مفتي فلسطين: الحرب المسعورة على الأقصى أعظم شاهد على العداء للإسلام

الشيخ حسين قال لـ«الشرق الأوسط» إن محاربة «داعش» تكون بالتصدي لفتاويه الضالة

الشيخ محمد أحمد حسين مفتي فلسطين («الشرق الأوسط»)
الشيخ محمد أحمد حسين مفتي فلسطين («الشرق الأوسط»)
TT

مفتي فلسطين: الحرب المسعورة على الأقصى أعظم شاهد على العداء للإسلام

الشيخ محمد أحمد حسين مفتي فلسطين («الشرق الأوسط»)
الشيخ محمد أحمد حسين مفتي فلسطين («الشرق الأوسط»)

قال الشيخ محمد أحمد حسين، مفتي فلسطين، إن «محاربة أفعال تنظيم داعش تكون بالتصدي المستمر لفتاويه (الضالة)، وتوضيح فكره المتطرف». وأكد في حوار مع «الشرق الأوسط»، على هامش مشاركته في مؤتمر إسلامي عقد بمصر مؤخرًا، أن «أعظم شواهد العداء للإسلام هي (الحرب المسعورة) على أرض الأقصى، وأن الدفاع عن القدس ليس مسؤولية الفلسطينيين وحدهم، بل الأمة العربية والإسلامية»، لافتا إلى أن «اصطفاف الأمة يحطم أحلام إسرائيل ويفشل مخططاتها في هدم المسجد الأقصى».
وأوضح الشيخ حسين، خطيب المسجد الأقصى، أن تسويق التطرف والعنف من طرف متشددين من العالم الإسلامي لنشره داخل المنطقة العربية، يخفي إرهاب إسرائيل تجاه الفلسطينيين وتجاه العالم العربي والإسلامي أجمع، لافتا إلى أن التعصب الأعمى للجماعات، التي تنسب نفسها زورا للإسلام، يضر بالدين الإسلامي ويجر على المسلمين الويلات، وأن عنف بعض المسلمين يخدم أعداءنا.
وفيما يلي أهم ما جاء بالحوار:
* وجهت اتهامات كثيرة للشعوب الإسلامية عقب حادث تفجيرات فرنسا بأنها منبع الإرهاب والتطرف.. ما رأيك؟
- العالم الإسلامي كله أدان تفجيرات باريس، وأعرب عن رفضه لأي إرهاب يطول أي منطقة في العالم، لكن التطرف وما ينشأ عنه من إرهاب ليس عند المسلمين فقط، بل إنه يطال أيضا بعض الدول غير المسلمة التي يوجد فيها تطرف وإرهاب.. وبالعودة للتاريخ، فإن منظمة «السيكاري» تعد أول منظمة إرهابية عرفها التاريخ، وقد شكلها بعض المتطرفين اليهود من طائفة «الزيلوت»، الذين وفدوا إلى فلسطين في نهاية القرن الأول قبل الميلاد، بهدف إعادة بناء الهيكل الذي عرف بالمعبد الثاني.
* في تصورك كيف نحارب الفكر المتطرف على أرض الواقع، خصوصا بعد الأحداث الأخيرة التي شهدها العالم على يد «داعش»؟
- محاربة هذا الفكر التكفيري المتطرف يتم من خلال تكثيف جهود العلماء في العالم الإسلامي لشرح وتوضيح خطورة هذه الأفكار على الشباب، وجميع أفراد المجتمع، والعمل على تصحيح المفاهيم المغلوطة، والتصدي المستمر للفتاوى «الضالة» والأقوال الباطلة التي يستند عليها التنظيم الإرهابي لتوضيح كل ما هو مناف لهذا الدين من فكر متطرف.
* هل العالم الإسلامي يواجه حروبا كثيرة الآن.. وما هي أنواعها؟
- نعم نواجه حربا الآن، ولعل من أنواع الحرب التي تواجه الإسلام هو التطرف والعنف والغلو، ويمثلهما فريقان متناقضان، أحدهما يقف في صف العداء المعلن للإسلام والتعصب ضده، والثاني يمثله بعض المسلمين، الذين يقودهم الحرص المفرط والتعصب الأعمى إلى حمل أفكار تضر الإسلام أكثر مما تنفعه، وتجر عليه الويلات الجسام جراء الانغلاق وقصر النظر، وللفريقين أعمال وأقوال تعبر عن منحى التطرف الذي يرفضه الإسلام جملة وتفصيلا. والناظر في حال الأمة الإسلامية في العصر الحاضر، يجد فيها تطرفا وغلوا من جهة، وتفريطا وتساهلا من جهة أخرى.
* هل يختلف برأيك الإرهاب المنتشر في العالم الآن عن الممارسات الإسرائيلية بحق الفلسطينيين العزل؟
- بالفعل.. فما تمارسه إسرائيل على الشعب الفلسطيني لا يقل خطرا عن الإرهاب الذي ترتكبه الجماعات الإرهابية في العالم، وفي مقدمتهم «داعش». ولذلك يجب على الأمة العربية والإسلامية أن تدرك خطورة ما تقوم به إسرائيل، على اعتبار أن الواجب الديني يحتم على الأمة الدفاع عن المقدسات الدينية، والعمل على تحريرها، وعدم تركها في أيدي الإسرائيليين وحيدة للهجمات الشرسة التي يرتكبها اليهود. ولذلك، فإن تسويق العنف والتطرف من خلال عناصر متشددة تنتمي للعالم الإسلامي والدول العربية يخفي إرهاب إسرائيل تجاه الفلسطينيين.
* برأيك.. ما الذي ترمي إليه إسرائيل من حفرها تحت المسجد الأقصى؟
- المحاولات الإسرائيلية تسعى لفرض سيطرتها كأمر واقع، وذلك من خلال تغيير الحقائق وطمس المعالم الدينية التاريخية والمقدسات الإسلامية المقدسة، ولذلك يجب على الأمة أن تصطف جمعاء وأن يوحدوا كلمتهم، لأنه بوحدتهم تفشل مخططاتهم، التي تهدف إلى تزييف التاريخ والحضارة الإسلامية وطمس ثقافتها.
* وماذا عن دور مصر في مساندة القضية الفلسطينية؟
- تربط مصر بفلسطين علاقة قوية أصيلة، وعلاقتها تعود إلى سنوات بعيدة، وإن واجهت الحكومتان اختلافات على المستوى السياسي، لكن في وقت الشدائد نجد أن مصر هي أول من يساند الدولة الفلسطينية.
* نعود لمشهد العداء المعلن الآن ضد المسلمين عقب تفجيرات فرنسا.. ما هي شواهد التطرف الحاضرة ضد بعض الدول المسلمة؟
- من أعظم الشواهد على العداء المعلن للإسلام من قبل جماعات التطرف، هناك الحرب المسعورة على أرض فلسطين ومقدساتها وأهلها، خصوصا المسجد الأقصى، الذي يتعرض الآن إلى حملة متلاحقة من الممارسات المعادية التي تستهدف تغيير معالمه الإسلامية، وتجزئته وشرعنة وجود غير المسلمين فيه، وقد تصل الأمور إلى تدميره بفعل الحفريات الواسعة تحته، إضافة إلى محاولات كثيرة للنيل منه، يهدد بها بين الحين والآخر أشخاص وجماعات من أهل التطرف اليهودي، ولم يبتعد عن الحقيقة وزير الخارجية الفلسطيني الدكتور رياض المالكي، حين حذر من قبل أنه إذا لم يتحرك المسلمون لإنقاذ المسجد الأقصى، فلن يبقى للمسلمين أقصى بعد 6 أشهر، وتصريح من مسؤول بهذا المستوى لا يصدر من فراغ.. وإنما من حقيقة يلمسها ويشاهدها بأم عينه.
* ما هي في رأيك أسباب التطرف لدى بعض الجماعات المحسوبة ظلما على الإسلام؟
- الجهل وعدم معرفة حقيقة الدين ومقاصده، فبعض قادة هذه الجماعات والتنظيمات يظن نفسه من أهل العلم والاجتهاد، وهو لا يعرف إلا «نتفا قليلا» من هنا وهناك، ويجهل الكثير، ولا يعرف طرق الترجيح بين المختلفات، فيعتد برأيه ويفسد أكثر مما يصلح، فضلا عن تمسك هذه الجماعات الإرهابية بحرفية النص دون فهم فحواه ومعرفة مقصده، والاشتغال بالمسائل الجزئية عن المسائل الكبرى التي تهم الأمة.
* وهل هناك أسباب داخلية وخارجية لذلك؟
- نعم.. الأسباب الداخلية تنحصر في الظلم الاجتماعي البين في بعض المجتمعات المسلمة، حيث نرى التفاوت الطبقي الفاحش بين فئات المجتمع، وما ينتج عنه من حقد اجتماعي، وضعف الثقة بالعلماء الرسميين في الدول، فيعمد البسطاء إلى تلقي العلم عن أنصاف المتعلمين، أو عن طريق الكتب الصادرة عن أشخاص وجماعات متشددة، بسبب فقدهم الثقة بالعلماء الرسميين، فضلا عن أن بعض الدول الإسلامية قامت بمصادرة حرية الدعوة إلى الإسلام باعتباره عقيدة ونظام حياة، ووقفت في وجه الدعاة، وكان هذا الضغط على الدعاة من أبرز الأسباب التي دعت إلى التطرف، وكذا ازدراء الدين عبر وسائل الإعلام.
أما الأسباب الخارجية فتتمثل في أن ما لقيه العالم الإسلامي وما زال يلقاه من هجمة شرسة على أوطانه ومقدساته، اتفقت عليها القوى غير الإسلامية العالمية، ولا شك أن ذلك له أثر كبير على شعور المسلم الغيور على دينه وأرضه ومقدساته.. فيلجأ البعض للعنف بسبب ذلك.
* ومتى نحكم على العمل بأنه تطرف وأن صاحبه إرهابي؟
- الحكم على العمل بأنه تطرف أو أن الشخص متطرف باب خطير لا يقدر عليه إلا علماء الدين، الذين يدركون حدود هذا العمل ويعلمون أبواب العقيدة وفروعها، لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، لذلك فإن المقياس في الحكم على الأعمال والأفراد والجماعات هو الكتاب والسنة، وليست الأهواء والأعراف.
* وكيف نحمي الأمة من الإرهاب برأيك؟
- علاج التطرف والإرهاب لا ينفك عن معرفة الأسباب وتشخيص حالاته، ويشترك في هذا العلاج المجتمع بشرائحه، وبخاصة الشباب، فتطرف بعض المسلمين وغلوهم يخدم أعداء الإسلام، والتعصب للرأي أو لجماعة أو طائفة أو حزب، هو الصورة الشاهدة على التطرف، الذي يقف وراء تشويه صورة الإسلام، وهي على هذا النحو المشوه من قبل بعض من يظنون أنهم يبذلون الجهد لخدمته والدعوة إليه، لكن يخونهم التوفيق في اختيار الأساليب السوية، فيلوذون إلى خيمة التعصب التي تمنعهم من بلوغ بعد النظر في الدعوة، ويختارون المغالاة منهجا والتطرف أسلوبا، فتكون النتائج خرابا طاما وطعنا للإسلام في الصدر والظهر، من حيث يظنون أنهم يخدمونه ويعملون من أجل رفع رايته.
والتطرف الداخلي لا يقل خطره كثيرا عن الخارجي في استهداف الإسلام وإعاقة الدعوة إليه، ونشر المصاعب أمام إعطاء الصورة المشرقة عنه، حتى يميز الناس بين الخبيث والطيب عن بصيرة ورشاد.
* قلت إن محاربة التطرف مسؤولية المجتمع بأكمله.. كيف ذلك؟ وما هو دور علماء الدين وقادة الدول؟
- يتمثل دور المجتمع وقادة الدول والعلماء في محاربة التطرف بأن تكون الدساتير والقوانين التي تحكمهم معبرة عن معتقداتهم وقيمهم وتقاليدهم، ثم تتبعها مناهج التربية والتعليم والصحافة والإعلام، وأن تكون السياسات الاقتصادية والاجتماعية والداخلية والخارجية تنسجم مع هذه المعتقدات وتخدم أهدافها، فضلا عن إحياء دور العلماء الراسخين والمصلحين في المجتمعات، ونشر العلم الشرعي، وتمكين أهل العلم من أهل الوسطية والاعتدال من علاج هذه الظاهرة بالمنهج العلمي السليم، بعيدا عن السطحية المتمثلة في الإدانة والشتم وكيل التهم، ونبذ أساليب العنف والتعذيب والتصفية الجسدية، وإحياء روح النصيحة، فالتطرف مصدره الفكر، ولذلك ينبغي أن يكون علاجه بالفكر والمجادلة بـ«التي هي أحسن»، وتجنب مقابلة التكفير بالتكفير، فلا يقابل التطرف الفكري بتطرف فكري مماثل.. ولا يواجه التعصب بالتعصب، وكذا محاربة الفقر والجهل والمرض، ومحاولة القضاء على الفوارق الاجتماعية الكبيرة، ومنح الفرص للناس على أساس العدل والمساواة.
وعلى علماء الدين بذل الجهود العلمية في بحث موضوع التطرف، وعقد الندوات والمحاضرات لتبيان أهمية الموضوع وحقيقته وضرره على حياة الناس، وتربية الأمة على منهج الوسطية تربية عملية شاملة، مما يقضي على الخلل الموجود في المجتمع المسلم من جهتي الإفراط والتفريط.
* وهل للشباب دور في مكافحة التطرف؟
- نعم، وذلك بتصحيح النظرة وتقويم الأفكار حتى يعرف الشباب دينهم على بصيرة، ويكون ذلك بسلامة المنهج في فهم الإسلام، وبالفقه الواعي لدين الله.. لا القائم على الفهم السطحي للنصوص الشرعية.



الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
TT

الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)

في وقت تتراجع فيه قدرة اليمن على احتواء الأمراض المعدية ومواجهة موجات التفشي الموسمية، تتعمق التداعيات الإنسانية للأمطار الغزيرة والسيول التي اجتاحت مناطق واسعة من البلاد خلال الأسابيع الماضية، مخلفة خسائر بشرية وأضراراً كبيرة في البنية التحتية وموجات نزوح جديدة.

يأتي ذلك في وقت تواجه فيه المنظمات الإنسانية صعوبات متزايدة في الاستجابة، نتيجة نقص التمويل، وتراجع القدرات التشغيلية في القطاعات الأساسية.

وأظهرت بيانات صادرة عن وكالات الإغاثة العاملة في اليمن أن عدد المتضررين من السيول الناجمة عن الأمطار الموسمية منذ الشهر الماضي ارتفع إلى نحو 200 ألف شخص، مع ترجيحات بزيادة هذا الرقم خلال الفترة المقبلة في ظل استمرار الهطولات المطرية، واتساع نطاق الأضرار في المناطق المنخفضة والأكثر هشاشة، خصوصاً على امتداد الساحل الغربي وفي المحافظات الجنوبية الغربية.

ووفق تقديرات الوكالات الدولية والمحلية، شهدت مناطق جنوب غربي اليمن، منذ أواخر مارس (آذار)، أمطاراً غزيرة وفيضانات شديدة تسببت في وفيات ونزوح جماعي وأضرار واسعة بالممتلكات العامة والخاصة، بينما تصدرت مديريات المخا وموزع والوازعية في محافظة تعز، إلى جانب مديريتي الخوخة وحيس في محافظة الحديدة، قائمة المناطق الأكثر تضرراً من موجة السيول الأخيرة.

السيول جرفت المنازل والطرقات في جنوب الحديدة وتعز (إعلام محلي)

وبحسب مصادر إنسانية متعددة، أسفرت الفيضانات حتى الآن عن مقتل ما لا يقل عن 24 شخصاً، بينما تضرر نحو 55 ألف شخص على طول الساحل الغربي الواقع ضمن مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، مع استمرار عمليات التقييم الميداني للأضرار التي لحقت بالمساكن وشبكات الطرق ومصادر المياه والأراضي الزراعية، وهي أضرار يرجَّح أن تتجاوز التقديرات الأولية مع انكشاف حجم الخسائر في المناطق الريفية المعزولة.

وتشير تقارير مشتركة بين وكالات الإغاثة إلى أن عدد المتضررين مرشح للارتفاع إلى نحو 220 ألف شخص إذا استمرت الحالة المطرية بالمعدلات الحالية، خصوصاً مع هشاشة البنية التحتية وضعف شبكات تصريف المياه، الأمر الذي يحول الأمطار الموسمية في كثير من المناطق اليمنية إلى كوارث متكررة تضرب السكان ومصادر رزقهم بصورة مباشرة.

وفي محاولة لتعزيز الاستجابة الطارئة، خصصت المديرية العامة للمساعدات الإنسانية والحماية المدنية التابعة للمفوضية الأوروبية مبلغ 175 ألف يورو (نحو 205 آلاف دولار) عبر صندوق الاستجابة الطارئة للكوارث، لدعم عمليات الإغاثة العاجلة، بما يشمل توفير مواد الإيواء ومستلزمات النظافة الأساسية للأسر المتضررة، في إطار تدخلات تستهدف الحد من التداعيات الصحية والإنسانية للفيضانات.

فجوة تمويل

على الرغم من كل هذه المساهمات، تؤكد الأمم المتحدة أن الاستجابة الإنسانية في اليمن تواجه منذ مطلع عام 2025 فجوة تمويلية حادة انعكست بصورة مباشرة على مستوى الخدمات المقدمة، وأدت إلى تقليص العمليات الإنسانية في قطاعات حيوية، بينها إدارة المخيمات، وخدمات المياه والصرف الصحي، وبرامج الحماية الصحية، وهو ما أضعف قدرة المؤسسات الإنسانية على التعامل مع الأزمات المتلاحقة.

المنظمات الإغاثية في اليمن تعاني من نقص التمويل (إعلام محلي)

وفي هذا السياق، واصلت المنظمة الدولية للهجرة عملياتها خلال الربع الأول من العام الحالي في 17 موقع نزوح ذي أولوية، تستضيف أكثر من 134 ألف شخص، بالتوازي مع توسيع أنشطة المناصرة لتشمل عشرات المواقع المهددة بالإغلاق التدريجي بسبب تراجع الموارد.

كما استمرت آليات التغذية الراجعة المجتمعية وخدمات التواصل مع المجتمعات المتضررة، لتصل إلى أكثر من 227 ألف نازح وأفراد من المجتمعات المضيفة، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من قنوات الدعم الإنساني.

غير أن حجم الاحتياجات المتزايد، مقروناً بتراجع التمويل، يجعل هامش المناورة أمام المنظمات الإغاثية أكثر ضيقاً، خصوصاً في ظل تكرار الصدمات المناخية وارتفاع أعداد النازحين وتآكل قدرة المجتمعات المحلية على امتصاص الأزمات، بعد سنوات طويلة من الحرب، والانهيار الاقتصادي، وتراجع الخدمات العامة.

تهديد صحي متصاعد

على الجانب الصحي، تبدو التداعيات أكثر خطورة، مع تحذيرات من أن تراجع الإنفاق الإنساني وانسحاب الخدمات من عدد من المناطق، خصوصاً في محافظتي حجة والحديدة، أدى إلى إغلاق أو تقليص خدمات صحية أساسية، تاركاً آلاف الأسر أمام خيارات محدودة للحصول على الرعاية، في وقت ترتفع فيه مخاطر انتشار الأمراض المعدية المرتبطة بمواسم الأمطار، مثل الكوليرا والإسهالات الحادة والملاريا وحمى الضنك.

تراجع قدرة اليمن على مواجهة تفشي الأمراض المعدية والسيطرة عليها (الأمم المتحدة)

وأكدت منظمة «أطباء بلا حدود» أن نقص المرافق الصحية القريبة يدفع السكان إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى المستشفيات العاملة، وغالباً ما يصل الأطفال وحديثو الولادة في مراحل متقدمة من المرض، بعد أن يكون التدخل المبكر قد أصبح أكثر صعوبة، وهو ما يرفع معدلات المضاعفات والوفيات في أوساط الفئات الأكثر هشاشة.

وأوضحت المنظمة أن العبء المالي للوصول إلى العلاج أصبح تحدياً إضافياً؛ إذ تضطر العائلات لتحمل تكاليف نقل باهظة في ظل إغلاق عيادات محلية كانت تشكل خط الدفاع الأول للرعاية الصحية الأولية؛ ما يجعل الحصول على العلاج مرتبطاً بالقدرة المادية، لا بالحاجة الطبية، في بلد يعيش غالبية سكانه أوضاعاً معيشية شديدة القسوة.


هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
TT

هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)

قالت ​هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إن ‌ربان ‌سفينة ​شحن ‌بضائع ⁠سائبة ​أبلغ، الجمعة، عن ⁠اقتراب زورق صغير ⁠يحمل ‌سبعة مسلحين ‌على ​بعد ‌92 ‌ميلاً بحرياً جنوب غربي المكلا ‌اليمنية في خليج ⁠عدن.

إلى ذلك، حمّلت الحكومة اليمنية، الخميس، إيران مسؤولية مباشرة عن تصاعد التهديدات التي تستهدف الممرات البحرية الدولية، عادَّة أن ما تشهده خطوط الملاحة، وفي مقدمها مضيق باب المندب، من أعمال قرصنة وإرهاب تنفذها الجماعة الحوثية، يأتي ضمن أجندة إيرانية أوسع تسعى إلى عسكرة البحار واستخدام أمن الطاقة والتجارة الدولية ورقةَ ضغطٍ وابتزاز سياسي.

وأكدت الحكومة، في كلمة اليمن أمام مجلس الأمن خلال جلسة المناقشة المفتوحة رفيعة المستوى حول «سلامة وحماية الممرات المائية في المجال البحري»، أن التحديات المتنامية التي تواجه الأمن البحري تتطلب استجابة جماعية أكثر حزماً، في ظل تصاعد غير مسبوق للتهديدات التي تطول حرية الملاحة الدولية وأمن الممرات المائية الحيوية.

وقال مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، إن بلاده تولي أهمية قصوى لأمن الملاحة الدولية انطلاقاً من موقعها الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الشرايين البحرية في العالم، بوصفه ممراً تجارياً رئيسياً يربط بين الشرق والغرب، ويمثل ممراً حيوياً لتدفقات التجارة والطاقة نحو أسواق العالم.


هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)

تشهد المؤسسة العسكرية والأمنية اليمنية، الخاضعة للحكومة الشرعية، تحوُّلات تنظيمية متسارعة، في إطار مسار واسع لإعادة بناء هياكل الدولة السيادية، عبر مشروع يهدف إلى توحيد التشكيلات العسكرية والأمنية المختلفة ضمن إطار مؤسسي مركزي يخضع لوزارتَي الدفاع والداخلية، بما يعيد ضبط منظومة القيادة والسيطرة، ويرفع كفاءة الجاهزية القتالية والأمنية، ويعزِّز قدرة الحكومة على إدارة معركة استعادة الدولة بمؤسسات أكثر تماسكاً وانضباطاً.

ويأتي هذا التحرُّك تحت إشراف مباشر من القوات المشتركة لقيادة «تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية، في سياق جهود متواصلة لإعادة تنظيم الوحدات العسكرية على أسس مهنية حديثة، تقوم على وضوح التسلسل القيادي، وتحديد الاختصاصات، ودمج القوى المسلحة ذات الخلفيات التنظيمية المتعددة داخل بنية عسكرية موحدة، بما يقلص الازدواجية في القرار، ويؤسِّس لعقيدة قتالية مشتركة تتجاوز الانقسامات التي فرضتها سنوات الحرب.

وفي أحدث خطوات هذا المسار، أصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، سلسلة قرارات رئاسية تضمَّنت تغييرات واسعة في مواقع القيادة العسكرية العليا، شملت المنطقة العسكرية الرابعة (ويقع مقر قيادتها في عدن، وتنتشر في لحج والضالع وأبين وأجزاء من تعز)، إلى جانب مناصب استشارية ولوجستية في وزارة الدفاع، في مؤشر على انتقال عملية إعادة الهيكلة من مرحلة الترتيب النظري إلى إعادة توزيع فعلية لمراكز القرار العسكري.

وقضت القرارات بتعيين العميد حمدي حسن محمد شكري قائداً للمنطقة العسكرية الرابعة وقائداً للواء السابع مشاة، مع ترقيته إلى رتبة لواء، مع احتفاظه بقيادته السابقة للفرقة الثانية في «ألوية العمالقة»، وهي خطوة تعكس توجهاً لإعادة تموضع القيادات الميدانية ذات الخبرة القتالية داخل مفاصل الجيش النظامي، بما يمنح المؤسسة العسكرية خبرات ميدانية اكتسبتها خلال المعارك في جبهات الساحل الغربي ومناطق الاشتباك الأخرى مع الحوثيين.

كما شملت القرارات تعيين العميد الركن محضار محمد سعيد السعدي رئيساً لأركان المنطقة العسكرية الرابعة، والعميد الركن علي حسن عبيد الجهوري رئيساً لعمليات المنطقة ذاتها، في إعادة تشكيل لهيكل القيادة العملياتية في واحدة من أهم المناطق العسكرية اليمنية، نظراً لاتساع نطاق مسؤولياتها الجغرافية، وحساسيتها الأمنية، وارتباطها المباشر بمسرح العمليات في عدد من المحافظات الجنوبية والجنوبية الغربية.

ويُنظَر إلى هذه التعيينات بوصفها جزءاً من مقاربة أوسع لإعادة دمج قيادات ميدانية مؤثرة، بعضها ارتبط بتشكيلات قتالية بارزة مثل «ألوية العمالقة»، داخل منظومة القيادة الرسمية، بما يعزِّز التنسيق بين الوحدات، ويربط النفوذ العسكري الميداني بالمؤسسة المركزية، في خطوة تهدف إلى تحويل مراكز القوة العسكرية من تشكيلات منفصلة إلى أذرع منظمة تعمل تحت مظلة الدولة.

وفي السياق ذاته، صدر قرار بتعيين اللواء الركن فضل حسن محمد العمري مستشاراً للقائد الأعلى للقوات المسلحة لشؤون الدفاع، مع ترقيته إلى رتبة فريق، كما جرى تعيين اللواء الركن صالح محمد حسن سالم صالح مستشاراً لوزير الدفاع، إلى جانب تعيين اللواء عبدالناصر عثمان مساعد صالح الشاعري مساعداً لوزير الدفاع للشؤون اللوجستية، وهو قطاع يمثل أحد أكثر الملفات حساسية في بنية الجيش؛ لارتباطه بإمداد القوات، وتوزيع الموارد، وإدارة منظومات الدعم الفني والتشغيلي.

بناء الهرم القيادي

تعكس هذه القرارات، وفق مراقبين، توجهاً يمنياً نحو إعادة بناء الهرم القيادي للمؤسسة العسكرية بصورة أكثر توازناً، تجمع بين الخبرة الميدانية والكفاءة الإدارية، مع منح ملف الإسناد اللوجستي أولوية خاصة، بوصفه عاملاً حاسماً في أي عملية تحديث عسكري مستدام.

وفي موازاة التغييرات القيادية، تكثَّفت الاجتماعات الرئاسية المخصصة لملف إعادة الهيكلة. وخلال لقاء جمع عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي ووزير الدفاع الفريق الركن طاهر العقيلي، جرى استعراض سير تنفيذ الخطط العسكرية، ومستوى الإنجاز في برامج التطوير، إلى جانب التحديات التي تواجه عملية البناء المؤسسي، والخيارات المطروحة لمعالجتها.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرّمي مجتمعاً مع وزير الدفاع العقيلي (سبأ)

وتركزت المناقشات على تطوير منظومة التدريب والتأهيل، وإعادة بناء القدرات البشرية على أسس مهنية حديثة، عبر تحديث المناهج العسكرية، ورفع كفاءة الكوادر، وتأهيل القيادات الميدانية بما يتلاءم مع طبيعة التحديات الأمنية والعسكرية الراهنة، في ظلِّ قناعة متزايدة داخل دوائر القرار بأنَّ تحديث السلاح يبدأ من تحديث الإنسان الذي يديره.

كما استعرض اللقاء برامج إعادة هيكلة الوحدات العسكرية بما يضمن بناء تشكيلات منظمة تعمل وفق عقيدة موحدة، وتحقق تكاملاً وظيفياً بين مختلف الأفرع والتخصصات، وصولاً إلى توحيد القرار العسكري، وتوجيه الإمكانات بصورة أكثر كفاءة نحو الأهداف الاستراتيجية للدولة.

إصلاح أمني وبحري

في البُعد الأمني، تتقدَّم عملية إعادة التنظيم بوتيرة موازية؛ إذ اطلع عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح على سير الإصلاح المؤسسي داخل وزارة الداخلية، خصوصاً ما يتعلق بتطبيق نظام البصمة الحيوية، وتعزيز التنسيق بين الأجهزة الأمنية، ورفع مستوى الانضباط الإداري، في خطوات تستهدف تحديث قواعد البيانات الأمنية، وضبط الهياكل الوظيفية، وإغلاق الثغرات المرتبطة بازدواجية السجلات أو تداخل الاختصاصات.

طارق صالح يترأس اجتماعاً أمنياً في الساحل الغربي اليمني (سبأ)

كما ناقش مع قيادات الأجهزة الأمنية في الساحل الغربي خطط الأداء الأمني للعام الحالي، وجهود ضبط الجريمة، وتطوير خدمات الأحوال المدنية والجوازات، وتحسين أوضاع المؤسسات العقابية، في إطار رؤية أشمل لإعادة بناء مؤسسات الأمن الداخلي بوصفها ضلعاً موازياً للمؤسسة العسكرية في مشروع استعادة الدولة.

وفي المجال البحري، برزت أيضاً تحركات لتحديث قدرات خفر السواحل، بعدما شدَّد عضو مجلس القيادة الرئاسي الفريق الركن محمود الصبيحي على ضرورة رفع كفاءة الوحدات البحرية والفنية، وتعزيز التنسيق بين الجهات المعنية لحماية المصالح الوطنية وتأمين خطوط الملاحة البحرية، في ظلِّ تنامي التحديات المرتبطة بالتهريب والجريمة المنظمة، فضلاً عن التهديدات التي تطال الممرات البحرية الحيوية في المنطقة.