من هي وكيلة العقارات التي حسمت قضية 11 سبتمبر؟

واحد من أهم القرارات في تاريخ محكمة الحرب الأميركية

إسكالييه التي كانت آنذاك عميدة في الجيش الأميركي تتحدث خلال تدريب القيادة القانونية الاحتياطية للجيش عام 2019 (نيويورك تايمز)
إسكالييه التي كانت آنذاك عميدة في الجيش الأميركي تتحدث خلال تدريب القيادة القانونية الاحتياطية للجيش عام 2019 (نيويورك تايمز)
TT

من هي وكيلة العقارات التي حسمت قضية 11 سبتمبر؟

إسكالييه التي كانت آنذاك عميدة في الجيش الأميركي تتحدث خلال تدريب القيادة القانونية الاحتياطية للجيش عام 2019 (نيويورك تايمز)
إسكالييه التي كانت آنذاك عميدة في الجيش الأميركي تتحدث خلال تدريب القيادة القانونية الاحتياطية للجيش عام 2019 (نيويورك تايمز)

تفوقت سوزان إسكالييه في عملها محاميةً في الجيش. خلال 32 عاماً من خدمتها العسكرية، قفزت من الطائرات، وخدمت في العراق ثلاث مرات، وكانت عدَّاءة متفانية وتنافسية. ثم أُصيبت بسكتة دماغية واضطرت إلى التقاعد عام 2021. لذا، قبل عام واحد، عندما عُرض عليها العمل مسؤولة في البنتاغون عن نظام محاكم الحرب في خليج غوانتانامو، كانت بمثابة تذكرة عودتها إلى الخدمة العسكرية.

مدخل محكمة الحرب الأميركية في غوانتانامو (نيويورك تايمز)

لقد كان عملاً غير مُجزٍ، وغير مرئي إلى حد كبير، وحتى أقل الأعمال فهماً. لعدة أشهر، أشرفت السيدة إسكالييه بهدوء على قضايا عمرها سنوات.

صفقة الإقرار بالذنب

اتخذت أحد أهم القرارات في تاريخ المحكمة، إذ أثارت أحداثاً لفتت الانتباه إلى دورها وإلى اللجان العسكرية غير الفعالة. في 31 يوليو (تموز)، وافقت السيدة إسكالييه على صفقة الإقرار بالذنب مع الرجل المتهم بتدبير مؤامرة «11 سبتمبر (أيلول)»، خالد شيخ محمد، ومتهمين آخرين.

تعد موافقة سوزان إسكالييه على صفقة الإقرار بالذنب من أهم القرارات بتاريخ محكمة الحرب في خليج غوانتانامو (نيويورك تايمز)

عقوبة السجن مدى الحياة

وفي مقابل الإقرار بالذنب، يقضي المتهمون عقوبة السجن مدى الحياة بدلاً من مواجهة عقوبة الإعدام في يوم من الأيام. وبعد يومين، تراجع وزير الدفاع لويد أوستن، عن قرارها.

والآن، يجب على القاضي أن يقرر ما إذا كان السيد أوستن قد تصرف على نحو صحيح عندما ألغى قرارها.

كان القاضي قد وافق على الاستماع إلى الحجج بشأن هذه المسألة هذا الشهر. ولكن في أمرٍ أصدره، يوم الاثنين، قال إنه سيُصدر حكماً «من دون مرافعة شفوية» استناداً إلى الملفات المكتوبة المقدَّمة من المحامين. كما سَلَب السيد أوستن أيضاً سلطة السيدة إسكالييه للتوصل إلى اتفاقات الإقرار بالذنب في القضايا ضد الرجال المتهمين بالمساعدة في تخطيط وتمويل عمليات الاختطاف التي أسفرت عن مقتل ما يقرب من 3000 شخص في 11 سبتمبر 2001.

وهي تواصل عملها في مبنى مكتبي عادي للغاية في مدينة الإسكندرية بولاية فرجينيا، وتحمل نفس اللقب وإنما بمسؤوليات أقل. أولئك الذين يعملون في مكاتبها ليس لديهم الكثير ليقولوه عن رئيستهم، التي يتلخص دورها في جزء قضائي وآخر إداري.

محامية عسكرية بارزة

وقد وصفها البعض بأنها منعزلة وغير مرحة. ورفضت طلب إجراء مقابلة معها. لكن الضباط الأميركيين الذين عملوا معها يقولون إنها كانت محامية عسكرية بارزة ترقَّت بثبات في الرتب العسكرية من وظيفة تتطلب الكثير إلى أخرى في مهنة نقلتها إلى الشرق الأوسط وأفريقيا. قال الجنرال جون ألتنبورغ جونيور، الذي أصبح أول مشرف على محكمة الحرب عام 2003 بعد تقاعده، إن السيدة إسكالييه شغلت «بعض أصعب الوظائف التي كان الجيش يخصِّصها للمحامين، وخرجت من الطرف الآخر برتبة نجمة واحدة»، وهي رتبة العميد.

يأتي أحد تصريحاتها العامة الأخيرة من شريط فيديو عام 2019، عندما نصحت، بصفتها عميداً، المحامين العسكريين الجدد بأن وظيفتهم قد تتطلب إخبار أحد القادة بأن مسار العمل محظور أو غير قانوني.

يواجه خالد شيخ محمد، المتهم بتدبير هجمات 11 سبتمبر، وأربعة متهمين آخرين، اتهامات في محكمة عسكرية أميركية في خليج غوانتانامو بمساعدة عمليات الاختطاف التي أسفرت عن مقتل ما يقرب من 3000 شخص. وتصل عقوبة هذه التهم إلى الإعدام.

المحاكمة: كانت الاتهامات قد وُجهت إلى المتهمين عام 2012، لكنَّ القضية كانت غارقة في إجراءات ما قبل المحاكمة، وركز كثير منهم على تعذيب وكالة الاستخبارات المركزية للمتهمين.

دور التعذيب: في عام 2021، رفض قاضٍ عسكري في قضية كبرى أخرى في غوانتانامو الأدلة الرئيسية لأن ذلك السجين تعرض للتعذيب.

ويطعن محامو الدفاع في قضية «11 سبتمبر» في نفس النوع من الأدلة، ويسعون إلى رفض القضية أو احتمال صدور حكم بالإعدام بسبب التعذيب.

صفقة الإقرار بالذنب: أجاز مسؤول في البنتاغون التوصل إلى اتفاق بشأن الإقرار بالذنب يهدف إلى حل القضية من خلال إصدار أحكام بالسجن مدى الحياة بحق خالد شيخ محمد ومتهمين آخرين.

وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن ألغى الاتفاق على نحو مفاجئ (نيويورك تايمز)

ولكنَّ وزير الدفاع لويد أوستن ألغى الاتفاق على نحو مفاجئ، مما أعاد إحياء احتمال أن يواجهوا يوماً ما عقوبة الإعدام. ويطعن محامو الدفاع الآن في رد فعل أوستن بوصفه غير قانوني، أو أنه صدر ببساطة بعد فوات الأوان.

المتهمون في هجمات سبتمبر

المدعى عليهم في صفقة الإقرار بالذنب: إلى جانب خالد شيخ محمد، اتُّهم محمد بن عطاش بتدريب اثنين من الخاطفين، والبحث في الرحلات الجوية وجداول الرحلات، واختبار قدرة أحد الركاب على إخفاء شفرة حلاقة على متن الرحلات الجوية. واتُّهم مصطفى الهوساوي بمساعدة بعض الخاطفين مالياً وفي ترتيبات السفر.

المدعى عليهم الآخرون: أما عمار البلوشي فهو متهم بتحويل أموال من الإمارات إلى بعض الخاطفين في الولايات المتحدة. وقد اختار عدم الانضمام إلى صفقة الإقرار بالذنب وقد يواجه المحاكمة وحده.

واتُّهم رمزي بن الشيبة بالمساعدة في تنظيم خلية للخاطفين في ألمانيا. وفي عام 2023، وُجد أنه غير مؤهل طبياً للمثول أمام المحكمة وأُبعد من القضية، وقد يواجه يوماً ما محاكمة إذا استعاد صحته العقلية.

ابنة صيدلاني ووكيلة عقارات

قالت: «يجب عليكم فقط الوقوف بحزم وأن تقولوا: هذا هو القانون».

نشأت إسكالييه في مدينة لوس بانوس الصغيرة في وسط ولاية كاليفورنيا، وهي ابنة صيدلاني ووكيلة عقارات. وورد اسمها في الصحيفة المحلية لكونها ضمن قائمة الشرف للمدرسة الثانوية عام 1980، ثم مرة أخرى للحصول على منحة دراسية للالتحاق بجامعة بيركلي - كاليفورنيا.

وروت مقالة أخرى أنها بعد سنتها الأولى في الكلية، زارت إسكالييه رفقة صديقة لها لوس أنجليس، وحصلتا على فترات عمل ممثلتَين إضافيتين في مشهد الحانة في مسلسل «أيام حياتنا،» التلفزيوني الذي عُرض للمرة الأولى في الأسبوع الذي وُلدت فيه. ذهبت إلى الجامعة في بيركلي لدراسة الأدب ولتصبح معلمة، وفقاً لإعلان المنحة الدراسية. ولكن بحلول السنة الدراسية الأولى انضمت إلى برنامج تدريب ضباط الاحتياط بالجيش.

وفي غضون سنوات قليلة اكتشفت برنامجاً للجيش يُرسل ضباطاً واعدين إلى كلية الحقوق، في حالتها كانت جامعة ولاية أوهايو. وفي بداية حياتها المهنية، كانت من بين أولى المظليات الإناث اللاتي تم تعيينهن في وحدة مشاة، وهي فريق اللواء القتالي الثالث التابع للفرقة 82 المحمولة جواً، وفقاً للعقيدة كانديس فروست، التي كانت أولى المظليّات، عام 1999. وقالت العقيدة فروست، التي كان ضابطة استخبارات وهي الآن متقاعدة: «لقد تولت أصعب المهام في الجيش مراراً وتكراراً. ولا أستطيع أن أفكر في فرد بفيلق القاضي العسكري العام خاض المواقف القتالية أكثر منها»، في إشارةٍ إلى فيلق القاضي العسكري العام بجيش الولايات المتحدة. كما اكتسبت احترامها في الجيش بسبب قدرتها على التحمل البدني، في وقت كانت النساء مستبعدات فيه من تولي الأدوار القتالية. وقال رئيس سابق إن إسكالييه بدأت القفز بالمظلات من أجل الرياضة في ولاية نورث كارولاينا مع النجم الصاعد، ديفيد إتش بترايوس، لتصبح «واحدة من رفاق بترايوس في القفز».

كان ذلك قبل فترة طويلة من تولي الجنرال بترايوس قيادة الفرقة 101 المحمولة جواً، وسافرت بوصفها عضواً في الفريق القانوني لتقديم المشورة إلى فريق «النسور الصارخة» في غزو العراق عام 2003. وقال الجنرال بترايوس، عبر البريد الإلكتروني: «لقد أثارت إعجابي كمستشارة قانونية بارعة للغاية وجندية مظلية مثير للإعجاب أيضاً».

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

حكم قضائي يسمح لموريتاني معتقل سابق في غوانتانامو بدخول ألمانيا

شمال افريقيا عناصر شرطة ألمانية (رويترز - أرشيفية)

حكم قضائي يسمح لموريتاني معتقل سابق في غوانتانامو بدخول ألمانيا

قضت محكمة ألمانية بالسماح للموريتاني محمدو ولد صلاحي الذي كان معتقلاً في غوانتانامو والذي جسدت هوليوود قصته في فيلم «الموريتاني»، بالدخول إلى ألمانيا مجدداً.

«الشرق الأوسط» (برلين)
أوروبا صورة أرشيفية غير مؤرخة قدّمتها «القيادة المركزية الأميركية» تظهر أبو زبيدة (أ.ب)

بريطانيا توافق على دفع «مبلغ ضخم» لتسوية دعوى أقامها معتقل في غوانتانامو

قال محامي أحد معتقلي خليج غوانتانامو، الاثنين، إن الحكومة البريطانية وافقت على دفع «مبلغ ضخم» لتسوية دعوى قضائية أقامها المعتقل.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ مدخل محكمة «غوانتانامو» (أ.ب)

قضاة جدد في غوانتانامو يتسلمون قضية «أحداث 11 سبتمبر»

عادت القضية المرفوعة ضد الرجال المتهمين بالتخطيط لـ«هجمات 11 سبتمبر (أيلول)» الإرهابية عام 2001 إلى مسار العمل مدة وجيزة هذا الأسبوع.

كارول روزنبرغ (واشنطن)
الولايات المتحدة​ العقيد جوناثان فون انضم إلى سلاح مشاة البحرية قبل أحداث 11 سبتمبر (نيويورك تايمز)

اختيار ضابط سابق في مشاة البحرية لقيادة فرق الدفاع في غوانتانامو

اختير العقيد جوناثان فون، الذي انضم إلى سلاح مشاة البحرية قبل أحداث 11 سبتمبر (أيلول)، مع عودة القضاة إلى خليج غوانتانامو. واختارت إدارة ترمب عقيداً في مشاة…

كارول روزنبرغ (واشنطن )
الولايات المتحدة​ برج مراقبة... البوابة الرئيسية للمعتقل الموجود بقاعدة غوانتانامو الأميركية في جزيرة كوبا يوم 16 أكتوبر 2018 (أ.ف.ب) p-circle

رفض طلب إدارة ترمب إسقاط دعوى تطعن على احتجاز مهاجرين في غوانتانامو

رفضت قاضية فيدرالية طلباً من إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب برفض دعوى قضائية تطعن على احتجاز مهاجرين في القاعدة البحرية الأميركية بخليج غوانتانامو.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

ترمب: الحرب على إيران تقترب من نهايتها

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع وسائل الإعلام على متن طائرة الرئاسة في 29 مارس 2026 أثناء توجهه إلى قاعدة أندروز المشتركة في ماريلاند (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع وسائل الإعلام على متن طائرة الرئاسة في 29 مارس 2026 أثناء توجهه إلى قاعدة أندروز المشتركة في ماريلاند (أ.ف.ب)
TT

ترمب: الحرب على إيران تقترب من نهايتها

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع وسائل الإعلام على متن طائرة الرئاسة في 29 مارس 2026 أثناء توجهه إلى قاعدة أندروز المشتركة في ماريلاند (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع وسائل الإعلام على متن طائرة الرئاسة في 29 مارس 2026 أثناء توجهه إلى قاعدة أندروز المشتركة في ماريلاند (أ.ف.ب)

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الثلاثاء، إن العمليات العسكرية الأميركية على إيران «تقترب من نهايتها».

وأضاف ترمب في مقابلة مع شبكة «إن بي سي نيوز»: «نبلي بلاءً حسناً... العمليات تقترب من نهايتها»، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

دخلت المواجهة في الشرق الأوسط منعطفاً شديد الخطورة، حيث رفع الرئيس الأميركي دونالد ترمب وتيرة الضغوط العسكرية والسياسية على إيران إلى مستويات غير مسبوقة. وفي تحول ميداني بارز، اتسعت رقعة الحرب لتشمل ضربات أميركية-إسرائيلية منسقة طالت منشآت عسكرية حيوية في قلب العاصمة طهران ومدينة أصفهان، وسط مؤشرات على غياب أي تراجع قريب في حدة الهجمات.

سياسياً، تمسك ترمب بمطلب إعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية، موجهاً رسائل حازمة لحلفاء واشنطن بضرورة تحمل دور أكبر في هذه المعركة. وفي تصريح يعكس نهجه «الواقعي»، قال ترمب إن الدول المتضررة من ارتفاع أسعار الوقود يجب أن «تذهب وتجلب نفطها بنفسها»، منتقداً الحلفاء الذين لا يشاركون بفعالية في تأمين الممر الحيوي.


ترمب ينتقد عدم تعاون فرنسا في الحرب على إيران

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يسير في الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض لدى عودته إلى العاصمة واشنطن يوم 29 مارس 2026 (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يسير في الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض لدى عودته إلى العاصمة واشنطن يوم 29 مارس 2026 (إ.ب.أ)
TT

ترمب ينتقد عدم تعاون فرنسا في الحرب على إيران

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يسير في الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض لدى عودته إلى العاصمة واشنطن يوم 29 مارس 2026 (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يسير في الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض لدى عودته إلى العاصمة واشنطن يوم 29 مارس 2026 (إ.ب.أ)

لاحظ الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الثلاثاء، أن فرنسا لم تكن متعاونة مع الولايات المتحدة في الحرب على إيران، منتقداً حظرها تحليق الطائرات الأميركية فوق أراضيها، من دون أن يتضح ما كان يقصده بالضبط، حسبما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وكتب الرئيس الأميركي على منصته «تروث سوشيال»: «لم تسمح فرنسا للطائرات المتجهة إلى إسرائيل، والمحملة معدات عسكرية، بالتحليق فوق أراضيها. كانت فرنسا غير متعاونة إطلاقاً، بينما تتصل بالجزار الإيراني الذي تم القضاء عليه بنجاح».

وقال قصر الإليزيه للصحافيين، الثلاثاء، رداً على تصريحات ترمب، إن هذا القرار يتماشى مع الموقف الفرنسي منذ بداية الحرب، وأضاف: «لم تُغيِّر فرنسا موقفها منذ البداية. لقد فوجئنا بهذا المنشور» لترمب.

ولم تعلن باريس رسمياً أو علناً حظراً لتحليق الطائرات الأميركية المشاركة في الحرب فوق أراضيها، على عكس إسبانيا.

وكانت إسبانيا التي أعلنت حكومتها اليسارية «معارضتها التامة» للهجمات الأميركية الإسرائيلية على إيران، أعلنت الاثنين إغلاق مجالها الجوي أمام الطائرات الأميركية المشاركة في الحرب.


هل يضيق سقف الأهداف الأميركية فيما ترفع إيران كلفة التحدي؟

روبيو لدى وصوله إلى مقر الاجتماع قرب باريس 27 مارس (رويترز)
روبيو لدى وصوله إلى مقر الاجتماع قرب باريس 27 مارس (رويترز)
TT

هل يضيق سقف الأهداف الأميركية فيما ترفع إيران كلفة التحدي؟

روبيو لدى وصوله إلى مقر الاجتماع قرب باريس 27 مارس (رويترز)
روبيو لدى وصوله إلى مقر الاجتماع قرب باريس 27 مارس (رويترز)

لم يعد السؤال في واشنطن حول ما إذا كانت الولايات المتحدة وإسرائيل نجحتا في إلحاق ضرر عسكري كبير بإيران، بل ما إذا كان هذا النجاح يكفي لتبرير وقف الحرب قبل إعادة فتح مضيق هرمز بالكامل.

فالإشارات الأخيرة الصادرة عن البيت الأبيض والتسريبات الصحافية توحيان بأن الرئيس دونالد ترمب بات أقرب إلى تضييق أهدافه العملية: ضرب البحرية الإيرانية، استنزاف مخزون الصواريخ، تقويض القاعدة الصناعية الدفاعية، ثم الانتقال إلى ضغط دبلوماسي يحمّل الآخرين عبء الملاحة والطاقة. غير أن هذه المقاربة لا تبدو مستقرة بعد؛ لأن ترمب نفسه يراوح بين لغة التهدئة ولغة التهديد، فيما تواصل طهران تقديم نفسها بوصفها الطرف الذي صمد عسكرياً وانتزع ورقة ضغط اقتصادية عالمية من خلال هرمز. بهذا المعنى، دخلت الحرب مرحلة أكثر تعقيداً: لم تعد معركة إسقاط النظام بالضرورة، لكنها لم تصبح أيضاً تسوية قابلة للحياة.

صورة جماعية لوزراء خارجية «السبع» يوم 27 مارس في «فو دي سيرني» (إ.ب.أ)

أهداف تتقلص

أبرز ما تكشف عنه التطورات الأخيرة أن إعادة فتح مضيق هرمز لم تعد، في الخطاب الأميركي الأحدث، هدفاً عسكرياً فورياً بالمعنى نفسه الذي طُرح سابقاً. «وول ستريت جورنال» ذكرت أن ترمب أبلغ مساعديه استعداده لإنهاء الحملة حتى إذا بقي المضيق مغلقاً إلى حد كبير، على أن تُترك مهمة إعادة فتحه لاحقاً للدبلوماسية أو لتحالفات دولية أوسع. وهذا التحول ليس تفصيلاً تقنياً، بل إقرار ضمني بأن انتزاع المضيق بالقوة قد يجر واشنطن إلى حرب أطول وأثقل مما يريده الرئيس، وخصوصاً إذا استلزم الأمر بقاء قوات برية أو السيطرة على عقد استراتيجية مثل جزيرة خرج أو فرض حماية دائمة للممر البحري.

Spain's Patriot system at Incirlik Air Base in southern Turkey (AFP)

لكن تضييق الأهداف لا يحل المعضلة، بل يعيد صياغتها. فإذا توقفت الحرب قبل فتح هرمز، تكون إيران قد خسرت كثيراً من قدراتها العسكرية، لكنها تكون أيضاً قد فرضت على العالم معادلة خطيرة: تستطيع قوة إقليمية متضررة أن تشل أحد أهم شرايين الطاقة ثم تنتزع مفاوضات من موقع التعطيل. لذلك يتركز كثير من النقد الأميركي حول الفجوة بين «النجاح العسكري» و«النتيجة الاستراتيجية». فالتوقف الآن قد يعني الاكتفاء بتقليص التهديد الإيراني من دون إزالة ورقة الابتزاز البحري، بينما يعني الاستمرار حتى فتح المضيق بالقوة احتمال الانزلاق إلى حرب مفتوحة النهاية.

إيران تراهن على البقاء

في المقابل، تبدو طهران كأنها قرأت هذا التردد الأميركي بوصفه فرصة لاختبار السقف النهائي لترمب. رسالتها المعلنة لا تقتصر على رفض الخطة الأميركية، بل تذهب أبعد من ذلك: لا تفاوض فعلياً قبل وقف الضربات، ولا عودة طبيعية للممر البحري قبل انتزاع تنازلات تتعلق بالسيادة والضمانات وربما التعويضات. ومن هنا يمكن فهم تصريحات نائب الرئيس الإيراني، محمد رضا عارف، عن أن «الأعداء» باتوا يطلبون التفاوض بشأن المضيق، في محاولة لتثبيت رواية داخلية وخارجية تقول إن إيران، رغم الضربات، لم تُهزم سياسياً، وإن هرمز جعل الآخرين بحاجة إليها أكثر مما تحتاج إليهم.

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي خلال مؤتمر صحافي في كييف (أ.ب)

هذا لا يعني أن إيران في وضع مريح. العكس هو الأرجح عسكرياً واقتصادياً. لكن حساباتها الحالية تبدو قائمة على أن البقاء السياسي أهم من الخسارة العسكرية، وأن مجرد استمرار قدرتها على تهديد الملاحة يمنحها موقعاً تفاوضياً أفضل من موقع طرف مهزوم تماماً. كما أن سماحها الانتقائي لبعض السفن أو لبعض الدول الصديقة بالمرور لا يعني فتح المضيق فعلاً، بل إدارة الإغلاق بطريقة تخلق شبكة مصالح وضغوط متعارضة بين القوى الكبرى، والمستوردين الآسيويين، والحلفاء الخليجيين. إنها تحاول تحويل هرمز من ساحة عسكرية إلى سوق مساومات.

رئيس الوزراء الإسباني والرئيس الفرنسي (إ.ب.أ)

الميدان يضغط

على جبهة المفاوضات، لا تزال الصورة ضبابية. هناك حديث أميركي عن اتصالات و«محادثات» أكثر منه عن مفاوضات كاملة، مع تداول دور لباكستان في نقل مقترحات، وسعي أطراف إقليمية ودولية إلى بلورة إطار يسمح بوقف الحرب أو على الأقل تجميدها. لكن اللافت أن واشنطن نفسها تبدو منقسمة في توصيف ما تريد الوصول إليه: ترمب يلمّح أحياناً إلى أن القيادة الإيرانية الجديدة «عقلانية»، ثم يعود إلى التهديد بضرب البنية التحتية للطاقة والكهرباء والمياه؛ وزير خارجيته ماركو روبيو يتحدث عن أسابيع قليلة إضافية لاستكمال الأهداف العسكرية، ثم يربط ملف هرمز بخيارات إيران أو بتحالف دولي لاحق.

صورة لانفجارات قوية قيل إنها لقصف أميركي بقنابل خارقة لإحدى القواعد العسكرية الإيرانية في مدينة أصفهان (رويترز)

هذا التناقض ليس مجرد فوضى خطابية، بل يعكس مأزقاً حقيقياً: كيف يمكن الجمع بين الرغبة في نهاية سريعة للحرب والحاجة إلى نتيجة لا تبدو كأنها تترك لإيران قدرة مزمنة على تعطيل التجارة العالمية؟ ميدانياً، يزيد هذا المأزق استمرار الحشد العسكري الأميركي. فبينما يلوّح ترمب بإنهاء الحرب من دون حسم ملف المضيق فوراً، تستمر واشنطن في دفع أصول عسكرية إضافية إلى المنطقة، ويستمر النقاش حول خيارات أكثر خطورة، من حماية الممرات بالقوة إلى السيطرة على عقد استراتيجية أو نشر مزيد من القوات البرية. وهذا وحده كافٍ للدلالة على أن خيار «الإنهاء السريع» لم يتحول بعد إلى قرار نهائي مستقر، بل لا يزال أداة ضغط تفاوضي قد تنقلب سريعاً إذا واصلت إيران الرفض أو رفعت مستوى التهديد.

حلفاء مرتبكون

خارجياً، تكشف الأزمة عن حدود الحلفاء أكثر مما تكشف عن قوتهم. بريطانيا تحاول تسويق مشاركتها على أنها «دفاعية» لا «هجومية»، رغم أن قواعدها تستضيف قاذفات أميركية تنفذ ضربات مرتبطة مباشرة بمسرح الحرب. أما أوروبا فمأزقها مضاعف: فهي تحتاج إلى استقرار الطاقة وحرية الملاحة، لكنها تخشى الغرق في حرب جديدة لا تملك أدوات التحكم بها، بينما تضغط عليها في الداخل فاتورة النفط والغاز والتضخم والإنفاق الدفاعي. لذلك، فإن أي رهان أميركي على أن يتولى الأوروبيون أو تحالف واسع مهمة إعادة فتح هرمز لاحقاً يصطدم بحقيقة أن هذه الأطراف لا تريد حرباً ممتدة، ولا تملك دائماً هامشاً سياسياً أو عسكرياً لتحملها.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب على درج الطائرة الرئاسية قبيل عودته إلى واشنطن من منتجعه في فلوريدا (رويترز)

وهنا برز العرض الأوكراني؛ فقد طرح الرئيس فولوديمير زيلينسكي خبرة بلاده في كسر الحصار البحري الروسي في البحر الأسود بوصفها نموذجاً يمكن الإفادة منه في هرمز. سياسياً، يحمل العرض رسالة بأن كييف تريد أن تقدم نفسها شريكاً أمنياً لا مجرد طالب سلاح. أما عملياً، فإن التجربة الأوكرانية تتضمن عناصر جدية، مثل استخدام المسيّرات البحرية، والدفاع الساحلي المتكامل، والتعامل مع الألغام، وتأمين ترتيبات الشحن والتأمين. لكن نقل هذه الخبرة إلى هرمز ليس أمراً آلياً؛ لأن الجغرافيا مختلفة، والخصم مختلف، وتشابك الحرب مع أسواق الطاقة العالمية أكبر بكثير. لذلك قد تكون القيمة الفعلية للعرض الأوكراني تقنية وتكتيكية أكثر منها حلاً استراتيجياً كاملاً..

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال اجتماعه برئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر في البيت الأبيض العام الماضي (رويترز)

في المحصلة، يبدو ترمب أقرب اليوم إلى حسم من نوع خاص: ليس حسم الحرب، بل حسم أولوياته داخلها. فإذا اختار إنهاء الحملة قبل فتح هرمز، فيكون قد قرر أن تقليص الخطر الإيراني أهم حالياً من فرض نظام ملاحي جديد بالقوة. وإذا تراجع عن ذلك، فسيكون قد أقر بأن أي نهاية للحرب من دون كسر قبضة إيران على المضيق هي نهاية ناقصة وربما مكلفة سياسياً. وحتى الآن، لا يبدو أن إيران مستعدة لتسهيل هذا الاختيار، بل تراهن على أن عنادها ومرونتها الانتقائية في آن سيدفعان واشنطن إلى قبول تسوية أدنى من شعاراتها الأولى. لهذا، فإن الأيام المقبلة لن تختبر فقط قدرة ترمب على إنهاء الحرب، بل قدرته على تعريف ما يعدّه «انتصاراً» أصلاً.