«قصر السبيعي التاريخي» نموذج إبداعي لتراث البناء على الطراز النجدي

سكن به الملك عبد العزيز ويعاد افتتاحه الأربعاء بعد ترميمه

كادت رياح الوقت أن تذهب بالقصر التاريخي ويندرس من فوق الأرض لكن مشروعاً وطنياً لترميم المباني التاريخية أعاد إليه الحياة (هيئة التراث)
كادت رياح الوقت أن تذهب بالقصر التاريخي ويندرس من فوق الأرض لكن مشروعاً وطنياً لترميم المباني التاريخية أعاد إليه الحياة (هيئة التراث)
TT

«قصر السبيعي التاريخي» نموذج إبداعي لتراث البناء على الطراز النجدي

كادت رياح الوقت أن تذهب بالقصر التاريخي ويندرس من فوق الأرض لكن مشروعاً وطنياً لترميم المباني التاريخية أعاد إليه الحياة (هيئة التراث)
كادت رياح الوقت أن تذهب بالقصر التاريخي ويندرس من فوق الأرض لكن مشروعاً وطنياً لترميم المباني التاريخية أعاد إليه الحياة (هيئة التراث)

متكئاً على تاريخ عريض، يقف قصر السبيعي التاريخي منذ نحو 90 عاماً، في البلدة القديمة لمحافظة شقراء (شمال غربي مدينة الرياض)، شاهداً تاريخياً تسكن أركانه وغرفه الطينية أصوات المتشاورين والمترائين عندما يجتمعون في كنفه، وقد كان عبر التاريخ محل الشورى وبيت المال ودار الإمارة، وعلى جدرانه تشع تفاصيل البناء التراثي على الطراز النجدي شاهداً ونموذجاً وصورة تاريخية.

في الجهة الجنوبية الغربية من البلدة القديمة، يقع القصر الذي كادت أن تذهب به رياح الوقت، ويندرس من فوق الأرض، لكن مشروعاً وطنياً لترميم المباني التاريخية أعاد إليه الحياة، ولدوره كشاهد تاريخي إلى جانب الكثير من مكونات البلدة التاريخية لمحافظة شقراء، التي تبعد عن العاصمة الرياض قرابة 200كم، حيث قصر السبيعي والبلدة القديمة ومسجد سديرة التاريخي، وعدد من القصور والمباني التاريخية التي تعكس مبانيها نمط العمارة التقليدية الفريدة وسط البلاد.

تولى مسؤولية البناء حمد بن قباع وكلّف بناء قصر السبيعي في ذلك الوقت نحو 100 ألف ريال سعودي (هيئة التراث)

87 عاماً من عمر البناء

يعود اسم القصر إلى صاحبه الشيخ عبد الرحمن بن عبد الله السبيعي، الذي كان وكيل بيت المال ومرافقاً للملك عبد العزيز أيام تأسيس الدولة، وقد بناه عام 1358هـ، واستغرق بناؤه نحو 4 أعوام. وتولى مسؤولية البناء، أحد البنائين المهرة في تلك الفترة، وهو حمد بن قباع، وساعدهُ في البناء ابنهُ إبراهيم، وكلّف بناء قصر السبيعي في ذلك الحين نحو 100 ألف ريال سعودي. ويعد حمد بن قباع من أمهر البنائين، وله تاريخ في تشييد القصور على الطراز النجدي العتيق، وأشرف على بناء أكثر من 35 قصراً ومبنى وسط مدينة الرياض، من بينها قصر الملك عبد العزيز في منطقة المربع.

وسافر مبدع التحف المعمارية حمد بن محمد بن قباع في بدايات عمره إلى الكويت طلباً للرزق، ثم عاد إلى نجد بعد أن استقرت الأوضاع وساد الأمن، وشرع في مهمته ماهراً في البناء، وخلال ذلك ذاع صيته في كفاءة وإبداع البناء، ورُشّح للعمل في عدد من المباني التاريخية التي لا تزال شاهدة حتى اليوم على براعته، مثل قصور البديعة والمربع وثليم ورماح، وقصر السبيعي في شقراء. وقد بني قصر السبيعي بنفس مكونات البناء التقليدي من الطين واللبن الذي يجلب من المنطقة نفسها، ومن الدرعية والحوطة والقصيم، بالإضافة إلى جذوع الأثل وسعف الجريد وجذوع النخيل التي أُحضرت من الخرج والمزارع المجاورة للدرعية وسدير، كما استخدمت الأحجار المجلوبة من محاجر الرياض في بناء أساسيات القصر لتقويته.

يعود اسم القصر إلى صاحبه الشيخ عبد الرحمن السبيعي الذي كان وكيل بيت المال ومرافقاً للملك عبد العزيز أيام تأسيس الدولة (هيئة التراث)

هوية عمرانية فريدة

وكان القصر تاريخياً مقراً لبيت المال تبعاً لمهمة صاحبه، تجبى إليه زكوات المناطق المحيطة التي تستعين بها الدولة في الوفاء بواجباتها العامة، وعاصر القصر كشاهد تاريخي الكثير من أحداث ومواقف حقبة التأسيس، بالإضافة إلى دوره السياسي والاجتماعي، حيث تلتئم فيه الاجتماعات وتعقد فيه مجالس التشاور والحل والعقد وتداول الخطابات الموجهة من قائد الدولة ومؤسسها إلى المواطنين.

وقد كان الملك عبد العزيز يمرّ بالقصر خلال رحلاته ومعاركه، وأصبح مقرّ إقامته وسكن عائلته وحاشيته، أثناء مروره بشقراء، أو عند ذهابه للأماكن المقدسة لأداء مناسك الحج، وكان إذا قدِم إلى مدينة شقراء يجلس إلى جماعة وأهل المدينة ويأخذ بآرائهم وحاجاتهم، وكثيراً ما أُعجب بجودة وتفاصيل البناء، وسُرّ بكفاءته وبراعته، واستدعى المشرف على بنائه بعد ذلك لإنشاء الكثير من القصور الملكية في مدينة الرياض.

وتحتفظ شقراء بهويتها العمرانية البديعة، على نمط العمارة النجدية القديمة، في مبانيها وأسواقها وممراتها، وتمثّل البلدة التاريخية في وسط شقراء نمط المدن النجدية التقليدية بمساجدها وأسواقها وبيوتها، ومن أشهر أحيائها «حي الحسيني» الذي يحوي بيوت الوجهاء التي كانت تستخدم لممارسة الأنشطة التجارية وعقد الصفقات على نطاق واسع، مثل بيت الجميح وبيت العيسى، وبيوت لبعض أهل العلم والقضاة، من وجهاء البلدة ونخبة أهلها، وأعيد ترميم بعض مرافق البلدة وممراتها ومنازلها ومسجدها القديم من قِبل أصحابها وبعض الداعمين من الوجهاء والأعيان. وقد رمم مسجد سديرة الذي يعود تاريخ إنشائه إلى عام 1356هـ، ضمن مشروع الأمير محمد بن سلمان لتطوير المساجد التاريخية بالسعودية، لتبلغ طاقته الاستيعابية 347 مصلياً، في حين عملت هيئة التراث على ترميم قصر السبيعي التاريخي في المحافظة، ضمن مشروع مهم لترميم وتأهيل والتدخل الطارئ في مواقع التراث الثقافي بمختلف مناطق السعودية، ويعود (الأربعاء) إلى الواجهة من جديد بعد إتمام مشروع ترميمه لاستقبال الزوار، وربط المجتمعات المحلية بتراثها وبناء مستقبلها الحضاري.


مقالات ذات صلة

رئيس شركة «الوصول المبكر»: السعودية مؤهلة لقيادة الحلول اللوجيستية

عالم الاعمال رئيس شركة «الوصول المبكر»: السعودية مؤهلة لقيادة الحلول اللوجيستية

رئيس شركة «الوصول المبكر»: السعودية مؤهلة لقيادة الحلول اللوجيستية

رئيس شركة «الوصول المبكر»، أكد أن المنافذ الجوية في السعودية  تؤدي دوراً محورياً بإدارة المرحلة الحالية، من خلال خطط الطوارئ وتعزيز كفاءة سلاسل الإمداد.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد إحدى السفن راسية في ميناء جدة الإسلامي (موانئ)

«موانئ» السعودية تطلق خدمتَي شحن جديدتين عبر ميناء جدة

أعلنت الهيئة العامة للموانئ (موانئ) توسُّع عمليات شركة «باسيفيك إنترناشيونال لاينز» في ميناء جدة الإسلامي، عبر تدشين خدمتَي شحن جديدتين.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
عالم الاعمال «دار غلوبال» تسجل عائداً على حقوق المساهمين بـ17.3 % في 2025

«دار غلوبال» تسجل عائداً على حقوق المساهمين بـ17.3 % في 2025

أعلنت دار غلوبال المطور العالمي للمشاريع العقارية الفاخرة والمدرج في بورصة لندن، تحقيق عائد على حقوق المساهمين بلغ 17.3%.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الخليج الأمير فيصل بن فرحان وأنطونيو غوتيريش (وزارة الخارجية السعودية)

فيصل بن فرحان وغوتيريش يستعرضان الجهود حول تطورات المنطقة

بحث وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان مع أمين عام الأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش تطورات أوضاع المنطقة وتداعياتها، واستعرضا الجهود الدولية حيالها

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج الأمير سعود بن مشعل لدى ترؤسه اجتماع اللجنة الدائمة للحج والعمرة الأربعاء (إمارة منطقة مكة المكرمة)

السعودية: استعدادات وجاهزية عالية لموسم الحج

استعرضت اللجنة الدائمة للحج والعمرة جاهزية خطط الجهات ومؤشرات الاستعدادات لحج هذا العام، وذلك خلال اجتماعها برئاسة الأمير سعود بن مشعل نائب أمير منطقة مكة.

«الشرق الأوسط» (جدة - المدينة المنورة)

«هوليوود للفيلم العربي» لإطلاق دورته الخامسة بإضافات جديدة

أحمد السعدني ومايان السيد في مشهد من فيلم افتتاح المهرجان (الشركة المنتجة)
أحمد السعدني ومايان السيد في مشهد من فيلم افتتاح المهرجان (الشركة المنتجة)
TT

«هوليوود للفيلم العربي» لإطلاق دورته الخامسة بإضافات جديدة

أحمد السعدني ومايان السيد في مشهد من فيلم افتتاح المهرجان (الشركة المنتجة)
أحمد السعدني ومايان السيد في مشهد من فيلم افتتاح المهرجان (الشركة المنتجة)

يستعد مهرجان «هوليوود للفيلم العربي» لإطلاق دورته الخامسة المقررة خلال الفترة من 17 إلى 20 أبريل (نيسان) الجاري في مدينة لوس أنجليس الأميركية بفعاليات جديدة تتضمن عرض أفلام وثائقية للمرة الأولى، بالإضافة إلى التوسع في برنامج «أصوات من لوس أنجليس» الذي يقام للعام الثاني على التوالي.

ويفتتح المهرجان بالفيلم المصري «ولنا في الخيال حب» الذي يجمع بين أحمد السعدني ومايان السيد وعمر رزيق، فيما سيتم تكريم الممثلة المصرية ريهام عبد الغفور بجائزة عزيزة أمير في حفل الافتتاح؛ تقديراً لمشوارها الفني، على أن تشارك في ندوة حوارية بجانب عرض فيلمها الأحدث «برشامة» في حفل الختام الذي سيتضمن أيضاً تكريم الممثل المصري هشام ماجد.

وتتضمن المسابقة الرسمية عرض 6 أفلام سينمائية منها فيلم الافتتاح «ولنا في الخيال حب»، إلى جانب الفيلم السعودي «هجرة» للمخرجة شهد أمين، الذي بدأ عروضه العالمية في النسخة الماضية من مهرجان «البندقية السينمائي» وتدور أحداثه حول حكاية جدة تسافر مع حفيدتَيها إلى مكة المكرمة عام 2001، في رحلة تتخلّلها مواقف إنسانية مؤثرة. وعندما تختفي الحفيدة الكبرى في ظروف غامضة، تبدأ رحلة البحث عنها برفقة الحفيدة الصغرى، وسط مزيج الألم بالأمل.

كما تضم المسابقة الفيلم التونسي «صوت هند رجب» للمخرجة كوثر بن هنية، الذي وصل إلى التصفيات النهائية لجوائز الأوسكار العام الحالي، ويوجد المخرج اللبناني سيريل عريس بفيلمه «نجوم الأمل والألم» الذي يحكي قصة «نينو» و«ياسمينة»، اللذين يولدان في نهاية الثمانيات، ومنذ الطفولة تتشكل بينهما علاقة قوية مبنية على فهم مشترك لمعاناة الطفولة في ظل الحرب، وحين تقترح «ياسمينة» على «نينو» الهرب من بيروت، تفشل خطتهما في الانفصال عن واقع المدينة، ليفترقا، ويجمعهما القدر مجدداً بعد 24 عاماً.

من كواليس تصوير فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)

ويوجد الفيلم الفلسطيني «اللي باقي منك» للمخرجة شيرين دعيبس في المسابقة الرسمية، وهو الفيلم الذي ينتمي للدراما العائلية الممتدة عبر 3 أجيال من الفلسطينيين، من عام 1948 حتى 2022، إلى جانب الفيلم المصري «كولونيا» للمخرج محمد صيام، الذي تدور أحداثه في ليلة واحدة بمواجهة بين الأب وابنه.

وللمرة الأولى سيعرض المهرجان أفلاماً وثائقية عربية، حيث جرى اختيار الفيلم الليبي «بابا والقذافي» للمخرجة جيهان الكيخيا، الذي توثق من خلاله حياة والدها منصور رشيد الكيخيا السياسي الليبي البارز ووزير الخارجية الأسبق، وأحد أهم رموز المعارضة السلمية لنظام معمر القذافي.

كما سيعرض المهرجان الفيلم الوثائقي المصري - الفرنسي «الحياة بعد سهام» للمخرج نمير عبد المسيح، الذي يتناول موضوعات الهوية والانتماء عبر معالجة إنسانية عميقة لأزمة الفقد، من خلال رواية وفاة والدته إثر إصابتها بمرض السرطان مستعيداً جوانب من حياتها ومشاهد لها، كما يصور جنازتها وحالة الفقد التي عاشت تفاصيلها الأسرة بعد رحيل سهام، وسؤال أطفال الأسرة أين ذهبت الجدة؟

ويعرض المهرجان 13 فيلماً ضمن 3 مسابقات مختلفة هي «أفلام الطلبة» التي تضم 5 أفلام و«أصوات من لوس أنجليس» التي تتضمن عرض 6 أفلام جديدة قدمها مخرجون وصناع أفلام عرب يقيمون بالولايات المتحدة، بينما تضم مسابقة الأفلام القصيرة 7 أفلام من عدة دول عربية.

مدير المهرجان مايكل باخوم (الشرق الأوسط)

وقال رئيس مهرجان «هوليوود للفيلم العربي» مايكل باخوم لـ«الشرق الأوسط» إن اختيار الأفلام لا يعتمد على مشاركاتها في المهرجانات أو الجوائز التي حصلت عليها، بقدر ما يعتمد على قيمتها الفنية، لافتاً إلى أن بعض الأفلام المشاركة هذا العام سبق عرضها ضمن فعاليات مرتبطة بسباق «الأوسكار» من خلالهم في المهرجان قبل الحفل السنوي بعدة أسابيع، إلا أن تميزها الفني جعل من الضروري وجودها ضمن البرنامج الرسمي للمهرجان.

وأوضح أنهم حريصون على إتاحة الأفلام العربية التي لا يتوافر عرضها في المدينة أو تتاح عبر المنصات ليكون عرضها الأول بالمهرجان، مشيراً إلى أن قسم «أصوات من لوس أنجليس»، يشهد تطوراً ملحوظاً هذا العام بعد النجاح الكبير الذي حققه في الدورة الماضية، حيث تم توسيع عدد الأفلام وتنوعها، خصوصاً مع مشاركة أعمال من طلاب وصناع أفلام من مؤسسات سينمائية كبرى داخل الولايات المتحدة، وهو ما انعكس على حجم الإقبال الجماهيري.

ويؤكد باخوم أن المهرجان يعمل على عدة مستويات لجذب الجمهور، تشمل حضور النجوم، وتقديم أفلام ذات طابع تجاري، إلى جانب الأعمال الحاصلة على جوائز، وكذلك أفلام الطلبة، ما يخلق حالة من التنوع تلبي اهتمامات فئات مختلفة، سواء من الجمهور العربي أو غير العربي.

وفيما يخص الإقبال الجماهيري، أشار إلى أن المهرجان يعتمد على عدة عوامل، منها تنوع البرنامج، وحضور النجوم، بالإضافة إلى التعاون مع جامعات سينمائية كبرى في الولايات المتحدة، التي تحرص على إرسال طلابها لمتابعة العروض، في إطار التعرف على تجارب سينمائية وثقافية مختلفة.


يورغو شلهوب: الإحساس الفطري هو الأساس في التمثيل

يورغو شلهوب وكارين رزق الله شكّلا ثنائية مؤثرة في «المحافظة 15» (إنستغرام)
يورغو شلهوب وكارين رزق الله شكّلا ثنائية مؤثرة في «المحافظة 15» (إنستغرام)
TT

يورغو شلهوب: الإحساس الفطري هو الأساس في التمثيل

يورغو شلهوب وكارين رزق الله شكّلا ثنائية مؤثرة في «المحافظة 15» (إنستغرام)
يورغو شلهوب وكارين رزق الله شكّلا ثنائية مؤثرة في «المحافظة 15» (إنستغرام)

لفت الممثل يورغو شلهوب الأنظار بأدائه لشخصية الرجل الخارج من المعتقل في مسلسل «المحافظة 15» الرمضاني، حيث نجح في ملامسة مشاعر المشاهدين من خلال مقاربة عميقة للدور. فقد غاص في تفاصيلها، مُقدّماً صورة واقعية لسجين أمضى 28 عاماً خلف القضبان. وأوضح في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أنه رسم ملامحها في مخيلته، حتى إن مجرد التفكير في معاناتها كان ينقله إلى عالمها.

ويؤكد شلهوب أن ما قدّمه يستند إلى نماذج إنسانية حقيقية، إذ ساعده التعمق في حالة الشخصية النفسية على بلورة أبعادها. ويقول: «استحوذَت على تفكيري، وتركيزي، وعاطفتي، وتجسيد دور كهذا يُحمِّل الممثل مسؤولية نقل معاناة واقعية».

ويضيف: «حين نغوص في الدور، لا بد أن يسكننا، فهذا يولّد أداءً متجدداً. وكلَّما تعمَّقنا في الشخصية، كشفنا جوانبها النفسية، والفلسفية، ما يقربها من الواقع».

رسم خطوط شخصية «فؤاد» في «المحافظة 15» كما تخيّلها (إنستغرام)

وقد بنى شلهوب ملامح شخصية «فؤاد» وكأنه كتب لها نصاً موازياً لما قدَّمته مؤلفة العمل كارين رزق الله، موضحاً: «الإحساس الفطري عنصر أساسي في التمثيل. كنت أتخيَّل ما مرَّت به الشخصية، وكيف واجهت عذاباتها في المعتقل، وكأنني أكتب لها نصاً خاصاً في مخيلتي».

كما حرص على أن يظهر «فؤاد» بملابس تعكس حقبة زمنية ماضية، وأبرز قوته الداخلية، والجسدية، والفكرية التي مكَّنته من الصمود، والتمسك بالحياة طوال سنوات الاعتقال. واستند في ذلك إلى شهادات حية، ومقاطع حوارية مع معتقلين سابقين، مضيفاً: «لكل معتقل قصته، لذلك جمعتُ من تجارب مختلفة ما يتقاطع مع الشخصية، فجاءت منطقية، وقريبة من الواقع».

ويشير إلى أن «فؤاد» نتج عن مزج بين الواقع والخيال، إلى جانب تحليل نفسي شكَّل خلفيته. ويصفه بأنه شخص شجاع، ومقدام، ويحمل رغبة في حماية الآخرين داخل المعتقل، وخارجه، مع تمسكه بالأمل رغم الانكسار، وهو ما منح الدور خصوصيته الإنسانية.

ويلفت شلهوب إلى أن تماهيه مع الدور لاقى اهتمام مخرج العمل سمير حبشي، قائلاً: «حضَّرت جيداً للدور، وعندما وقفت أمام الكاميرا، تفاجأ حبشي بطريقة تقديمي. عشتها أسبوعين خلال التحضير، وحرصت على أدق تفاصيلها، حتى بقيت آثارها في اللاوعي لدي بعد انتهاء العمل، وكنت أراها أحياناً في أحلامي».

يشير إلى كيمياء تسري بينه وبين كارين رزق الله خلال التمثيل (إنستغرام)

وقد حصدت الشخصية تفاعلاً واسعاً من الجمهور، لا سيما من أهالي معتقلين سابقين، والذين عبَّروا عن تأثُّرهم، مؤكدين أن الدور أعاد إليهم صور أبنائهم المُحرَّرين، ما يعكس نجاح شلهوب في تقديم نموذج واقعي، رغم أن معاناة المعتقلين الحقيقية تبقى أشد قسوة.

ويضيف: «شعرت بالامتنان، لأنني لم أعِش تجربة مماثلة. ما يمر به المعتقل أشبه بكابوس يصعب التخلص منه، وإيصال هذه المعاناة لم يكن سهلاً. هؤلاء الأشخاص تُركوا من قبل الدولة اللبنانية، ودخلوا في دائرة النسيان».

ويرى شلهوب أن هذا الدور يُشكِّل محطة مهمة في مسيرته، قائلاً: «أؤمن دائماً بأن (دور العمر) هو الذي لم أُقدِّمه بعد، وقد يكون في أي عمل مُقبل. النجاح حافز للاستمرار، وتقديم الأفضل».

أما عن الثنائية التي تجمعه بكارين رزق الله، فيؤكد وجود كيمياء خاصة بينهما يحبها الجمهور، قائلاً: «عندما التقينا مجدداً بعد نحو 10 سنوات، شعرنا وكأننا خرجنا للتو من تجربة (قلبي دق). ورغم أن (المحافظة 15) أعاد إلى الأذهان صورة العاشقَين، فإن لكل عمل هويته الخاصة، وهذا العمل ينتمي إلى دراما مختلفة بعيداً عن الكوميديا».

ويثني شلهوب على خطوة المنتج مروان حداد، واصفاً إياها بالجريئة، خصوصاً مع دخوله السباق الرمضاني بإنتاج لبناني بحت، قائلاً: «المجازفة كانت ضرورية لتحقيق الأفضل، والعمل بحد ذاته إنجاز رغم الانتقادات».

ويختتم شلهوب حديثه بالإشارة إلى أن حداد وكارين رزق الله حققا نقلة درامية لافتة، مشيداً بجهود فريق العمل، ومؤكداً أن التجربة كانت غنيَّة، ومؤثرة على مستوى الأداء، والرسالة الإنسانية.


«هجير»... بيتهوفن سعودي من جدة القديمة

خالد الحربي وخالد يسلم في مشهد من الفيلم (الشرق الأوسط)
خالد الحربي وخالد يسلم في مشهد من الفيلم (الشرق الأوسط)
TT

«هجير»... بيتهوفن سعودي من جدة القديمة

خالد الحربي وخالد يسلم في مشهد من الفيلم (الشرق الأوسط)
خالد الحربي وخالد يسلم في مشهد من الفيلم (الشرق الأوسط)

تتقاطع حكاية الفيلم السعودي «هجير»، الذي يبدأ عرضه في صالات السينما المحلية هذا الأسبوع مع قصة الملحن العالمي بيتهوفن الذي فقد سمعه ورغم ذلك ألّف ألحاناً عبقرية. «هجير» يسرد رحلة داخلية تعيد تعريف حاسة السمع، ليس بوصفها قدرة حسية فحسب، بل بوصفها وسيلة لصياغة الموسيقى والإبداع.

تكشف منتجة الفيلم أمل الحجار في حديثها لـ«الشرق الأوسط»، عن تفاصيل الفكرة، وبنية القصة، وكواليس الإنتاج، مبينةً أن الحكاية تبدأ من تجربة واقعية، حيث تشير إلى أن الشرارة الأولى جاءت من احتكاك مباشر، قائلةً: «فكرة الفيلم بدأت عندما كنت في مكان يوجد فيه أشخاص من ذوي الإعاقة السمعية، وهذا ما لفت انتباهي، وجعلني أتساءل: ماذا نقدم لهم؟»، وتضيف أن ما أثار اهتمامها لم يكن فقط حضورهم، بل زاوية النظر المختلفة التي فرضوها، مضيفةً: «تأثرت بطريقة تفاعلهم مع العالم، وبدأتُ أفكِّر: كيف يروننا نحن؟ نحن الذين نعتمد على الصوت أكثر من لغة الإشارة». وتوضح أن هذا التساؤل قادها إلى إعادة التفكير في مفهوم «الطبيعي» و«المختلف»، قائلةً: «ظل هذا السؤال في ذهني: هل يروننا نحن المختلفين؟ وهل هم الطبيعيون؟»، وهي الفكرة التي شكّلت أساس المشروع.

بناء الفكرة... عكس التوقع

تشير الحجار إلى أن تحويل هذا التساؤل إلى عمل درامي احتاج إلى معالجة مختلفة، موضحةً: «فكَّرت أن أقدم فيلماً عنهم، لكن الدراما تحتاج إلى حبكات، فذهبت إلى فكرة معاكسة: شخص لا يسمع لكنه يحب الموسيقى». وتؤكد أن هذه المفارقة كانت مدخلاً لبناء القصة، حيث بدأت الفكرة تتشكل تدريجياً، وبدأ العمل عليها، لتتحول إلى مشروع سينمائي يتناول تجربة إنسانية تتجاوز التصنيفات التقليدية، حسب قولها.

يتخذ الفيلم من أجواء جدة القديمة مكاناً للقصة (الشرق الأوسط)

جدة... زمن مختلف

تدور أحداث الفيلم في جدة، خلال فترة تمتد من أواخر الستينات إلى الثمانينات، وهي مرحلة شهدت تحولات ثقافية مهمة، خصوصاً فيما يتعلق بالموسيقى ووسائل الإعلام، حيث يرصد العمل بيئة كان فيها تعليم الموسيقى متاحاً في بعض المدارس، مثل مدرسة «الثغر»، حيث تعلّم البطل قراءة النوتة الموسيقية وفهمها، في سياق يعكس حضور الموسيقى في الحياة اليومية آنذاك، إلى جانب الاعتماد على الإذاعة، قبل دخول التلفزيون إلى بعض البيوت.

يتتبع الفيلم رحلة «هجير»، الذي ينشأ في عائلة قريبة من الموسيقى؛ فوالده عازف كمان، ويعمل أيضاً في صيانة الآلات الموسيقية، مما يخلق بيئة مشبَّعة بالأصوات والإيقاع، رغم التحدي الذي يواجهه الابن. وفي المبنى نفسه، تعيش «عالية»، ابنة قائد أوركسترا في إذاعة جدة، التي تتلقى تعليمها الموسيقي على يد والدها، وتحمل حلماً بسيطاً يتناسب مع عمرها واهتمامات جيلها، يتمثل في تلحين عمل لمطرب مصري كانت معجبة به.

بداية التحدي

توضح الحجار تفاصيل التحول المفصلي في حياة البطل، قائلةً: «كان لديه ضعف في السمع منذ الولادة، لكن في سن العاشرة أُصيب بحمى قضت على ما تبقى من سمعه». وتوضح أن هذا التحول انعكس بشكل مباشر على حياته اليومية، فلم تعد المدرسة تتقبله، وبدأ يواجه تنمراً من المحيطين به، في إشارة إلى التحديات الاجتماعية التي رافقت حالته.

لكن في المقابل، تبرز العائلة كمساحة دعم، حيث تقول: «استمرَّ بدعمٍ من جده ووالده، وكان يتعلم القرآن منذ الصغر، وهذا ما ساعده على الحفاظ على النطق ومخارج الحروف». وتستحضر الحجار واحدة من أبرز الصور في الفيلم، قائلةً: «في أحد المشاهد، نراه يرسم بيانو على الأرض، ويتحرك على مفاتيحه، رغم أنه لا يسمع». وتشير إلى أن هذه الصورة تختصر فلسفة الشخصية، حيث يعتمد «هجير» على إحساس داخلي في التعامل مع الموسيقى، فيكتب النوتات ويؤلف الألحان دون أن يسمعها، في تجربة تتجاوز الفهم التقليدي للصوت.

الحب... بوصفه امتداداً للأمل

وخلال ذلك، تتداخل قصة حب مع مسار الشخصية، حيث اعترف «هجير» بمشاعره نحو «عالية» في سن مبكرة، حيث تواجه هذه العلاقة نظرة سلبية من المجتمع حوله، في محاولات لتشكيك هجير بنفسه، إلا أن ذلك لم يغيّر من نظرته، حيث استمر مؤمناً بحبه لها. وترى الحجار أن هذا الجانب يعكس بُعداً إنسانياً مهماً، يتمثل في أن البطل «لم يرَ نفسه شخصاً مختلفاً أو أقل، بل شخصاً يعيش حياته بشكل طبيعي».

وتأخذ قصة الفيلم منعطفاً درامياً حين يكتب «هجير» لحناً موسيقياً ويهديه إلى عالية التي تدرك قيمة العمل، لكنها تقرر نسبته إلى نفسها، وتسافر إلى مصر لتحقيق حلمها، حيث يحقق اللحن نجاحاً، وتتناوله الصحافة، في حين يبقى صاحبه الحقيقي بعيداً عن الضوء.

الممثلة ريم الحبيب في مشهد من الفيلم (الشرق الأوسط)

حين يسمع ما لم يُسمع

توضح الحجار: «في الثمانينات، ومع ظهور السماعات الطبية، يتمكن لأول مرة من استخدام جهاز يساعده على السمع»، مضيفةً أن هذه اللحظة كانت فارقة «كانت أول تجربة له بأن يسمع اللحن الذي ألّفه». وتشير إلى أن هذه اللحظة تقود إلى انكشاف الحقيقة، حيث تتصاعد الأحداث، وتبدأ المواجهة.

وترى الحجار أن الفيلم يحمل رسالة واضحة، قائلةً: «الرسالة يمكن وضعها تحت عنوان الأمل: never lose hope». وتضيف أن هذه الفكرة تتجلى في مسار الشخصية: «لم يفقد الأمل رغم كل ما مر به، ولم يرَ إعاقته حاجزاً يمنعه من أن يعيش أو يحب أو يبدع».

مصادفة صنعت الفارق

وبالسؤال عن كواليس اختيار بطل الفيلم، تكشف الحجار عن أنه في أثناء البحث عن شخص يجيد لغة الإشارة، فوجئت في حضور أم برفقة ابنها البالغ تسع سنوات. وتضيف: «لفت انتباهنا، فسألنا والدته إن كان يمكنه التمثيل، فوافقت، وبدأنا تدريبه»، مشيرةً إلى أن والدته شاركت أيضاً في الفيلم بدور معلمة لغة الإشارة. وترى أن هذه المصادفة أضافت بُعداً واقعياً مهماً، حيث كان البطل يؤدي الدور إلى جانب والدته الحقيقية، وهي من ذوي الإعاقة السمعية».

وتوضح أن الفيلم يرصد مرحلة زمنية مهمة، حيث كان الاعتماد على الإذاعة، قبل دخول التلفزيون إلى بعض البيوت، في تباين يعكس الفروق الاجتماعية. كما تشير إلى تحديات التصوير، قائلةً: «واجهنا صعوبة في التصوير في جدة القديمة، فتم تصوير العمل في مصر، مع إعادة بناء جدة القديمة داخل مدينة الإنتاج الإعلامي».

المشهد السينمائي المحلي

ورغم اختلاف قصة الفيلم عمّا هو معتاد في الأفلام السعودية، فإن المنافسة اليوم باتت شرسة في الإنتاج المحلي، وذائقة الجمهور ارتفعت بشكل كبير، وبسؤال الحجار عن موقع «هجير» ضمن المشهد السينمائي، تقول: «السينما تميل غالباً إلى الكوميديا أو الرعب، بينما تظل القصص الإنسانية أقل حضوراً... وهناك قصص إنسانية ملهمة تستحق أن تُروى»، في إشارة إلى توجه الفيلم، الذي يسعى لتقديم تجربة مختلفة.

وتشير الحجار إلى أن الفيلم يمثل أول عمل سعودي للمخرجة سارة طلب، التي درست السينما في جامعة إيكر، وقدمت أعمالاً سابقة في السينما الفرنسية، في تجربة تمثل انطلاقتها في السينما السعودية.

الفيلم من بطولة: خالد الحربي، وريم الحبيب، وخالد يسلم، وعبد العزيز الفيصل، وروان الخالدي، وعبد الله النجار، وآخرون.

إجمالاً، يقدّم «هجير» تجربة تنطلق من تساؤل إنساني بسيط، وتتحول إلى عمل يستكشف الأمل، والإبداع، وإعادة تعريف الذات خارج حدود الصوت.