غوانتانامو: قاضٍ يقترب أكثر من المواقع السوداء التي عُذب فيها المتهمون

في سابقة تفتيش لم تحدث من قبل لمركز اعتقال سري تابع لـ«سي آي إيه»

خالد شيخ محمد (غوانتانامو)
خالد شيخ محمد (غوانتانامو)
TT

غوانتانامو: قاضٍ يقترب أكثر من المواقع السوداء التي عُذب فيها المتهمون

خالد شيخ محمد (غوانتانامو)
خالد شيخ محمد (غوانتانامو)

في سابقة لم تحدث من قبل عَبَر قاضٍ عسكري في معتقل «خليج غوانتانامو»، يوم الجمعة، إلى المنطقة الأمنية، التي تضم السجن الذي كان وقت الحرب، وفحص منشأة سابقة لمركز اعتقال سري تابع للاستخبارات المركزية الأميركية، بات محل جدال بشأن اتهامات بممارسة التعذيب في قضية الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) 2001.

معتقلون ينظرون من مناطق مسيجة بينما يغلق أحد الحراس باباً في منشأة احتجاز كامب إيكو بالقاعدة البحرية الأميركية في خليج غوانتانامو (كوبا) في نوفمبر 2008 (أ.ب)

لحظة فارقة في تاريخ

محاكمات «غوانتانامو»

مثلت الزيارة لحظة فارقة وبارزة في تاريخ محاكمات «غوانتانامو» التي امتدت عقدين، إذ لم يسبق لأي قاضٍ بمحاكم الحرب أن قطع رحلة الأميال الخمسة لتفقد عمليات الاحتجاز، التي يحتفظ فيها الجيش بالأثر الوحيد المعروف الباقي الكامل لشبكة السجون الخارجية السرية التي تعرف باسم «المواقع السوداء» وكانت تديرها الاستخبارات المركزية الأميركية من عام 2002 حتى 2009.

مع ذلك يتجه القاضي، العقيد ماثيو ماكول، نحو قرار بشأن ما إذا كان العقل المتهم بتدبير الهجمات، خالد شيخ محمد، و3 متهمين شاركوا معه، قد اعترفوا طواعية بالانخراط في الهجمات في عامهم الرابع من الاعتقال خلال عمليات الاستجواب التي أجراها عملاء مكتب التحقيقات الفيدرالي في معتقل «غوانتانامو».

بعيداً عن أعين «الصليب الأحمر»

وقد كان لموقع السجن الذي زاره، والذي يُطلق عليه «كامب إيكو»، دور رئيسي ولكنه سري في القضية. فمن عام 2003 إلى عام 2004، احتجزت الاستخبارات المركزية الأميركية 5 سجناء مهمين هناك، بالقرب من منشآت السجن، ولكن بعيداً عن أعين «الصليب الأحمر» الدولي. وكان السجن جزءاً من شبكتها الخارجية السرية التي أخفت نحو 120 «معتقلاً ذا قيمة عالية» في مواقع بعيدة مثل أفغانستان وتايلاند وبولندا.

معسكر «دلتا» احتجز فيه سجناء «القاعدة» و«طالبان» لسنوات (نيويورك تايمز)

في أبريل (نيسان) 2004، أغلقت وكالة الاستخبارات مركز الاعتقال السري في «غوانتانامو»، ونقلت السجناء الخمسة إلى مواقع سرية أخرى، بناءً على نصيحة وزارة العدل، لتجنب قرار وشيك للمحكمة العليا الأميركية في وقت لاحق من ذلك العام يمنح المعتقلين في «خليج غوانتانامو»، الذي تسيطر عليه الولايات المتحدة الأميركية، حق الاستعانة بمحامين.

بعد أن أمر الرئيس جورج بوش الابن بنقل خالد شيخ محمد، و13 معتقلاً آخرين خاضعين لتحقيق الاستخبارات المركزية الأميركية إلى «غوانتانامو» في سبتمبر 2006 لمحاكمتهم، استخدم عملاء فيدراليون القسم نفسه من «كامب إيكو» للحصول على اعترافات تبدو قانونية ظاهرياً من جانب ما أطلق عليه ممثلو الادعاء العام «الفرق النظيفة».

أهم ما يجري نقاشه حالياً هو ما إذا كانت الإفادات، التي قدمها المتهمون في عام 2007، على أساس مقبول في المحاكمة النهائية لخالد شيخ والمتهمين الثلاثة المتهمين بالتورط معه في مساعدة التسعة عشر مختطفاً الذين شاركوا في هجمات الحادي عشر من سبتمبر.

قضية عقوبتها الإعدام

ويعد ممثلو الادعاء العام تلك الاستجوابات الدليل الأهم في قضية عقوبتها الإعدام والتي انغمست في سلسلة من الجلسات التمهيدية منذ عام 2012. ويرى ممثلو الادعاء العام أن الإفادات كانت طوعية، وبالتالي فهي مقبولة.

على الجانب الآخر يوضح محامو الدفاع أنه بحلول عام 2007، جرى إخضاع خالد شيخ محمد والآخرين، على مدار سنوات من التعذيب والحبس الانفرادي والاستجوابات المستمرة من جانب الاستخبارات المركزية الأميركية، بحيث لم يكن بمقدورهم سوى الإجابة عن أسئلة عند الطلب.

جرى تسجيل لعمار البلوشي المتهم بالتآمر لهجمات 11 سبتمبر سراً في خليج غوانتانامو وفقاً للنصوص التي قدمها المدعون (أ.ب)

وابتعد القضاة العسكريون بشكل عام عن عملية الاعتقال، التي تحتجز حالياً 30 سجيناً، واستدعى القضاة القادة إلى المحكمة للإجابة عن أسئلة، وقدّم المحامون صوراً فوتوغرافية لظروف السجن كدليل في المحكمة. كذلك اقترح محامو أحد المتهمين، وهو عمار البلوشي، على القاضي القيام بالرحلة الميدانية، التي أمضى فيها أقل من 20 دقيقة في فحص وتفقد مجمع الأكواخ الخشبية التي تضم زنزانات فولاذية منقسمة إلى نصفين.

وقالت ألكا برادان، محامية البلوشي، أمام المحكمة، يوم الجمعة، في إطار توجيه القاضي قبيل الزيارة، إن نصف الزنزانة يحتوي لوحة ذات سطح معدني لحصيرة النوم، ودش، وحوض غسيل، ومرحاض مصنوع أيضاً من المعدن. وجرى إعداد النصف الآخر للاستخدام كغرفة استجواب، وبه مشمع أرضية، ومسمار رباط مثبت في الأرض، يجري تقييد كاحل المعتقل بسلسلة فيه خلال الاجتماعات القانونية التي لا تزال تعقد هناك.

وقالت برادان: «بناءً على ما توافر من معلومات والاعتقاد في صحتها»، كانت هناك أيضاً «نقطة تقييد في السقف» لبعض الوقت، لكنها لم تحدد ذلك الوقت.

معسكر «جاستس» حيث تُعقد محاكمات سجناء هجمات سبتمبر (نيويورك تايمز)

وفي جزء من «كامب إيكو»، وهو الذي زاره صحافيون، تحتوي الأكواخ الخشبية على نوافذ، لكن الأكواخ الموجودة في الجزء الذي جرى احتجاز سجناء الاستخبارات المركزية الأميركية فيه، واستجوابهم، تفتقر إلى الإضاءة الطبيعية، إلا إذا تُرك الباب الخارجي مفتوحاً.

وقالت برادان إن الجولة كانت تهدف إلى دعم حجة ودعوى فريق الدفاع بأن البلوشي عدَّ عملية التحقيق والاستجواب التي جرت خلال عام 2007 محطة أخرى في رحلة تعذيبه عبر مراكز الاعتقال السرية. وشهد المحققون أنهم تناولوا مع المعتقل وجبات من «ماكدونالدز»، وتجاذبوا معه أطراف الحديث.

مع ذلك قالت برادان إن مجرد وجود البلوشي هناك، في موقع مشابه لمراكز الاعتقال السرية السابقة، التي تعرض فيها للضرب، وللتقييد عارياً، وللحرمان من النوم، قد «أثار في نفسه هلعاً شديداً»، ولم يترك له خيار سوى إخبار المحققين بما يريدون سماعه.

ترك العقيد مكول رداءه الأسود في المحكمة، واتجه بصحبة مساعد له إلى نقطة التفتيش التي تتحكم في الدخول إلى مجمع السجن، والتي تقع على مسافة 15 دقيقة بالسيارة بعد حانة آيرلندية، وفرع لـ«ماكدونالدز»، وصالة للبولينغ تخدم القاعدة التي يبلغ عدد المقيمين فيها 5 آلاف 5000 شخص، لم يجرِ السماح لأكثرهم بالدخول إلى منطقة السجن.

منفذ تفجير المدمرة كول

في عام 2019، كشفت حكومة الولايات المتحدة عن حقيقة كون جزء من موقع «كامب إيكو» مركز اعتقال سري في «غوانتانامو»، لكن محامي الدفاع كانوا على علم بهذا السر من أسرار الأمن الوطني منذ سنوات. وأخبر 3 متهمين في القضايا، التي تصل عقوبتها إلى الإعدام، محاميهم بأنهم كانوا معتقلين هناك من قبل.

وجرى اتهام أحدهم، وهو عبد الرحيم الناشري، بتدبير التفجير الانتحاري الذي خطط له تنظيم «القاعدة» للمدمرة الأميركية «يو إس إس كول» قبالة سواحل اليمن في 12 أكتوبر (تشرين الأول) 2000، في أطول قضية عقوبتها الإعدام في خليج «غوانتانامو».

خلال العام الماضي، رفض العقيد لاني أكوستا، القاضي العسكري في تلك القضية، الإفادات التي أدلى بها الناشري خلال الاستجوابات الفيدرالية في «كامب إيكو» عام 2007، على أساس أنه قد جرى انتزاعها منه خلال سنوات من التعذيب على أيدي الاستخبارات المركزية الأميركية.

وكتب: «جرت المقابلة، التي أجراها مكتب التحقيقات الفيدرالي عام 2007، بالفعل في المجمع نفسه، وربما حتى الزنزانة نفسها».

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

حكم قضائي يسمح لموريتاني معتقل سابق في غوانتانامو بدخول ألمانيا

شمال افريقيا عناصر شرطة ألمانية (رويترز - أرشيفية)

حكم قضائي يسمح لموريتاني معتقل سابق في غوانتانامو بدخول ألمانيا

قضت محكمة ألمانية بالسماح للموريتاني محمدو ولد صلاحي الذي كان معتقلاً في غوانتانامو والذي جسدت هوليوود قصته في فيلم «الموريتاني»، بالدخول إلى ألمانيا مجدداً.

«الشرق الأوسط» (برلين)
أوروبا صورة أرشيفية غير مؤرخة قدّمتها «القيادة المركزية الأميركية» تظهر أبو زبيدة (أ.ب)

بريطانيا توافق على دفع «مبلغ ضخم» لتسوية دعوى أقامها معتقل في غوانتانامو

قال محامي أحد معتقلي خليج غوانتانامو، الاثنين، إن الحكومة البريطانية وافقت على دفع «مبلغ ضخم» لتسوية دعوى قضائية أقامها المعتقل.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ مدخل محكمة «غوانتانامو» (أ.ب)

قضاة جدد في غوانتانامو يتسلمون قضية «أحداث 11 سبتمبر»

عادت القضية المرفوعة ضد الرجال المتهمين بالتخطيط لـ«هجمات 11 سبتمبر (أيلول)» الإرهابية عام 2001 إلى مسار العمل مدة وجيزة هذا الأسبوع.

كارول روزنبرغ (واشنطن)
الولايات المتحدة​ العقيد جوناثان فون انضم إلى سلاح مشاة البحرية قبل أحداث 11 سبتمبر (نيويورك تايمز)

اختيار ضابط سابق في مشاة البحرية لقيادة فرق الدفاع في غوانتانامو

اختير العقيد جوناثان فون، الذي انضم إلى سلاح مشاة البحرية قبل أحداث 11 سبتمبر (أيلول)، مع عودة القضاة إلى خليج غوانتانامو. واختارت إدارة ترمب عقيداً في مشاة…

كارول روزنبرغ (واشنطن )
الولايات المتحدة​ برج مراقبة... البوابة الرئيسية للمعتقل الموجود بقاعدة غوانتانامو الأميركية في جزيرة كوبا يوم 16 أكتوبر 2018 (أ.ف.ب) p-circle

رفض طلب إدارة ترمب إسقاط دعوى تطعن على احتجاز مهاجرين في غوانتانامو

رفضت قاضية فيدرالية طلباً من إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب برفض دعوى قضائية تطعن على احتجاز مهاجرين في القاعدة البحرية الأميركية بخليج غوانتانامو.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

وزارة العدل الأميركية: يجب استخدام طرق إعدام مثل الرمي بالرصاص والصعق الكهربائي

صورة من مقر وزارة العدل الأميركية في واشنطن 24 يناير 2023 (رويترز)
صورة من مقر وزارة العدل الأميركية في واشنطن 24 يناير 2023 (رويترز)
TT

وزارة العدل الأميركية: يجب استخدام طرق إعدام مثل الرمي بالرصاص والصعق الكهربائي

صورة من مقر وزارة العدل الأميركية في واشنطن 24 يناير 2023 (رويترز)
صورة من مقر وزارة العدل الأميركية في واشنطن 24 يناير 2023 (رويترز)

قالت وزارة ‌العدل الأميركية، اليوم الجمعة، إن على الحكومة الأميركية إضافة الإعدام رمياً بالرصاص وصعقاً بالكهرباء وباستنشاق الغاز لطرق إعدام ​المدانين بارتكاب أخطر الجرائم الاتحادية، وذلك في تقرير أشار إلى الصعوبات التي تواجه الحصول على الأدوية اللازمة للحقن المميتة.

وجاء التقرير في إطار تنفيذ لتعهد من الرئيس دونالد ترمب باستئناف تطبيق عقوبة الإعدام في ولايته الرئاسية الثانية. وفي ولايته الأولى، التي انتهت في 2021، استأنف ‌ترمب تنفيذ عقوبة الإعدام ‌بعد توقف استمر 20 ​عاماً؛ ‌إذ أعدم ​13 سجيناً اتحادياً بالحقن المميتة خلال أشهر قليلة في نهاية ولايته.

وقالت الوزارة إن تود بلانش، القائم بأعمال وزير العدل الأميركي والذي أصدر التقرير، أذن بالسعي إلى إصدار أحكام بالإعدام بحق تسعة أشخاص بعد أن ألغى ترمب قرار وقف تنفيذ أحكام الإعدام الاتحادية الذي أصدره الرئيس السابق ‌جو بايدن، وفقاً لوكالة «رويترز».

وأضافت الوزارة، ‌في بيان: «من بين الإجراءات المتخذة ​إعادة اعتماد بروتوكول الحقن ‌المميت الذي استُخدم خلال إدارة ترمب الأولى، وتوسيع ‌نطاق البروتوكول ليشمل طرق إعدام إضافية مثل الرمي بالرصاص، وتبسيط الإجراءات الداخلية لتسريع حالات الإعدام».

وقال بلانش: «تحت قيادة الرئيس ترمب، تعود وزارة العدل مرة أخرى إلى ‌تطبيق القانون والوقوف في صف الضحايا».

وفي التقرير، أصدر بلانش تعليمات إلى مكتب السجون التابع لوزارة العدل بتعديل بروتوكول الإعدام «ليشمل طرق إعدام إضافية ودستورية ينص عليها حالياً قانون بعض الولايات»، مشيراً إلى الطرق القديمة المتمثلة في الإعدام رمياً بالرصاص والصعق بالكهرباء، وطريقة الإعدام الجديدة بالاختناق بالغاز بادرت ولاية ألاباما بتطبيقها في 2024.

وذكر التقرير: «سيساعد هذا التعديل على ضمان استعداد الوزارة لتنفيذ عمليات الإعدام القانونية حتى في حالة عدم توفر عقار معين».

وخفف بايدن، وهو ديمقراطي، أحكام ​37 مداناً من ​المحكوم عليهم بالإعدام في السجون الاتحادية، ولم يتبقَّ سوى 3 رجال.


حرب إيران تعمّق نزيف الذخائر الأميركية والجاهزية أمام الكبار

نظام الدفاع الصاروخي «ثاد» خلال معرض «صنع في أميركا» في الساحة الجنوبية للبيت الأبيض 15 يوليو 2019 (أرشيفية - أ.ب)
نظام الدفاع الصاروخي «ثاد» خلال معرض «صنع في أميركا» في الساحة الجنوبية للبيت الأبيض 15 يوليو 2019 (أرشيفية - أ.ب)
TT

حرب إيران تعمّق نزيف الذخائر الأميركية والجاهزية أمام الكبار

نظام الدفاع الصاروخي «ثاد» خلال معرض «صنع في أميركا» في الساحة الجنوبية للبيت الأبيض 15 يوليو 2019 (أرشيفية - أ.ب)
نظام الدفاع الصاروخي «ثاد» خلال معرض «صنع في أميركا» في الساحة الجنوبية للبيت الأبيض 15 يوليو 2019 (أرشيفية - أ.ب)

تتناول تقارير أميركية حديثة استنزاف مخزونات الذخائر في الحرب مع إيران؛ ما قد يؤدي إلى معضلة أكبر من مجرد حسابات عسكرية آنية في الشرق الأوسط. فالمسألة لم تعد محصورة في قدرة الولايات المتحدة على مواصلة حملة جوية وصاروخية مكثفة ضد إيران، بل باتت تتصل مباشرة بجاهزية الجيش الأميركي لمواجهة طارئة في مسارح أخرى، خصوصاً في غرب المحيط الهادئ إذا قررت الصين التحرك ضد تايوان، أو في أوروبا إذا تصاعد التهديد الروسي.

وفي خلفية هذا النقاش، يبرز سؤال سياسي لا يقل حساسية، وفق ما يطرحه محللون، وهو: هل تعكس التسريبات قلقاً حقيقياً داخل المؤسسة العسكرية، أم أنها تتحول أيضاً أداةَ ضغطٍ على الكونغرس لتمرير ميزانية دفاعية ضخمة وطلب تمويل إضافي للحرب؟

وتستند هذه المخاوف إلى تقارير نشرتها صحف أميركية عدة، إضافة إلى تقديرات من مركز دراسات استراتيجية ودولية، تشير إلى أن الحرب مع إيران استهلكت كميات كبيرة من الصواريخ بعيدة المدى واعتراضات دفاعية باهظة التكلفة.

وعلى سبيل المثال، تحدثت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية عن إطلاق أكثر من ألف صاروخ «توماهوك» وما بين 1500 و2000 صاروخ دفاع جوي اعتراضي، بينها «ثاد» و«باتريوت» و«ستاندرد»، مع تقديرات بأن تعويض بعض المخزونات بالكامل قد يستغرق حتى ست سنوات.

أما صحيفة «نيويورك تايمز»، فأشارت إلى استخدام نحو 1100 صاروخ «جاسم - إي آر» وأكثر من 1200 صاروخ «باتريوت»، فضلاً عن أكثر من ألف صاروخ أرضي من طرازات دقيقة؛ ما جعل المخزون العالمي الأميركي تحت ضغط شديد.

مخزون يتآكل سريعاً

وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث ورئيس أركان القوات المشتركة الجنرال دان كاين خلال مؤتمر صحافي في البنتاغون 24 أبريل (أ.ف.ب)

وتكمن خطورة هذه الأرقام في أن كثيراً من الذخائر المستهلكة ليست من النوع الذي يمكن استبداله سريعاً. فصواريخ «توماهوك» و«جاسم - إي آر» و«باتريوت» و«ثاد» ليست ذخائر عادية، بل هي جزء من العدة الأساسية لأي مواجهة مع قوة كبرى، خصوصاً في بيئة بحرية وجوية معقدة كالتي يتوقعها المخططون الأميركيون في حال نشوب حرب حول تايوان مثلاً. لذلك؛ لا يقاس الاستنزاف بعدد الصواريخ وحده، بل بموقع هذه الصواريخ داخل خطط الحرب الأميركية.

وتشير «وول ستريت جورنال» إلى أن بعض المسؤولين في الإدارة باتوا يقدّرون أن الولايات المتحدة قد لا تستطيع، في المدى القريب، تنفيذ خطط الدفاع عن تايوان بالكامل إذا وقع غزو صيني مفاجئ.

ويكمن جوهر القلق في أن الحرب مع إيران استهلكت ذخائر كان يُفترض أن تبقى جزءاً من «مخزون الردع» في آسيا. فالصين، بخلاف إيران، تملك قوة صاروخية وبحرية وجوية ضخمة، وتستند عقيدتها العسكرية في أي حرب محتملة إلى منع القوات الأميركية من الاقتراب، عبر كثافة نيران وصواريخ مضادة للسفن والطائرات.

في مثل هذا السيناريو، تصبح الاعتراضات الدفاعية والصواريخ البعيدة المدى سلعة استراتيجية لا يمكن تعويض نقصها بمجرد نقل وحدات أو حاملات إضافية.

تايوان وحرب إيران

تجربة صاروخ باليستي لكوريا الشمالية في موقع غير محدد 19 أبريل (أ.ف.ب)

من جانبها، تؤكد الإدارة الأميركية أن ذلك لا يعني أن الولايات المتحدة أصبحت عاجزة عن خوض حرب كبرى. فالبيت الأبيض نفى بشدة خلاصات التقارير التي تتحدث عن ضعف القدرة العسكرية؛ إذ قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت، إن فرضية النقص «خاطئة»، مؤكدة أن الولايات المتحدة تملك أقوى جيش في العالم ومخزونات كافية لتنفيذ أي عملية يوجه بها الرئيس.

وقال أيضاً المتحدث باسم وزارة الحرب (البنتاغون) شون بارنيل، إن الجيش يملك ما يحتاج إليه لتنفيذ المهمة في الزمان والمكان اللذين يختارهما الرئيس.

لكن النفي السياسي لا يلغي جوهر المشكلة العملياتية. فقائد القوات الأميركية في المحيطين الهندي والهادئ، الأدميرال صامويل بابارو، حاول خلال شهادته في الكونغرس، الموازنة بين دعم العمليات الجارية في الشرق الأوسط والطمأنة إلى أن الردع ضد الصين لم يتضرر. غير أنه أقرّ ضمناً بوجود حدود في «المخزن»، وهي عبارة تحمل دلالة مهمة في النقاش العسكري الأميركي، مفادها أن القضية ليست فقدان القدرة، بل ارتفاع المخاطر إذا جاءت الأزمة التالية قبل إعادة ملء المخازن.

وتتعمق هذه المخاوف مع نقل منظومات وذخائر من آسيا وأوروبا إلى الشرق الأوسط. فالتقارير تتحدث عن إرسال رادارات من كوريا الجنوبية، وتحريك صواريخ اعتراضية من منظومة «ثاد»، وتحويل وحدات من مشاة البحرية من المحيط الهادئ إلى المنطقة.

كما سبقت ذلك إعادة توجيه حاملة الطائرات «أبراهام لنكولن» من بحر الصين الجنوبي إلى الشرق الأوسط.

هذه التحركات لا تعني انسحاباً أميركياً من آسيا، لكنها تمنح بكين مادة دعائية وسياسية للقول إن واشنطن مشتتة بين حروب متعددة، وإن قدرتها على الوفاء بالتزاماتها تجاه الحلفاء ليست بلا حدود، وفق ما يقول عدد من المحللين.

امتحان الزمن والتكلفة

حاملة طائرات أميركية من طراز «نيميتز» خلال مناورات تدريبية في تشيلي 18 أبريل (رويترز)

تكشف الحرب مع إيران عن فجوة مزمنة في قاعدة التصنيع الدفاعي الأميركية. فقد اعتادت الولايات المتحدة على خوض حروب ضد خصوم أضعف بتكلفة عسكرية يمكن احتواؤها، لكنها تجد نفسها الآن أمام معادلة مختلفة، وهي استخدام ذخائر بملايين الدولارات لاعتراض صواريخ أو مسيّرات أرخص بكثير، أو لضرب أهداف كثيرة ومتفرقة في مسرح واسع.

وإذا صح أن تكلفة الحرب حتى الآن تراوح بين 25 و35 مليار دولار، حسب تقديرات نقلتها «نيويورك تايمز»، فإن المشكلة لا تتعلق فقط بالنفقات، بل بوتيرة الاستهلاك مقارنة بوتيرة الإنتاج.

تقول بعض التقارير إن إنتاج «باتريوت» في عام كامل لا يعادل تقريباً نصف ما استُهلك في الحرب. وتضيف أن تعويض «توماهوك» و«ثاد» و«ستاندرد» قد يستغرق سنوات، حتى لو ضُخت أموال جديدة. فالمال يشتري العقود، لكنه لا يبني فوراً خطوط إنتاج ولا يؤمّن سلاسل توريد معقدة ولا يضاعف العمالة المتخصصة خلال أسابيع.

لهذا؛ يضغط «البنتاغون» على شركات مثل «لوكهيد مارتن» و«آر تي إكس» لزيادة الإنتاج، بل ويفتح قنوات مع شركات السيارات والمصانع المدنية لاختبار إمكان تحويل جزء من القدرة الصناعية الأميركية إلى نمط أقرب إلى «اقتصاد حرب».

غير أن هذا التحول يصطدم بواقع سياسي واقتصادي. فشركات الدفاع تريد عقوداً طويلة الأجل قبل توسيع مصانعها، والكونغرس يريد رقابة على التكلفة، والرأي العام قد لا يتقبل بسهولة إنفاقاً إضافياً ضخماً على حرب لا تزال نهايتها غير واضحة.

وبينما تطلب الإدارة ميزانية دفاعية تصل إلى 1.5 تريليون دولار، وتطرح في الوقت نفسه حاجة إلى تمويل إضافي بنحو 200 مليار دولار للحرب مع إيران، تصبح أرقام الذخائر جزءاً من معركة داخل واشنطن حول حجم الدولة الأمنية والعسكرية في عهد ترمب.

إنذار أم ضغط على الكونغرس؟

عابرون قرب مبنى الكونغرس (رويترز)

ويتفق المراقبون على أنه من الصعب فصل البعد العسكري عن البعد السياسي في توقيت هذه التقارير. فالتسريبات تخدم، من جهة، وظيفة إنذارية حقيقية: تنبيه صناع القرار إلى أن الحروب الإقليمية الطويلة قد تستهلك بسرعة ذخائر مخصصة أصلاً لمنافسة القوى الكبرى. لكنها، من جهة أخرى، تمنح «البنتاغون» وحلفاءه في الكونغرس حجة قوية لطلب اعتمادات إضافية، تحت عنوان أن عدم التمويل لا يهدد حملة إيران وحدها، بل يضعف الردع في تايوان وأوروبا وكوريا الجنوبية.

هنا تتبدى المفارقة في خطاب الإدارة. فترمب يقول إن لدى الولايات المتحدة إمدادات تكاد تكون «غير محدودة» من بعض الذخائر، بينما تطالب مؤسسته العسكرية بزيادة تاريخية في الإنفاق وتسريع الإنتاج.

وينفي البيت الأبيض أن تكون الجاهزية قد تضررت، لكنه يدفع في الوقت نفسه باتجاه استثمارات ضخمة في القاعدة الصناعية الدفاعية. هذه المفارقة ليست جديدة في السياسة الأميركية: الطمأنة مطلوبة للحلفاء والخصوم، أما التهويل المدروس فمفيد داخل الكونغرس.

الخلاصة، أن حرب إيران لا تختبر القوة الأميركية في الشرق الأوسط وحده، بل تختبر نموذج القوة الأميركية عالمياً. فإذا كانت واشنطن قادرة على ضرب آلاف الأهداف، فإن السؤال الأعمق هو: كم مرة تستطيع أن تفعل ذلك، وفي كم مسرح، وبأي تكلفة، ومن دون أن تفتح نافذة إغراء أمام خصومها؟ تلك هي المعضلة التي تجعل نقص الذخائر قضية استراتيجية لا لوجستية فحسب.


ترمب يكسر مقاطعته ويشارك لأول مرة في حفل مراسلي البيت الأبيض

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
TT

ترمب يكسر مقاطعته ويشارك لأول مرة في حفل مراسلي البيت الأبيض

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

تشهد العاصمة الأميركية واشنطن، مساء السبت، حدثاً سياسياً – إعلامياً استثنائياً مع مشاركة الرئيس دونالد ترمب لأول مرة في حفل «عشاء مراسلي البيت الأبيض»، بعد سنوات من المقاطعة والانتقادات الحادة للمؤسسة الصحافية وسط تساؤلات وترقب حول ما سيقوله ترمب، وكيف ستكون ردة فعل الصحافيين، وهل سيستغل ترمب الحقل المخصص للاحتفال بالتعديل الأول للدستور وحرية الصحافة للشكوى من الأخبار المزيفة، أم سيوجه انتقاداته بأسلوب أخف وطأة.

الرئيسان الأميركيان دونالد ترمب وباراك أوباما في المكتب البيضاوي يوم 10 نوفمبر 2016 (أ.ب)

غير أن هذه العودة لا تعني استعادة التقاليد القديمة، بقدر ما تعكس تحولاً عميقاً في طبيعة العلاقة بين البيت الأبيض والإعلام، وفي وظيفة هذا الحدث الذي يعد تقليداً عريقاً يعود تاريخه إلى 100 عام منذ حضور الرئيس كالفن كوليدج عام 1924 له، والذي كان يُعرف تاريخياً بمزيج من السخرية السياسية والاحتفاء بحرية الصحافة.

كسر المقاطعة: من «الأخبار الكاذبة» إلى الحضور

الرئيس الأميركي باراك أوباما يمنح الممثل والمخرج روبرت ريدفورد وسام الحرية الرئاسي عام 2016 (أ.ف.ب)

وترى العديد من الشبكات الصحافية أن قرار ترمب المشاركة، هذا العام، يمثل انعطافة لافتة في موقفه من الحفل، الذي قاطعه طوال ولايته الأولى، مبرراً ذلك بما وصفه بـ«عداء غير مسبوق» من قبل الصحافة. وكتب مؤخراً أنه قاطع الحدث؛ لأن الإعلام كان «سيئاً للغاية» معه، ودأب على نشر «أخبار كاذبة بالكامل» عنه، لكنه أبدى هذه المرة تطلعاً إلى أن يكون الحفل مميزاً.

هذا التحول يقرؤه مراقبون في سياق أوسع: محاولة من ترمب لإعادة ضبط العلاقة مع النخبة الإعلامية دون التراجع عن خطابه النقدي؛ فالرئيس الذي خاض معارك قضائية وإعلامية مع مؤسسات كبرى، وفرض قيوداً على بعض وسائل الإعلام، يدرك في الوقت نفسه أهمية هذا الحدث بوصفه منصة رمزية تجمع صناع القرار والسياسيين ومشاهير هوليوود والصحافيين في فضاء واحد.

الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما وقرينته ميشيل يحيِّيان دونالد ترمب وزوجته ميلانيا في حفل تنصيب الرئيس الجمهوري عام 2017 (رويترز)

عشاء بلا سخرية

التحول الأكثر دلالة، هذا العام، يتمثل في التخلي عن أحد أبرز تقاليد الحفل؛ حيث اعتاد منظمو الحفل الاستعانة بكوميدي يسخر من الرئيس وسياساته؛ فقد قررت جمعية مراسلي البيت الأبيض أن تستبدل بهذا الدور عرضاً يقدمه (قارئ أفكار) هو أوز بيرلمان، في خطوة فسّرتها تقارير أميركية بأنها محاولة لتجنب التصعيد مع الرئيس.

ورأى البعض هذا القرار بوصفه يعكس حساسية غير مسبوقة.

فالحفل، الذي اعتاد أن يكون مساحة للسخرية اللاذعة من السلطة، شهد في الماضي لحظات محرجة لرؤساء أميركيين، من سخرية ستيفن كولبير من جورج بوش الابن، إلى الجدل الذي أثارته ميشيل وولف عام 2018، لكن حالة ترمب تبدو مختلفة؛ إذ يخشى المنظمون أن تتحول السخرية إلى مواجهة سياسية مباشرة في ظل علاقة متوترة أصلاً. كما أثار غياب الكوميديا انتقادات داخل الوسط الصحافي، حيث رأى البعض أن التخلي عن هذا التقليد يفرغ الحفل من أحد أهم أدواره: التعبير عن التوتر الطبيعي بين الصحافة والسلطة بأسلوب ساخر.

صور ترمب والرئيسين السابقين باراك أوباما وجورج دبليو بوش أسفلها لوحات تحمل تعليقات عن كل رئيس (أ.ب)

ذاكرة 2011: السخرية التي لم تُنسَ

لا يمكن فصل هذا التحول عن تجربة عام 2011، عندما تعرض ترمب لسخرية مباشرة من الرئيس باراك أوباما والكوميدي سيث مايرز خلال الحفل، في لحظة بقيت راسخة في الذاكرة السياسية الأميركية. ورغم نفي ترمب لاحقاً تأثره بتلك الليلة، فإن العديد من المحللين يرون أنها شكّلت نقطة مفصلية في علاقته بالإعلام، وربما في مسيرته السياسية نفسها. واليوم، ومع عودة ترمب لأول مرة لحضور الحفل، يبدو أن المنظمين اختاروا تجنب تكرار هذا السيناريو؛ ما يعكس تغيراً في ميزان العلاقة بين الطرفين.

خلال ولايته الرئاسية قام باراك أوباما بأعمال تطوّعية لمساعدة المعوزين (أ.ف.ب)

جدل داخل الوسط الإعلامي

وقد أثارت عودة ترمب إلى الحفل انقساماً واضحاً داخل الأوساط الصحافية، فقد عبّرت منظمات إعلامية بارزة عن قلقها من «الاحتفاء» برئيس اتهمته بشن «أوسع هجوم منهجي على حرية الصحافة» في تاريخ الولايات المتحدة الحديث. وقد اعترض أكثر من 250 صحافياً والعديد من مجموعات الدفاع عن حرية الإعلام في رسالة مفتوحة من أن حضور ترمب لهذا الحدث يمثل «تناقضاً صارخاً مع الغرض الأساسي الذي أُقيم من أجله.

وأشارت شبكة «سي بي إس» إلى سلسلة من الإجراءات التي اتخذتها الإدارة، من تقييد الوصول إلى بعض الفعاليات، إلى النزاعات القانونية مع مؤسسات إعلامية كبرى، وصولاً إلى خطاب سياسي يتضمن أوصافاً حادة للصحافيين. وفي رسالة مفتوحة، دعت إلى استغلال الحفل لتوجيه رسالة «دفاع قوي عن حرية الصحافة». وفي المقابل، يدافع منظمو الحفل عن قرارهم، مؤكدين أن الهدف الأساسي ليس السخرية من الرئيس، بل دعم الصحافة من خلال تمويل المنح الدراسية والجوائز المهنية، والاحتفاء بالتعديل الأول للدستور الأميركي الذي يكفل حرية التعبير.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ)

وقد أشارت ويجيا جيانغ رئيسة رابطة مراسلي البيت الأبيض - وهي كبيرة مراسلي شبكة «سي بي إس نيوز» - إلى أن هذا الحفل مخصص للاعتراف بالأهمية الجوهرية للتعديل الأول للدستور، وحضور الرئيس يعد تذكيراً حياً للمعنى الحقيقي للصحافة الحرة في هذا البلد.

ويتجاوز الجدل مسألة شكل الحفل إلى جوهره؛ فالبعض يرى أن الحدث، الذي تحوّل في السنوات الأخيرة إلى مناسبة اجتماعية كبرى تجمع السياسيين والإعلاميين والمشاهير، يعكس تقارباً مقلقاً بين الصحافة والسلطة. بينما يرى آخرون أنه يوفر مساحة نادرة للحوار غير الرسمي بين الطرفين. وتبرز أهمية هذه المساحة في ظل إدارة تعتمد خطاباً تصادمياً مع الإعلام؛ ما يجعل أي فرصة للتواصل المباشر ذات دلالة سياسية.

الرئيس الأميركي السابق جو بايدن وعلى يمينه المذيع جيمي كيميل وعلى يساره الرئيس الأسبق باراك أوباما على مسرح الطاووس في لوس أنجليس (أ.ف.ب)

ماذا سيقول ترمب؟

يبقى أحد أبرز الأسئلة المطروحة هو طبيعة خطاب ترمب خلال الحفل. ففي حين اعتاد رؤساء سابقون، مثل بيل كلينتون وأوباما، استخدام هذه المناسبة للسخرية من أنفسهم وسياساتهم، يشكك مراقبون في أن يسلك ترمب المسار نفسه. ويتوقع بعض الخبراء أن يستغل المنصة لتأكيد مواقفه من الإعلام، وربما تقديم روايته الخاصة حول العلاقة المتوترة معه. وفي هذا السياق، تشير تحليلات إلى احتمال أن يركز على ما يعده «نجاحاً» في مواجهة الإعلام، في خطاب قد يحمل طابعاً سياسياً أكثر منه فكاهياً.

المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت (رويترز)

على الصعيد الأمني، تشهد واشنطن استعدادات مكثفة للحفل، مع إغلاق شوارع رئيسية منذ الصباح الباكر في محيط فندق هيلتون الذي يستضيف الحفل، وانتشار واسع لقوات الأمن، نظراً لحضور الرئيس وكبار المسؤولين، إضافة إلى احتمال تنظيم احتجاجات من قبل صحافيين أو ناشطين. ولا تمثل عودة ترمب إلى «عشاء مراسلي البيت الأبيض» مجرد مشاركة بروتوكولية، بل تعكس إعادة تعريف أوسع للعلاقة بين السلطة والإعلام في الولايات المتحدة؛ فالحفل، الذي كان يوماً منصة للسخرية المتبادلة، يتحول اليوم إلى مساحة أكثر حذراً، تحكمها حسابات سياسية معقدة.