الضربات الجوية المكثفة تربك قيادات «داعش» في الرقة والحسكة وشرق حلب

فصائل معارضة جديدة تنضم إلى «قوات سوريا الديمقراطية» لمواجهة التنظيم المتطرف

الضربات الجوية المكثفة تربك قيادات «داعش» في الرقة والحسكة وشرق حلب
TT

الضربات الجوية المكثفة تربك قيادات «داعش» في الرقة والحسكة وشرق حلب

الضربات الجوية المكثفة تربك قيادات «داعش» في الرقة والحسكة وشرق حلب

شتّتت الضربات الجوية المكثفة التي نفذتها قوات التحالف الدولي والطائرات الروسية، قيادات تنظيم داعش في الرقة وريف حلب الشرقي والحسكة في شمال سوريا، وفرضت «حالة من الإرباك» في صفوف التنظيم، بعد «ضرب مقرات القيادة والسيطرة». هذا في الوقت، الذي أعلنت فيه عدد من الفصائل المقاتلة في إدلب وحلب الانضمام إلى «قوات سوريا الديمقراطية» والعمل تحت قيادتها، وذلك بعد تحقيق هذه القوات التي تشكلت منتصف الشهر الماضي من فصائل عربية وكردية تقدما في محافظة الحسكة، بعد نحو أسبوعين من انطلاق أولى عملياته العسكرية في 31 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.
وبدأ التنظيم، أمس، بإجلاء عائلات مقاتليه الأجانب من الرقة والشدادي في ريف الحسكة الجنوبي، إثر «الضربات الجوية الكثيفة التي استهدفت مقرات التنظيم وتمركزاته وتحركاته في المنطقة»، كما قال رامي عبد الرحمن مدير المرصد السوري، مشيرا إلى أن التنظيم «بدأ بعملية إجلاء إلى مناطق أكثر أمنًا باعتقاده، تتوزع بين ريف الرقة الشرقي، وأرياف دير الزور». ولفت إلى أن «الضغط العسكري الذي تفعّل خلال اليومين الماضيين، ألزم التنظيم بإخلاء مقرات كثيرة، وقوض قدرته على التحرك، وإخفاء آلياته العسكرية في أكثر من موقع».
وقالت قوة المهام المشتركة التي تقود عمليات التحالف بقيادة الولايات المتحدة، أمس، إن التحالف نفذ الاثنين 23 ضربة جوية استهدفت «داعش» في سوريا والعراق، بما في ذلك منشآت نفطية يستخدمها التنظيم المتشدد. وأضافت في بيان، أن 6 ضربات نفذت قرب 3 مدن سورية واستهدفت عدة مواقع قتالية، إلى جانب وحدة لفصل النفط والغاز قرب البوكمال و3 منشآت نفطية قرب دير الزور تابعة للتنظيم المتشدد.
وأقر تنظيم داعش باستهداف مقراته في سوريا، إذ أعلن أحد مناصريه على «تويتر»، أن «بوارج صليبية في البحر المتوسط قصفت ريف حلب الشرقي والرقة بالصواريخ بعيدة المدى»، بحسب تعبيره.
وقال ناشطون إن القصف لمواقع سيطرة «داعش» تفعل خلال اليومين الماضين «بشكل غير مسبوق». وقال ناشط في الرقة لـ«الشرق الأوسط»، إن المدينة «تعيش على وقع التفجيرات الناتجة عن القصف الجوي، بينما يخلي التنظيم مواقع سيطرته، ويلوذ مقاتلوه بأحياء يسكنها المدنيون، منعًا لاستهدافهم». وقال إن حجم القصف «قوّض حركة التنظيم وشرطة (الحسبة) التي اختفت من الشوارع».
وانسحب الأمر نفسه على مناطق ريف حلب الشرقي، إذ أكد «مكتب أخبار سوريا»، أن القصف «غير المسبوق» من قبل القوات النظامية والطيران الحربي الروسي، على القرى والبلدات المحيطة بالمطار، أجبرت آلاف المدنيين على النزوح من بلداتهم والتوجه إلى مناطق أكثر أمنًا كالرقة وجرابلس ومنبج الخاضعة لسيطرة تنظيم داعش. وأشار إلى أن «الطيران الروسي قصف في اليومين الماضيين البلدات المحيطة بمطار كويرس بقنابل عنقودية «ذات القدرة التدميرية الكبيرة»، على حد تعبيره، حيث يترفق إلقاؤها مع إحداث أكثر من 40 انفجارًا بآنٍ واحد، مما يؤدي لدمار «واسع» في المنطقة المستهدفة، مشيرًا إلى أن القنابل العنقودية أدت في بلدة دير حافر إلى دمار حيين سكنيين «بشكل كامل».
وعمّ «الإرباك» سائر مناطق سيطرة تنظيم داعش، كما قال عبد الرحمن، مشيرًا إلى أن «كمية الغارات وقوتها خلقت حالة من الإرباك غير المسبوق»، مؤكدًا أن التنظيم «في تشتت مستمر». وأشار عبد الرحمن إلى أن القصف الذي تستهدفه به طائرات التحالف، «وصل إلى المنطقة الحدودية مع العراق، حيث استهدفت مروحيات يعتقد أنها تابعة للتحالف من نوع أباتشي الأميركية، تحركات للتنظيم في ريف دير الزور الشرقي المحاذي للحدود العراقية». وركزت الضربات الجوية في شرق سوريا، بعد هجمات باريس، على استهداف مواقع إنتاج النفط ومناطق سيطرته في محيطها، قائلاً إن القصف من هذا النوع «يتجدد يوميًا على المنطقة».
وبموازاة الضربات الجوية، شن التنظيم هجومًا على حقل جزل النفطي حقل جزل شرق حمص، في هجمات أراد منها «إرباك» القوات النظامية التي «باتت قريبة جدًا من مدينة تدمر، وعلى أهبة استعادة السيطرة على القريتين وتدمر» في ريف حمص الشرقي، كما قال عبد الرحمن، موضحًا أن هذا التقدم «يعود إلى فاعلية الضربات الروسية التي استهدفت مقراته بشكل كبير خلال الأسابيع الماضية».
وذكرت وكالة «سانا» الرسمية السورية، أمس، وناشطون معارضون، أن القوات النظامية استعادت سيطرتها على قرية الحدث التي تبعد نحو 30 كيلومترًا من الطريق السريع بين دمشق وحمص، في ريف حمص الجنوبي الشرقي بعد معارك مع «داعش». وقال مدير المرصد إن اشتباكات عنيفة تدور بين القوات الحكومية ومقاتلي «داعش» في حوارين المتاخمة لمهين.
في الوقت نفسه، نقلت «سانا» عن مصدر عسكري، قوله، إن القوات الحكومية «تواصل تقدمها باتجاه قريتي حوارين ومهين ومدينة القريتين»، وذلك بالتزامن مع العمليات المستمرة في الريف الغربي لمدينة تدمر، حيث نخوض معارك على بعد 8 كيلومترات غرب المدينة.
وبالتزامن، يخوض التنظيم معارك عنيفة في ريف الحسكة، في محاولة منه لصد هجمات شنتها قوات كردية وعربية. وقال ناشطون إن «قوات سوريا الديمقراطية» باتت على مسافة 25 كيلومترًا عن معقله في محافظة الحسكة في منطقة الشدادي، حيث أجلى معظم عائلات مقاتليه الأجانب.
في السياق نفسه، بث ممثلون عن فصائل مقاتلة في حلب وإدلب، بيانا مصورا أعلنوا فيه الانضمام لـ«قوات سوريا الديمقراطية». وأوضح البيان أن الدافع للانضمام يعود إلى «التطورات الأخيرة على الساحة السورية، وتمدد الإرهاب في الكثير من المناطق، وتنفيذه المجازر بحق الشعب السوري». وحدد البيان أن الإرهاب «يتمثل بتنظيم داعش وأخواته والنظام البعثي المجرم». وأضاف أن «الانتصارات التي حققتها (قوات سوريا الديمقراطية) في منطقة الجزيرة (شمال شرق) بالتعاون مع التحالف الدولي، ودحر (داعش) في الكثير من المناطق»، كانت داعمة لانضمام الفصائل إلى القوات. كما أدانت الفصائل المنضمة ما وصفته بـ«المجزرة» بحق الشعب الفرنسي، معلنة التضامن مع فرنسا وجميع الدول التي تحارب الإرهاب.
والفصائل التي وقعت على الانضمام أمس هي، هي فصيل جيش الثوار، وقوات الفرقة 30، ولواء «شهداء» ريف إدلب، ولواء عين جالوت، ولواء 99 مشاة، ولواء الحمزة، ولواء القعقاع، ولواء المهام الخاصة 455، ولواء السلاجقة، والفوج 102، وأحرار الشمال، وقوات العشائر في حلب وريفها، وجبهة الأكراد.
وبدأت بالحملة بتاريخ 30 - 10 - 2015 بمشاركة جميع الفصائل المقاتلة ضمن «قوات سوريا الديمقراطية»، وهي: جيش الثوار، ووحدات حماية الشعب، ووحدات حماية المرأة، وقوات الصناديد، وبركان الفرات (شمس الشمال)، والمجلس العسكري السرياني، ولواء التحرير، وتجمع ألوية الجزيرة.



تصدُّع في التحالفات القبلية يثير قلق الحوثيين

حشود قبلية توافدت إلى منطقة الريان في محافظة الجوف اليمنية لمؤازة زعيم قبلي (إعلام محلي)
حشود قبلية توافدت إلى منطقة الريان في محافظة الجوف اليمنية لمؤازة زعيم قبلي (إعلام محلي)
TT

تصدُّع في التحالفات القبلية يثير قلق الحوثيين

حشود قبلية توافدت إلى منطقة الريان في محافظة الجوف اليمنية لمؤازة زعيم قبلي (إعلام محلي)
حشود قبلية توافدت إلى منطقة الريان في محافظة الجوف اليمنية لمؤازة زعيم قبلي (إعلام محلي)

أثارت تحركّات قبلية يقودها منشقون عن الجماعة الحوثية قلقاً متزايداً داخل الجماعة من اتساع دائرة التمرد في مناطق سيطرتها، لا سيما في المناطق القبلية التي تمثل الركيزة الأساسية لعمليات التجنيد والحشد العسكري.

ووفق مصادر قبلية وأخرى سياسية تحدثت إليها «الشرق الأوسط»، فإن الجماعة الحوثية تخشى أن تؤدي هذه التحركات إلى تراجع نفوذها داخل الحاضنة القبلية التي اعتمدت عليها طوال سنوات الحرب، عبر شبكة من المصالح والعلاقات التي نسجتها مع عدد من زعماء القبائل والوجاهات الاجتماعية لضمان استمرار سيطرتها.

ولهذا أمرت الجماعة الحوثية بتنظيم وقفات قبلية في أكثر من منطقة تحت مبرر الجاهزية لأي معركة، في رسائل موجهة إلى التجمعات القبلية المنشقة.

وخلال الأيام الماضية، أعلن الزعيم القبلي حمد بن فدغم، أحد أبناء قبيلة دهم في محافظة الجوف، انشقاقه عن الحوثيين، بعد تعرضه -حسب روايته- للاعتقال والتعذيب والإهانة داخل سجون الجماعة.

تجمعات قبلية في منطقة الريان بمحافظة الجوف دعماً لبن فدغم (إعلام محلي)

وأطلق الرجل دعوة إلى أبناء القبائل للوقوف إلى جانبه والثأر لما تعرض له، الأمر الذي قوبل باستجابة لافتة، حيث توافد رجال قبائل من مناطق مختلفة إلى منطقة الريان بمحافظة الجوف لإعلان تضامنهم معه.

ويعد بن فدغم من أبرز الشخصيات القبلية التي لعبت دوراً في حشد المقاتلين لصالح الحوثيين خلال السنوات الماضية، وهو ما منح انشقاقه أهمية خاصة، بوصفه يأتي من داخل الدائرة القبلية التي اعتمدت عليها الجماعة في ترسيخ نفوذها.

رواية بن فدغم

خلال تجمع قبلي أعقب وصوله إلى المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة اليمنية، ظهر بن فدغم متأثراً وهو يروي تفاصيل اعتقاله، قبل أن يعلن نصب قطاعات مسلحة تستهدف تاجر السلاح المعروف فارس مناع، المنتمي إلى محافظة صعدة، متهماً إياه بالوقوف وراء عملية اعتقاله واحتجازه داخل أحد السجون السرية التابعة للحوثيين في صنعاء.

كما اتهم بن فدغم مناع بالاستيلاء على فيلا في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء تعود لامرأة تزعم أنها ابنة من زوجة سرية للرئيس العراقي الراحل صدام حسين، مشيراً إلى أن مناع كان يستأجر العقار لسنوات قبل أن يرفض إخلاءه بعد اندلاع الحرب.

الزعيم القبلي حمد بن فدغم خلال إعلانه الانشقاق عن الحوثيين (إعلام محلي)

وحسب الرواية المتداولة، بدأت القضية عندما لجأت تلك المرأة إلى قبيلة دهم طالبةً مساعدة بن فدغم لاستعادة ممتلكاتها. وعلى أثر ذلك توجه الرجل إلى صنعاء للقاء قيادات حوثية مطالباً بإعادة الفيلا إليها، غير أن الجماعة رفضت طلبه، مؤكدةً أن المرأة مواطنة يمنية وتنتمي إلى إحدى الأسر في مديرية أرحب شمال صنعاء. وبعد فترة وجيزة، جرى اعتقال بن فدغم وإيداعه السجن لنحو خمسين يوماً، قبل أن يفر لاحقاً إلى خارج مناطق سيطرة الحوثيين.

امتداد الخلاف إلى أرحب

لم تتوقف تداعيات القضية عند حدود محافظة الجوف، بل امتدت إلى مديرية أرحب شمال صنعاء، حيث أثارت خلافات داخل الأوساط القبلية. فقد نفى القيادي الحوثي فارس الحباري، خلال اجتماع قبلي، صحة الرواية التي تقول إن المرأة تنتمي إلى إحدى الأسر في المديرية، إلا أن حديثه قوبل باعتراض من الزعيم القبلي عبد الواحد الجرادي، أحد أبرز وجهاء المنطقة، ليتحول النقاش إلى مشادة كلامية كادت تتطور إلى مواجهة مسلحة، قبل أن يتدخل الحاضرون لاحتواء الموقف.

وأفادت مصادر قبلية بأن الحوثيين اعتقلوا عدداً من الأشخاص الذين كانوا موجودين في الاجتماع، بعد قيامهم بتصوير المشادة التي اندلعت بين الطرفين، في خطوة عكست حساسية الجماعة تجاه أي خلافات قبلية قد تتحول إلى مادة للتداول على نطاق واسع.

وقفات قبلية نظمتها الجماعة في مناطق سيطرتها لإظهار التأييد (إعلام محلي)

وتكتسب مديرية أرحب، التي ترتبط جغرافياً بمحافظتي عمران والجوف، أهمية خاصة للحوثيين، إذ تضم أحد أبرز المراكز العقائدية التي أنشأتها الجماعة عقب تمددها من محافظة صعدة باتجاه العاصمة صنعاء عام 2014. كما تضم المنطقة عدداً من العناصر العقائدية التي تلقت تدريبات داخل اليمن وخارجه منذ تسعينات القرن الماضي وبدايات الألفية الجديدة، عبر برامج تدريب في سوريا ولبنان وإيران.

وعُرفت هذه المناطق ذات الثقل القبلي بوجود علاقات تاريخية بين عدد من مشايخها وأسلاف الحوثيين، في إطار التنافس التقليدي مع قبيلة حاشد، التي وقفت في مراحل مختلفة إلى جانب النظام الجمهوري في مواجهة المشروع الإمامي. وأعاد الحوثيون إحياء تلك التحالفات منذ اندلاع تمردهم على السلطة المركزية عام 2004، قبل أن تتعزز بصورة أكبر مع سيطرتهم على العاصمة صنعاء، حيث تولى عدد من شيوخ القبائل مناصب ونفوذاً داخل منظومتهم مقابل استمرار ولائهم لها.

وفي مواجهة هذه التحركات، شن مؤيدو الحوثيين هجوماً حاداً على بن فدغم وتجمعات القبائل المساندة له، ووجهوا مسؤولي المحافظات الخاضعة لهم بتنظيم وقفات قبلية منذ أيام في عدد من المحافظات، بهدف إظهار أن الجماعة ما زالت تمتلك حاضنة قبلية، ولو كانت من خارج عمقها التقليدي، وخشية تصاعد النقمة القبلية مما تعرض له الزعيم القبلي.

وحرصت وسائل إعلام الجماعة على القول إن هذه التجمعات جاءت استجابة لدعوة زعيم الحوثيين للاستعداد لما تسمى «معركة تحرير فلسطين».

Your Premium trial has ended


انقطاع الرواتب يفاقم معاناة اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين

ملايين اليمنيين يفتقدون الخدمات ويعيشون تحت طائلة الفقر (الشرق الأوسط)
ملايين اليمنيين يفتقدون الخدمات ويعيشون تحت طائلة الفقر (الشرق الأوسط)
TT

انقطاع الرواتب يفاقم معاناة اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين

ملايين اليمنيين يفتقدون الخدمات ويعيشون تحت طائلة الفقر (الشرق الأوسط)
ملايين اليمنيين يفتقدون الخدمات ويعيشون تحت طائلة الفقر (الشرق الأوسط)

مع أول خيوط الفجر، ينهض محمود من فراشه قبل أن يستيقظ أطفاله وهو لا يملك خُطة واضحة لليوم، لكنه يعرف شيئاً واحداً يتمثل في العودة إلى المنزل ومعه ما يكفي لشراء الخبز.

يقول محمود، وهو أب لـ5 أولاد، ويقطن منزلاً بالإيجار شمال صنعاء، لـ«الشرق الأوسط»، إنه كان قبل سنوات موظفاً حكومياً، يتسلم راتبه نهاية كل شهر، ويُخطط لمصروف أسرته بهدوء. ويضيف: «لكن اليوم، لم يعد التقويم يعني لي شيئاً. فالأيام تتشابه، والشهر يبدأ وينتهي دون أن يصل الراتب الذي كان يُمثل شريان الحياة الوحيد لعائلتي».

ويعيش أكثر من مليون موظف حكومي يمني، يعيلون ملايين أفراد أسرهم في مناطق سيطرة الحوثيين، مُنذ سنوات دون رواتب، ما دفع كثيراً منهم إلى استنزاف مدخراتهم، وبيع ممتلكاتهم، والاعتماد على الأعمال اليومية أو الديون لتأمين الحد الأدنى من احتياجات الحياة.

آلاف الأسر اليمنية تعاني حرماناً شديداً في استهلاك الغذاء (الأمم المتحدة)

ويضطر محمود إلى الخروج كل صباح بحثاً عن أي عمل، سواء في نقل البضائع، أو إصلاح باب منزل، أملاً في العودة بما يسد رمق أسرته. ويقول: «خلال الأيام التي لا أجد فيها عملاً، أعود بخطوات بطيئة، محاولاً أن أبدو طبيعياً أمام أطفالي»، مضيفاً أنه لا يريد أكثر من راتبه؛ لا ليصبح غنياً، بل ليعيش بكرامة ويستطيع توفير مُتطلبات أولاده دون أن يطرق أبواب الناس.

رواتب غائبة ومعيشة تتآكل

ليست أسرة محمود استثناءً، فهناك عائلات كثيرة في العاصمة المختطفة صنعاء وبقية مدن سيطرة الجماعة الحوثية، تعيش كل يوم القصة نفسها؛ موظفون بلا رواتب، وأمهات يقتسمن ما تبقى من الطعام، وأطفال يكبرون على مفردات لم يكن ينبغي أن يعرفوها مبكراً؛ كالدين، والتقشف، وتأجيل الأحلام.

من جهتها، تجلس أم عبد الله، وهي والدة أحد الموظفين الحكوميين الذي لم يتقاضَ راتبه مُنذ سنوات، داخل منزل متواضع في أحد أحياء صنعاء، وهي تعيد ترتيب قائمة المصروفات للمرة العاشرة خلال الشهر. تقول: «لم نعد نسأل ماذا سنشتري؛ بل ماذا سنحذف من احتياجاتنا. اللحوم باتت مناسبة نادرة، والدواء مؤجل حتى إشعار آخر».

بائعة متجولة تحمل ألعاباً قابلة للنفخ في أحد شوارع صنعاء حيث العاصمة المختطفة (إ.ب.أ)

وتؤكد أن السؤال لم يعد متى سيأتي الراتب، بل كيف ستُؤمَّن وجبة الغد، مشيرة إلى أن الوظيفة التي أفنى فيها ولدها سنوات عمره لم تعد توفر لهم شيئاً، وأن استمرار هذه الحال يجعلهم أمام واقع يزداد صعوبة عاماً بعد آخر، مع تراكم الديون واستنزاف ما تبقى من مصادر الدخل.

وتُفيد زوجة موظف حكومي آخر بريف صنعاء بأن أصعب ما يواجهها ليس الفاقة بحد ذاتها؛ بل سؤال طفلها: «متى سنأكل الدجاج مرة أخرى؟» دون أن تجد جواباً مقنعاً.

وتُشير إلى أنه لم يعد يتوفر في مطبخهم سوى القليل من الأرز والدقيق وبعض الشاي والسكر، أما الفاكهة فأصبحت رفاهية، وحتى البيض لم يعد ضيفاً دائماً على المائدة.

وتقول إن الأسرة باتت تكتفي بتقليص الوجبات وتأجيل شراء كثير من الاحتياجات الأساسية، في محاولة للاستمرار وسط ظروف معيشية تزداد قسوة.

تحذيرات من تفاقم الجوع

على وقع هذه المعاناة، كشفت مصادر إغاثية أن مئات الآلاف من الموظفين العموميين في مناطق سيطرة الحوثيين يواصلون مواجهة أوضاع معيشية متدهورة جراء استمرار غياب الرواتب، ما دفع كثيراً من الأسر إلى الاعتماد على الديون والأعمال اليومية لتأمين احتياجاتها.

وبينت المصادر أن عشرات آلاف الأسر أصبحت عاجزة عن توفير الحد الأدنى من القوت الضروري، وأن العاملين في عدد من المؤسسات الخاضعة لسيطرة الجماعة ما زالوا يطالبون بصرف رواتبهم بصورة منتظمة، في وقت انعكست فيه الأزمة على الحق في الغذاء والصحة ومستوى المعيشة اللائق.

يمنيون في صنعاء يصطفون على رصيف شارع في انتظار الحصول على عمل (الشرق الأوسط)

وأجبر حرمان مئات الآلاف من الموظفين الحكوميين من رواتبهم على مدى سنوات، على اللجوء إلى الديون وبيع الممتلكات، بينما اضطر الأطفال إلى ترك الدراسة والانخراط في سوق العمل لمساندة ذويهم.

وفي خضم هذا الحرمان، حذرت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) وبرنامج الأغذية العالمي، في تقرير مشترك، من تفاقم أزمة الجوع في اليمن، حيث صنفت البلاد ضمن أخطر «بؤر الجوع الساخنة» في العالم، في ظل استمرار النزاعات وتدهور الأوضاع الاقتصادية والانخفاض الحاد في تمويل العمليات الإنسانية.

وأوضح التقرير أن ملايين الأشخاص يواجهون خطر الانزلاق إلى مستويات كارثية من انعدام الأمن الغذائي، بسبب تداخل الصراع المسلح مع الأزمات الاقتصادية والمناخية، لافتاً إلى أن اليمن لا يزال من بين أكثر الدول عرضة لتفاقم أزمة الغذاء على مستوى العالم.

وأكد أن تراجع تمويل برامج المساعدات الإنسانية يزيد من حدة الأزمة، مشيراً إلى انخفاض التمويل المخصص للاستجابة الغذائية بنحو 60 في المائة بين عامي 2022 و2025، وهو ما يحد من قدرة المنظمات الدولية على توفير المساعدات المنقذة للحياة، ويضاعف مخاطر سوء التغذية، خصوصاً بين الأطفال والنساء.


محادثات رئيس الصومال مع آبي أحمد... مساعٍ لتهدئة داخلية وإقليمية

رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد يستقبل الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)
رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد يستقبل الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

محادثات رئيس الصومال مع آبي أحمد... مساعٍ لتهدئة داخلية وإقليمية

رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد يستقبل الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)
رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد يستقبل الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)

جمعت محادثات جديدة رئيس الصومال حسن شيخ محمود مع رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في أديس أبابا، وتناولت تعزيز الترابط الاقتصادي، والسلام والأمن، إضافة إلى الاستقرار الإقليمي.

وكان الرئيس الصومالي قد وصل، الأحد، إلى العاصمة الإثيوبية في زيارة عمل، حيث كان في استقباله عدد من المسؤولين الإثيوبيين، وفق ما ذكرته «وكالة الأنباء الصومالية»، دون أن تشير لآبي أحمد الذي كان في استقباله في زيارات سابقة.

وقالت الوكالة إن الزيارة تهدف إلى تعزيز العلاقات الدبلوماسية والتعاون الاستراتيجي بين الصومال وإثيوبيا، مع التركيز على ملفات الأمن، والاستقرار الإقليمي، وتعزيز المصالح المشتركة بين البلدين.

الرئيس الصومالي خلال مباحثات مع رئيس الوزراء الإثيوبي (وكالة الأنباء الصومالية)

وتأتي الزيارة وسط أزمات داخلية في الصومال، حيث أعلن «مجلس الإنقاذ المعارض» في مايو (أيار) الماضي عدم الاعتراف بشرعية الرئيس بعد انتهاء مدته الدستورية، داعياً لاحتجاجات أسبوعية في مقديشو كل خميس، بدءاً من الرابع من يونيو (حزيران)، حتى التوصل إلى اتفاق سياسي بشأن الانتخابات التي تجري عبر التصويت المباشر لأول مرة منذ عقود، وهو المسار الذي تتحفظ عليه المعارضة بدعم من ولايتي غوبالاند وبونتلاند اللتين تربطهما علاقات مع آبي أحمد.

كما شهدت مقديشو، هذا الشهر، تبادلاً لإطلاق النار بين قوات الحكومة وفصائل مسلحة متحالفة مع المعارضة، على خلفية الخلافات السياسية، وفق ما نقلته «رويترز».

ويرى المحلل السياسي المختص بالشؤون الأفريقية والصومالية، علي محمود كلني، أن زيارة الرئيس الصومالي تجيء في توقيت بالغ الحساسية «تتقاطع فيه تحديات السياسة الداخلية مع متطلبات إعادة ترتيب العلاقات الإقليمية، خصوصاً مع تصاعد الخلافات بين الحكومة الفيدرالية وقوى المعارضة وبعض الإدارات الإقليمية».

وإلى جانب استمرار التهديدات الأمنية وتنامي التوتر المرتبط بملف الإقليم الانفصالي أرض الصومال، تبدو مقديشو حريصة على تحييد الجبهة الخارجية مع أديس أبابا - خصوصاً بعد التوتر الذي أعقب مذكرة تفاهم وقّعتها أديس أبابا مع الإقليم مطلع عام 2024 - بما يسمح لها بتوجيه اهتمام أكبر نحو إدارة أزماتها الداخلية الأكثر تعقيداً، وفي مقدمتها الخلافات السياسية، والانتخابات، ومستقبل النظام الفيدرالي.

ومع ذلك، يرى كلني أن نجاح التقارب مع أديس أبابا لا يعني بالضرورة انفراجة داخلية، مشيراً إلى أن جذور الأزمة السياسية في الصومال ترتبط بتباينات عميقة حول تقاسم السلطة والتعديلات الدستورية وآليات الانتخابات، وهي قضايا لا يمكن لأي تفاهم خارجي أن يحسمها.

وفي حين استبعد أن تؤدي الزيارة إلى إحداث تحول مباشر في المشهد السياسي الداخلي، قال إنها قد تمنح الحكومة الصومالية هامشاً أوسع لإطلاق حوار وطني شامل مع المعارضة والإدارات الإقليمية، بما يعزز الاستقرار السياسي، ويحد من حالة الاستقطاب.

وكان آبي أحمد وحسن شيخ محمود قد عقدا اجتماعاً في أديس أبابا، في يناير (كانون الثاني) 2025 بعد توتر وقطيعة دامت عاماً بسبب مذكرة «أرض الصومال» التي تمنح إثيوبيا منفذاً بحرياً واستخداماً لميناء «بربرة» على خليج عدن، مقابل اعترافها بالإقليم دولة مستقلة.

وتلا ذلك تبادل للقاءات، حيث زار آبي أحمد مقديشو في فبراير (شباط) من العام الماضي، ثم زار الرئيس الصومالي إثيوبيا في أكتوبر (تشرين الأول) وديسمبر (كانون الأول)، ثم في يناير 2026.

ويعتقد كلني أن اللقاءات المتبادلة بين قيادتي البلدين أسهمت في تخفيف حدة التوتر، وإعادة قنوات التواصل السياسي، لكنها لم تنهِ أسباب الخلاف بشكل كامل.

غير أنه يرى أن هذه المكاسب تبقى محدودة ما دامت القضايا الجوهرية عالقة، وعلى رأسها طموحات إثيوبيا المتعلقة بالوصول إلى البحر ومستقبل مذكرة التفاهم مع أرض الصومال، خصوصاً أن المذكرة تبدو مجمدة عملياً، ولم تُلغ رسمياً.