الفلسطينيون بين نكبتين: 76 عاماً من التهجير

مواجهات ودمار وصفارات إنذار ورايات سوداء ومفاتيح في يوم إحياء الذكرى

الفلسطينيون بين نكبتين: 76 عاماً من التهجير
TT

الفلسطينيون بين نكبتين: 76 عاماً من التهجير

الفلسطينيون بين نكبتين: 76 عاماً من التهجير

أحيا الفلسطينيون الذكرى 76 للنكبة، التي انتهت بقتل إسرائيل نحو 15 ألف فلسطيني وعربي (عام 1948)، وتهجير 950 ألفاً، وهم يعيشون الآن نكبة ثانية في غزة، قتَلَت خلالها إسرائيل، 35 ألفاً، وأجبرت نحو مليون و900 ألف على النزوح من منازلهم قسراً، في حربها المستمرة.

بين نكبتين، الأولى والثانية، خاض الفلسطينيون حروباً وانتفاضات، وجربوا معاهدات سلام واتفاقات، وضحوا بـ134 ألفاً منهم (بينهم 15 في النكبة و35 ألفاً في الحرب الحالية)، لكنهم لم يصلوا قَطّ إلى دولتهم المنشودة، في صراع مستمر رفع معه الفلسطينيون هذا العام شعار «رغم الإبادة باقون، ورغم التهجير عائدون»، وهو الشعار الرسمي لفعاليات ذكرى النكبة (الأولى) في عام النكبة (الثانية).

لا يسقط بالتقادم

رئيس الوزراء الفلسطيني محمد مصطفى قال إن وعي الفلسطينيين وتمسكهم بأرضهم ووطنهم «سيُسقِطان كل محاولات التهجير المستمرة منذ النكبة، وليس آخرها مخططات تهجير أهلنا في غزة بعد 8 أشهر من عمليات التدمير الممنهج والإبادة الجماعية المستمرة التي تسبَّبت بأكثر من 100 ألف من الشهداء والجرحى». وأضاف: «الحق لا يسقط بالتقادم، وشعبنا لن يركع ولن يستسلم ولن يرحل».

وأحيا الفلسطينيون في الضفة الغربية ذكرى النكبة بمسيرات ووقفات ومواجهات، فيما كانت الحرب مستمرة في قطاع غزة تودي بحياة المزيد منهم، وتدمر بيوتهم.

فلسطينيون يحملون مفاتيح رمزية خلال مسيرة في مدينة رام الله بالضفة الغربية الأربعاء لإحياء الذكرى السادسة والسبعين لـ«النكبة» التي أدَّت إلى نزوح مئات الآلاف من الفلسطينيين عام 1948 (أ.ف.ب)

وخرج فلسطينيون غاضبون في كل مدن الضفة يلوحون بالإعلام الفلسطينية ورايات سوداء، فيما دوَّت صفارات الإنذار لـ76 ثانية في مختلف المدن الفلسطينية، بعدد سنوات النكبة.

جاءت ذكرى النكبة في اليوم الـ222 للحرب الإسرائيلية على القطاع؛ ما جعل المأساة التي تمثلها الذكرى واقعاً معيشاً بكل تفاصيله.

واعتبرت «منظمة العفو الدولية» التهجير القسري الجاري لقرابة مليونَي فلسطيني، والتدمير الشامل لممتلكات المدنيين والبنية التحتية المدنية في قطاع غزة المحتل، يسلطان الضوء على سجلّ إسرائيل المروِّع في تهجير الفلسطينيين، ورفضها المستمر لاحترام حقهم في العودة على مدى الـ76 عاماً الماضية.

تداخل النكبتين وشعاراتهما في مسيرة بالخليل جنوب الضفة الغربية (أ.ف.ب)

وقالت مديرة البحوث وأنشطة كسب التأييد والسياسات والحملات في «منظمة العفو الدولية»، إريكا جيفارا روساس إن «أجيالاً من الفلسطينيين في جميع أنحاء الأراضي المحتلة تعرضوا لصدمة اقتلاعهم من أرضهم والاستيلاء على ممتلكاتهم عدة مرات، دون أمل في العودة إلى ديارهم؛ ما خلَّف جرحاً عميقاً في أنفسهم».

وأضافت أنه «من المروِّع جداً رؤية المشاهد المخيفة (لكارثة) نكبة 1948، كما يسميها الفلسطينيون، تتكرر مع اضطرار أعداد كبيرة منهم في قطاع غزة إلى الفرار من منازلهم سيراً على الأقدام، بحثاً عن الأمان مرة تلو أخرى، وإقدام الجيش الإسرائيلي والمستعمرين المدعومين على تهجير الفلسطينيين في الضفة الغربية من منازلهم».

وقتلت إسرائيل في رام الله بالضفة الغربية، الثلاثاء، فلسطينياً خلال مواجهات اندلعت بعد مسيرة لإحياء ذكرى النكبة عند المدخل الشمالي لمدينة البيرة.

ونعت الفصائل الفلسطينية الطالب في جامعة بيرزيت أيسر محمد صافي (20 عاماً)، من مخيم الجلزون، شمال مدينة رام الله، الذي قضى في مواجهات يوم النكبة. وقتلت إسرائيل كذلك عشرات الآلاف ذفي قطاع غزة بالحرب المستمرة هناك.

وبدأ يوم النكبة بمسيرة في رام الله انطلقت من أمام ضريح الرئيس الراحل ياسر عرفات، قبل أن تنطلق مسيرات أخرى في مختلف مدن الضفة بمسيرات مشابهة رافعين أعلاماً فلسطينية، وأخرى تحمل أسماء المدن والقرى التي تركها أجدادهم، ورايات سوداء، ورفعوا «مفتاح العودة»، في إشارة إلى تمسكهم بحق العودة.

وقال نائب الرئيس الفلسطيني محمود عباس في قيادة حركة «فتح»، محمود العالول، إن «هذه الذكرى كانت نتيجة لمذابح أودت بآلاف الضحايا الذين هُجروا من قراهم التي أقيمت على أنقاضها دولة الاحتلال الغاصب العنصري على أرض فلسطين. واليوم تتم نكبة جديدة ربما أقسى بكثير من نكبة عام 1948، وهي حرب الإبادة على شعبنا في قطاع غزة، وعصابات المستعمرين الذين يعتدون على قرانا، ويزيلون تجمعات سكانية كبيرة، في مختلف المناطق في الضفة الغربية، بما فيها القدس».

وأَضاف: «76 عاماً وهم يحاولون أن يطوعوا شعبنا، وهو متمسك بأرضه وحقوقه».

وتابع: «واضح أن لدى إسرائيل الرغبة في حسم الصراع بالقوة والتدمير والقتل، لكنهم لم يتعلموا من التاريخ. لم نتخلَّ عن أرضنا. متمسكون بأرضنا وبحقنا في العودة».

اللاجئة الفلسطينية ابتهاج دولة تحمل صورة لها ولزوجها في منزلهما بغزة قبل نكبة 1948 (أ.ف.ب)

10 أضعاف عددهم

وغادر نحو 950 ألف فلسطيني قراهم ومدنهم عام 1948 وأصبحوا اليوم 5.9 مليون لاجئ.

وبحسب «جهاز الإحصاء الفلسطيني»، فإن إجمالي عدد الفلسطينيين تضاعف نحو 10 مرات، منذ النكبة.

وأوضح «جهاز الإحصاء»، أنه «رغم تهجير نحو مليون فلسطيني في عام 1948 وأكثر من 200 ألف فلسطيني بعد حرب يونيو (حزيران) 1967، فقد بلغ عدد الفلسطينيين الإجمالي في العالم 14.63 مليون نسمة في نهاية عام 2023». ويقيم اليوم 5 ملايين و500 ألف منهم في فلسطين، ونحو مليون و750 ألف فلسطيني في أراضي 1948، في حين بلغ عدد الفلسطينيين في الدول العربية نحو 6 ملايين و560 ألفاً، ونحو 772 ألفاً في الدول الأجنبية.

وبذلك بلغ عدد الفلسطينيين في فلسطين التاريخية نحو 7 ملايين و300 ألف، في حين يُقدَّر عدد اليهود بنحو 7 ملايين و200 ألف مع نهاية عام 2023. ما يعني أن عدد الفلسطينيين يزيد على عدد اليهود في فلسطين التاريخية.

الحرب الدموية على غزة لم تُنسِ الفلسطينيين «حق العودة». وقالت حركة «حماس» إن معركة طوفان الأقصى تثبت أن «شعبنا لا يعرف الهزيمة والاستسلام أو التنازل والتفريط في أرضه وثوابته وحقوقه، مهما طال الزمن، ومهما بلغت قوَة وجرائم المعتدي وشركائه وداعميه».

وأضافت في بيان أن «عدوان الاحتلال المستمر من 78 عاماً، وكل محاولات الاحتلال، رغم تعاقب السنين، في كي الوعي الفلسطيني، أو النيل من مقاومته أو تغييب قضيته أو طمسها، باءت بالفشل الذريع». وطالبت «حماس» الجميع بالانضمام إلى المواجهة حتى «الحرية وتقرير المصير». وقالت إن «حق الفلسطينيين المشروع في العودة إلى ديارهم التي هُجِّروا منها لا يمكن التنازل أو التفريط فيه».

وبينما تواصَلَ نزوح الفلسطينيين في قطاع غزة، احتفظ الذين عادوا إلى منازلهم المدمَّرة في غزة بمفاتيح ورثوها عن أجدادهم لمنازل تركوها في بلداتهم ومدنهم الأصلية، وأخرى لمنازلهم المدمَّرة اليوم، شاهدة على نكبتين، وصراع طويل ومستمر.


مقالات ذات صلة

بلا مأوى وطعام... الفلسطينيون يخشون تكرار نكبة 1948

المشرق العربي عبد الله أبو سمرة أمام خيمته في مدينة خان يونس (نيويورك تايمز)

بلا مأوى وطعام... الفلسطينيون يخشون تكرار نكبة 1948

لطالما روى عبد الله أبو سمرة قصته مع نكبة 1948 مراراً لعائلته، وفي كل مرة كان يركّز على تفاصيل مختلفة ليضمن أن تحفظها العائلة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
المشرق العربي فلسطينيون يتدافعون للحصول على طعام من تكيّة خيرية في جباليا بشمال قطاع غزة يوم الخميس (أ.ب)

الصين تدعو إلى اتخاذ خطوات عاجلة لتحقيق حل دائم للقضية الفلسطينية

دعا نائب الممثل الدائم للصين لدى الأمم المتحدة، قنج شوانج، إلى اتخاذ خطوات عاجلة لتحقيق حل شامل ودائم للقضية الفلسطينية.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
المشرق العربي فلسطينيون في شارع الرشيد ينتظرون العودة إلى مناطقهم التي نزحوا منها شمال قطاع غزة (إ.ب.أ)

لماذا يثير مقترح ترمب بنزوح الفلسطينيين من غزة قلق المنطقة؟

اقترح الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن يستقبل الأردن ومصر مزيداً من الفلسطينيين من غزة التي مزقتها حرب استمرت 15 شهراً، وهو ما أثار مخاوف بين سكان القطاع.

خاص رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إيهود أولمرت (يمين) مع رئيس الوزراء الحالي بنيامين في الكنيست 2009 (غيتي)

خاص فلسطين وإسرائيل... 3 انقلابات ونكبة في ربع قرن

«بيت القصيد» أن إسرائيل في العهد الطويل لبنيامين نتنياهو، لم تعد ناجحة وهي تواجه خطر الانزلاق إلى الهاوية؛ إذ بات يتمسك بالكرسي خوفاً من المغادرة إلى السجن.

نظير مجلي (تل أبيب)
خاص الحجيلان مترجماً خلال لقاء الملك عبد العزيز ووزير الخارجية الإسباني في أبريل 1952 p-circle 01:12

خاص «الشرق الأوسط» تنفرد بمذكرات الحجيلان: ترجمة لقاء للملك المؤسس أول درس تلقيته

لأكثر من عشر سنوات، ظلت الأوساط الثقافية والإعلامية السعودية والعربية تتداول قرب صدور مذكرات رجل الدولة السعودي الشيخ جميل الحجيلان. «الشرق الأوسط» تنفرد بها.

بندر بن عبد الرحمن بن معمر (الرياض)

الخارجية الأميركية «تطرد» قنصل لبنان في ديترويت

القنصل اللبناني في ديترويت إبراهيم شرارة مشاركاً في احتفال في ديترويت (حسابه على فيسبوك)
القنصل اللبناني في ديترويت إبراهيم شرارة مشاركاً في احتفال في ديترويت (حسابه على فيسبوك)
TT

الخارجية الأميركية «تطرد» قنصل لبنان في ديترويت

القنصل اللبناني في ديترويت إبراهيم شرارة مشاركاً في احتفال في ديترويت (حسابه على فيسبوك)
القنصل اللبناني في ديترويت إبراهيم شرارة مشاركاً في احتفال في ديترويت (حسابه على فيسبوك)

أكدت مصادر في وزارة الخارجية اللبنانية لـ«الشرق الأوسط»، أن السفارة اللبنانية في واشنطن تبلغت رسمياً من وزارة الخارجية الأميركية بقرار اعتبار القنصل اللبناني في ديترويت إبراهيم شرارة شخصاً غير مرغوب فيه، وإلزامه بمغادرة الأراضي الأميركية خلال مهلة أقصاها 48 ساعة.

وكانت معلومات قد أشارت إلى أن القرار جاء على خلفية الجدل الذي أثارته تقارير إعلامية أميركية، بعد نشرها منشورات قديمة منسوبة إلى شرارة على مواقع التواصل الاجتماعي، تناولت تفجير مقر مشاة البحرية الأميركية (المارينز) في بيروت عام 1983، ووصفته بـ«المقاومة البطولية».

مواقفه السياسية

وفي التفاصيل، أورد موقع «واشنطن فري بيكون» الأميركي، في تقرير نشره في الثاني من نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، أن شرارة كتب في منشور يعود إلى عام 2021، في إشارة إلى ذكرى تفجير ثكنة المارينز، أن «المقاومة البطولية» أنهت «الاحتلال العسكري الأميركي» للبنان بـ«ضربة واحدة». كما نقل عنه منشوراً آخر جاء فيه: «من ثكنة المارينز في بيروت إلى قاعدة التنف... سنرفض المحتل ونهزمه»، في إشارة إلى الوجود العسكري الأميركي في سوريا.

القنصل اللبناني في ديترويت إبراهيم شرارة (حسابه على فيسبوك)

ولفت التقرير إلى مواقف أخرى منسوبة إلى شرارة، بينها إشادته بعملية هروب ستة أسرى فلسطينيين من سجن جلبوع الإسرائيلي عام 2021، فضلاً عن صورة غلاف حسابه على منصة «إكس» التي تظهر علماً إسرائيلياً يحترق، واقتباس في تعريفه الشخصي للكاتب والقيادي الفلسطيني غسان كنفاني.

منشور للقنصل إبراهيم شرارة يقول فيه «من ثكنة المارينز في بيروت إلى قاعدة التنف... سنرفض المحتل ونهزمه» (إكس)

غير أن توقيت القضية يرتبط بعودة هذه المنشورات إلى التداول عشية انتخابات التجديد النصفي. فقد ركز تقرير «فري بيكون» على حضور شرارة مناسبة للجنة العمل السياسي العربية الأميركية في ديربورن، شارك فيها المرشح عبد الرحمن السيد قبل فوزه بمقعد مجلس الشيوخ عن ميشيغان، ومرشحون ديمقراطيون آخرون. ونُشر التقرير قبل اقتراع 3 نوفمبر بيوم، فيما ظهرت أنباء الإجراء بعد الانتخابات بأيام. وعدّ هذا التسلسل السياق السياسي والإعلامي بمثابة محاولة للتأثير على ناخبي الولاية قبل التصويت، لكنه لا يثبت أن القرار عقاب على حضور المناسبة أو مرتبط بنتائج الانتخابات.

يذكر أنه من الناحية القانونية، تجيز المادة 23 من اتفاقية فيينا للعلاقات القنصلية للدولة المضيفة إعلان مسؤول قنصلي شخصاً غير مرغوب فيه، بما يستدعي استدعاءه أو إنهاء مهامه. وإذا لم تستجب الدولة الموفدة خلال مهلة معقولة، يمكن سحب الإذن بممارسة مهامه أو التوقف عن الاعتراف بصفته القنصلية، علماً بأن هذا الإجراء لا يعد حكماً جنائياً بحد ذاته.

منشور للقنصل إبراهيم شرارة يقول فيه إن «المقاومة البطولية أنهت الاحتلال العسكري الأميركي للبنان بضربة واحدة» (إكس)

ومع ذلك، يمكن أن يتسبب القرار بتداعيات تتمثل في المباشرة المتوقعة في اضطرار بيروت لترتيب إدارة القنصلية وضمان استمرار خدمات الجالية، فضلاً عن احتواء الحرج الدبلوماسي. ولا يعني استهداف القنصل وحده قطع العلاقات أو إغلاق البعثة، لكن مدى اتساع القضية سيبقى مرتبطاً بالتوضيحات الأميركية والرد اللبناني.


آيزنكوت أمام سيناريوهات معقدة تُبقي حظوظ نتنياهو قائمة

زعيم حزب «يشار» غادي آيزنكوت ورئيس الوزراء الإسرائيلي زعيم حزب «الليكود» بنيامين نتنياهو (رويترز)
زعيم حزب «يشار» غادي آيزنكوت ورئيس الوزراء الإسرائيلي زعيم حزب «الليكود» بنيامين نتنياهو (رويترز)
TT

آيزنكوت أمام سيناريوهات معقدة تُبقي حظوظ نتنياهو قائمة

زعيم حزب «يشار» غادي آيزنكوت ورئيس الوزراء الإسرائيلي زعيم حزب «الليكود» بنيامين نتنياهو (رويترز)
زعيم حزب «يشار» غادي آيزنكوت ورئيس الوزراء الإسرائيلي زعيم حزب «الليكود» بنيامين نتنياهو (رويترز)

على الرغم من أن الرئيس الإسرائيلي إسحق هرتسوغ يتجه، الأحد، إلى تكليف رئيس حزب «يشار»، غادي آيزنكوت، رسمياً بتشكيل الحكومة، بعد حصوله على توصية 67 نائباً خلال المشاورات التي أجراها في ديوان الرئاسة، مقابل 46 نائباً أوصوا بتكليف رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، فإن الطريق الذي قد يسلكه آيزنكوت لتشكيل حكومته لا يزال غير واضح، في ظل التعقيدات المرتبطة بتحالفه مع الأحزاب العربية من جهة، والأحزاب «الحريدية» من جهة أخرى.

وقالت «هيئة البث الإسرائيلية (كان)» إن قادة كتلة التغيير يواجهون خياراً صعباً، إذ سيتعين عليهم التراجع عن وعد انتخابي واحد على الأقل من أجل تشكيل الحكومة.

غادي آيزنكوت زعيم حزب «يشار» الإسرائيلي خلال لقاء مع أنصاره عقب إعلان نتائج أولية للانتخابات في 28 أكتوبر الماضي (أ.ف.ب)

وأمام آيزنكوت طريقان لا ثالث لهما لتشكيل الحكومة: الأول، تشكيل حكومة بدعم من الأحزاب العربية لتكون حكومة أقلية، والثاني، التحالف مع الأحزاب الحريدية، التي طالما هاجمها، للوصول إلى 61 مقعداً. أما البديل فهو تشكيل حكومة وحدة برئاسة نتنياهو أو الذهاب إلى انتخابات جديدة.

ويملك معسكر التغيير 48 مقعداً فقط مقابل 53 مقعداً لمعسكر نتنياهو، الذي يضم الأحزاب الحريدية، فيما يملك العرب 19 مقعداً.

وقالت صحيفة «يديعوت أحرونوت» إنه مع مرور الوقت، تتضح الأمور على أرض الواقع، وتتضاءل فرص آيزنكوت. وأضافت أن نصف تحالف التغيير على الأقل، بقيادة رئيس حزب «إسرائيل بيتنا» أفيغدور ليبرمان، أبلغ آيزنكوت فعلياً بأن خطته الطارئة لتشكيل حكومة من 48 مقعداً غير مقبولة ولن تُنفذ.

وإذا كان آيزنكوت قد قرر استبعاد العرب فعلاً، فلا يكفيه تعاون حزب «يهدوت هتوراة» الحريدي، الذي يمتلك 7 مقاعد في الكنيست الجديد، بل هو بحاجة إلى المقاعد الستة للحزب الديني الآخر «شاس».

ويعمل ليبرمان، شريك آيزنكوت الرئيسي، على تشكيل حكومة مع الحريديم، ويرى أن 61 مقعداً كافية لبدء العمل.

الرئيس الإسرائيلي إسحق هرتسوغ يشدد مراراً على عدم الاضطرار لإجراء انتخابات جديدة مبكرة (أ.ف.ب)

وقالت «يديعوت أحرونوت» إن الإحاطة التي عقدها ليبرمان هذا الأسبوع ترسم اتجاهاً واضحاً: «فيتو» مطلق على تشكيل حكومة من 48 مقعداً تعتمد على امتناع الأحزاب العربية عن التصويت، وحصر الخيارات في إمكانية واحدة فقط، هي تشكيل حكومة من 61 مقعداً بمشاركة الأحزاب الحريدية كتلةً واحدة.

وقال ليبرمان إنه لا مفر من «المرونة وتقديم التنازلات» في سلسلة من القضايا من أجل تشكيل الحكومة، بما في ذلك قضية قانون التجنيد.

وعلى الرغم من أن ليبرمان يخلف بذلك أحد وعوده الانتخابية، فإنه قد يُهيئ الرأي العام لتقبّل هذه الخطوة، وربما ينجح حيث سيفشل آيزنكوت.

ورغم أن مسؤولين في معسكر التغيير وصفوا هذه المهمة بالصعبة والمستحيلة، فإن آخرين يشعرون بالتفاؤل إزاء حقيقة أن حزب «يهدوت هتوراة»، رغم الضغوط الشديدة التي تعرّض لها، لم يوصِ أمام رئيس الدولة بأي مرشح لتشكيل الحكومة، وهو ما يرون فيه مؤشراً مشجعاً.

وإضافة إلى ليبرمان، يقف لاعب آخر هو نفتالي بينيت، الذي لم يُعلن بعد مواقفه علناً من القضايا المطروحة. والتقديرات تشير إلى أنه، مثل ليبرمان، لن يوافق على المشاركة في حكومة تعتمد بأي شكل من الأشكال على الأحزاب العربية.

نشطاء يمينيون إسرائيليون مؤيدون لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يتظاهرون للمطالبة بانتخابات جديدة في مدينة حيفا بإسرائيل مساء 1 نوفمبر 2026 (إ.ب.أ)

وترى «يديعوت أحرونوت» أنه في ظل هذا الوضع، تراجعت في الأيام الأخيرة فرص كتلة التغيير، بل تضاءلت فرص آيزنكوت في تشكيل الحكومة، فأصبح الخيار إما تشكيل كتلة واحدة تضم جميع الحريديم، وإما الذهاب إلى انتخابات جديدة.

وفي محادثات مغلقة عقدها آيزنكوت مؤخراً، وعد بعدم إضاعة الوقت خلال فترة ولايته. وقال لمحاوريه: «إذا نجحنا فسننجح، وإذا لم ننجح فسنُعيد التكليف». وفي المقابل، يتربص نتنياهو وحلفاؤه بآيزنكوت، ويتمسكون بكل ورقة قد تمكنهم من عرقلته والإطاحة به.

وتثير السيناريوهات والتطورات المتعلقة بليبرمان والأحزاب الحريدية حالة من التوتر الشديد في مكتب نتنياهو. ويسود اعتقاد في محيط رئيس الحكومة بأنه، رغم أن الطريق لا يزال طويلاً، فإن الأحزاب الحريدية وصلت إلى مرحلة النضج التي تسمح لها باتخاذ خطوة سياسية استثنائية.

ويرى مكتب نتنياهو أن حزب «يهدوت هتوراة» أكثر استعداداً من حزب «شاس» لاتخاذ هذه الخطوة، لكن موقف أرييه درعي لا يزال موضع تساؤل.

ونقل مكتب نتنياهو، حسب «هيئة البث الإسرائيلية»، رسائل تهديد إلى الأحزاب الحريدية، مفادها أنها لن تتمكن من العودة إلى معسكر اليمين في حال انضمامها إلى كتلة التغيير مقابل وعود تتعلق بقانون التجنيد قد لا يجري الوفاء بها. وقد يفتح هذا الوضع المعقد أمام آيزنكوت الباب في النهاية أمام نتنياهو.

وقالت «يديعوت أحرونوت» إن نتنياهو يُعيد طرح إمكانية تشكيل حكومة وحدة مع آيزنكوت، ومن المتوقع أن يدفع بقوة نحو هذا السيناريو في نهاية المطاف، مستنداً إلى إدراك جميع الأطراف في معسكر التغيير أن إجراء انتخابات جديدة خيار سيئ، خصوصاً بالنسبة إلى المعسكر الذي استنفد إلى حد كبير القدرة التصويتية المتاحة له.

وفي الغرف المغلقة، يُطرح أيضاً قلق حقيقي من أن محاولة حزب «الليكود» تقويض نتائج الانتخابات ليست سوى البداية، وأن إجراء انتخابات أخرى سيؤدي إلى تصعيد التشكيك في نتائج الانتخابات وزعزعة ثقة الجمهور بها، وهو سيناريو يحاول معسكر التغيير تجنبه.

وأكدت صحيفة «معاريف» أن كبار المسؤولين الأمنيين يخشون محاولة عناصر يمينية متطرفة منع أداء أعضاء الكنيست اليمين الدستورية، والإطاحة برئيس الكنيست أمير أوحانا، على غرار سيناريو «الكابيتول» عام 2021، حين خسر دونالد ترمب الانتخابات.

وقالت «يديعوت» إن الشرطة وجهاز الأمن العام (الشاباك) أعدّا، بالتعاون مع حرس الكنيست، خطة استنفار خاصة لمواجهة هذا السيناريو. وفي حال تحركت الشرطة و«الشاباك» على مستوى الدولة، فمن المفترض نشر آلاف من عناصر الشرطة ومقاتلي وحدة الأمن التابعة لـ«الشاباك» في محيط الكنيست وعلى الطرق المؤدية إليه.


البطريرك الراعي قلق من توسع المواجهات الإقليمية نحو لبنان

البطريرك الماروني بشارة الراعي مستقبلاً سفير فرنسا باتريك دوريل (الوكالة الوطنية للإعلام)
البطريرك الماروني بشارة الراعي مستقبلاً سفير فرنسا باتريك دوريل (الوكالة الوطنية للإعلام)
TT

البطريرك الراعي قلق من توسع المواجهات الإقليمية نحو لبنان

البطريرك الماروني بشارة الراعي مستقبلاً سفير فرنسا باتريك دوريل (الوكالة الوطنية للإعلام)
البطريرك الماروني بشارة الراعي مستقبلاً سفير فرنسا باتريك دوريل (الوكالة الوطنية للإعلام)

تتصاعد التحذيرات اللبنانية من مخاطر جرّ البلاد مجدداً إلى مواجهة عسكرية، في ظل المخاوف من تجدد الحرب. وفي وقت لا تزال فيه الجهود الدبلوماسية تواجه تحديات كبيرة في تثبيت الهدوء ومنع التصعيد، تتلاقى مواقف سياسية وروحية وشعبية على ضرورة تحييد لبنان عن الصراعات الإقليمية، ووضع قرار الحرب والسلم في يد الدولة ومؤسساتها الدستورية.

الراعي: الحروب لا تؤدي إلا إلى مزيد من الخسائر

وفي هذا السياق، أعرب البطريرك الماروني بشارة الراعي عن قلقه من احتمال توسُّع المواجهات العسكرية في المنطقة وانعكاساتها على لبنان، خلال استقباله السفير الفرنسي باتريك دوريل في بكركي، حيث تناول البحث الأوضاع اللبنانية والإقليمية والجهود الدبلوماسية المبذولة للمحافظة على الاستقرار. وشدد الراعي على أن «الحروب لا تؤدي إلا إلى مزيد من الخسائر، وأن الحوار والحلول الدبلوماسية يبقيان السبيل الأفضل لمعالجة الأزمات».

البطريرك الراعي مستقبلاً السفير الفرنسي والوفد المرافق (الوكالة الوطنية للإعلام)

من جهته، أكد السفير الفرنسي ضرورة تعزيز مؤسسات الدولة اللبنانية واحترام القانون وحصر قرار الحرب والسلم بالسلطات الدستورية، واعتماد الحوار الوطني لمعالجة القضايا الخلافية، بما يحفظ سيادة لبنان ووحدته واستقراره. كما تناول اللقاء الأوضاع في الجنوب ومستقبل قوات «اليونيفيل»، والجهود الفرنسية بالتنسيق مع الدول المعنية واللجنة الخماسية لتجنب أي فراغ أمني.

دخان يتصاعد من المنصوري جنوب لبنان بعد تفجيرات إسرائيلية يوم 28 سبتمبر الماضي (رويترز)

نداء من النخب الشيعية الجنوبية: الجنوب ليس جغرافياً للآخرين

أما على المستوى الشعبي، فجاء «نداء جبل عامل والجنوب»، الذي أطلقته مجموعة تضم نحو 250 شخصية من النخب والفعاليات الشيعية الجنوبية. ووجه الموقعون رسالة إلى الرؤساء الثلاثة واللبنانيين، محذرين من أن يتحول النزوح المتكرر إلى اقتلاع دائم لأبناء القرى الحدودية، ورافضين أن يكون الجنوب «احتياطاً جغرافياً لإخفاقات إيران أو ورقة في حسابات الصراع الإقليمي».

جرافات إسرائيلية تهدم منازل في بلدة زوطر الشرقية بجنوب لبنان أمس (أ.ف.ب)

ودعا النداء إلى تحرُّك وطني عاجل لحماية الجنوب من خلال الدولة ومؤسساتها، ووضع حد لازدواجية القرار في القضايا المصيرية، وفي مقدمها قرار الحرب والسلم. وحدد الموقعون ثلاثة مطالب أساسية: الانسحاب الإسرائيلي الكامل ووقف الاعتداءات، وحصر السلاح وقرار الحرب والسلم بيد الدولة وانتشار الجيش اللبناني، وإطلاق خطة وطنية لإعادة الإعمار تضمن عودة المهجرين إلى بلداتهم.