غوانتانامو: قاضٍ يقترب أكثر من المواقع السوداء التي عُذب فيها المتهمون

في سابقة تفتيش لم تحدث من قبل لمركز اعتقال سري تابع لـ«سي آي إيه»

خالد شيخ محمد (غوانتانامو)
خالد شيخ محمد (غوانتانامو)
TT

غوانتانامو: قاضٍ يقترب أكثر من المواقع السوداء التي عُذب فيها المتهمون

خالد شيخ محمد (غوانتانامو)
خالد شيخ محمد (غوانتانامو)

في سابقة لم تحدث من قبل عَبَر قاضٍ عسكري في معتقل «خليج غوانتانامو»، يوم الجمعة، إلى المنطقة الأمنية، التي تضم السجن الذي كان وقت الحرب، وفحص منشأة سابقة لمركز اعتقال سري تابع للاستخبارات المركزية الأميركية، بات محل جدال بشأن اتهامات بممارسة التعذيب في قضية الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) 2001.

معتقلون ينظرون من مناطق مسيجة بينما يغلق أحد الحراس باباً في منشأة احتجاز كامب إيكو بالقاعدة البحرية الأميركية في خليج غوانتانامو (كوبا) في نوفمبر 2008 (أ.ب)

لحظة فارقة في تاريخ

محاكمات «غوانتانامو»

مثلت الزيارة لحظة فارقة وبارزة في تاريخ محاكمات «غوانتانامو» التي امتدت عقدين، إذ لم يسبق لأي قاضٍ بمحاكم الحرب أن قطع رحلة الأميال الخمسة لتفقد عمليات الاحتجاز، التي يحتفظ فيها الجيش بالأثر الوحيد المعروف الباقي الكامل لشبكة السجون الخارجية السرية التي تعرف باسم «المواقع السوداء» وكانت تديرها الاستخبارات المركزية الأميركية من عام 2002 حتى 2009.

مع ذلك يتجه القاضي، العقيد ماثيو ماكول، نحو قرار بشأن ما إذا كان العقل المتهم بتدبير الهجمات، خالد شيخ محمد، و3 متهمين شاركوا معه، قد اعترفوا طواعية بالانخراط في الهجمات في عامهم الرابع من الاعتقال خلال عمليات الاستجواب التي أجراها عملاء مكتب التحقيقات الفيدرالي في معتقل «غوانتانامو».

بعيداً عن أعين «الصليب الأحمر»

وقد كان لموقع السجن الذي زاره، والذي يُطلق عليه «كامب إيكو»، دور رئيسي ولكنه سري في القضية. فمن عام 2003 إلى عام 2004، احتجزت الاستخبارات المركزية الأميركية 5 سجناء مهمين هناك، بالقرب من منشآت السجن، ولكن بعيداً عن أعين «الصليب الأحمر» الدولي. وكان السجن جزءاً من شبكتها الخارجية السرية التي أخفت نحو 120 «معتقلاً ذا قيمة عالية» في مواقع بعيدة مثل أفغانستان وتايلاند وبولندا.

معسكر «دلتا» احتجز فيه سجناء «القاعدة» و«طالبان» لسنوات (نيويورك تايمز)

في أبريل (نيسان) 2004، أغلقت وكالة الاستخبارات مركز الاعتقال السري في «غوانتانامو»، ونقلت السجناء الخمسة إلى مواقع سرية أخرى، بناءً على نصيحة وزارة العدل، لتجنب قرار وشيك للمحكمة العليا الأميركية في وقت لاحق من ذلك العام يمنح المعتقلين في «خليج غوانتانامو»، الذي تسيطر عليه الولايات المتحدة الأميركية، حق الاستعانة بمحامين.

بعد أن أمر الرئيس جورج بوش الابن بنقل خالد شيخ محمد، و13 معتقلاً آخرين خاضعين لتحقيق الاستخبارات المركزية الأميركية إلى «غوانتانامو» في سبتمبر 2006 لمحاكمتهم، استخدم عملاء فيدراليون القسم نفسه من «كامب إيكو» للحصول على اعترافات تبدو قانونية ظاهرياً من جانب ما أطلق عليه ممثلو الادعاء العام «الفرق النظيفة».

أهم ما يجري نقاشه حالياً هو ما إذا كانت الإفادات، التي قدمها المتهمون في عام 2007، على أساس مقبول في المحاكمة النهائية لخالد شيخ والمتهمين الثلاثة المتهمين بالتورط معه في مساعدة التسعة عشر مختطفاً الذين شاركوا في هجمات الحادي عشر من سبتمبر.

قضية عقوبتها الإعدام

ويعد ممثلو الادعاء العام تلك الاستجوابات الدليل الأهم في قضية عقوبتها الإعدام والتي انغمست في سلسلة من الجلسات التمهيدية منذ عام 2012. ويرى ممثلو الادعاء العام أن الإفادات كانت طوعية، وبالتالي فهي مقبولة.

على الجانب الآخر يوضح محامو الدفاع أنه بحلول عام 2007، جرى إخضاع خالد شيخ محمد والآخرين، على مدار سنوات من التعذيب والحبس الانفرادي والاستجوابات المستمرة من جانب الاستخبارات المركزية الأميركية، بحيث لم يكن بمقدورهم سوى الإجابة عن أسئلة عند الطلب.

جرى تسجيل لعمار البلوشي المتهم بالتآمر لهجمات 11 سبتمبر سراً في خليج غوانتانامو وفقاً للنصوص التي قدمها المدعون (أ.ب)

وابتعد القضاة العسكريون بشكل عام عن عملية الاعتقال، التي تحتجز حالياً 30 سجيناً، واستدعى القضاة القادة إلى المحكمة للإجابة عن أسئلة، وقدّم المحامون صوراً فوتوغرافية لظروف السجن كدليل في المحكمة. كذلك اقترح محامو أحد المتهمين، وهو عمار البلوشي، على القاضي القيام بالرحلة الميدانية، التي أمضى فيها أقل من 20 دقيقة في فحص وتفقد مجمع الأكواخ الخشبية التي تضم زنزانات فولاذية منقسمة إلى نصفين.

وقالت ألكا برادان، محامية البلوشي، أمام المحكمة، يوم الجمعة، في إطار توجيه القاضي قبيل الزيارة، إن نصف الزنزانة يحتوي لوحة ذات سطح معدني لحصيرة النوم، ودش، وحوض غسيل، ومرحاض مصنوع أيضاً من المعدن. وجرى إعداد النصف الآخر للاستخدام كغرفة استجواب، وبه مشمع أرضية، ومسمار رباط مثبت في الأرض، يجري تقييد كاحل المعتقل بسلسلة فيه خلال الاجتماعات القانونية التي لا تزال تعقد هناك.

وقالت برادان: «بناءً على ما توافر من معلومات والاعتقاد في صحتها»، كانت هناك أيضاً «نقطة تقييد في السقف» لبعض الوقت، لكنها لم تحدد ذلك الوقت.

معسكر «جاستس» حيث تُعقد محاكمات سجناء هجمات سبتمبر (نيويورك تايمز)

وفي جزء من «كامب إيكو»، وهو الذي زاره صحافيون، تحتوي الأكواخ الخشبية على نوافذ، لكن الأكواخ الموجودة في الجزء الذي جرى احتجاز سجناء الاستخبارات المركزية الأميركية فيه، واستجوابهم، تفتقر إلى الإضاءة الطبيعية، إلا إذا تُرك الباب الخارجي مفتوحاً.

وقالت برادان إن الجولة كانت تهدف إلى دعم حجة ودعوى فريق الدفاع بأن البلوشي عدَّ عملية التحقيق والاستجواب التي جرت خلال عام 2007 محطة أخرى في رحلة تعذيبه عبر مراكز الاعتقال السرية. وشهد المحققون أنهم تناولوا مع المعتقل وجبات من «ماكدونالدز»، وتجاذبوا معه أطراف الحديث.

مع ذلك قالت برادان إن مجرد وجود البلوشي هناك، في موقع مشابه لمراكز الاعتقال السرية السابقة، التي تعرض فيها للضرب، وللتقييد عارياً، وللحرمان من النوم، قد «أثار في نفسه هلعاً شديداً»، ولم يترك له خيار سوى إخبار المحققين بما يريدون سماعه.

ترك العقيد مكول رداءه الأسود في المحكمة، واتجه بصحبة مساعد له إلى نقطة التفتيش التي تتحكم في الدخول إلى مجمع السجن، والتي تقع على مسافة 15 دقيقة بالسيارة بعد حانة آيرلندية، وفرع لـ«ماكدونالدز»، وصالة للبولينغ تخدم القاعدة التي يبلغ عدد المقيمين فيها 5 آلاف 5000 شخص، لم يجرِ السماح لأكثرهم بالدخول إلى منطقة السجن.

منفذ تفجير المدمرة كول

في عام 2019، كشفت حكومة الولايات المتحدة عن حقيقة كون جزء من موقع «كامب إيكو» مركز اعتقال سري في «غوانتانامو»، لكن محامي الدفاع كانوا على علم بهذا السر من أسرار الأمن الوطني منذ سنوات. وأخبر 3 متهمين في القضايا، التي تصل عقوبتها إلى الإعدام، محاميهم بأنهم كانوا معتقلين هناك من قبل.

وجرى اتهام أحدهم، وهو عبد الرحيم الناشري، بتدبير التفجير الانتحاري الذي خطط له تنظيم «القاعدة» للمدمرة الأميركية «يو إس إس كول» قبالة سواحل اليمن في 12 أكتوبر (تشرين الأول) 2000، في أطول قضية عقوبتها الإعدام في خليج «غوانتانامو».

خلال العام الماضي، رفض العقيد لاني أكوستا، القاضي العسكري في تلك القضية، الإفادات التي أدلى بها الناشري خلال الاستجوابات الفيدرالية في «كامب إيكو» عام 2007، على أساس أنه قد جرى انتزاعها منه خلال سنوات من التعذيب على أيدي الاستخبارات المركزية الأميركية.

وكتب: «جرت المقابلة، التي أجراها مكتب التحقيقات الفيدرالي عام 2007، بالفعل في المجمع نفسه، وربما حتى الزنزانة نفسها».

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

حكم قضائي يسمح لموريتاني معتقل سابق في غوانتانامو بدخول ألمانيا

شمال افريقيا عناصر شرطة ألمانية (رويترز - أرشيفية)

حكم قضائي يسمح لموريتاني معتقل سابق في غوانتانامو بدخول ألمانيا

قضت محكمة ألمانية بالسماح للموريتاني محمدو ولد صلاحي الذي كان معتقلاً في غوانتانامو والذي جسدت هوليوود قصته في فيلم «الموريتاني»، بالدخول إلى ألمانيا مجدداً.

«الشرق الأوسط» (برلين)
أوروبا صورة أرشيفية غير مؤرخة قدّمتها «القيادة المركزية الأميركية» تظهر أبو زبيدة (أ.ب)

بريطانيا توافق على دفع «مبلغ ضخم» لتسوية دعوى أقامها معتقل في غوانتانامو

قال محامي أحد معتقلي خليج غوانتانامو، الاثنين، إن الحكومة البريطانية وافقت على دفع «مبلغ ضخم» لتسوية دعوى قضائية أقامها المعتقل.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ مدخل محكمة «غوانتانامو» (أ.ب)

قضاة جدد في غوانتانامو يتسلمون قضية «أحداث 11 سبتمبر»

عادت القضية المرفوعة ضد الرجال المتهمين بالتخطيط لـ«هجمات 11 سبتمبر (أيلول)» الإرهابية عام 2001 إلى مسار العمل مدة وجيزة هذا الأسبوع.

كارول روزنبرغ (واشنطن)
الولايات المتحدة​ العقيد جوناثان فون انضم إلى سلاح مشاة البحرية قبل أحداث 11 سبتمبر (نيويورك تايمز)

اختيار ضابط سابق في مشاة البحرية لقيادة فرق الدفاع في غوانتانامو

اختير العقيد جوناثان فون، الذي انضم إلى سلاح مشاة البحرية قبل أحداث 11 سبتمبر (أيلول)، مع عودة القضاة إلى خليج غوانتانامو. واختارت إدارة ترمب عقيداً في مشاة…

كارول روزنبرغ (واشنطن )
الولايات المتحدة​ برج مراقبة... البوابة الرئيسية للمعتقل الموجود بقاعدة غوانتانامو الأميركية في جزيرة كوبا يوم 16 أكتوبر 2018 (أ.ف.ب) p-circle

رفض طلب إدارة ترمب إسقاط دعوى تطعن على احتجاز مهاجرين في غوانتانامو

رفضت قاضية فيدرالية طلباً من إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب برفض دعوى قضائية تطعن على احتجاز مهاجرين في القاعدة البحرية الأميركية بخليج غوانتانامو.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

مرشحو ترمب يحققون فوزاً لافتاً في «تمهيديات الجمهوريين»

مرشح الجمهوريين لمقعد في مجلس الشيوخ النائب مايك كولينز محتفلاً في جورجيا (أ.ف.ب)
مرشح الجمهوريين لمقعد في مجلس الشيوخ النائب مايك كولينز محتفلاً في جورجيا (أ.ف.ب)
TT

مرشحو ترمب يحققون فوزاً لافتاً في «تمهيديات الجمهوريين»

مرشح الجمهوريين لمقعد في مجلس الشيوخ النائب مايك كولينز محتفلاً في جورجيا (أ.ف.ب)
مرشح الجمهوريين لمقعد في مجلس الشيوخ النائب مايك كولينز محتفلاً في جورجيا (أ.ف.ب)

حقّق مرشحون يدعمهم الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، فوزاً ساحقاً في 3 عمليات انتخابية تمهيدية لمجلس الشيوخ عن الحزب الجمهوري، لكنه واجه صعوبات بسباقات أخرى في جورجيا.

وخسر نائب حاكم ولاية جورجيا، بيرت جونز، الذي اختاره ترمب، جولة الإعادة في الانتخابات التمهيدية للجمهوريين أمام المدير التنفيذي الثري في قطاع الرعاية الصحية، ريك جاكسون. وهذه ثاني مرة هذا الشهر يدعم فيها ترمب مرشحاً ثم يخسر في الانتخابات التمهيدية للجمهوريين لمنصب حاكم، بعد هزيمة النائب راندي فينسترا في أيوا.

ومع ذلك، فقد حقّق ترمب انتصاراً مُهمّاً في جورجيا، حيث فاز النائب مايك كولينز، المعروف بمواقفه المتشددة تجاه الهجرة، في الانتخابات التمهيدية، ليواجه السناتور الديمقراطي جون أوسوف على أحد مقعدي الولاية لمجلس الشيوخ، في سباق يُتوقع أن يكون شرساً ومكلفاً. كما فاز مرشحو ترمب لمجلس الشيوخ في ألاباما وأوكلاهوما، حيث توجد غالبية جمهورية.

المرشح لمنصب حاكم جورجيا ريك جاكسون مع مؤيديه خلال متابعة نتائج جولة الإعادة الانتخابية في أتلانتا (أ.ب)

وعمل جونز، الذي كانت خسارته أكبر مفاجأة ليل الثلاثاء، مع حلفاء ترمب لمحاولة قلب نتيجة خسارته في الانتخابات الرئاسية عام 2020. ويعود تاريخ خيبة ترمب من الجمهوريين في جورجيا إلى عام 2020، عندما دافع كل من الحاكم براين كيمب، ووزير خارجية الولاية براد رافنسبيرغر، عن نتائج الانتخابات الرئاسية في جورجيا. وفي أوائل عام 2021، خسر مرشحا ترمب لمقعدَيْ مجلس الشيوخ عن جورجيا جولة الإعادة؛ مما أدى إلى انطلاق مسيرة أوسوف السياسية.

وحقّق ترمب نتائج أفضل مع مرشحيه الآخرين لمجلس الشيوخ. وفاز كل من كولينز والنائب باري مور، عضو الكونغرس عن ألاباما لـ3 ولايات، على منافسيهما اللذين خاضا الانتخابات مستقلَين. كما تأهّل النائب كيفن هيرن، المرشح المدعوم من ترمب لمجلس الشيوخ عن أوكلاهوما، إلى الانتخابات العامة في 5 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. وفي خطاب النصر، وجّه كولينز انتقادات لاذعة إلى أوسوف، واصفاً إياه بأنه «ليبرالي يساري متطرف» متساهل في قضايا الهجرة والجريمة.

وأظهرت تلك الانتصارات قوة ترمب المستمرة لدى ناخبي الحزب الجمهوري في الانتخابات التمهيدية، حتى مع تراجع شعبيته العامة بين الديمقراطيين والمستقلين. وعزا مور الفضل في فوزه إلى ترمب. وقال: «لا أستطيع أن أحصي عدد الأشخاص الذين التقيتهم، خصوصاً كبار السن من ألاباما، والذين قالوا: إذا كان الرئيس معك، فنحن معك».

وأنفقت حملتا جاكسون وجونز 162 مليون دولار في الانتخابات التمهيدية لمنصب حاكم جورجيا. وتجاوز إجمالي إنفاق جاكسون ضعف ما أنفقه منافسه، وفقاً لبيانات شركة «آد إمباكت» المختصة.

وساعدت كل تلك الإعلانات جاكسون على تقديم نفسه شخصيةً سياسيةً من خارج المؤسسة، وإيصال رسالته بأنه يتبنى فكر ترمب. وقال إنه سيكون مثل ترمب، ولكن «بلهجة جنوبية». كما نشر جاكسون إعلاناً يظهر فيه الحاكم كيمب، وهو يشيد به في مقابلة مصورة.

ورغم أن كيمب يحظى بشعبية واسعة، فإن اثنين من المرشحين الذين دعمهم خسرا. وهُزم جونز في السباق لخلافته.

كما تعثر المحامي ومدرب كرة القدم السابق ديريك دولي، الذي رشّحه كيمب لمجلس الشيوخ. لكن طرحه لم يلق صدى كافياً لدى الناخبين الجمهوريين، الذين يميلون إلى تفضيل المرشحين الذين يرونهم مناضلين جديرين بالثقة.

وبذلك، قدّمت النتائج، الثلاثاء، بصيص أمل لكيمب؛ فقد فاز أحد مساعديه السابقين، عضو مجلس النواب تيم فليمنغ، في جولة الإعادة للانتخابات التمهيدية للحزب الجمهوري ليصير وزير خارجية ولاية جورجيا المقبل.


الاتحاد الأوروبي يشدّد قواعد الهجرة ويفتح باب «مراكز العودة»

طالبو لجوء يصعدون إلى قارب مطاطي في بيرك عند سواحل فرنسا يونيو 2026 (د.ب.أ)
طالبو لجوء يصعدون إلى قارب مطاطي في بيرك عند سواحل فرنسا يونيو 2026 (د.ب.أ)
TT

الاتحاد الأوروبي يشدّد قواعد الهجرة ويفتح باب «مراكز العودة»

طالبو لجوء يصعدون إلى قارب مطاطي في بيرك عند سواحل فرنسا يونيو 2026 (د.ب.أ)
طالبو لجوء يصعدون إلى قارب مطاطي في بيرك عند سواحل فرنسا يونيو 2026 (د.ب.أ)

منح النواب الأوروبيون، الأربعاء، موافقتهم النهائية على قوانين أكثر تشدداً بشأن الهجرة، ستمنح السلطات صلاحيات احتجاز أوسع بكثير، وتسمح بإنشاء مراكز ترحيل خارج التكتل.

وجاء التصويت في ستراسبورغ بأغلبية 418 صوتاً مقابل 218، ليشكّل إحدى العقبات الأخيرة أمام إصلاح اجتاز مساراً تشريعياً طويلاً في الاتحاد الأوروبي، في وقت تستجيب فيه بروكسل والدول الأعضاء لضغوط سياسية تهدف إلى الحد من الهجرة. وقال مالك أزماني، النائب الهولندي الوسطي الذي رعى مشروع القانون: «اليوم أنجزت أوروبا». وأضاف: «يتوقع الناس، عن حق، أن يعود من لا يملكون حق البقاء إلى بلدانهم الأصلية».

وقوبل التصويت بهتافات ودعوات من نواب اليمين المتطرف تقول: «أعيدوهم إلى بلادهم». وردّ يسار البرلمان بهتافات «عار عليكم»، في مشهد عكس الانقسامات العميقة بشأن نص تعرّض لانتقادات شديدة من منظمات حقوقية، كما نقلت «وكالة الصحافة الفرنسية».

«مراكز عودة»

ويتيح النص بشكل خاص للدول فتح «مراكز عودة» خارج حدود الاتحاد الأوروبي، يمكن إرسال المهاجرين الذين لا يملكون حق البقاء إليها، وهو طرح تتحمس له مجموعة من الدول. وتستكشف الدنمارك والنمسا واليونان وألمانيا وهولندا ودول أخرى بالفعل خيارات لإنشاء هذه المراكز.

وقال رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس، الأحد: «هدفنا هو إبرام أولى الاتفاقيات لإنشاء هذه الهياكل في عام 2026، بحيث تصبح جاهزة للعمل اعتباراً من عام 2027».

وكانت الفكرة حتى وقت قريب تُعد هامشية، لكنها حصلت على دعم إضافي، الثلاثاء، عندما وافقت معظم دول الاتحاد الأوروبي على السعي لتأمين تمويل أوروبي لتشغيل هذه المراكز، في خطوة عارضتها فرنسا وإسبانيا.

وسعت الحكومات الأوروبية إلى تبني موقف أكثر تشدداً وسط تراجع المزاج العام تجاه الهجرة، وهو ما غذّى مكاسب انتخابية لليمين المتطرف في أنحاء القارة.

ومع انخفاض أعداد الوافدين من المهاجرين في عام 2025، تحوّل التركيز في بروكسل إلى تحسين نظام الإعادة إلى الوطن. وحالياً، لا يُعاد فعلياً إلى بلدانهم الأصلية سوى أقل من 30 في المائة من الأشخاص الصادرة بحقهم أوامر مغادرة.

ووصف النائب الفرنسي اليميني في البرلمان الأوروبي، فرنسوا كزافييه بيلامي، التصويت بأنه «خطوة تاريخية لأوروبا ودليل على أن التغيير ممكن»، مضيفاً: «لسنا محكومين بالعجز».

انتقادات حقوقية

إلى جانب «مراكز العودة»، تفرض الإجراءات الجديدة التزاماً صارماً على المهاجرين الخاضعين للطرد بالمغادرة والتعاون مع السلطات لتحقيق ذلك. ويمكن احتجاز من لا يلتزمون بذلك، أو من يشكلون خطراً أمنياً أو يُعتقد أن هناك خطراً من فرارهم، لمدة تصل إلى عامين.

وأثارت هذه البنود موجة انتقادات من منظمات حقوقية وسياسيين يساريين. وقالت ماريا نايمان، من منظمة «كاريتاس» الإنسانية الكاثوليكية، إن التغييرات تنطوي على خطر «وصم المهاجرين وتجريمهم، وتأجيج الاستقطاب في وقت تحتاج فيه مجتمعاتنا بإلحاح إلى قدر أكبر من التماسك».

وبموجب القواعد الجديدة، سيُسمح للسلطات بتفتيش مواطني الدول الثالثة ومنازلهم أو «الأماكن ذات الصلة» الأخرى، ومصادرة متعلقات شخصية، في إطار جهودها لضمان إعادة المهاجرين غير النظاميين. ووصف أليساندرو زان، من مجموعة الاشتراكيين والديمقراطيين من يسار الوسط، الإصلاح بأنه «فصل مظلم لأوروبا». وقال: «إنه يمهّد الطريق لعمليات ترحيل قسرية، وعمليات تفتيش على غرار ممارسات وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك الأميركية في عهد ترمب، وتطبيع الاحتجاز حتى بحق أشخاص لم يرتكبوا أي جريمة»، في إشارة إلى الممارسات المشددة التي استخدمتها وكالة الهجرة والجمارك في الولايات المتحدة في عهد الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

ويقول مؤيدو «مراكز العودة» - التي قد تكون إما الوجهة النهائية وإما مراكز عبور للمطرودين - إنها قد تسهّل عمليات الإعادة إلى الوطن وتشكل رادعاً للمهاجرين غير النظاميين المحتملين. لكن المنتقدين يشككون في فاعليتها، مشيرين إلى العقبات التي واجهتها مشاريع مماثلة، ويقارنونها بـ«ثقوب سوداء قانونية» قد تُبقي المهاجرين عالقين في حالة من الغموض مع رقابة محدودة.

وكانت بريطانيا قد تخلّت عن خطة لترحيل المهاجرين غير النظاميين إلى رواندا، فيما واجهت مراكز تديرها إيطاليا لمعالجة طلبات المهاجرين في ألبانيا تحديات قانونية وإقبالاً بطيئاً.

وقالت إسكرا كيروفا، من منظمة «هيومن رايتس ووتش»: «ستتمكن الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي من ترحيل المهاجرين وطالبي اللجوء إلى ما يسمى بمراكز العودة، التي قد تعمل فعلياً كمراكز احتجاز خارجية، ويُقال إنها نوقشت مع دول منتهكة للحقوق مثل رواندا أو أوزبكستان».

ولا يزال القانون بحاجة إلى ضوء أخضر رسمي من الدول الأعضاء، التي سبق أن أيدته مبدئياً، حتى يدخل حيز التنفيذ. وستُطبق معظم الإجراءات الجديدة فوراً بعد ذلك، فيما تدخل بعض البنود حيز التطبيق بعد 12 شهراً.


ترمب يؤجل المصادقة على تعيين كلايتون مديراً للاستخبارات

المدعي العام للمنطقة الجنوبية في نيويورك جاي كلايتون خلال مناسبة في نيويورك (رويترز)
المدعي العام للمنطقة الجنوبية في نيويورك جاي كلايتون خلال مناسبة في نيويورك (رويترز)
TT

ترمب يؤجل المصادقة على تعيين كلايتون مديراً للاستخبارات

المدعي العام للمنطقة الجنوبية في نيويورك جاي كلايتون خلال مناسبة في نيويورك (رويترز)
المدعي العام للمنطقة الجنوبية في نيويورك جاي كلايتون خلال مناسبة في نيويورك (رويترز)

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن إدارته ألغت جلسة مصادقة كانت مقررة الأربعاء في مجلس الشيوخ للمصادقة على تعيين مرشحه لمنصب مدير الاستخبارات الوطنية المدعي العام في نيويورك غاي كلايتون، عازياً هذا الترشيح إلى ضغوط على الكونغرس لإقرار قانون يشدد الإجراءات المتعلقة بتحديد هوية الناخبين.

وكان ترمب رشح كلايتون لشغل هذا المنصب. ثم رشح المحامي جيمي ماكدونالد ليحل مكان كلايتون مدعياً عاماً في نيويورك.

جاي كلايتون المدعي العام الأميركي للمنطقة الجنوبية من نيويورك يستمع خلال مؤتمر صحافي في نيويورك 9 مارس 2026 (أ.ب)

غير أن ترمب أعلن عبر منصته «تروث سوشال» قبل جلسة الأربعاء أنه لن يمضي في هذه العملية الإجرائية، مضيفاً أنه سيبقي بيل بولت، وهو مسؤول في قطاع الإسكان يفتقر إلى الخبرة في مجال الأمن القومي، قائماً بأعمال مدير الاستخبارات الوطنية. وكرر ترمب دعوته إلى ربط مشروع قانون التصويت، المعروف باسم «قانون إنقاذ أميركا»، بجهود إقرار تشريعات الأمن القومي. وكتب: «نلغي جلسة استماع مجلس الشيوخ في شأن مدير الاستخبارات الوطنية (...) ولن نمضي حتى تحصل الموافقة على تعيين جيمي ماكدونالد مدعياً عاماً أميركياً». وأضاف: «في هذه الأثناء، سيبقى بيل بولت قائماً بأعمال مدير الاستخبارات الوطنية».

وعادة ما تتخذ لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ قرار إلغاء الجلسات. ولم يردّ ممثلو رئيس اللجنة السيناتور الجمهوري توم كوتون، وكبير الديمقراطيين السيناتور مارك وارنر على طلبات التعليق.

رئيس لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ روجر ويكر في الكونغرس في 19 مايو 2026 (رويترز)

ويُنذر هذا الإلغاء المفاجئ لجلسة استماع كلايتون بمواجهة جديدة بين ترمب والسيناتورات الجمهوريين الذين أبدوا استياءهم من وضعه بولت على رأس وكالة الاستخبارات، وقاوموا مساعيه لربط مشروع قانون حقوق التصويت بتشريعات أخرى. وعيّن ترمب بولت خلفاً للمديرة السابقة تولسي غابارد التي أعلنت استقالتها في مايو (أيار) الماضي بسبب تشخيص إصابة زوجها بسرطان العظام.

وكان الديمقراطيون أعلنوا أيضاً أنهم يعتزمون عرقلة تمديد قانون مراقبة الاستخبارات الأجنبية، وهو أداة مراقبة مثيرة للجدل، ما دام بولت مرشحاً لتولي منصب مدير الاستخبارات.

وعلى الأثر، أعلن ترمب ترشيح كلايتون للتغلب على رفض الكونغرس تمديد هذا القانون الذي انتهت مفاعيله الأسبوع الماضي.

ترمب بحضور نائبه جي دي فانس ورئيس مجلس النواب مايك جونسون يلقي خطاب «حالة الاتحاد» أمام الكونغرس الثلاثاء (غيتي-أ.ف.ب)

واعتبر ترمب في منشوره الأخير أن الجمهوريين «وقعوا في فخ» بتسريعهم جلسة استماع كلايتون، وضمان استبدال بولت من دون ضمان التصويت على القانون. وأضاف: «لذلك، ولإضفاء بعض التشويق، ولكن من أجل مصلحة الأمة وشعبنا، لن أوافق على قانون مراقبة الاستخبارات الأجنبية من دون إقرار قانون إنقاذ أميركا معه». ويفرض «قانون إنقاذ أميركا» متطلبات جديدة للتصويت، منها تقديم إثبات موثق للجنسية، وبطاقة هوية تحمل صورة شخصية. وأمضى ترمب أسابيع يحض الجمهوريين على إقرار المشروع. وقال السيناتور الجمهوري جون ثون: «نحن مقيدون بالحسابات في مجلس الشيوخ. الأصوات غير متوافرة حالياً».

وبموجب ممارسة راسخة في مجلس الشيوخ تُعرف باسم «الورقة الزرقاء»، يُمكن لأعضاء مجلس الشيوخ عن ولاياتهم عرقلة بعض المرشحين لمنصب المدعي العام الفيدرالي. وهاجم ترمب «الورقة الزرقاء»، داعياً الجمهوريين إلى التخلي عنها.