تحدٍ نظراً لأنه كان من المفترض أن توفر «أل هير» الدعم الفني المستمر والتدريب لموظفي المدرسة، وفقاً لعقدها المبرم مع المنطقة. وقالت المنطقة إنها تأمل أن يتم الاستحواذ على «أل هير» وأن يواصل المالك الجديد تقديم الخدمات.

واشتهرت الشركة بأنها تقدم رسائل نصية آلية من المدارس إلى العائلات. وقد ظهرت مؤسستها ورئيستها التنفيذية، جوانا سميث - غريفين، البالغة من العمر الآن 33 عاماً، في مجلة «فوربس» و«سي بي إس» وغيرهما من وسائل الإعلام، وقالت إنها باعتبارها معلمة سابقة كان طلابها غالباً ما يتغيبون، فقد أسست AllHere في عام 2016 للمساعدة في حل المشكلة. وبدا أن الرسائل النصية الآلية تواكب اللحظة التي بدأت فيها جائحة «كوفيد - 19»، وتحول التغيب المزمن عن العمل أزمة وطنية. وفي ربيع عام 2020، استحوذت شركة AllHere على التكنولوجيا التي طورها بيتر بيرغمان، الخبير الاقتصادي وخبير تكنولوجيا التعليم. وهي التي مكّنت المدارس من إرسال «دفعات» إلى أولياء الأمور عبر رسائل نصية حول الحضور والواجبات المفقودة والدرجات، وغيرها من القضايا.

وقالت الشركة حينها إنها ستوفر الذكاء الاصطناعي للمدارس مع إبقاء «الإنسان في الحلقة»؛ ما يعني أن المشرفين البشريين سيشرفون على الذكاء الاصطناعي لضمان السلامة والأمن - وهو اقتراح يحتمل أن يكون مكلفاً ويتطلب عمالة كثيفة.

عقبات التكنولوجيا المدرسية شائعة

وقال ستيفن أغيلار، أستاذ التعليم في جامعة جنوب كاليفورنيا الذي عمل سابقاً مطوراً للبرمجيات التعليمية - وهو ليس على صلة قرابة بالسيد أغيلار من مدارس لوس أنجليس - إن فشل جهود التكنولوجيا المدرسية الطموحة «مشكلة شائعة إلى حد ما»، بما في ذلك بعض المشروعات التي لم يتم تسليمها. وأضاف: «المناطق (التعليمية) لديها الكثير من الاحتياجات المعقدة والكثير من المخاوف المتعلقة بالسلامة». «لكن المشرفين عليها غالباً ما يفتقرون إلى الخبرة الفنية اللازمة لفحص ما يشترونه».

وليست هذه هي المرة الأولى التي تقوم فيها لوس أنجليس بـرهان كبير على تكنولوجيا التعليم، مع عوائد مشكوك فيها. فابتداءً من عام 2013، وتحت إشراف مشرف سابق، أنفقت المنطقة عشرات الملايين من الدولارات لشراء أجهزة «آيباد» محملة مسبقاً بمواد المنهج الدراسي، لكن الجهود شابتها مخاوف أمنية وحوادث فنية.

* ساهمت في الموضوع أيضاً سوزان سي بيتشي - خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

«التعاطف الزائف»... ماذا نخسر عندما نلجأ إلى الذكاء الاصطناعي للعلاج النفسي؟

يوميات الشرق هل تستطيع الآلة أن تحل محل العلاقة الإنسانية التي يقوم عليها العلاج النفسي؟ (بكسلز)

«التعاطف الزائف»... ماذا نخسر عندما نلجأ إلى الذكاء الاصطناعي للعلاج النفسي؟

مع انتشار روبوتات الدردشة القادرة على الاستماع ومحاكاة التعاطف، يتزايد حضور الذكاء الاصطناعي في مجال الدعم والعلاج النفسي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
علوم كرسي «بوليميديكس» الروبوتي الذكي المدعوم بالذكاء الاصطناعي في جناح «كومبال» خلال «ليب 2026» في ملهم بالرياض

«ليب 2026»... عندما يغادر الذكاء الاصطناعي الشاشة ويتحرك داخل المستشفى

آلة تستطيع إدراك ما حولها واتخاذ قرار ثم تنفيذ حركة في العالم الحقيقي

د. عميد خالد عبد الحميد (ملهم - الرياض)
خاص «إريكسون»: أكثر من نصف مستخدمي الاتصالات في السعودية مستعدون لدفع المزيد مقابل سرعة أو زمن استجابة أو سعة مضمونة عند الحاجة ( أدوبي)

خاص رئيس «إريكسون» السعودية لـ«الشرق الأوسط»: شبكات الحج مختبر لتقنيات تمتد إلى «إكسبو» والمونديال

تبحث «إريكسون» في السعودية توسيع قيمة شبكات الجيل الخامس عبر الأتمتة والذكاء الاصطناعي والاتصال المضمون والاستعداد التدريجي للجيل السادس.

نسيم رمضان (الرياض)
أميركا اللاتينية المرشح الرئاسي البرازيلي فلافيو بولسونارو، من الحزب الليبرالي، خلال حملته الانتخابية في إستيو - البرازيل 2 سبتمبر 2026 (رويترز)

محكمة برازيلية تضع معايير للتزييف بالذكاء الاصطناعي بقضية مرتبطة ببولسونارو

وضعت المحكمة العليا للانتخابات في البرازيل معايير جديدة لما تعتبره تزييفاً عميقا مولداً بالذكاء الاصطناعي في الإعلانات السياسية.

«الشرق الأوسط» (ساو باولو)
خاص تنتقل المؤسسات السعودية بالذكاء الاصطناعي من مرحلة التجارب وإثبات المفهوم إلى مرحلة التشغيل وإثبات القيمة الاقتصادية الفعلية

خاص «سيسكو» لـ«الشرق الأوسط»: السعودية تنتقل بالذكاء الاصطناعي من التجربة إلى إثبات القيمة

تنتقل السعودية بالذكاء الاصطناعي من التجارب إلى التشغيل وإثبات القيمة مع تركيز شركة «سيسكو» على الشبكات الآمنة والسيادة وتطوير المهارات.

نسيم رمضان (الرياض)

«ليب 2026»... عندما يغادر الذكاء الاصطناعي الشاشة ويتحرك داخل المستشفى

كرسي «بوليميديكس» الروبوتي الذكي المدعوم بالذكاء الاصطناعي في جناح «كومبال» خلال «ليب 2026» في ملهم بالرياض
كرسي «بوليميديكس» الروبوتي الذكي المدعوم بالذكاء الاصطناعي في جناح «كومبال» خلال «ليب 2026» في ملهم بالرياض
TT

«ليب 2026»... عندما يغادر الذكاء الاصطناعي الشاشة ويتحرك داخل المستشفى

كرسي «بوليميديكس» الروبوتي الذكي المدعوم بالذكاء الاصطناعي في جناح «كومبال» خلال «ليب 2026» في ملهم بالرياض
كرسي «بوليميديكس» الروبوتي الذكي المدعوم بالذكاء الاصطناعي في جناح «كومبال» خلال «ليب 2026» في ملهم بالرياض

تخيّل أن تدخل مستشفى المستقبل، فلا يكون أول ذكاء اصطناعي تقابله برنامجاً على شاشة، ولا خوارزمية تقرأ صورة أشعة، بل كرسياً متحركاً ذكياً يأتي إلى المريض، يساعده على الانتقال، ويتحرك به داخل المستشفى من دون أن يحتاج إلى من يدفعه طوال الطريق.

من العالم الرقمي إلى العالم المادي

قد يبدو المشهد أقرب إلى الخيال العلمي، لكنه يشير إلى تحول بدأ يأخذ شكلاً مادياً أمام زوار «ليب 2026» في الرياض: انتقال الذكاء الاصطناعي من العالم الرقمي إلى آلات تستطيع أن ترى وتستشعر وتتحرك وتتفاعل مع الإنسان والبيئة المحيطة بها.

لسنوات، دخل الذكاء الاصطناعي إلى الطب من خلال الشاشة. قرأ صور الأشعة، وحلل البيانات، وتنبأ بالمخاطر، وأجاب عن الأسئلة. لكن الجيل المقبل قد يدخل المستشفى بطريقة مختلفة تماماً؛ ليس بوصفه «عقلاً رقمياً» يقدم توصية للطبيب فحسب، بل ذكاءً يمتلك جسداً ويتحرك في المكان نفسه الذي يتحرك فيه المريض.

وهنا يظهر مفهوم يتقدم سريعاً إلى واجهة النقاش التقني: «الذكاء الاصطناعي المادي» (Physical AI)؛ أي أنظمة تجمع بين الذكاء الاصطناعي والمستشعرات والرؤية الحاسوبية والروبوتات والحركة، بحيث لا تكتفي بفهم العالم، وإنما تستطيع أن تتصرف داخله.

ومن بين آلاف التقنيات التي اجتمعت في «ليب 2026» بملهم (شمال الرياض)، قد يكون الكرسي الروبوتي الذكي مثالاً صغيراً على سؤال طبي أكبر بكثير: ماذا سيحدث عندما يغادر الذكاء الاصطناعي الشاشة... ويبدأ العمل إلى جانب الطبيب والممرض والمريض داخل المستشفى؟

ومع وصول «ليب 2026» اليوم إلى محطته الختامية في ملهم، بعد أربعة أيام من العروض والجلسات التي استعرضت أحدث اتجاهات الذكاء الاصطناعي والتقنيات الناشئة، ربما يكون أحد أكثر التحولات إثارة للاهتمام طبياً هو ذلك الذي ينقل الذكاء الاصطناعي من الشاشة إلى العالم المادي؛ من خوارزمية تقدم المعلومة إلى آلة تستطيع أن تستشعر وتتحرك وتتفاعل مع الإنسان.

كرسي متحرك... أم روبوت؟

من بين التقنيات الطبية اللافتة في «Tech Arena» ضمن «ليب 2026»، يبرز نظام «بوليميديكس» POLYMEDX الذي طورته شركة «كومبال إلكترونيكس» (Compal Electronics)، ويقدمه البرنامج الرسمي للمؤتمر بوصفه كرسي رعاية صحية روبوتية ذكية مدفوعاً بالذكاء الاصطناعي.

للوهلة الأولى، قد يبدو وكأنه تطور آخر للكرسي الكهربائي المتحرك. لكن الفرق بين الكرسي الذي ينفذ أمر الإنسان وبين الآلة التي تستطيع إدراك ما حولها واتخاذ قرار ثم تنفيذ حركة في العالم الحقيقي يمثل واحداً من أهم التحولات التي يشهدها الذكاء الاصطناعي اليوم.

إن الكرسي الكهربائي التقليدي ينتظر من المستخدم أن يحدد الاتجاه والسرعة. أما عندما تدخل المستشعرات والرؤية الحاسوبية والخوارزميات والقدرة على الحركة في منظومة واحدة، فإننا نقترب من نوع مختلف من الآلات: آلة لا تتعامل مع البيانات فقط، بل مع المكان والأجسام والبشر من حولها.

عمل الكرسي الروبوتي الذكي... من استشعار البيئة إلى الحركة تحت الإشراف البشري

استشعار العالم المادي وإدراكه

وهنا يظهر مفهوم «الذكاء الاصطناعي المادي» (Physical AI)؛ وهو انتقال الذكاء الاصطناعي من أنظمة تفهم الكلمات والصور والبيانات إلى أنظمة تستطيع أن تستشعر العالم المادي، وتفسره، ثم تتصرف داخله.

والفرق قد يبدو لغوياً، لكنه في الطب جوهري.فالخوارزمية التي تخطئ في تحليل معلومة يمكن للطبيب أن يراجعها على الشاشة. أما عندما يصبح الذكاء الاصطناعي مسؤولاً عن حركة آلة تحمل مريضاً داخل مستشفى، فإن القرار الرقمي يتحول إلى فعل مادي، وتتحول معه أسئلة الدقة والسلامة والمسؤولية إلى مستوى جديد تماماً.

المستشفى الذكي... روبوتات وأنظمة ذكاء اصطناعي مادي تعمل تحت الإشراف البشري

عندما يصبح المستشفى «بيئة ذكية»

ولا تتوقف فكرة «بوليميديكس» عند كرسي روبوتي واحد؛ فالرؤية الأوسع هي بناء منظومة للمستشفى الذكي، تتكامل فيها الروبوتات مع تنسيق المهام بالذكاء الاصطناعي، و«التوأم الرقمي» (Digital Twin)، والذكاء الاصطناعي الطرفي (Edge AI).

وتعمل «كومبال» على نقل هذه الفكرة إلى بيئات سريرية فعلية في تايوان، من نقل الأدوية في أقسام الطوارئ إلى الخدمات اللوجيستية وحركة المواد والأجهزة بين أقسام المستشفى.

وهنا يصبح الكرسي الذكي مجرد قطعة واحدة داخل شبكة أكبر من الآلات والبيانات والقرارات. تخيّل مريضاً يحتاج إلى الانتقال من جناح التنويم إلى قسم الأشعة: يتحرك الكرسي عبر الممرات، وفي الوقت نفسه ينقل روبوت آخر الدواء من الصيدلية، بينما تنسق منصة رقمية حركة المرضى والأدوية والأجهزة والموارد في الوقت الفعلي.

إنه فارق جوهري بين «مستشفى يستخدم الذكاء الاصطناعي» و«مستشفى تتحرك داخله أنظمة ذكية».

من «ليب» إلى المريض... هل الفكرة قابلة للتطبيق؟

والأهم أن الكراسي المتحركة ذاتية القيادة لم تعد مجرد تصور لمستشفى المستقبل. ففي دراسة حديثة نُشرت في يوليو (تموز) 2026، اختبر باحثون من «مايو كلينك» في روتشستر بولاية مينيسوتا الأميركية استخدام كرسي متحرك ذاتي القيادة لنقل المرضى داخل بيئة سريرية كبيرة. وشملت التجربة 409 مرضى بالغين استخدموا الكرسي خلال الفترة من أكتوبر (تشرين الأول) 2025 إلى يناير (كانون الثاني) 2026.

وكانت النتائج لافتة: لم تسجل التجربة أي اصطدام أو حادث ضار، وقال 86.3 في المائة من المشاركين إنهم سيستخدمون الكرسي مرة أخرى، بينما قال 91.7 في المائة إنهم سيوصون الآخرين باستخدامه.

لكن ربما تكون النقطة العلمية الأهم هي ما لم يقله الباحثون. فالدراسة لم تعلن أن الكراسي ذاتية القيادة أصبحت جاهزة لتحل محل وسائل نقل المرضى التقليدية، وإنما خلصت بحذر إلى أن النتائج تدعم قابلية استخدام التقنية وقبول المرضى لها داخل بيئة سريرية مضبوطة، مع الحاجة إلى مزيد من الاختبارات والتقييم.

وهذه نقطة مهمة؛ لأن المسافة بين روبوت ينجح في معرض تقني وروبوت يمكن الوثوق به يومياً إلى جانب المرضى هي المسافة بين الابتكار الطبي والسلامة الطبية.

من «المعرفة» إلى «الفعل»

من «ماذا يعرف؟» إلى «ماذا يستطيع أن يفعل؟»... إن الخطأ الذي يبقى على الشاشة ليس كالخطأ الذي يتحول إلى حركة في العالم الحقيقي. فإذا أخطأ نظام ذكاء اصطناعي في تحليل صورة طبية، يستطيع الطبيب - نظرياً - مراجعة النتيجة قبل أن تتحول إلى قرار. أما عندما يقود النظام آلة تحمل مريضاً وتتحرك به عبر ممرات المستشفى، فإن المسافة بين القرار الخوارزمي والفعل والضرر المحتمل تصبح أقصر بكثير.

ماذا لو أخطأ الكرسي في تقدير المسافة إلى عائق؟ ماذا لو تعطل أحد المستشعرات؟ ماذا يحدث إذا انقطع الاتصال؟ هل يتوقف تلقائياً؟ ومن يستطيع إيقافه فوراً؟

ثم يأتي السؤال الأصعب: ما مقدار الاستقلالية الذي ينبغي أن نمنحه للآلة؟ هل نسمح لها باختيار الطريق؟ بتغيير وجهتها؟ بالتعامل مع موقف غير متوقع؟ وأين تنتهي سلطة الخوارزمية وتبدأ سلطة الطبيب أو الممرض أو المريض نفسه؟

هنا لم نعد نتحدث عن هندسة الروبوتات فقط. نحن نتحدث عن سلامة المرضى، والمسؤولية، وحدود الاستقلالية، وحوكمة الذكاء الاصطناعي عندما يصبح قادراً على الفعل.

قبل دخوله المستشفى السعودي

وتصبح هذه الأسئلة أكثر إلحاحاً عندما نتصور انتقال هذه الأنظمة مستقبلاً من قاعات المعارض إلى المستشفيات السعودية. فالنجاح في معرض تقني، أو حتى في مستشفى خارج المملكة، لا يعني تلقائياً أن النظام جاهز للعمل في بيئة سريرية سعودية. قبل أن يحمل روبوت مريضاً واحداً، ينبغي أن نعرف: هل اختُبر في المستشفى الذي سيعمل فيه؟ وهل يتعامل بأمان مع مرضاه وممراته ومصاعده وأنظمته الرقمية وظروف العمل الفعلية؟

وهنا لا يكفي اختبار دقة الخوارزمية وحدها. يجب التحقق من سلامة النظام كاملاً، وتحديد حدود استقلاليته، واختبار أدائه عند تعطل مستشعر أو انقطاع الاتصال، وحمايته من المخاطر السيبرانية، وتدريب العاملين على التعامل معه، وتحديد من يتحمل المسؤولية عندما لا يسير الأمر كما هو متوقع.

من الاستقلالية إلى التوقف الآمن ودور الإنسان في حوكمة النظام

لكن هناك سؤالاً أبسط قد يكون أهم من كل ذلك: مَن يستطيع إيقاف الآلة؟ إن كل نظام ذكي يتحرك بالقرب من المريض يحتاج إلى «وظيفة توقف» (Stop Function) واضحة وفعَّالة؛ آلية تمنح الإنسان القدرة على التدخل الفوري أو إيقاف النظام عندما تظهر إشارة خطر، من دون أن يصبح الطبيب أو الممرض مجرد مراقب لقرار اتخذته الآلة بالفعل.

والاستقلالية في الرعاية الصحية لا ينبغي أن تعني غياب الإنسان، بل أن تعمل الآلة ضمن حدود معروفة، ورقابة بشرية حقيقية، وقدرة دائمة على التدخل والإيقاف. وهذا هو الفارق بين أن نُدخل روبوتاً إلى المستشفى وبين أن نحكم عمل روبوت داخل المستشفى.

الجيل القادم من الذكاء الاصطناعي الطبي

تكمن أهمية ما يعرضه «ليب 2026» في أنه يكشف عن تحول أكبر بكثير من كرسي متحرك ذكي. فالذكاء الاصطناعي الطبي الذي عرفناه حتى الآن كان في معظمه ذكاءً يرى ويقرأ ويحلل ويتنبأ ويقترح. أما الجيل المقبل، فقد يضيف إلى هذه القدرات أفعالاً جديدة: يستشعر ويتحرك وينفذ ويتفاعل مع الإنسان والعالم المادي من حوله.

وتقدم «كومبال» رؤيتها لمنصة «بوليميديكس» في هذا الاتجاه؛ منظومة تجمع الروبوتات وتنسيق المهام بالذكاء الاصطناعي و«التوأم الرقمي» والذكاء الاصطناعي الطرفي، بما يسمح بمحاكاة بعض السيناريوهات واختبارها افتراضياً قبل انتقالها إلى البيئة الحقيقية. لكن دخول الذكاء الاصطناعي إلى العالم المادي يغيّر المعادلة الطبية نفسها.

ولسنوات، كان السؤال الذي يرافق الذكاء الاصطناعي الطبي: هل يستطيع أن يفكر مثل الطبيب؟ أما ما تعرضه تقنيات «الذكاء الاصطناعي المادي» اليوم في الرياض، فيطرح سؤالاً أكثر إلحاحاً: ماذا يحدث عندما لا يعود الذكاء الاصطناعي قادراً على التفكير فحسب... بل يصبح قادراً أيضاً على الحركة والفعل؟

عندها لن يكون التحدي الأكبر بناء آلة أكثر ذكاءً، بل بناء الحدود التي تحكم ذكاءها: متى نسمح لها بأن تتحرك؟ متى نثق بها لتتصرف؟ ومتى يجب أن تتوقف؟

فالطب قد يكون مقبلاً على عصر لا يبقى فيه الذكاء الاصطناعي خلف الشاشة... سيدخل الغرفة... سيتحرك إلى جانب المريض... وقد يحمل المريض نفسه.

ولهذا، كلما اقترب الذكاء الاصطناعي من جسد الإنسان، يجب أن تقترب منه الرقابة البشرية بالقدر نفسه.


برامج ذكاء اصطناعي... لإدارة شؤون العائلة «المعلوماتية»

«فامبوت» يرسل ملخصات يومية بعد تصنيف الرسائل والتنبيهات والتحديثات والإشعارات
«فامبوت» يرسل ملخصات يومية بعد تصنيف الرسائل والتنبيهات والتحديثات والإشعارات
TT

برامج ذكاء اصطناعي... لإدارة شؤون العائلة «المعلوماتية»

«فامبوت» يرسل ملخصات يومية بعد تصنيف الرسائل والتنبيهات والتحديثات والإشعارات
«فامبوت» يرسل ملخصات يومية بعد تصنيف الرسائل والتنبيهات والتحديثات والإشعارات

يقول الآباء إن الحياة الأسرية أصبحت أشبه بممارسة مستمرة لإدارة المعلومات، حيث تنهال عليهم رسائل البريد الإلكتروني، وتنبيهات التطبيقات، وتحديثات المدرسة، ومحادثات المجموعات، وإشعارات الأنشطة من كل حدب وصوب. وهنا، تزعم مجموعة متنامية من الشركات الناشئة أن الذكاء الاصطناعي قادر على المساعدة في تنظيم هذه الفوضى.

برامج «إدارة شؤون العائلة»

أطلقت شركة «فامبوت» Fambot (البوت العائلي) برنامج «مدير الشؤون chief of staff» العامل بالذكاء الاصطناعي للعائلات. ويقول ديفيد رايش، مؤسس والرئيس التنفيذي للشركة: «أتلقى ما بين 20 و40 رسالة بريد إلكتروني يومياً تتعلق بشؤون الأطفال». ويضيف أن الآباء غارقون أيضاً في مجموعات المراسلة أثناء محاولتهم العمل وإدارة شؤون حياتهم اليومية.

ملخصات يومية موجهة للعائلة

تجمع «فامبوت»، التي سجلت في سجلاتها نحو 1000 عائلة قبل إطلاقها، المعلومات من البريد الإلكتروني، والتقويمات، و«واتساب»، وتطبيقات أخرى. وتُنشئ ملخصات يومية، وترسلها عبر الرسائل النصية أو البريد الإلكتروني أو التطبيق، وتضيف الأحداث إلى التقويمات عند الطلب، وتساعد الآباء على تتبع المهام أو تنسيق المسؤوليات.

المساعدة في التخطيط والتسوق

يُساعد التطبيق أيضاً في التخطيط، بدءاً من قوائم البقالة لإقامة الحفلات المنزلية، وصولاً إلى التحضير لزيارة مدن الملاهي. وبينما تُقدم أدوات الذكاء الاصطناعي العامة أفكاراً مُشابهة، فإن تطبيق «فامبوت» كما يقول رايش، ُصمم خصيصاً للخدمات اللوجستية العائلية، بما في ذلك تحليل النشرات المدرسية وملفات «بي دي إف» التي غالباً ما تكون فيها التواريخ المهمة أو مواعيد التسجيل مُخبأة. ويُضيف: «يُمثل هذا عبئاً كبيراً على كثير من الآباء»، مُشيراً إلى أن النشرة الطويلة قد لا تحتوي إلا على بعض المعلومات الأساسية، مثل يوم خروج مُبكر من المدرسة أو فرصة مُرافقة الطلاب في الرحلات المدرسية.

برامج لدعم العلائلات

وينضم برنامج «فامبوت» إلى الشركات الناشئة التي تُقدم برامج مُساعدة رقمية مُوجهة للعائلات مدعومة بالذكاء الاصطناعي التوليدي. وعلى الرغم من أن سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي»، قد روّج لتطبيق «تشات جي بي تي» بوصفه أداةً للآباء، فإن الشركات المُتخصصة تُؤكد أنها تُناسب احتياجات الآباء بشكل أفضل، بدءاً من تنظيم الوجبات وصولاً إلى العثور على المعلومات الأساسية في كم هائل من الرسائل.

تسهيل حياة الآباء والأمهات

وتقول شركات الذكاء الاصطناعي المتخصصة في مساعدة الأسرة إن أدواتها قادرة على تخفيف التوتر، ومنع تفويت الرسائل، والمساعدة في إعادة توزيع مهام المنزل، التي غالباً ما تُحمّل الأمهات عبئاً غير متناسب من الأعمال الإدارية المتعلقة بتربية الأبناء.

تقول كريستي شانون، المؤسسة المشاركة والمديرة التسويقية لشركة «أولي» Ollie، واصفةً عبء تذكير أحد الوالدين بكل ما يحتاج إلى اهتمام: «لن أكون مضطرةً إلى البحث والتدقيق في كل هذه المعلومات». بينما تقول روزاريا دي دونا، المؤسسة المشاركة والرئيسة التنفيذية لشركة «فاميلي مايند» Familymind، إن تطبيقها ينقل المعرفة التي غالباً ما تكون مخزنة في تقويم أحد الوالدين أو بريده الإلكتروني أو ذاكرته إلى نظام الأسرة الأوسع؛ ما يجعل المهام والمسؤوليات أكثر وضوحاً.

ويعكس عرض فاميلي مايند وعداً أوسع من القطاع: جعل التنسيق المنزلي غير المرئي مرئياً ومشتركاً وأسهل في التنفيذ. وتضيف: «من المهم جداً أن يكون الذكاء الاصطناعي قادراً على نقل المعرفة بسلاسة بين أفراد الأسرة».

الحفاظ على الخصوصية

ويؤكد مقدمو الخدمات على ضوابط الخصوصية، قائلين إن للعائلات الحق في اختيار البيانات التي يتم استيرادها والاحتفاظ بها. كما يؤكدون أن نماذج الذكاء الاصطناعي الأساسية لا تحتفظ ببيانات المستخدمين، وأن المعلومات لا تُشارك مع جهات خارجية دون إذن. وتقول شيلا ليريو مارسيلو، المؤسسة والرئيسة التنفيذية لشركة «أوهاي» Ohai، إنه ينبغي على العائلات الموافقة على استخدام هذه التقنية والتحكم في الذكريات المخزنة، بما في ذلك تعديلها أو حذفها.

حذر الخبراء

ولا يزال الخبراء حذرين. يقول براندون ماكدانيال، الباحث العلمي المتخصص في دراسة العلاقات الأسرية، إن قلقه ينصبّ على تأثير استخدام الذكاء الاصطناعي على التواصل الإنساني، ومدى اعتماد العائلات على هذه الأداة في الإدراك والاختيار والاهتمام.

من جهتها، تقول ميليسا ميلكي، أستاذة علم الاجتماع بجامعة تورنتو، إن الأبحاث تظهِر أن أفراد الأسرة قد يشعرون بالإهمال عندما يقضي الآخرون وقتاً طويلاً في استخدام الهواتف. وقد يؤدي نقل المحادثات المتعلقة بوجبات الطعام أو الترتيبات اللوجستية إلى تطبيقات وبرمجيات الدردشة الآلية (بوتات) إلى تفاقم هذه المشكلة.

وتشير ميلكي إلى أن الشركاء يشعرون بالتجاهل عندما لا يكونون هم محور الاهتمام، محذرةً من تزايد التغلغل التكنولوجي في التفاعلات التي كانت ستتم -لولا ذلك- وجهاً لوجه.

في المقابل، يرى مؤسسو الشركات الناشئة أن تقنيات الذكاء الاصطناعي المخصصة للأسرة يمكن أن تقلل من الوقت الذي يقضيه الآباء أمام الشاشات؛ وذلك عبر اختصار الساعات المخصصة لفرز الرسائل، والتخطيط، وتذكر التفاصيل؛ ما يتيح مساحة أكبر لقضاء وقت عائلي فعلي. وتقول مارسيلو: «أجد أن التوتر والقلق بشأن الترتيبات اللوجستية يؤثران أيضاً على طبيعة العلاقة بين الزوجين، بل ويمتد هذا التأثير ليشمل الأطفال أيضاً».

نماذج حديثة للذكاء الاصطناعي

تعتمد هذه المنتجات على نماذج حديثة للذكاء الاصطناعي قادرة على تحليل المعلومات والرد على استفسارات الآباء، كما أنها توفر واجهات عملية تشمل قوائم المهام، والتذكيرات، والرسائل النصية، وتوصيات للتحضير للمناسبات، وخيارات مدمجة لطلب البقالة.

ويقول بيل لينون، الرئيس التنفيذي لشركة «أولي»، إن التخطيط للوجبات وحده يمكن أن يوفر على الأسر ساعة أو ساعتين أسبوعياً، ويخفف من عبء اتخاذ القرارات اليومية المتعلقة بتدبير وجبة العشاء.

وتقرّ ميلكي بأن معرفة من يتولى أي مهمة بوضوح قد يفيد الأسر، رغم أن التقويمات الورقية أو الرقمية يمكن أن تؤدي بعض هذه المهام أيضاً. لكنها تبدي قلقها من أن الذكاء الاصطناعي قد يزيد الضغط على الآباء -ولا سيما الأمهات- لضمان سير الحياة الأسرية بسلاسة تامة، حتى في ظل ظروف طارئة مثل المرض أو نقص الموارد أو غيرها من المعوقات.

وتضيف أن هذا الضغط قد يولد شعوراً بالذنب والإحباط في ظل ثقافة غالباً ما تُحمّل الأمهات المسؤولية الكاملة عن إدارة شؤون الأسرة.

ونظراً لأن هذه الأدوات بدأت تظهر للتو بالتزامن مع الموجة الأخيرة لنماذج اللغة الكبيرة؛ فإن تأثيراتها طويلة المدى لا تزال غير واضحة. ويرى لينون أنها قد تصبح شائعة الاستخدام تماماً كالأجهزة المنزلية التي توفر الجهد، وإن كانت ليست كل أداة منزلية تفي بوعودها أو تحقق الفائدة المرجوة منها.

يقول لينون: «لدينا جميعاً غسالات أطباق في منازلنا نستخدمها بكثرة لسهولة تشغيلها. وأعتقد أن هذه التقنيات ستنتشر على نطاق واسع، وستصبح أداة لا غنى عنها للمجتمع».

* مجلة «فاست كومباني»


دراسة أميركية: الذكاء الاصطناعي يقضي على قدرتنا على التعبير الشخصي

دراسة أميركية: الذكاء الاصطناعي يقضي على قدرتنا على التعبير الشخصي
TT

دراسة أميركية: الذكاء الاصطناعي يقضي على قدرتنا على التعبير الشخصي

دراسة أميركية: الذكاء الاصطناعي يقضي على قدرتنا على التعبير الشخصي

أظهرت دراسة أجراها مركز بيو للأبحاث Pew Research Center، أن أكثر من ثلث صفحات الإنترنت المنشورة منذ إطلاق برنامج «تشات جي بي تي» في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022 كُتبت بواسطة الذكاء الاصطناعي. وأصبح أسلوب الكتابة أبسط من أي وقت مضى، كما كتبت لويز إمبر(*).

مجموعة أضيق من التعابير اللغوية

قد يُغير هذا الكم الهائل من اللغة المُولّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي طريقة كتابة البشر. فقد وجدت دراسة جديدة نُشرت في مجلة Nature Human Behavior أن نماذج اللغة المُولّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي قد تدفع كتابات الناس نحو مجموعة أضيق من المعايير اللغوية، ما يُقلل التنوع في الأسلوب ويُخفي بعض إشارات الهوية الذاتية الكامنة في كلماتنا.

قبل ثلاث سنوات قرأ زيفار سوراتي الباحث الرئيسي في الدراسة كتاب «الحياة السرية للضمائر: ماذا تقول كلماتنا عنا» لجيمس بينيباكر، الذي استكشف كيف يمكن للقيم والخلفيات والمعتقدات الشخصية للأفراد أن تدفعهم إلى التعبير عن الأفكار نفسها باستخدام كلمات مختلفة. وبعدما ازدادت شعبية نماذج التعلم الآلي اللغوي، بدأ سوراتي يتساءل عما إذا كانت هذه التقنية قد تُقلل من التنوع اللغوي.

تحليل زمني للنصوص الفردية المعالجة

يقول سوراتي: «كنا نتساءل: ماذا سيحدث فعلاً عندما يتم إخضاع جميع النصوص للنماذج نفسها؟ إذا وُضعت هذه الطبقة (المولدة من هذه النماذج) فوق نصوص الجميع، فهل ستُغير أياً من المعلومات المعروفة لدينا عن نصوص الناس الفردية؟ هل ستؤثر عليها بشكلٍ ملحوظ؟ ما التداعيات الناجمة عن ذلك؟».

معايير مشتركة في الأسلوب

لذا، شرع في العمل لمعرفة ذلك. أولاً، أجرى سوراتي تحليلاً زمنياً باستخدام ما يقارب 80000 ورقة بحثية، و400000 مقال إخباري، و300000 منشور على موقع Reddit كُتبت قبل وبعد إطلاق «تشات جي بي تي». ووجد أنه بعد اعتماد أدوات الكتابة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، تقاربت الاختلافات في تعقيد الكتابة بشكل متزايد نحو معايير مشتركة في الأسلوب. وكان هذا الاتجاه ثابتاً في جميع مجموعات البيانات الثلاث.

بعد ذلك، أجرى سوراتي وفريقه تجربة أكثر تقليدية. استخدم الباحثون نماذج «جي بي تي 3.5» و«جيمناي» «لاما3» من«ميتا» لإعادة كتابة نصوص بشرية باستخدام مجموعة متنوعة من المحفزات. ورغم أن هذه النماذج حافظت إلى حد كبير على معنى النصوص، فإنها قللت من تباين تعقيد الكتابة بنسبة تتراوح بين 21 في المائة و50 في المائة.

إضعاف الهوية اللغوية الفردية

لكن سوراتي أراد الخوض في تفاصيل أكثر حول الآثار المجتمعية: كيف تُضعف نماذج اللغة المُحسّنة دلالات الهوية الفردية في كتاباتنا؟

لجأ فريقه إلى نصوص كتبها أشخاص تم تحديد سماتهم الشخصية من خلال استبيانات نفسية. وكما في التجربة السابقة، قام الفريق بتغذية النصوص بنموذج لغة مُحسّن. ثم استُخدمت نماذج إحصائية للتنبؤ بالسمات - بما في ذلك الخصائص الديموغرافية والشخصية والتعاطف والقيم الأخلاقية - بناءً على السمات اللغوية. وبعد تحسين النصوص باستخدام الذكاء الاصطناعي، انخفضت دقة التنبؤ بنسبة 6 في المائة في المتوسط. وفي المرحلة الثالثة من الدراسة، استكشف سوراتي بدقة ما يتم محوه. لم تكن النتائج متجانسة. فقد غيّرت نماذج اللغة المُحسّنة الإشارات اللغوية المختلفة بطرق مختلفة تبعاً للسمة الشخصية التي يتم تحليلها.

انحسار التنوع اللغوي... والتنوع المعرفي

يعتقد سوراتي أن الاعتماد على نماذج اللغة الكبيرة في جميع كتاباتك قد ينطوي على عواقب وخيمة. فهو يرى أن نوع حل المشكلات الضروري في عالمنا اليوم يعتمد على التنوع المعرفي، وليس التنوع اللغوي فحسب.

يقول سوراتي لمجلة فاست كومباني: «هذا هو الجانب المخيف. فإذا استخدم الجميع نماذج اللغة الكبيرة، فسيكون بإمكانهم إعادة صياغة ما يُعدّ صحيحاً اجتماعياً للتعبير عن فكرة ما، أو ما يُعتبر طريقة موثوقة لعرض وجهة نظر معينة».

تعلّم التفكير النقدي أولاً

يأمل سوراتي أن يأتي مستقبل يصبح فيه التنوع مبدأً أساسياً في تصميم نماذج اللغة الكبيرة. ويعتقد أن أكثر الفئات عرضةً لتأثيراتها المُوحِّدة هم أولئك الذين ما زالوا يطورون قدراتهم المعرفية، وخاصة الطلاب. ويقول إن الناس بحاجة إلى تعلم التفكير النقدي أولاً، وعندها يمكنهم استخدام نماذج اللغة الكبيرة بشكل أكثر إبداعاً.

ويضيف سوراتي: «إذا كنت تعرف بالفعل كيفية التفكير المنطقي، فربما يمكنك استخدام هذه النماذج للاستفادة من مزاياها فقط، دون التعرض لآثارها المدمرة على قدرات حل المشكلات الجماعية».

* مجلة «فاست كومباني».