لبنان لـ«مفوضية اللاجئين»: سنطبق القانون

رداً على انتقادها تعامله مع السوريين... جعجع دعا لـ«إجراءات قانونية» بحق ممثلها

عنصر أمني لبناني يواكب قافلة عودة نازحين سوريين بشكل طوعي من شرق لبنان (إ.ب.أ)
عنصر أمني لبناني يواكب قافلة عودة نازحين سوريين بشكل طوعي من شرق لبنان (إ.ب.أ)
TT

لبنان لـ«مفوضية اللاجئين»: سنطبق القانون

عنصر أمني لبناني يواكب قافلة عودة نازحين سوريين بشكل طوعي من شرق لبنان (إ.ب.أ)
عنصر أمني لبناني يواكب قافلة عودة نازحين سوريين بشكل طوعي من شرق لبنان (إ.ب.أ)

تعهدت وزارة الداخلية اللبنانية بـ«تطبيق القانون» بحق المقيمين بطريقة غير قانونية في لبنان، بمعزل عن الرسالة التي وجَّهها ممثل مكتب المفوضية السامية للاجئين في لبنان إيفو فرايسن إلى الوزير بسام مولوي، وطلب فيها من الوزارة «التدخل لوقف عمليات الإخلاء الجماعية المستمرة» لنازحين سوريين، متهماً السلطات اللبنانية بتنفيذ عمليات إخلاء قسرية.

وهذا ما دفع رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع إلى انتقاد المفوضية، ومطالبة السلطات بـ«اتخاذ الإجراءات القانونية» بحق ممثلها لدى لبنان.

وكان مولوي قد تلقى، الجمعة الماضي، رسالة من فرايسن، أعرب فيها الأخير عن قلقه جراء «الزيادة الكبيرة في عدد التدابير الإدارية التي تؤثر في إقامة النازحين السوريين في جميع أنحاء لبنان». وتوقف في الرسالة عند اعتماد بعض البلديات «إجراءات صارمة أسفرت عن زيادة المعاناة الإنسانية للعائلات السورية النازحة إلى لبنان» التي يقيم كثير منها منذ سنوات.

وتنفذ السلطات المحلية مطالب الحكومة اللبنانية الداعية إلى «التشدّد بتطبيق القوانين لجهة ترحيل السوريين الذين يقيمون في لبنان بطريقة غير شرعية». وأصدرت وزارة الداخلية في وقت سابق سلسلة تعاميم للقيام بمسح شامل بالنسبة للوجود السوري، والتشدّد بتطبيق القانون، وإغلاق المحال المخالفة، وإحالة المخالفين إلى القضاء.

عناصر من الأمن العام يغلقون محال تجارية يديرها سوريون لا يحوزون أوراقاً قانونية (أ.ب)

رسالة المفوضية

وتشير الرسالة التي اطلعت «الشرق الأوسط» على مضمونها، إلى أن المفوضية أُبلغت بنحو 100 إجراء بلدي يستهدف النازحين في شهر أبريل (نيسان) الماضي، كما تحدثت عن تلقي المفوضية 1022 اتصالاً في أول أسبوعين من الشهر الحالي بشأن التحديات التي يواجهها النازحون السوريون على الأرض. كما تشير الرسالة إلى تنفيذ 12 بلدية توجيهات محافظ الشمال التي تشمل فرض قيود على التجمعات، واستخدام المركبات والدراجات النارية من دون رخص، وتطبيق منع التجول.

وتتحدث الرسالة عن أن المفوضية أُبلغت بإشعارات إخلاء تلقاها نازحون سوريون صادرة عن بلديات، وتلفت إلى وجود «مخطط لإخلاء جميع اللاجئين من منطقة الكورة بشكل قسري؛ ما يؤثر في نحو 2000 شخص» يقيمون في المنطقة، وتشير إلى أن الأطر المحلية التي تنظم عمليات الإخلاء القانوني «تنص على أن تجري عمليات الإخلاء بتكليف من المحكمة».

ودعت المفوضية إلى وجوب إعطاء «أولوية لحماية ورفاهية الأشخاص الأكثر ضعفاً» في أي تدابير متَّخذة، وأعربت عن قلقها «إزاء عمليات الإخلاء القسرية في ظل الظروف الحالية» التي «ستكون لها تداعيات إنسانية خطيرة»، وأرادت من وزارة الداخلية «التدخل من أجل وقف عمليات الإخلاء الجماعية المستمرة»، وأبدت استعدادها «للبحث معاً عن حلول بديلة تدعم حقوق وكرامة جميع الأشخاص المعنيين من خلال تحديد أماكن بديلة يمكن للاجئين الانتقال إليها».

عناصر من الأمن العام اللبناني يشرفون على رحلة العودة الطوعية للنازحين السوريين من لبنان إلى سوريا (أ.ب)

وزارة الداخلية

وبمعزل عن الرسالة، تمضي وزارة الداخلية بتطبيق القانون، وقالت مصادر وزارة الداخلية لـ«الشرق الأوسط» إن الوزير «لن يرد أبداً» على رسالة ممثل المفوضية، وإنه «سيطبق القانون»، مشددة على أن «لبنان بلد ذو سيادة».

وكان مولوي قد أكد مراراً أنه سيستمر بتطبيق القانون، وينفذ إجراءات لتنظيم الوجود السوري «غير الشرعي»، وهي إجراءات دعت الحكومة اللبنانية لتطبيقها، وحازت دعم وتأييد البرلمان في الجلسة الأخيرة التي عُقدت يوم الأربعاء الماضي، وأوصى خلالها البرلمان بـ«إعادة الداخلين والمقيمين السوريين غير الشرعيين في لبنان إلى بلدهم، خلال مدة أقصاها سنة»، وذلك التزاماً بالدستور والقوانين والاتفاقية بين لبنان ومفوضية اللاجئين.

جعجع

وأثارت رسالة ممثل المفوضية انتقادات سياسية عبّر عنها رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع، بالقول إنه «من المؤسف جداً الدرك الذي أوصلت الشرعية اللبنانية نفسها إليه، إلى حد مكّن رئيس مكتب المفوضية السامية للاجئين لدى لبنان، ومن دون أن يرف له جفن، من أن يوجِّه كتاباً إلى وزير الداخلية في حكومة تصريف الأعمال بسام مولوي يطلب فيه (وقف الممارسات اللاإنسانية)، كما سماها، وأن تتراجع الإدارات الرسمية اللبنانية عن التدابير التي اتخذتها بحق اللاجئين السوريين غير الشرعيين، كأنه أصبح صاحب البيت وأصبحنا ضيوفاً عنده».

وأضاف في بيان: «لن نقبل بما قام ويقوم به رئيس مكتب المفوضية السامية للاجئين، فالأرض أرضنا والبلاد بلادنا، والسيادة في هذه البلاد هي للشعب اللبناني والدولة اللبنانية، وليس في إمكانه التذرُّع بالاعتبارات الإنسانية، لأنه ليس من شعب في العالم تعاطف مع اللاجئين أكثر من الشعب اللبناني، ولا التذرُّع بالاعتبارات الدولية، لأن مذكرة التفاهم الموقعة بين الدولة اللبنانية والأمم المتحدة في عام 2003 واضحة، ولا تحتمل التأويل».

وتابع: «إذا كان قلب رئيس مكتب المفوضية السامية للاجئين يتألّم لأوضاع اللاجئين غير الشرعيين في لبنان، فما عليه إلا نقلهم إلى بلاده وممارسة مختلف أنواع التعاطف الإنساني معهم 13 سنة مقبلة مقابل السنوات الـ13 الماضية من تعاطف اللبنانيين معهم».

وطالب جعجع وزير الداخلية، «بصراحة ووضوح كلّيين، باتخاذ الإجراءات القانونية الممكنة كافة بحق رئيس مكتب المفوضية السامية للاجئين لدى لبنان بعدما تخطى حدوده قانونياً وفي المجالات كلها، إن بتوزيعه بطاقات لجوء على السوريين في لبنان خلافاً لمذكرة عام 2003، أو بتعامله مع المهاجرين غير الشرعيين كما لو كانوا لاجئين وتوزيع المساعدات عليهم، أم بتجاهله مرور السنة التي تنص عليها مذكرة التفاهم، وتالياً ضرورة رحيلهم لا بقائهم».

ودعا جعجع وزير الداخلية إلى «اتخاذ الإجراءات القانونية كافة بحق رئيس مكتب المفوضية السامية للاجئين لدى لبنان بسبب انتهاكه السيادة اللبنانية، وتدخله في تطبيق القوانين اللبنانية على الأراضي اللبنانية محاولاً عرقلة التدابير والإجراءات التي اتخذتها الإدارات اللبنانية الرسمية بهدف الحفاظ على الأمن والاستقرار وتطبيق القوانين المتَّبَعة في لبنان».


مقالات ذات صلة

لبنان ينقل مطلبه بحصرية السلاح وإنهاء الاحتلال إلى واشنطن

المشرق العربي الوزير ماركو روبيو يلتقي رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام في واشنطن (رويترز)

لبنان ينقل مطلبه بحصرية السلاح وإنهاء الاحتلال إلى واشنطن

انتقل ملف حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية من تثبيت الموقف على منبر الأمم المتحدة، إلى البحث في آليات تنفيذه في واشنطن

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي دخان يتصاعد إثر انفجار في بلدة المنصوري كما بدا من بلدة الحنية جنوب لبنان 29 سبتمبر 2026 (رويترز)

إسرائيل تسحب القوة المقاتلة من «غولاني» وتبقي حزاماً أمنياً بجنوب لبنان

تطرح العملية الإسرائيلية في بلدة المنصوري بقضاء صور سؤالاً حول ما إذا كانت عمليات الاقتحام والهدم تمهد لتقليص الوجود البري المباشر

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي عسكريون في الجيش اللبناني ينتشرون في زوطر الغربية، أولى البلدات النموذجية في جنوب لبنان (د.ب.أ)

الجيش اللبناني وإسرائيل... توتر تضبطه واشنطن بالتنسيق والمفاوضات

على مدى ثلاث سنوات، طالت عشرات الاستهدافات الإسرائيلية للجيش اللبناني المنتشر في الجنوب، وتخللتها احتكاكات، رغم آليات التنسيق القائمة بين الطرفين عبر واشنطن.

نذير رضا (بيروت)
المشرق العربي رجل يلوّح بعلم «حزب الله» اللبناني في بغداد خلال الذكرى الثانية لاغتيال أمين عام الحزب حسن نصر الله... 26 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

«حزب الله» ينفي علاقته بخلية أوقفتها سوريا قرب الجولان

نفى «حزب الله»، الأربعاء، أي علاقة له بمجموعة أعلنت السلطات السورية ليلاً توقيفها قرب الجولان المحتل من إسرائيل، وقالت إنها كانت تخطط «لتنفيذ عمليات».

«الشرق الأوسط» (بيروت)
الاقتصاد لقاء الوفد اللبناني برئاسة رئيس الحكومة مع المديرة العامة لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إكس)

غورغييفا تضع «قانون الفجوة» على طريق برنامج جديد للبنان

وضعت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي مشروع قانون الانتظام المالي في صلب المسار الذي يفترض أن يقود لبنان إلى برنامج جديد.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

طائرة «فلاي دبي» تنجو... والدوافع متباينة

ركاب رحلة «فلاي دبي» لدى وصولهم إلى مطار بن غوريون قرب تل أبيب أمس (أ.ب)
ركاب رحلة «فلاي دبي» لدى وصولهم إلى مطار بن غوريون قرب تل أبيب أمس (أ.ب)
TT

طائرة «فلاي دبي» تنجو... والدوافع متباينة

ركاب رحلة «فلاي دبي» لدى وصولهم إلى مطار بن غوريون قرب تل أبيب أمس (أ.ب)
ركاب رحلة «فلاي دبي» لدى وصولهم إلى مطار بن غوريون قرب تل أبيب أمس (أ.ب)

نجا ما لا يقل عن مائة راكب كانوا على متن طائرة تابعة لشركة «فلاي دبي» الإماراتية المتجهة إلى تل أبيب، أمس، من حادث ناجم - حسب إفادات أولية - عن مشادة بين طاقهما، وتسبب في هبوطها بشكل طارئ في مطار تبوك السعودي.

وبدت الدوافع بشأن الحادث متباينة؛ إذ أفادت الشركة الإماراتية بأن الأسباب «لا تزال غير معروفة في هذه المرحلة الأولية» وقيد التحقيق، فيما عدّ مسؤولون إسرائيليون رسميون الحادث «إرهابياً».

وأوضح متحدث باسم «فلاي دبي» في بيان، أن مشادة وقعت داخل قمرة القيادة. وأصدر مطار الأمير سلطان بن عبد العزيز بمدينة تبوك، بياناً، جاء فيه أن مركز المراقبة الجوية تلقى نداء استغاثة من الرحلة، تطلب فيه تنفيذ هبوط اضطراري، وسُمح بهبوطها، مع تقديم الجهات المعنية الرعاية اللازمة للركاب في صالة المسافرين.

وأكد المطار التزامه بالأنظمة والتعليمات الصادرة عن الهيئة العامة للطيران المدني، وفقاً للمعاهدات والاتفاقيات الدولية ذات الصلة بسلامة الملاحة الجوية والركاب وأطقم الضيافة.

وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، إن ركاب الطائرة «نجحوا في تحييد المهاجم، ومنعه من التسبب في (كارثة كبرى)». غير أن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، جزم بأن الحادث كان «محاولة هجوم جهادي»، على حد قوله. وأضاف: «‌المهاجم كان لديه هدف ⁠واحد ⁠هو تحطيم الطائرة».


سبعة قتلى في هجوم على حافلة في وسط سوريا

عناصر من قوى الأمن الداخلي في سوريا (رويترز)
عناصر من قوى الأمن الداخلي في سوريا (رويترز)
TT

سبعة قتلى في هجوم على حافلة في وسط سوريا

عناصر من قوى الأمن الداخلي في سوريا (رويترز)
عناصر من قوى الأمن الداخلي في سوريا (رويترز)

قُتل سبعة أشخاص، الأربعاء، بإطلاق نار استهدف حافلة كانت تقل مدنيين في محافظة حمص وسط سوريا، وفق ما أفادت وكالة الأنباء السورية الرسمية «سانا».

وأسفر الهجوم أيضا عن إصابة أربعة أشخاص. وكان مصدر أمني، طلب عدم كشف هويته، قال لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن هجوما استهدف حافلة لنقل موظفين في شركة للكهرباء في محافظة حمص بوسط سوريا، موضحاً أن الحافلة كانت تقل «مهندسين وعمالاً في شركة كهرباء خاصة».

وأشارت «سانا» إلى أن قوى الأمن باشرت التحقيقات لتحديد المتورطين في استهداف الحافلة.

وأوضح المصدر الأمني أن الحافلة كانت تقل «مهندسين وعمالا في شركة كهرباء خاصة».

قبيل الهجوم، طاول انفجار خطا للغاز بالقرب من إحدى أهم محطات توليد الطاقة الكهربائية في ريف دمشق، وفقا لما أوردت وسائل الإعلام الرسمية، بعد يومين مما وُصف بـ«عمل تخريبي» استهدف خطا آخر في شرق سوريا.

منذ الإطاحة بحكم بشار الأسد في أواخر 2024، تواجه السلطات السورية الجديدة تحديات أمنية كبرى، لا سيما في دمشق ومحيطها.

في 22 أغسطس (آب) أسفر انفجار حافلة تابعة لقوى الأمن الداخلي قرب دمشق عن عدد من الإصابات في صفوف عناصرها.

وفي مطلع ذاك الشهر، أصيب 14 شخصا في تفجير استهدف حافلة نقل ركاب في مدينة جرمانا قرب دمشق.

وجرمانا ضاحية مكتظة جنوب شرق دمشق، تقطنها غالبية درزية وتضم كذلك مسيحيين وسكانا من محافظات عدة. وشهدت في أبريل (نيسان) 2025 اشتباكات دامية على خلفية طائفية أوقعت عشرات القتلى من الدروز.

وفي يوليو (تموز)، استهدف تفجيران متزامنان بعبوتين ناسفتين، محيط فندق أقام فيه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال زيارة أجراها إلى دمشق. وقالت السلطات السورية إن الخلية المتورطة بالتفجيرين تتبع تنظيم «داعش».


فرح وقلق... تباين مشاعر العراقيين إزاء انسحاب القوات الأميركية

أنصار فصائل مسلحة موالية لإيران يتجمعون خلال مسيرة احتفالاً بانسحاب قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة من العراق في بغداد اليوم (أ.ف.ب)
أنصار فصائل مسلحة موالية لإيران يتجمعون خلال مسيرة احتفالاً بانسحاب قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة من العراق في بغداد اليوم (أ.ف.ب)
TT

فرح وقلق... تباين مشاعر العراقيين إزاء انسحاب القوات الأميركية

أنصار فصائل مسلحة موالية لإيران يتجمعون خلال مسيرة احتفالاً بانسحاب قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة من العراق في بغداد اليوم (أ.ف.ب)
أنصار فصائل مسلحة موالية لإيران يتجمعون خلال مسيرة احتفالاً بانسحاب قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة من العراق في بغداد اليوم (أ.ف.ب)

احتفى العراقيون برحيل القوات الأميركية، اليوم الأربعاء، بعد أكثر من عقدين من الحرب، لكن كثيرين يخشون أن يؤدي أي فراغ أمني إلى زيادة نفوذ الفصائل المسلحة المدعومة من إيران أو يتيح فرصة لعودة تنظيم «داعش».

وبانسحاب آخر القوات -الذي سيكون بشكل أساسي من قاعدة جوية في أربيل بإقليم كردستان شبه المستقل- تنتهي أكبر حرب خاضتها الولايات المتحدة هذا القرن، التي تسببت في دمار وفوضى على نطاق واسع لم يتعافَ منهما العراق تماماً بعد.

وترى إيران، التي رسخت نفوذها في العراق من خلال جماعات مسلحة متحالفة معها وتصمم على طرد جميع القوات الأميركية من الشرق الأوسط، أن الانسحاب الأميركي انتصار لما تسميه «محور المقاومة» من جماعات مسلحة حليفة في أنحاء المنطقة.

وانطلقت قوات عراقية في قافلة بالسيارات عبر شوارع بغداد ومدينة النجف التي تحظى بمكانة دينية لدى الشيعة احتفالاً بالانسحاب.

أشخاص يتجمعون خلال احتفالات بمناسبة الانسحاب الكامل للقوات الأميركية من العراق في بغداد اليوم (أ.ب)

وقال أحمد صلاح، أحد سكان بغداد، إن الانسحاب «يملأ قلوبنا فرحاً». وأضاف أنه يشعر كأنه وُلِد من جديد في سن السبعين. لكنه أشار أيضاً ‌إلى أن الوقت قد ‌حان الآن لكي تسلم الفصائل المسلحة القوية أسلحتها، قائلاً: «دع الحكومة تكون الجهة المسؤولة عن حماية كلينا، أنا ‌وأنت، ⁠براً وجواً وفي ⁠المياه».

وجرت الموافقة على الانسحاب في 2024 في عهد الرئيس الأميركي السابق جو بايدن وتنفذه إدارة الرئيس دونالد ترمب حتى في الوقت الذي تشن فيه حرباً على إيران المجاورة.

وكانت قوات بقيادة الولايات المتحدة غزت العراق في عام 2003 للإطاحة بصدام حسين، ما أثار في ذلك الوقت اضطرابات وفوضى. وغادرت القوات الأميركية في البداية في آخر عام 2011، لكنها عادت بعد ذلك بأقل من ثلاث سنوات لمساعدة القوات العراقية بعد أن استولى مقاتلو تنظيم «داعش» على ثلث أراضي العراق وفرضوا حكماً قائماً على العنف.

ولقي أكثر من 4500 جندي أميركي حتفهم في العراق، وهو ما يبلغ مثلي عدد قتلاها في حرب متزامنة في أفغانستان. ويشير مشروع «ضحايا حرب العراق» إلى مقتل أكثر من 200 ألف مدني عراقي.

وقالت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) إن الولايات المتحدة وشركاءها في التحالف اختتموا رسمياً عملية العزم الصلب، ⁠مضيفة أن واشنطن ستواصل تقديم التدريب والدعم المخابراتي الموجّه للشركاء العراقيين.

أشخاص يتجمعون خلال احتفالات شعبية بمناسبة الانسحاب الكامل للقوات الأميركية وقوات التحالف من العراق في بغداد اليوم (إ.ب.أ)

ومن المتوقع أن يقود العراقيون جهود تأمين بلدهم، ‌الحليف لكل من واشنطن وطهران، والإبقاء على فلول تنظيم «داعش» تحت السيطرة.

وقال رئيس الوزراء ‌العراقي، علي فالح الزيدي، في بيان: «انتهاء مهمة التحالف الدولي لا يعني انتهاء معركتنا مع الإرهاب، بل هو انتقال العراق إلى مرحلة يتولى فيها المسؤولية الكاملة عن ‌أمنه واستقراره».

«الفراغ الأمني يمكن أن يكون بالغ الخطورة»

رغم أن الانسحاب يحظى بتأييد واسع بين العراقيين، يشعر البعض بالقلق من أن قوات الأمن التي ‌دربتها ومولتها الولايات المتحدة لا تزال غير قادرة على حماية البلد.

وقال جاسم البهادلي، وهو محلل عراقي يقدم المشورة لقوات الأمن: «الدرس المستفاد من العقدين الماضيين هو أن الفراغات الأمنية يمكن أن تكون بالغة الخطورة».

وقال عادل سلمان (45 عاماً)، وهو مدرس لغة إنجليزية في مدرسة ثانوية، إن العراقيين يجب ألا يتسرعوا في الاحتفال بالانسحاب.

وأضاف: «لا تزال الميليشيات تعمل خارج سيطرة الدولة، كما أن تنظيم (داعش) لم يختفِ بعد... أشعر بالقلق من أن يؤدي الانسحاب الأميركي إلى فترة جديدة من عدم الاستقرار. وفي نهاية ‌المطاف، سيحكم الناس على هذا القرار من خلال أمر واحد فقط: ما إذا كان الأمن سيظل مستقراً خلال السنوات المقبلة».

وتجمع مئات من أنصار الفصائل العراقية المسلحة الموالية لإيران في بغداد للاحتفال بالانسحاب، مرددين ⁠هتافات «الموت لأميركا».

وحمل المحتفلون صور المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي، وابنه مجتبى الذي خلفه، والجنرال الإيراني البارز قاسم سليماني الذي قُتل في ضربة جوية أميركية استهدفت موكبه ببغداد في 2020.

ومع وجود القوات الأميركية جنباً إلى جنب مع الفصائل المسلحة المتحالفة مع طهران، انخرط العراق في حرب إيران هذا العام.

وفي حرب هذا العام على إيران، سقط في العراق سبعة من أصل 18 جندياً أميركياً أعلن عن مقتلهم منذ أن أطلق ترمب عملية «ملحمة الغضب» إلى جانب إسرائيل في فبراير (شباط). آخرهم جندي برتبة سيرجنت لقي حتفه في أثناء تفجير مُحكم لطائرة مسيّرة في قاعدة قرب أربيل في يوليو (تموز).

عناصر من الأمن العراقي يرفعون شارات النصر خلال مشاركتهم في قافلة احتفالاً بالانسحاب الكامل للقوات الأميركية من العراق في بغداد اليوم (أ.ب)

وقال المحلل السياسي أحمد يونس المقيم في بغداد إن الانسحاب يثير «احتمال أن تشعر الجماعات التي تنشط بالوكالة عن إيران بمزيد من القوة في غياب الوجود العسكري الغربي. وقد تحاول هذه الجماعات توسيع دورها في رسم سياسات الدولة وترسيخ وجودها داخل المؤسسات الرئيسية».

ويقول بعض المسؤولين الأمنيين العراقيين إن الانسحاب الأميركي ينطوي أيضاً على خطر منح مقاتلي تنظيم «داعش» فرصة جديدة للنشاط، إذ ما زالوا يحتفظون بشبكة من الخلايا النائمة رغم هزيمة الخلافة التي أعلنها التنظيم قبل نحو 10 سنوات.

وفي المرة السابقة التي انسحبت فيها القوات الأميركية أظهر الجيش العراقي أنه لا يقوى على مواجهة تنظيم «داعش»، إذ خلع الجنود زيهم العسكري وفروا عندما استولى التنظيم على الموصل، ثاني أكبر مدينة في العراق، في عام 2014.

وقال الجنرال المتقاعد في الجيش العراقي محمد الجبوري، الذي قاد لواء في الحرب على التنظيم: «السؤال الأهم الآن هو ما إذا كانت المؤسسات الأمنية العراقية قد أعدت خطة بديلة قابلة للتنفيذ لمرحلة ما بعد التحالف».