إيران تغرق الضفة الغربية بالأسلحة ضمن حربها الخفية مع إسرائيل

مصادر إيرانية كشفت عن مسار تهريب سري يمر عبر العراق وسوريا والأردن

تفقُّد الأضرار بعد اجتياح إسرائيلي لمخيم نور شمس شمال الضفة الغربية ديسمبر الماضي (أ.ف.ب)
تفقُّد الأضرار بعد اجتياح إسرائيلي لمخيم نور شمس شمال الضفة الغربية ديسمبر الماضي (أ.ف.ب)
TT

إيران تغرق الضفة الغربية بالأسلحة ضمن حربها الخفية مع إسرائيل

تفقُّد الأضرار بعد اجتياح إسرائيلي لمخيم نور شمس شمال الضفة الغربية ديسمبر الماضي (أ.ف.ب)
تفقُّد الأضرار بعد اجتياح إسرائيلي لمخيم نور شمس شمال الضفة الغربية ديسمبر الماضي (أ.ف.ب)

قال مسؤولون من الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران إن طهران تدير مساراً سرياً للتهريب عبر الشرق الأوسط، وتُوظف عملاء استخبارات ومتشددين مسلّحين وعصابات، لتوصيل أكبر قدر من الأسلحة إلى فلسطينيين بالضفة الغربية التي تحتلها إسرائيل، وفق ثلاثة مسؤولين إيرانيين تحدثوا لصحيفة «نيويورك تايمز».

وتزيد العملية السرية، في الوقت الحاضر، المخاوف من سعى إيران إلى «تحويل الضفة الغربية إلى بؤرة مشتعلة أخرى» في حرب الظل طويلة الأمد بين إسرائيل وإيران، بعد أن اكتسب هذا الصراع قدراً كبيراً من الأهمية، هذا الشهر، ما يهدد باشتعال صراع أوسع نطاقاً في الشرق الأوسط، بعد أن تعهدت إيران بالانتقام من الضربة الإسرائيلية التي استهدفت قنصليتها في دمشق وقتلت سبعة من قادتها في الحرس الثوري الإيراني.

وقال المسؤولون، للصحيفة، إن كثيراً من الأسلحة المهرّبة إلى الضفة الغربية يمر عبر مسارين، من إيران مروراً بالعراق وسوريا ولبنان والأردن وإسرائيل. وأضاف المسؤولون أنه مع عبور الأسلحة للحدود، فإنها تنتقل لفريق متعدد الجنسيات تشمل أعضاء في عصابات الجريمة المنظمة، ومتشددين مسلَّحين، وجنوداً وعملاء استخبارات. ولفت مسؤولون ومحللون إيرانيون إلى أن إحدى الجماعات الرئيسية في العملية هي مهرّبون بدو ينقلون الأسلحة عبر الحدود من الأردن إلى إسرائيل.

وأجرت صحيفة «نيويورك تايمز» مقابلات مع كبار المسؤولين الأمنيين والحكوميين الذين كانوا على علم بالجهود التي تبذلها إيران لتهريب الأسلحة إلى الضفة الغربية، بما في ذلك ثلاثة من إسرائيل، وثلاثة من إيران، وثلاثة من الولايات المتحدة. وقد طلب المسؤولون من الدول الثلاث حجب هويتهم لمناقشة العمليات السرية التي لم يُسمح لهم بالتحدث علناً بشأنها.

قال ماثيو ليفيت، مدير برنامج مكافحة الإرهاب في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، المؤسسة البحثية، ومؤلف دراسة حول مسار التهريب: «إن الإيرانيين أرادوا إغراق الضفة الغربية بالأسلحة، وكانوا يستخدمون الشبكات الإجرامية في الأردن والضفة الغربية وإسرائيل، سيما من البدو، في نقل وبيع المنتجات».

ثمانية موقوفين من التسعة المتهمين بالتهريب في الأردن ديسمبر الماضي (القوات المسلحة الأردنية)

تقول مصادر مطّلعة إن عمليات التهريب إلى الضفة بدأت منذ عامين، عندما شرعت إيران في استخدام طرق تهريب بضائع أخرى. ومن غير الواضح بالضبط حجم الأسلحة التي وصلت إلى المنطقة في ذلك الوقت، رغم أن المحللين يقولون إن غالبيتها من الأسلحة الصغيرة.

في الأشهر التالية على الهجوم الذي شنته حركة «حماس» على إسرائيل من قطاع غزة، في 7 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، شنت قوات الأمن الإسرائيلية حملة واسعة النطاق في الضفة الغربية، وُصفت بأنها جزء من جهود مكافحة الإرهاب ضد «حماس» والفصائل المسلّحة الأخرى لاستئصال الأسلحة والمسلّحين. وسقط مئات الفلسطينيين قتلى على يد القوات الإسرائيلية، بمن فيهم أولئك المتهمون بمهاجمة الإسرائيليين، وفق الأمم المتحدة، في واحدة من أعنف الفترات الدموية منذ عقود.

معتقلون ظلماً

تقول منظمات حقوق الإنسان إن كثيراً من الفلسطينيين معتقلون ظلماً، خصوصاً المحتجَزين في السجون الإسرائيلية دون محاكمات، وإنه من غير الواضح عدد المعتقلين الذين لديهم صلات حقيقية بالمسلّحين.

يقول عمر شاكر، مدير قسم إسرائيل وفلسطين في «هيومن رايتس ووتش»: «تشمل هذه الاعتقالات عدداً من الأشخاص الذين يجري القبض عليهم لأسباب غير واضحة. ولدى الحكومة الإسرائيلية سِجل حافل بالاحتجاز والاعتقال التعسفي، واحتجاز الناس بسبب ممارستهم حقوقهم الأساسية».

أرشيفية طهران 22 يناير قائد الحرس الثوري الجنرال حسين سلامي (وسط) أثناء تشييع عناصر قُتلوا في سوريا (نيويورك تايمز)

وأعلن قادة إيران، منذ سنوات، ضرورة تسليح المقاتلين الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة. ودأبت إيران، منذ فترة طويلة، على تزويد المسلّحين في أماكن أخرى من المنطقة بالأسلحة اللازمة لمهاجمة إسرائيل، ومن بينهم اثنان من حلفائها الفلسطينيين الرئيسيين في غزة، «حماس»، و«الجهاد الإسلامي»، وكلتا الجماعتين تعمل أيضاً في الضفة الغربية، وهما مصنفتان من قِبل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وإسرائيل وبلدان أخرى، ضمن المنظمات الإرهابية.

وكشف المسؤولون الإيرانيون أن إيران لم تخص مجموعة معينة بسخائها، واختارت، بدلاً من ذلك، إغراق المنطقة بالأسلحة والذخيرة.

إفطار جماعي برمضان في طهران 3 أبريل وتبدو لافتة تنعى الجنرال محمد رضا زاهدي (نيويورك تايمز)

ويقول أفشون أوستوفار، الأستاذ المشارك في شؤون الأمن القومي بكلية الدراسات العليا البحرية والخبير في الشؤون العسكرية الإيرانية، إن إيران تركز على الضفة الغربية لأنها تدرك أن الوصول إلى غزة سوف يُقيّد في المستقبل المنظور، وإن «الضفة الغربية ستكون الحدود التالية التي سوف تخترقها إيران وتنشر الأسلحة فيها، وتتحول إلى مشكلة كبيرة، مثل غزة، إن لم تكن أكبر».

«فتح» تتهم

من جهتها، اتهمت «فتح»، الفصيل الفلسطيني الذي يسيطر على السلطة الفلسطينية التي تحكم قسماً كبيراً من الضفة الغربية، إيران، الأسبوع الماضي، بمحاولة «استغلال» الفلسطينيين لتحقيق مآربها عبر نشر الفوضى في المنطقة. وقالت حركة «فتح»، في بيان، إنها لن تسمح «باستغلال قضيتنا المقدسة ودماء شعبنا» من قِبل إيران.

ولم تُعلّق بعثة إيران لدى الأمم المتحدة، في بيان، على عملية التهريب، لكنها شددت على أهمية حمل الفلسطينيين السلاح ضد إسرائيل. وحتى بعد يوم 7 أكتوبر، ومع إطلاق وكلاء إيران بشكل متزايد لصواريخ من لبنان واليمن، اختارت إيران وإسرائيل حصر كثير من صراعهما في الظل.

دمار لحق مبنى القنصلية الإيرانية بحي المزة الدمشقي بعد قصف إسرائيلي أول أبريل (خاص بالشرق الأوسط)

لكن تلك الحرب السرية خرجت إلى العلن، الأسبوع الماضي، مع توجيه ضربة جوية إلى مبنى تابع للسفارة الإيرانية في سوريا. وفي الأول من أبريل (نيسان)، استهدفت اجتماعاً لقادة عسكريين إيرانيين «الحرس الثوري»، وأعضاء من حركة «الجهاد الإسلامي» في دمشق.

صور القيادات الإيرانية التي قُتلت بالغارة على القنصلية بدمشق معروضة داخل السفارة الإيرانية (رويترز)

وقال مسؤولون إسرائيليون وإيرانيون وأميركيون إن بين القتلى الجنرال محمد رضا زاهدي (65 عاماً)، الجنرال بـ«الحرس الثوري»، والمسؤول عن العمليات السرية الإيرانية في سوريا ولبنان، والتي تمر من أراضيها أجزاء من مسار تهريب الأسلحة. وجاء ذلك الهجوم في أعقاب غارة جوية إسرائيلية سابقة، في 26 مارس (آذار)، على نقطة التقاء رئيسية لطريق التهريب في شرق سوريا، وفقاً لمسؤولين أميركيين وإيرانيين واثنين من المسؤولين الإسرائيليين.

وقال مطّلعون إن غالبية الأسلحة المهرَّبة عبارة عن أسلحة صغيرة مثل المسدسات والبنادق الهجومية. ووفقاً لمسؤولين أميركيين وإسرائيليين، تباشر إيران أيضاً تهريب الأسلحة المتطورة. وقال مسؤولون إسرائيليون إن هذه الأسلحة تشمل صواريخ مضادة للدبابات وقذائف صاروخية تنطلق بسرعة وعلى ارتفاع منخفض من الأرض، مما يخلق تحدياً لإسرائيل في الدفاع عن الأهداف المدنية والعسكرية من النيران قريبة المدى.

وأفاد جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي «شين بيت» بأنه استولى مؤخراً على مُعدات عسكرية متطورة هُربت إلى الضفة الغربية، وأنه «يأخذ على محمل الجد الانخراط في الأنشطة التي تُوجهها إيران والشركاء التابعون لها، وسوف يواصل تنفيذ التدابير الفعالة في جميع الأوقات لرصد وإحباط أي نشاط يُعرّض أمن دولة إسرائيل للخطر».

وأفاد مسؤولون إسرائيليون وإيرانيون وأميركيون، الصحيفة، بأن إيران تستخدم مسارين رئيسيين لنقل الأسلحة إلى الضفة الغربية. على أحد المسارين يحمل المسلّحون المدعومون من إيران والعملاء الإيرانيون الأسلحة من سوريا إلى الأردن، ومن هناك يجري نقلها إلى الحدود ثم إلى المهربين البدو، وبدورهم ينقلون الأسلحة إلى الحدود مع إسرائيل، حيث تقوم عصابات الجريمة المنظمة بنقلها إلى الضفة الغربية.

وتستغل الجهود الإيرانية طريقاً معروفاً للتهريب في الأردن، يتقاسم حدوداً سهلة الاختراق تمتد لمسافة 300 ميل مع إسرائيل. وقال أحد المسؤولين الإيرانيين إن التشديد الأمني في كل من إسرائيل والأردن، منذ السابع من أكتوبر، زاد من خطر القبض على المُهرّبين، خصوصاً بالنسبة للبدو وعرب إسرائيل الذين يلعبون أدواراً حاسمة في قدرتهم على عبور الحدود.

مسار ثان من سوريا ولبنان

وقال اثنان من المسؤولين الأميركيين إن مساراً ثانياً أكثر تحدياً يتخطى الأردن، وينقل الأسلحة من سوريا إلى لبنان، ومن هناك يجري تهريب الأسلحة إلى إسرائيل، حيث تقوم العصابات بتسلمها ثم نقلها إلى الضفة الغربية.

قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة تقوم بدورية عند الجانب اللبناني من الحدود مع إسرائيل (د.ب.أ)

يقول ليفيت إن المسار عبر لبنان أكثر صعوبة، ولا سيما منذ بدء حرب غزة؛ لأن الحدود التي يعمل عليها «حزب الله» تخضع لرقابة أكثر تشدداً من جانب الجيش الإسرائيلي وقوات حفظ السلام، التابعة للأمم المتحدة.

يجري أغلب النشاط، الذي ينطوي على تنسيق مسار التهريب، بواسطة عملاء إيرانيين من «فيلق القدس»؛ وهو جهاز الاستخبارات الخارجية التابع للحرس الثوري، وفق اثنين من المسؤولين الإيرانيين التابعين للحرس الثوري. وقالت إيران إنه، بالإضافة إلى قتل زاهدي، أدت الضربة الإسرائيلية ضد مبنى القنصلية الإيرانية بدمشق، بداية هذا الشهر، إلى مقتل جنرالين آخرين من «فيلق القدس»، وأربعة ضباط آخرين، مما يجعله واحداً من أكثر الهجمات دموية في حرب الظل بين الجانبين.

وكشف مسؤولون أميركيون واثنان من المسؤولين الإسرائيليين أن سلسلة من الهجمات في سوريا استهدفت، قبل أسبوع، وحدتين تابعتين للاستخبارات الإيرانية ضالعتين في عمليات التهريب؛ الأولى معروفة باسم «الشعبة 4000»، تخضع للإشراف المباشر من «الحرس الثوري». أما الوحدة الأخرى، «الشعبة 18840»، فيديرها «فيلق القدس».

*خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

رفض عربي وإسلامي لفرض إسرائيل سيادتها على الضفة الغربية

الخليج جرافات عسكرية إسرائيلية تهدم 3 منازل يملكها فلسطينيون في قرية شقبا غرب مدينة رام الله في الضفة الغربية (أ.ف.ب)

رفض عربي وإسلامي لفرض إسرائيل سيادتها على الضفة الغربية

أدانت دول عربية وإسلامية بأشدّ العبارات، القرارات والإجراءات الإسرائيلية غير القانونية الهادفة إلى فرض السيادة الإسرائيلية غير الشرعية في الضفة الغربية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
المشرق العربي جرافات عسكرية إسرائيلية تهدم 3 منازل يملكها فلسطينيون في قرية شقبا غرب مدينة رام الله في الضفة الغربية (أ.ف.ب)

«الخارجية» الفلسطينية تدين قرارات إسرائيل وتؤكد عدم شرعيتها على الأراضي المحتلة

أكدت وزارة الخارجية الفلسطينية، اليوم (الأحد)، أنه «لا سيادة لإسرائيل على أي من مدن أو أراضي دولة فلسطين المحتلة».

«الشرق الأوسط» (رام الله)
شؤون إقليمية مصلون متجمعون في ساحة مسجد قبة الصخرة بمجمع الأقصى بمدينة القدس القديمة مساء الجمعة 6 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

مع اقتراب رمضان... إسرائيل تعزز قواتها بالضفة والقدس

تستعد إسرائيل لقرب قدوم شهر رمضان بتعزيز قواتها في الضفة والقدس ورفع الجهد الاستخباراتي، خشية أن يتحول عنف المستوطنين إلى شرارة تشعل المنطقة.

كفاح زبون (رام الله)
شؤون إقليمية منازل ومحلات لفلسطينيين صارت ركاماً بفعل الجرافات الإسرائيلية غرب مدينة الخليل بالضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب)

مجلس الوزراء الإسرائيلي يعتمد قرارات لتوسيع نطاق ضم أراضي الضفة

أفاد موقع «واي نت» الإخباري اليوم الأحد بأن مجلس الوزراء الإسرائيلي أقر تغييرات جوهرية في إجراءات تسجيل الأراضي وحيازتها في الضفة الغربية ما يسمح بهدم منازل.

«الشرق الأوسط» (القدس)
المشرق العربي رافعات بناء شاهقة تعلو موقع بناء في جفعات هاماتوس إحدى المستوطنات الإسرائيلية في القدس الشرقية المحتلة (أ.ف.ب) p-circle

مكتب حقوقي أممي ينتقد أنشطة الاستيطان الإسرائيلي

انتقد مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في جنيف بشدة أحدث أنشطة الاستيطان الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما في ذلك القدس الشرقية.

«الشرق الأوسط» (جنيف)

خامنئي يحذر من حرب إقليمية ويدعو للتماسك الداخلي

خامنئي واقفاً على قدميه يوجه خطاباً متلفزاً للإيرانيين بمناسبة ذكرى الثورة اليوم (موقع المرشد)
خامنئي واقفاً على قدميه يوجه خطاباً متلفزاً للإيرانيين بمناسبة ذكرى الثورة اليوم (موقع المرشد)
TT

خامنئي يحذر من حرب إقليمية ويدعو للتماسك الداخلي

خامنئي واقفاً على قدميه يوجه خطاباً متلفزاً للإيرانيين بمناسبة ذكرى الثورة اليوم (موقع المرشد)
خامنئي واقفاً على قدميه يوجه خطاباً متلفزاً للإيرانيين بمناسبة ذكرى الثورة اليوم (موقع المرشد)

دعا المرشد الإيراني علي خامنئي، يوم الاثنين، الإيرانيين إلى «الصمود» وإظهار التماسك الداخلي في ذكرى انتصار ثورة 1979، وذلك في ظل تصاعد التوتر مع الولايات المتحدة واستئناف المحادثات النووية غير المباشرة في مسقط، معتبراً أن التهديدات الأميركية بالحرب «ليست جديدة»، وأن إيران «لا تبدأ حرباً»، لكنه حذر من أن أي مواجهة مقبلة ستكون «حرباً إقليمية».

وقال خامنئي، في خطاب متلفز، إن «قوة الأمة لا تكمن فقط في الصواريخ والطائرات، بل في إرادة الشعب وصموده»، داعياً الإيرانيين إلى «إحباط مخططات العدو» ومواجهة الضغوط الخارجية.

وأضاف خامنئي أن «القوى الأجنبية، منذ عام 1979، سعت على الدوام للعودة إلى الوضع السابق»، في إشارة إلى مرحلة حكم أسرة بهلوي، معتبرًا أن الثورة الإسلامية أنهت تلك المرحلة ومنعت إعادة إنتاجها.

وعلى خلاف التقليد السنوي، لم يُعقد هذا العام الاجتماع الرمزي الذي يجمع خامنئي مع قادة القوات الجوية، قبل ثلاثة أيام من حلول ذكرى الثورة.

وتراجعت إطلالات خامنئي (86 عاماً)، إلى حدها الأدنى منذ حرب الـ12 يوماً مع إسرائيل، بعدما هدد مسؤولون إسرائيليون باستهدافه، وتجددت التهديدات مرة أخرى مع تصاعد التوترات بين واشنطن وطهران.

وجاء خطاب المرشد الإيراني بعد أيام من انطلاق جولة جديدة من المحادثات بين طهران وواشنطن في مسقط، يوم الجمعة، عقب توقف استمر عدة أشهر، وسط تصاعد التوترات السياسية والعسكرية.

وفي أول خطاب له منذ استئناف المحادثات، ركّز خامنئي على الولايات المتحدة، معتبراً أن جوهر الخلاف معها «لم يتغير» منذ انتصار الثورة قبل 47 عاماً.

وبدأت المحادثات بعد أقل من شهر على ذروة موجة احتجاجات عامة مناهضة لنظام الحكم في إيران، ورافقتها حملة أمنية غير مسبوقة أودت بحياة الآلاف، حسب جماعات حقوقية.

وكان ترمب قد لوّح في البداية بعمل عسكري ضد طهران بسبب قمع الاحتجاجات، بل قال للمتظاهرين إن «المساعدة في الطريق».

غير أن خطاب ترمب في الأيام الأخيرة انصب على كبح البرنامج النووي الإيراني، بالتوازي مع تحريك الولايات المتحدة مجموعة بحرية تقودها حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» إلى المنطقة.

ولا تزال القيادة الإيرانية تشعر بقلق بالغ من احتمال تنفيذ ترمب تهديداته بضرب إيران. وحذّرت إيران من أنها ستستهدف القواعد الأميركية في المنطقة ومن إمكانية إغلاق مضيق هرمز في حال تعرضت لهجوم.

وقال خامنئي إن «المشكلة الأساسية مع أميركا هي محاولتها إخضاع إيران وإعادتها إلى دائرة الهيمنة»، مؤكداً أن الشعب الإيراني «رفض هذا المسار منذ البداية ولن يسمح بعودته».

وأضاف أن التهديدات الأميركية باستخدام القوة «ليست جديدة»، مشيراً إلى أن واشنطن لطالما تحدثت عن «كل الخيارات على الطاولة»، لكنه شدد على أن إيران «لا تبدأ حرباً». وحذر من أن أي هجوم محتمل على إيران «سيواجه برد قاسٍ»، مشدداً على أن أي مواجهة جديدة «لن تبقى محدودة، بل ستكون إقليمية».

وعلى الصعيد الداخلي، دعا خامنئي الإيرانيين إلى المشاركة الواسعة في احتفالات الذكرى السابعة والأربعين لانتصار الثورة، المقررة يوم الأربعاء.

وقال إن «مشاركة الشعب في المسيرات والتعبير عن الولاء للجمهورية الإسلامية سيجبران العدو على التوقف عن الطمع في إيران»، معتبراً ذلك عنصراً حاسماً في مواجهة الضغوط.

وفي جزء موسع من خطابه، تناول خامنئي الاحتجاجات العامة الأخيرة، واصفاً إياها بأنها «فتنة أميركية–صهيونية»، مضيفاً أنها لم تكن تعبيراً عن مطالب شعبية عفوية. وأضاف: «الفتنة كانت فتنة أميركية، والمخطط كان مخطط أميركا؛ وليس أميركا وحدها، بل كان النظام الصهيوني شريكاً أيضاً».

وتابع: «عندما أقول أميركا، فليس ذلك مجرد ادعاء، ولا هو مما وصلنا فقط عبر قنوات استخباراتية سرية ومعقدة، وإن كنا نملك كثيراً من المعلومات التفصيلية. لكن ما يثبت بوضوح أن هذه الحركة كانت حركة أميركية هو تصريحات رئيس الولايات المتحدة نفسه؛ إذ كان يخاطب مثيري الشغب صراحة بوصفهم شعب إيران».

وأضاف: «قد بلغني من مصدر ما أن عنصراً أميركياً مؤثراً في السلطة قال لنظيره الإيراني إن وكالة الاستخبارات الأميركية وجهاز الموساد التابع للنظام الصهيوني أدخلا كل إمكاناتهما إلى الميدان في هذه الأحداث. هذا اعتراف أميركي صريح بأن جهازين استخباريين فاعلين ومعروفين، هما (سي آي إيه) و(الموساد)، استخدما كل إمكاناتهما، ومع ذلك فشلا».

وقال المرشد الإيراني إن هذه الأحداث «تشبه انقلاباً»، موضحاً أن هدفها كان ضرب المراكز الحساسة والمؤثرة في إدارة البلاد، وليس مجرد إثارة احتجاجات في الشوارع.

وأوضح أن أولى خصائص هذه «الفتنة» تمثلت في وجود «قادة منظمين ومدربين» وفئة أخرى من العناصر التابعة و«همج الرعاع»، تلقوا أموالاً وتعليمات وتدريباً على كيفية التحرك والهجوم واستقطاب المشاركين. وأضاف أن الخاصية الثانية تمثلت في «اختباء العناصر المنفذة خلف احتجاجات سلمية لفئات اجتماعية محددة»، قبل الانتقال إلى العنف واستهداف المؤسسات الأمنية.

وأشار خامنئي إلى أن الخاصية الثالثة كانت «الطابع الانقلابي للأعمال»، من خلال الهجوم على الشرطة، ومراكز الحرس الثوري، والمؤسسات الحكومية، والبنوك، إلى جانب استهداف المساجد والقرآن.

وقال إن الخاصية الرابعة تمثلت في أن «التخطيط والإدارة تما من الخارج»، وإن القادة الميدانيين كانوا على تواصل مع جهات أجنبية تلقوا منها التعليمات المباشرة.

وأضاف أن خامس خصائص هذه الأحداث «السعي المتعمّد لخلق قتلى»، عبر شن هجمات مسلحة لإجبار قوات الأمن على الرد، ورفع عدد الضحايا.

وأوضح أن بعض المنفذين «أطلقوا النار حتى على العناصر التي جرى دفعها إلى الشارع»، في محاولة لزيادة عدد القتلى، واتهام الدولة بالمسؤولية عن العنف.

وأكد خامنئي أن الهدف الأساسي من هذه الأحداث كان «زعزعة أمن البلاد»، مشدداً على أن «انعدام الأمن يعني تعطيل الحياة الاقتصادية والتعليمية والعلمية».

وأشار إلى أن الأجهزة الأمنية «أدت واجبها»، لكنه أكد أن «الحسم الحقيقي جاء من الشعب»، في إشارة إلى المظاهرات المؤيدة للنظام التي خرجت لاحقاً في عدة مدن.

وقال إن مثل هذه «الفتن» ليست الأولى ولن تكون الأخيرة، طالما أن إيران «تسير في مسار مستقل يتعارض مع مصالح القوى الكبرى».

وفي ختام خطابه، شدد خامنئي على أن العداء بين طهران وواشنطن «عداء تاريخي وبنيوي»، وليس مرتبطًا بملف نووي أو مرحلة سياسية محددة.

وأضاف أن شعارات «حقوق الإنسان والديمقراطية» التي ترفعها الولايات المتحدة «ليست سوى ذرائع»، لافتاً إلى أن الخلاف يتمحور حول «رفض إيران الخضوع والهيمنة الخارجية».


عراقجي يُطلع البرلمان على المحادثات... ولاريجاني يزور عُمان غداً

صورة نشرها موقع البرلمان الإيراني من حضور وزير الخارجية عباس عراقجي ورئيس الأركان عبد الرحيم موسوي في جلسة مغلقة حول المحادثات والتوترات الاثنين
صورة نشرها موقع البرلمان الإيراني من حضور وزير الخارجية عباس عراقجي ورئيس الأركان عبد الرحيم موسوي في جلسة مغلقة حول المحادثات والتوترات الاثنين
TT

عراقجي يُطلع البرلمان على المحادثات... ولاريجاني يزور عُمان غداً

صورة نشرها موقع البرلمان الإيراني من حضور وزير الخارجية عباس عراقجي ورئيس الأركان عبد الرحيم موسوي في جلسة مغلقة حول المحادثات والتوترات الاثنين
صورة نشرها موقع البرلمان الإيراني من حضور وزير الخارجية عباس عراقجي ورئيس الأركان عبد الرحيم موسوي في جلسة مغلقة حول المحادثات والتوترات الاثنين

أطلع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، نواب البرلمان على نتائج الجولة الأولى من محادثاته مع المفاوضين الأميركيين، فيما أعلن أمين مجلس الأمن القومي علي لاريجاني عزمه التوجه، الثلاثاء، على رأس وفد إلى سلطنة عمان، التي تتولى دور الوساطة بين طهران وواشنطن في المفاوضات النووية.

تأتي زيارة لاريجاني في وقت يسود ترقب بشأن جولة ثانية من المحادثات الإيرانية - الأميركية، بعد الجولة الأولى من المحادثات غير المباشرة في عُمان نهاية الأسبوع الماضي، بعد توقف دام نحو تسعة أشهر.

وتهدف المحادثات إلى إتاحة فرصة جديدة للدبلوماسية في ظل ازدياد حشد القوات البحرية الأميركية قرب إيران، وتوعد طهران بالرد بقوة في حال تعرضها لهجوم.

وأفاد لاريجاني، في بيان على حسابه في شبكة «تلغرام»، بأنه سيلتقي كبار المسؤولين في السلطنة لمناقشة آخر التطورات الإقليمية والدولية، فضلاً عن التعاون الثنائي على مختلف المستويات.

ولم يتم بعد إعلان موعد ومكان الجولة القادمة من المحادثات. ويشرف المجلس الأعلى للأمن القومي على المحادثات النووية واتخاذ القرار بشأنها بعد مصادقة المرشد علي خامنئي.

صورة نشرها موقع لاريجاني من مغادرته مكتبه على هامش استقبال وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين في طهران 18 يناير الماضي

جاء إعلان زيارة لاريجاني، بعدما أطلع وزير الخارجية، عباس عراقجي، الاثنين، البرلمان الإيراني على نتائج المحادثات في جلسة عُقدت خلف الأبواب المغلقة.

وأعلن عباس مقتدائي، نائب رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان، عقد الجلسة، مشيراً إلى أن رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة عبد الرحيم موسوي شارك فيها، إلى جانب عراقجي، وفق ما أفادت به وكالة «إرنا».

من جانبه، قال المتحدث باسم هيئة رئاسة البرلمان، النائب عباس غودرزي، إن حضور وزير الخارجية ورئيس هيئة الأركان معاً في جلسة البرلمان، تأكيد على أن «الدبلوماسية والميدان» في الجمهورية الإسلامية يعملان بتنسيق كامل ويشكلان «وجهين لعملة واحدة».

وأوضح غودرزي أن الرسالة الأساسية من الدعوة المتزامنة لموسوي وعراقجي هدفت إلى تأكيد أن العمل الدبلوماسي والميداني لم يعودا مسارين منفصلين، بل قدرة واحدة متماسكة في خدمة الدولة.

وأضاف أن الجلسة أكدت أن «مكان المفاوضات وإطارها جرى تحديدهما بالكامل من الجمهورية الإسلامية»، معتبراً أن ذلك «يعكس اقتدار إيران في الساحة الدبلوماسية»، من دون أن يحدد الجهة التي أعلنت هذا الموقف.

وأضاف أن موسوي وعراقجي شددا خلال الجلسة على أن إيران «لن تقبل التخلي عن تخصيب اليورانيوم»، معتبرين أن التخصيب حق مرتبط بحياة الأجيال المقبلة ويجب صونه.

وأوضح أن الجاهزية الدفاعية لإيران باتت متناسبة مع مواجهة حروب هجينة ومتعددة الأوجه، وأن القدرات الدفاعية، كمّاً ونوعاً، ارتفعت مقارنةً بالماضي. وأضاف أن تجربتي «حرب الاثني عشر يوماً» و«انقلاب 8 يناير» (كانون الثاني)، جعلتا إيران أكثر استعداداً لمواجهة أي تهديد، وأنها تدخل المفاوضات من موقع قوة.

وفيما يتعلق بمسار التفاوض، قال غودرزي إن المحادثات تُجرى بصورة غير مباشرة وباقتراح من إيران، مع احتمال عقد لقاءات قصيرة بين فرق التفاوض، تشمل المصافحة وطرح الخطوط الحمراء.

وقال رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف إن «إيران لن تقبل بالتخصيب الصفري»، مضيفاً أن «القدرات الصاروخية للبلاد، بوصفها أحد عناصر الاقتدار الوطني، غير قابلة للتفاوض على الإطلاق».

قائد القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) المسؤولة عن العمليات في الشرق الأوسط الأدميرال براد كوبر إلى جانب المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر صهر ومستشار الرئيس الأميركي على متن حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» (البحرية الأميركية - أ.ف.ب)

وبدا أن حضور موسوي وعراقجي في البرلمان، يهدف إلى الرد على حضور قائد القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) المسؤولة عن العمليات في الشرق الأوسط، الأدميرال براد كوبر، إلى جانب المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف، وجاريد كوشنر، صهر ومستشار الرئيس الأميركي.

وفي وقت لاحق، زار ويتكوف وكوشنر، برفقة كوبر، حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» الموجودة في منطقة الخليج.

كان عراقجي قد أعرب في مؤتمر صحافي الأحد، عن شكوكه في جديّة الولايات المتحدة في «إجراء مفاوضات حقيقية». وقال إن «حشدهم العسكري في المنطقة لا يُخيفنا»، وشدد على أن إيران «ستقيّم كل الإشارات، ثم تتّخذ قرارها بشأن مواصلة المفاوضات»، متحدثاً عن مشاورات مع الصين وروسيا، حسبما نقلت وكالة الصحافة الفرنسية.

وتتمسّك إيران بما تعده خطوطاً حمراء، إذ لا تقبل بأن تشمل المحادثات سوى برنامجها النووي، وتؤكد حقها في برنامج نووي سلمي. أما الولايات المتحدة التي نشرت قوة بحريّة كبيرة في الخليج وعززت وجودها في قواعد إقليمية، فتطالب باتفاق أوسع يشمل بندين إضافيين: الحدّ من القدرة الصاروخية الإيرانية، ووقف دعم طهران مجموعات مسلحة معادية لإسرائيل.

وتدعو إسرائيل إلى عدم التهاون في هذين البندين. ولهذه الغاية، يتوجه رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو، الأربعاء، إلى واشنطن.


الجيش الإسرائيلي يقتل أربعة «مسلّحين» خرجوا من نفق في رفح

مبانٍ مدمرة في مخيم جباليا للاجئين بشمال غزة (أ.ف.ب)
مبانٍ مدمرة في مخيم جباليا للاجئين بشمال غزة (أ.ف.ب)
TT

الجيش الإسرائيلي يقتل أربعة «مسلّحين» خرجوا من نفق في رفح

مبانٍ مدمرة في مخيم جباليا للاجئين بشمال غزة (أ.ف.ب)
مبانٍ مدمرة في مخيم جباليا للاجئين بشمال غزة (أ.ف.ب)

قال الجيش الإسرائيلي، الاثنين، إنه قتل أربعة مسلّحين فلسطينيين، عند خروجهم من نفق في رفح بجنوب قطاع غزة، متهماً إياهم بأنهم كانوا يطلقون النار على جنود إسرائيليين.

وذكر الجيش، في بيان، أن «أربعة إرهابيين مسلّحين خرجوا، قبل قليل، من نفق، وأطلقوا النار على جنودنا (...) قتلت قواتنا الإرهابيين».

وصرح المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، عبر حسابه الرسمي علي موقع التواصل الاجتماعي «إكس»: «قبل قليل وفي إطار نشاط قوات جيش الدفاع لتطهير المنطقة من المخرّبين والبنى التحتية الإرهابية، رصدت القوات أربعة مخرّبين إضافيين يخرجون من فتحة نفق، ضمن شبكة الأنفاق تحت الأرض في شرق رفح، حيث أطلق المخرّبون النار باتجاه القوات، لتردَّ عليهم بالمِثل وتقضي على المخرّبين الأربعة.».

ومنذ أسبوع، أعادت إسرائيل فتح الحدود بين غزة ومصر أمام حركة الأفراد، في خطوةٍ مِن شأنها أن تسمح للفلسطينيين بمغادرة القطاع، وعودة الراغبين منهم الذين خرجوا منه فراراً من الحرب الإسرائيلية. وسيكون فتح معبر ​رفح محدوداً، وتُطالب إسرائيل بإجراء فحص أمني للفلسطينيين الداخلين والخارجين، وفق ما ذكرته «رويترز».

وسيطرت إسرائيل على المعبر الحدودي، في مايو (أيار) 2024، بعد نحو تسعة أشهر من اندلاع الحرب على غزة. وتوقفت الحرب بشكلٍ هش بعد وقف إطلاق نار دخل حيز التنفيذ في أكتوبر (تشرين الأول)، بوساطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب. وكانت إعادة فتح المعبر من المتطلبات المهمة، ضمن المرحلة الأولى من خطة ترمب الأوسع نطاقاً، لوقف القتال بين إسرائيل وحركة «حماس».