أثار ارتفاع حجم إنفاق البعثات الدبلوماسية الليبية في الخارج حالة من الجدل بين قطاعات واسعة من السياسيين بالبلاد، وسط مطالب بتخفيض عدد السفارات.
وكان المصرف المركزي الليبي قد أعلن أخيراً أن نفقات وزارة الخارجية والتعاون الدولي بحكومة «الوحدة» المؤقتة، والجهات التابعة لها، ومن بينها البعثات الدبلوماسية المعتمدة بالخارج، قد بلغت 219 مليون دولار خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام الحالي. (الدولار يساوي 4.84 دينار في السوق الرسمية).
ورأى وزير الدفاع الليبي الأسبق، محمد البرغثي، أن امتلاك ليبيا أكثر 140 بعثة، ما بين سفارة وقنصلية ومندوبية، «ليس مدعاة للتفاخر، أو تعزيزاً للوجود بالمحافل الدولية كما يتصور ويروج البعض، بقدر ما هو عبء ثقيل جداً على موارد الدولة»، مبرزاً أن عدداً من هذه البعثات يوجد بدول «لا تربطها بليبيا أي مصالح سياسية أو اقتصادية، ولا يوجد بها أيضاً جالية تذكر».
ودعا البرغثي في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى إعادة النظر في خريطة تلك السفارات وتقليص بعضها؛ بهدف «توفير المال اللازم لاستمرار عمل مقار سفارات وبعثات مهمة، من بينها بعثة ليبيا لدى الأمم المتحدة».
كان مندوب ليبيا الدائم لدى الأمم المتحدة، الطاهر السني، قد وجّه خطابا لرئيس حكومة «الوحدة» الوطنية، عبد الحميد الدبيبة، يخطره فيها بالاضطرار لإغلاق مبنى البعثة، وإيقاف العمل به بدءاً من فاتح مايو (أيار) الحالي، بسبب تراكم الديون التي قدرها بأكثر من مليوني دولار.
وعلى الرغم من إقراره بأن الحكومات المتعاقبة بعد «ثورة» فبراير (شباط) 2011، قد ورثت معضلة التوسع في عدد البعثات الدبلوماسية والعاملين بها من نظام معمر القذافي، فإن البرغثي يرى أن معالجة الأزمة «ليست مستحيلة، كما أنها ليست سهلة».
ويتساءل سياسيون ونشطاء عن كثرة عدد السفارات الليبية وميزانيتها، ورواتب العاملين بها، وحجم الاستفادة العائدة على الدولة والمواطنين من ورائها.
وفي هذا السياق، لفت البرغثي، الذي تنقل بين أكثر من دولة بوصفه ملحقاً عسكرياً بالبعثات الليبية خلال سنوات النظام السابق، إلى ضرورة مراجعة قرارات الإيفاد للخارج، التي صدرت خلال العقد الأخير، والتي حظي بها في الأغلب أقارب وموالون لبعض قيادات السلطة التنفيذية، وشخصيات سياسية وقادة تشكيلات مسلحة أيضاً». وأبدى «تعجبه لعدم تفكير المسؤولين في الاستفادة من التطور التكنولوجي الراهن، عبر ربط أي ليبي بأي دولة بوزارة الخارجية بطرابلس، عبر أكثر من وسيلة تواصل وبسرعة فائقة».
من جهته، أعرب وكيل وزارة الخارجية الأسبق، حسن الصغير، عن قناعته أيضاً بـ«عدم حاجة ليبيا لهذا العدد الكبير من البعثات الدبلوماسية، والذي يتوافر فقط لدول كبرى كالولايات المتحدة الأميركية». واستبعد في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إمكانية اتخاذ قرار تقليص البعثات الليبية راهناً، بسبب «تخوف بعض الأوساط في الساحة من أن يفهم ذلك بشكل خاطئ، أو على أنه رسالة سلبية من طرابلس، تستهدف تحديد العلاقة معها، والتي قد تبادر حينها بإغلاق بعثاتها في ليبيا».
ورغم تأكيد الصغير أن العدد الحالي للبعثات والعاملين بها يزيد على الاحتياج الحقيقي، انتقد السفير السابق دأب بعض المواقع الإعلامية المحلية على تضخيم أرقام العاملين في تلك البعثات، بالإشارة إلى أن كل سفارة ليبية تضم من 100 إلى 150 موظفاً.
ووفقاً لتقديره، فإن البعثة الليبية الموجودة في مصر هي أكبر من حيث عدد العاملين، حيث تضم 39 دبلوماسياً ليبياً، إلى جانب استعانتها بقرابة 50 موظفاً محلياً من دولة الاعتماد. وعدّ «هذا الرقم كبيراً جداً بالنسبة لاحتياجات تسيير البعثة بمصر، رغم وجود جالية ليبية كبيرة هناك، ويمكن الاكتفاء بنصفه أو أقل من ذلك، وهذا هو الحال أيضاً بالنسبة للبعثة في تونس، وفي أغلب الدول»، لافتاً إلى وجود بعثات في دول أميركا الشمالية وأفريقيا «ليس بها جاليات ليبية تذكر، ولن يؤدي إغلاقها لأي تداعيات على علاقات ليبيا الخارجية».
كما انتقد بعض رواد مواقع التواصل الاجتماعي عدم استجابة حكومة «الوحدة» الوطنية والمجلس الرئاسي، اللذين تتبعهما أغلب البعثات الليبية، للمراسلة التي وجهها رئيس لجنة التخطيط والمالية والموازنة العامة بالبرلمان، بشأن تخفيض عدد العاملين في البعثات الدبلوماسية، بنسبة 50 في المائة من أجل تخفيض الإنفاق. وأشاروا إلى اكتفاء حكومة الدبيبة في قرارها رقم (185) لسنة 2024 بشأن إجراءات وضوابط الموظفين الموفدين للعمل بالخارج بوقف نفقات دراسة أسر، وأبناء الموظفين الموفدين، ونفقات علاجهم خارج دولة الاعتماد.



