إسرائيل تسعى إلى منع صدور أمر اعتقال بحق نتنياهو

خبراء يطلبون من الجيش تخفيف عدد القتلى المدنيين

أطفال فلسطينيون قرب مسجد الفاروق المدمر برفح جنوب قطاع غزة اليوم الجمعة (أ.ف.ب)
أطفال فلسطينيون قرب مسجد الفاروق المدمر برفح جنوب قطاع غزة اليوم الجمعة (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تسعى إلى منع صدور أمر اعتقال بحق نتنياهو

أطفال فلسطينيون قرب مسجد الفاروق المدمر برفح جنوب قطاع غزة اليوم الجمعة (أ.ف.ب)
أطفال فلسطينيون قرب مسجد الفاروق المدمر برفح جنوب قطاع غزة اليوم الجمعة (أ.ف.ب)

بعد سلسلة اجتماعات سرية، قررت الحكومة الإسرائيلية إطلاق حملة سياسية وقضائية لمنع محكمة الجنايات الدولية في لاهاي من إصدار أوامر اعتقال دولية بحق عدد كبير من القادة السياسيين والعسكريين، في مقدمهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو للتحقيق معهم في شبهات ارتكاب جرائم حرب في غزة.

وحسب «القناة 12» للتلفزيون الإسرائيلي، الليلة الماضية، فإن الحكومة كانت واعيةً لهذا الخطر، وأجرت عدة مداولات سرية بشأنه خلال الشهور الستة الماضية. ولكن معلومات وردت إليها في اليومين الأخيرين تظهر أن تطورات جديدة تؤكد أن الخطر في إصدار أوامر اعتقال بات قريباً جداً أكثر من التصورات السابقة، وأن هناك احتمالاً بأن تصدر أوامر الاعتقال الأولى في نهاية الشهر الحالي. ويبدو أن هذه المعلومات تعززت عندما التقى نتنياهو مع وزيري الخارجية البريطاني ونظيرته الألمانية في إسرائيل قبل يومين.

وحسب القناة، فقد طلب نتنياهو منهما الوقوف إلى جانب إسرائيل في هذه القضية والعمل على «إجهاض محاولات أعداء إسرائيل لإفقادها شرعيتها». وفي الليلة نفسها (الثلاثاء)، عقدت جلسة مشاورات بقيادة نتنياهو، شارك فيها كل من وزير الشؤون الاستراتيجية رون دريمر، ووزير الخارجية يسرائيل كاتس، ووزير القضاء ياريف لفين، وعدد من كبار رجال القضاء والخبراء في القانون الدولي. ورأى المجتمعون أن هناك «تطوراً درامياً حصل في لاهاي يجعل قضية إصدار أوامر الاعتقال ضد نتنياهو ورفاقه واقعية جداً».

وبناءً على هذه المعلومات، تقرر تنظيم حملة سياسية وقانونية دولية لمنع هذا التطور، مع الأخذ بالاعتبار أن التهمة الأساسية تتعلق بالممارسات الإسرائيلية على الأرض في غزة، حيث يقتل عدد كبير من المدنيين وتُباد عائلات بأكملها لا علاقة لها بـ«حماس»، ويوجد نقص شديد في الغذاء والأدوية والخدمات الطبية. ومن ضمن معالجة هذه القضية طلب الخبراء من الجيش الإسرائيلي إحداث تغيير على الأرض. كما طلب نتنياهو حث وزرائه عن التوقف عن إطلاق تصريحات هوجاء تجاه غزة والفلسطينيين، لأن كل تصريح يتم تسجيله وطرحه على المحكمة.

وحسب تقدير الخبراء، فإن إسرائيل واجهت وضعاً كهذا في الماضي، وتمكنت من إجهاض الاعتقالات، خصوصاً للمسؤولين الذين يتمتعون بحصانة دبلوماسية، مثل رئيس الحكومة والوزراء. لكنها تخشى أن تفشل في الجهود الدولية إذا استمرت الحرب.


مقالات ذات صلة

حساب الخسارة والربح في الحرب غير المتعادلة بين إسرائيل و«حزب الله»

تحليل إخباري دخان يتصاعد بعد غارة إسرائيلية على مدينة صور جنوب لبنان في 15 مايو 2026 (أ.ف.ب)

حساب الخسارة والربح في الحرب غير المتعادلة بين إسرائيل و«حزب الله»

تحتلّ إسرائيل مباشرةً داخل لبنان المنطقة الصفراء، لكنها تخلق منطقة عازلة انطلاقاً من المنطقة الصفراء حتى الليطاني عبر اعتماد مبدأ «منطقة عازلة بالنار».

المحلل العسكري (لندن)
المشرق العربي أطفال فلسطينيون يشقون طريقهم بين أنقاض المباني في مخيم الشاطئ للاجئين شرق غزة (أ.ف.ب)

«اتفاق غزة»: مسار دخول «لجنة التكنوقراط» مُهدد بمخاوف تصعيد عسكري

كشفت تسريبات إسرائيلية عن تحركات لتفعيل «لجنة إدارة غزة» (التكنوقراط) التي توجد في القاهرة، وإمكانية دخولها قطاع غزة، في حين تسود مخاوف من توسيع التصعيد الحالي.

محمد محمود (القاهرة)
المشرق العربي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (د.ب.أ) p-circle

نتنياهو: القوات الإسرائيلية تسيطر حالياً على 60 % من غزة

قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إن القوات الإسرائيلية وسّعت نطاق سيطرتها في قطاع غزة إلى أكثر من نصف مساحة القطاع.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
خاص فلسطينيون يشيعون عز الدين الحداد في مدينة غزة السبت الماضي (رويترز) p-circle

خاص مَن أبرز قيادات «حماس» الذين اغتالتهم إسرائيل رغم وقف إطلاق النار؟

تمكنت إسرائيل، منذ إعلان اتفاق وقف النار مع «حماس» في أكتوبر الماضي، مِن اغتيال قيادات بارزة في «كتائب القسام» الجناح المسلح لـ«حماس»... فمَن هم؟

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي مشيعون يحملون جثماناً خلال جنازة فلسطينيين قُتلوا في غارة إسرائيلية على مدينة غزة (رويترز) p-circle

مقتل 4 فلسطينيين في غارات إسرائيلية على غزة

قال مسؤولون بمجال الصحة إن غارات إسرائيلية أودت بحياة أربعة فلسطينيين على الأقل في قطاع غزة الأحد

«الشرق الأوسط» (غزة)

الاتحاد الأوروبي يجدد عقوباته على شخصيات من نظام الأسد

اجتماع مجلس الشؤون الخارجية في بروكسل لوزراء خارجية الاتحاد الأوروبي لمناقشة الحرب الأوكرانية والحوار السياسي رفيع المستوى بين الاتحاد الأوروبي وسوريا11 مايو  (إ.ب.أ)
اجتماع مجلس الشؤون الخارجية في بروكسل لوزراء خارجية الاتحاد الأوروبي لمناقشة الحرب الأوكرانية والحوار السياسي رفيع المستوى بين الاتحاد الأوروبي وسوريا11 مايو (إ.ب.أ)
TT

الاتحاد الأوروبي يجدد عقوباته على شخصيات من نظام الأسد

اجتماع مجلس الشؤون الخارجية في بروكسل لوزراء خارجية الاتحاد الأوروبي لمناقشة الحرب الأوكرانية والحوار السياسي رفيع المستوى بين الاتحاد الأوروبي وسوريا11 مايو  (إ.ب.أ)
اجتماع مجلس الشؤون الخارجية في بروكسل لوزراء خارجية الاتحاد الأوروبي لمناقشة الحرب الأوكرانية والحوار السياسي رفيع المستوى بين الاتحاد الأوروبي وسوريا11 مايو (إ.ب.أ)

قرر مجلس الاتحاد الأوروبي، اليوم، تجديد الإجراءات التقييدية التي فرضها الاتحاد على الأفراد والكيانات المرتبطة بنظام الأسد السابق في سوريا حتى 1 يونيو (حزيران) 2027. وجاء تمديد هذه الإجراءات التقييدية عقب المراجعة السنوية التي أجراها المجلس لنظام العقوبات.

وفي الوقت نفسه، قرر المجلس رفع سبعة كيانات من قائمة العقوبات، من بينها وزارتا الدفاع والداخلية، ويهدف هذا القرار إلى دعم تعزيز مشاركة الاتحاد الأوروبي مع سوريا.

وزير الداخلية أنس خطاب مستقبلا رئيس بعثة الاتحاد الأوروبي إلى سوريا ميخائيل أونماخت في زيارة رسمية للتنسيق الإقليمي (سانا)

وفي 11 مايو (أيار) 2025، رُفعت جميع العقوبات الاقتصادية المفروضة على سوريا لدعم الانتقال السلمي والشامل، والتعافي الاجتماعي والاقتصادي، وإعادة الإعمار. وفي الوقت نفسه، أبقى الاتحاد الأوروبي على الإجراءات التقييدية الموجهة ضد الأفراد والكيانات المرتبطة بنظام الأسد السابق، "بالإضافة إلى العقوبات القائمة على أسس أمنية".

ويرى الاتحاد الأوروبي أن الشبكات المرتبطة بنظام الأسد السابق، لا تزال تتمتع بنفوذ وتشكل خطراً على عملية الانتقال، وتعرقل الجهود المبذولة لتحقيق المصالحة الوطنية والمساءلة.

يخضع الأشخاص المدرجون على القائمة لتجميد أصولهم، ويُحظر على مواطني الاتحاد الأوروبي وشركاته تقديم أي تمويل لهم. كما يخضع الأفراد لحظر سفر يمنعهم من دخول دول الاتحاد الأوروبي أو المرور عبرها.

من اليسار: رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين ووزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ووزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي يحضرون مؤتمر الاتحاد الأوروبي بشأن سوريا في بروكسل 17 مارس 2025 (إ.ب.أ)

وفرض الاتحاد الأوروبي لأول مرة تدابير تقييدية في العام 2011 في ضوء الوضع في سوريا، ردًا على القمع العنيف الذي مارسه نظام الأسد ضد المدنيين. وبعد سقوط هذا النظام، خفف المجلس في 24 فبراير (شباط) 2025 عددًا من التدابير التقييدية للاتحاد الأوروبي في ضوء الوضع في سوريا، بهدف تسهيل التواصل مع البلاد وشعبها وشركاتها.

وفي 20 مايو 2025، أكد المجلس التزامه المستمر بدعم الشعب السوري والانتقال السلمي والشامل، وذلك بإعلانه القرار السياسي برفع جميع العقوبات الاقتصادية (باستثناء تلك القائمة على أسس أمنية)، مما يمثل تحولًا تاريخيًا نحو دعم انتقال سوريا وتعافيها في مرحلة ما بعد الأسد.

مسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي كايا كالاس (أ.ب)

وفي الآونة الأخيرة، في 11 مايو 2026، أعاد المجلس تطبيق اتفاقية التعاون بين الاتحاد الأوروبي وسوريا بشكل كامل، والتي تم تعليقها جزئياً في عام 2011 رداً على الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي ارتكبها نظام الأسد.

وقالت مسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، إن وزراء خارجية الاتحاد توصلوا إلى اتفاق لرفع العقوبات المفروضة على وزيري الداخلية والدفاع السوريين.

واتفق الوزراء، على استئناف العلاقات التجارية مع سوريا ومعاودة تفعيل اتفاق التعاون الذي جرى تعليقه في عام 2011 عندما تحوّلت الانتفاضة على الرئيس آنذاك بشار الأسد إلى حرب أهلية استمرت 14 عاماً.


«حزب الله» يعلن استهداف منصة للقبة الحديدية في شمال إسرائيل

تصاعد الدخان جراء غارة إسرائيلية على جنوب لبنان (د.ب.أ)
تصاعد الدخان جراء غارة إسرائيلية على جنوب لبنان (د.ب.أ)
TT

«حزب الله» يعلن استهداف منصة للقبة الحديدية في شمال إسرائيل

تصاعد الدخان جراء غارة إسرائيلية على جنوب لبنان (د.ب.أ)
تصاعد الدخان جراء غارة إسرائيلية على جنوب لبنان (د.ب.أ)

أعلن «حزب الله»، اليوم الاثنين، أنه استهدف منصة للقبة الحديدية في معسكر تابع للجيش الإسرائيلي في شمال الدولة العبرية، التي تُواصل غاراتها على جنوب لبنان، رغم تمديد الهدنة، وفق ما أوردته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلن «الحزب»، في بيان، استهداف «منصة للقبة الحديدية تابعة لجيش العدوّ الإسرائيليّ في معسكر غابات الجليل بمحلّقة انقضاضية»؛ وذلك «رداً على خرق العدوّ الإسرائيليّ وقف إطلاق النار والاعتداءات التي طالت القرى في جنوب لبنان وأسفرت عن ارتقاء شهداء وعدد من الجرحى بين المدنيّين».

ساد الهدوء الحذِر قرى وبلدات جنوب لبنان، بعد دخول وقف إطلاق النار الثالث، الذي أعلنته وزارة الخارجية الأميركية، حيز التنفيذ منتصف ليل أمس.

وذكرت «الوكالة الوطنية للإعلام»، اليوم، أن الهدوء الحذِر ساد «قرى وبلدات القطاع الغربي، وصولاً إلى القطاع الأوسط، في جنوب لبنان، بعد دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، منتصف الليل، إلا أن الطائرات المُسيرة المعادية لم تغادر أجواء منطقة صور، بالإضافة إلى بعض أصوات الانفجارات التي سُمعت صباحاً في القطاع الغربي».

ولم تسجل عودة للنازحين إلى بلداتهم؛ خوفاً من الاعتداءات التي تتكرر مع كل هدنة أو وقف لإطلاق النار. وكانت وزارة الخارجية الأميركية قد أعلنت، يوم الجمعة الماضي، تمديد وقف إطلاق النار لمدة 45 يوماً، بعد انتهاء الجولة الثالثة من المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية، برعاية أميركية، التي عُقدت يومي الخميس والجمعة الماضيين في واشنطن، كما أعلنت انطلاق المسار الأمني بين البلدين في وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) في 29 من الشهر الحالي، بمشاركة وفود عسكرية من كلا البلدين. على أن يستأنف المسار السياسي في الثاني والثالث من يونيو (حزيران) المقبل.

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد أعلن وقف إطلاق النار لمدة 10 أيام بين لبنان وإسرائيل، ابتداء من منتصف ليل 16 أبريل (نيسان) الماضي، بعد غارات إسرائيلية مكثفة استهدفت لبنان منذ الثاني من مارس (آذار) الماضي. كما أعلن، في 23 من الشهر الماضي، تمديد وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان لمدة ثلاثة أسابيع. ولم تلتزم إسرائيل بوقف إطلاق النار.


حساب الخسارة والربح في الحرب غير المتعادلة بين إسرائيل و«حزب الله»

دخان يتصاعد بعد غارة إسرائيلية على مدينة صور جنوب لبنان في 15 مايو 2026 (أ.ف.ب)
دخان يتصاعد بعد غارة إسرائيلية على مدينة صور جنوب لبنان في 15 مايو 2026 (أ.ف.ب)
TT

حساب الخسارة والربح في الحرب غير المتعادلة بين إسرائيل و«حزب الله»

دخان يتصاعد بعد غارة إسرائيلية على مدينة صور جنوب لبنان في 15 مايو 2026 (أ.ف.ب)
دخان يتصاعد بعد غارة إسرائيلية على مدينة صور جنوب لبنان في 15 مايو 2026 (أ.ف.ب)

يُخاض أغلب حروب القرن الحادي والعشرين حتى الآن، بين قوى ليست متعادلة، إن كان في القوى العسكريّة؛ الوسائل كما التنظيم وغيرها. في القرن الحادي والعشرين، تناقصت تكلفة الحرب إلى حدّها الأدنى، وبحيث أصبح اللاعب «اللادولتيّ» (Non State Actor) قادراً على خوضها وبتكلفة بخسة. يقدّر كثير من المصادر تكلفة كارثة 11 سبتمبر (أيلول) 2001، بأنها لا تتجاوز 500 ألف دولار أميركيّ. بينما تجاوزت تكلفة الردّ الأميركي العسكري، ومن ضمن الحرب العالمية على الإرهاب أكثر من 5.8 تريليون دولار. هذا عدا ضرب هيبة الولايات المتحدة وأنها المُهيمن، بالإضافة إلى التداعيات على الأمن القومي الأميركي والاستقرار العالميّ. وعليه، كيف يمكن للأقوى قياس النصر على عدوّ أضعف منه بدرجات، ولا يريد الاعتراف بالهزيمة؟ وكيف يمكن للأقوى أن يقيس نصره على عدو لا يسعى إلى المعركة الفاصلة والحاسمة، لكنه يرسم استراتيجيّته على أساس كسب الوقت، وإطالة أمد الحرب كما استنزاف عدوّه وبالحدّ الأدنى عدم الخسارة؟

في اللاتناسب بشكل عام

يهدف القانون الدولي إلى حماية المدنيين خلال الحروب والأزمات، كما يُحدّد كيفيّة استخدام القوة، وبشكل آخر تجنّب الأضرار الجانبيّة. فهناك اتفاقات جنيف، كما البروتوكولات الإضافيّة، التي تُحدّد في بعض بنودها الشروط التالية خلال الحرب: يجب أن يكون الهدف عسكريّاً، أو يُسهم مباشرةً في الأعمال العسكريّة، مع العمل والتخطيط وتجنّب الضرر ضد المدنيّين. يجب أن يكون الهدف ضرورة عسكريّة، وبشكل آخر أن تكون نتائج استهدافه مباشرة وآنيّة، وليست ضمن مُخطّطٍ طويل الأمد. بكلام آخر، يجب حساب/قياس اللاتناسب قبل التنفيذ وليس بعده. كما يجب ألا يكون هناك تدمير ممنهج للنظام البيئيّ (Ecosystem): ضمناً؛ الطرق، والبنى التحتيّة كما شبكات الخدمات، التي تسمح لهذا النظام البيئي بالعيش (بشر+شجر+حجر+حيوان... إلخ) والتفاعل داخلياً وخارجياً، وذلك من ضمن ديناميكيّة مُنتجة.

دخان يتصاعد بعد غارة إسرائيلية على مدينة صور جنوب لبنان في 15 مايو 2026 (أ.ف.ب)

لم تحترم إسرائيل كل هذه المبادئ خلال حربها في قطاع غزّة. فهي خاضت حرباً استعملت فيها برامج الذكاء الاصطناعيّ، وأهمها: برنامج لافندر وغوسبل (Lavender & Gospel). ففي برنامج لافندر مثلاً، المُخصص لاقتراح الأهداف البشريّة (مسؤولو حركة «حماس») بسرعة فائقة، يُسمح للمنُفذ (بشري) بأخذ القرار بالتنفيذ حتى لو كانت هناك أضرار جانبيّة بشريّة (بمعدّل 20 شخصاً) في حال القيادي من الصف الثاني، أما في حال كان القياديّ من الصف الأوّل فيُسمح بأضرار بشريّة جانبيّة قد تصل إلى 100 شخص مدني. حصل هذا الأمر في بداية الحرب في مخيّم جباليا عندما استعمل سلاح الجوّ الإسرائيليّ قنبلة بوزن 2000 باوند، وكانت النتيجة نحو 400 ضحيّة.

السياسة vs الحرب

تعرف إسرائيل في قرارة نفسها، أنه لا يمكن لها ترجمة أيّ إنجاز عسكريّ إلى نصر سياسيّ. وبذلك، تعتمد مبدأ الحرب المُستدامة (Perpetual War) باعتماد عديد من العقائد العسكريّة (Doctrine). من أهم هذه العقائد، مبدأ «الحرب بين الحروب» و «جزّ العشب». بعد 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، غيّرت إسرائيل كل العقائد القديمة لتعتمد عقيدة الهجوم أفضل وسيلة دفاع، كما الاستباق لضرب الخطر قبل تراكمه. وإذا كانت لا تستطيع إكراه العدو على قبول الحل السياسيّ، فإنها تذهب إلى اعتماد مبدأ «الردع العقابيّ-النكبويّ». وهذا فعلاً ما حصل في غزّة، وما يحصل اليوم في لبنان. يأخذنا هذا الوضع إلى مبدأ اللاتناسب كما ورد أعلاه. فماذا عنه؟

ينطبق مبدأ اللاتناسب على كل من «حزب الله» كما على الردّ الإسرائيلي العسكريّ على الحزب. يريد «حزب الله» تحرير الأرض، ودحر الجيش الإسرائيليّ، لكن بوسائل متواضعة جدّاً حتى ولو سُمّيت حربه الحرب اللاتماثليّة. وحتى ولو غيّر طريقة قتاله بالانتقال من جيش هجين خلال حرب الإسناد، إلى حرب العصابات ضمن مبدأ «الموزاييك». أي القتال بمجموعات صغيرة، من دون قيادة مركزيّة، كما تجنّب الالتحام المباشر إلا عند الضرورة التكتيكيّة.

لقطة من فيديو وزَّعه «حزب الله» لإحدى مسيّراته تهاجم دبابة وجنوداً إسرائيليين في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

أدخل «حزب الله» مؤخراً المسيّرة «من منظور الشخص الأوّل (FPV)» التي تعمل بالألياف الضوئيّة، الأمر الذي يعطيها ميزة نوعيّة في عدم القدرة على التشويش عليها. غيّرت هذه المسيّرة خصائص الحرب في أوكرانيا، خصوصاً خلال حرب إقليم «كورسك» الذي احتلّته أوكرانيا. ألغت هذه المسيّرة خطوط التماس، وبدل حشد القوى على هذه الخطوط أصبحت هذه الخطوط خالية من العديد والعتاد. حرمت هذه المسيّرة الدبابة المرعبة، التي تعد قوّة الصدم، من أن تلعب دورها الأساسيّ. جعلت هذه المُسيّرة مسرح الحرب شفّافاً (Transparent) إلى الحدّ الأقصى، بحيث لا يمكن التمويه والاحتماء داخل ساحة القتال كما كان الوضع من قبل. تُقلق هذه المفاجأة التكتيكيّة الجيش الإسرائيليّ جداً. فهي ستضرب عقيدته القتالية في العمق، كما ستضرب كيفيّة قتاله على الساحة اللبنانيّة خصوصاً في المنطقة الصفراء. لا سيما أن التكتيك، وحسب المفكّر البروسي، كارل فون كلوزفيتز، هو «نظريّة استخدام القوّة العسكريّة في حقل المعركة». وعليه، وجب على الجيش الإسرائيليّ التأقلم وبسرعة. لكن كيف؟

يعد الانتشار (Dispersion) أحد التكتيكات. تُضاف إليه المقاربات التالية: استعمال الرادارات في الخط الأمامي لرصد المسيّرة، كون الرصد يعد أهمّ مرحلة من مراحل التصدّي. واستعمال ما تُسمّى في أوكرانيا «خريطة السماء (Sky Map)» التي ترتكز على زرع وسائل سمعيّة (Acoustic) على طول الجبهة وفي العمق. مهمّة هذه الوسائل الرصد السمعيّ-الصوتيّ للمسيّرة، ونقل الداتا إلى مركز التحليل، الذي بدوره يُحدّد مكان المسيّرة؛ اتجاهها، كما هدفها، ليعطي الأمر إلى مشغّلي المسيّرات المُضادة بالتدخّل. يمكن أيضاً، استغلال العمق الجغرافي لمدى المُسيّرة، عبر التدخّل في العمق، كما استهداف مُشغّلي المسيَّرات. يمكن أيضاً استعمال المسيّرات المُضادة للمسيّرات، التي تحمل الشباك، لتلقيها على المسيّرة المُهاجمة وتسقطها. وأخيراً وليس آخِراً، يمكن استعمال بندقيّة النار (Shot Gun) التي تُطلق ذخائر متشظية. لكن استعمال هذه الوسائل يتطّلب الوقت، كما اعتماد «مبدأ التجربة والخطأ»، (Trial & Error)، للوصول إلى أفضل منظومة دفاعيّة.

لقطة من فيديو وزَّعه «حزب الله» تُظهر عنصراً منه يجهز مسيّرات لإطلاقها باتجاه الأراضي الإسرائيلية

يتبجّح «حزب الله» في هذا الإنجاز، الذي لا يتناسب بالطبع مع الخسائر التي مُني بها، إن كان في قوّاته أو بيئته الحاضنة. فعلى سبيل المثال، ذهب «حزب الله» إلى حرب يوليو (تموز) 2006 متفرّداً في قراره. فكانت الخسائر على لبنان الدولة تُقدّر بما بين 3 و4 مليارات دولار. في حرب الإسناد الأخيرة، خصوصاً بعد العودة إلى الحرب في 2 مارس (آذار) الماضي، تُقدّر خسائر لبنان الدولة بما بين 7 و10 مليارات دولار. هذا مع التذكير بأن الدخل القوميّ الوطني في لبنان لا يتجاوز 35 مليار دولار. أي إن الخسائر الأخيرة تُشكّل نسبة 22 في المائة من الدخل القوميّ. لكن الفارق بين حرب 2006 وحرب اليوم، أنه في ذلك الوقت، ساعد كثير من الدول العربيّة وعلى رأسها المملكة العربيّة السعوديّة على إعادة الإعمار، كما ساعدت إيران وكيلها مباشرةً. لكن حرب اليوم مختلفة خصوصاً أن إيران تستهدف عسكرياً دول الجوار. كما تعاني من خسائر داخليّة (مباشرة) بسبب الحرب مع إسرائيل وأميركا، تُقدّر حسب صحيفة «وول ستريت جورنال» بـ275 مليار دولار.

كذلك الأمر، تحتّل إسرائيل مباشرةً داخل لبنان المنطقة الصفراء. لكنها تخلق منطقة عازلة انطلاقاً من المنطقة الصفراء حتى الليطاني عبر اعتماد مبدأ «منطقة عازلة بالنار»، (Buffer by Fire). وهي تعمد إلى تدمير البيئة الحضريّة المؤيّدة للحزب. فعلى سبيل المثال، تُقدّر نسبة التدمير للقرى في المنطقة الصفراء بـ90 في المائة. ومن المنطقة الصفراء إلى نهر الليطانيّ، تُقدّر نسبة تدمير البلدات والقرى بأكثر من 60 في المائة. أدّى هذا التدمير الممنهج إلى تهجير أغلب بيئة «حزب الله» إلى الداخل اللبنانيّ. يُقدّر عدد النازحين بأكثر من مليون نسمة. فكيف ستتم إعادة الاعمار؟ ومن سيتكفّل بالثمن؟ وكيف تتطابق فكرة اللاتناسب؟

في الختام، كيف يُمكن قياس النصر لحرب لا تماثلية ولا تناسبيّة في الوقت نفسه؟ وكيف يمكن لـ«حزب الله» ربط نفسه بما قد تنتجه طاولة إسلام آباد، إن كان سلماً أو حرباً؟ إن غداً لناظره قريب.