«ع أمل»... صوتٌ درامي صدَحَ بالعدالة للنساء

مسلسل لبناني بحضور سوري رسالتُه تغفر الهفوة

المسلسل يحرّكه ضميره ويسمو بالنُبل (ماغي بو غصن في لقطة منه)
المسلسل يحرّكه ضميره ويسمو بالنُبل (ماغي بو غصن في لقطة منه)
TT

«ع أمل»... صوتٌ درامي صدَحَ بالعدالة للنساء

المسلسل يحرّكه ضميره ويسمو بالنُبل (ماغي بو غصن في لقطة منه)
المسلسل يحرّكه ضميره ويسمو بالنُبل (ماغي بو غصن في لقطة منه)

حوَّل مسلسل «ع أمل» ما يظنّه البعض «مُستهلكاً» إلى مادة جدلية تستدعي إعادة النظر. فالحُكم على إشكالية العنف ضدّ المرأة بأنها «قديمة» و«محفوظة»، تبيَّن أنه مُتسرِّع. استطاع العمل مَنْح الصوت النسائي مزيداً من القيمة، وشدّ الانتباه إلى القسوة الكبرى. النساء مُحرّكه وضميرُه. يشفع له نُبل ما يحاول قوله وجرأة تبنّي قضية. يترافق ذلك مع إيقاع مُتسارع ضمَنَ متابعة المُشاهدة والتشوُّق لنهايات الظالمين والمظلومين.

حَمَلت «ثقلُ» المسلسل (إنتاج «إيغل فيلمز») شخصيات قرية «كفرحلم» الافتراضية القابلة للإسقاط على مجتمعات أخرى. الندوب الممتدّة من ماضيها إلى حاضرها، وسُلطة الرجل أباً وأخاً وزوجاً، تمدّانها بواقعية مريرة. المسرح بأكمله لتجسُّد مفهوم «القوّة» ولإسقاط حصره بممارسي العنف، فتصدح أصواتٌ من عمق خفوتها. فمن خلال شخصية «يسار/ سهاد» (ماغي بو غصن)، تتأكد القوّة بوصفها الانتصار على الخوف والقرار بالمواجهة حين تقلّ الخيارات، ولا تبقى سوى الورقة الأخيرة.

منح العمل الصوت النسائي مزيداً من القيمة (البوستر الرسمي)

كتبت اللبنانية نادين جابر نصاً واثقاً بأنه سيُعلِّم، وحمَّلت مع المخرج السوري رامي حنا شخصياته مَهمّة إيصاله بعيداً. وإنْ كان وراء عودة الماضي بأشكال كابوسية، أبٌ مُنتقِم هو «نبال» (مهيار خضور)، فالانتظار على أشدّه ليكون السرّ المؤدّي إلى ذلك الخراب بحجم تداعياته.

بإخراج شيِّق تبرع به كاميرا حنا، تُروى حكاية نساء يجدن في شخصيات المسلسل أصداء لعذابات صامتة، لا تعبُر الغرف المغلقة، ولا تجد مَن يحيلها على الخلاص. كان مُخيفاً تصديق أنّ ذلك يحدُث. بدا «أسهل» على العقل البحث عن المبالغة والتقاط الهفوة، من تقبُّل الحقيقة. لا يعني ذلك خلوَّ النصّ من نقاط ضعف. فبطلته تحوَّلت تماماً إلى هيئة امرأة «أخرى»، ولم يتعرّف أحد إلى صوتها. وأوكِل لأستاذ قيل إنه يحمل الجنسية الأميركية التعليم في «الجامعة الأميركية ببيروت»، حيث لا يتردّد بإقامة «علاقة» مع طالبة لأغراضه الانتقامية، من دون الاكتراث إلى سمعته ومكانته! فإنْ أُعطي أي مهنة أخرى، لما لاحظنا الفارق، فالدكتور ترك أشغاله وتفرّغ بالكامل للثأر. ذلك، وسواه، بانتظار أن يجيب المسلسل عن سؤال يتعلّق بكيفية دخول «ريا» (ريان حركة بأداء مُتقَن ومُبشِّر) «الجامعة الأميركية»، وتسديد قسطها وسط سرّية تحرّكاتها؟

ريان حركة من المبشّرين بمستقبل الدراما اللبنانية (حسابها الشخصي)

أمام القضية النبيلة، قد تتراءى الاستفهامات «تفاصيل» لا بأس بالتغاضي عنها. وإنْ فعلنا، يصعُب صرف النظر عن بناء المنعطف الدرامي الكبير على قتل سببه «رفض تزويج الأخت الصغرى وفق عادات تنصّ على بذل حياتها لخدمة والديها». ثمة خلطٌ أضرَّ بحجم «تصديق» العمل، حين أبقى هامشاً للظنّ أنّ «هذه دراما فقط». لتصديقه «بالكامل»، وجب تجنُّب وَضْع المُشاهد أمام الشكّ. الوقوف في الوسط بين الواقع والخيال، في هذه الحالة، سيجعل الأخير يبدو غالباً، وإن كانت النوايا عكس ذلك. خطّ «رهف» (أداء مميّز لسيرينا الشامي) مؤثّر وحزين، لكنّ بناءه على قصّة رفض تزويجها لأنها الصغرى، بدا «مبالغة». فعادة المجتمع الذكوري ألا يعفو امرأة من الزواج، أياً كان ترتيبها الأسري.

من اليمين كارول عبود وإلسا زغيب بدور زوجتَي عمار شلق (مواقع التواصل)

النقد لا يرجم المسلسل بحجر، لثقته بأنّ له دوراً يغفر هفواته. ليست الرسالة المؤثّرة فحسب، بل أيضاً مفاجآته وأحداثه وتواصُل صعوده نحو الذروة. قلّما خانه إيقاعه وباغتته الرتابة. عصبه مشدود من البداية إلى النهاية، ويملك المفاتيح لدخول المنازل. تناغُم ثلاثية النصّ- الإخراج- التمثيل، أثمر حصاداً مُشتهى.

قصص النساء هذه «ينبغي» أن تخرج إلى العلن، فتهزّ ضمائر وتحرّك قوانين مُهمَلة لتنصف وتردّ الاعتبار. للمسلسل دور، وزَّع من أجله الأدوار على أسماء لمع أداؤها. لم يكن عمار شلق بشخصية «سيف حلم» نموذجاً للرجل الذكوري أسير عادات مجحفة، تطمس كينونة النساء وتُصادر أحلامهنّ، بل أحد أبرز نجوم رمضان.

بشخصية مكروهة، قبيحة، يدعو لها الجميع بالموت، أوصل مآسي المرأة في مجتمعات تقهرها بلا شفقة، وتدوسها بلا تأنيب ضمير، وتصيب وجودها بالامّحاء بشتّى أشكال العنف.

سيرينا الشامي مجسِّدة مشهد قتلها بسلاح أخيها (لقطة من المسلسل)

عند هذا المستوى، تتكامل سلسلة الظلم، فلا يغدو الفارق كبيراً بين المُتحايلة على قدرها مثل «ريا»، وضحية أحكام الآخرين مثل «ملاك» (المميّزة جوي حلّاق)، ما دام السكّين يحزّ الرقاب متى تجرأت إحداهنّ وواجهت. ولا فوارق كبرى بين مَن تحبّ بصمت، وتتألّم بلا مجاهرة، مثل «ضحى» (أحد أجمل أدوار كارول عبود)، لمجرّد أنه يُحرَم على المرأة الانصياع لقلبها؛ ومَن تنعكس أوجاعها الداخلية، الواعية واللاواعية، على جسدها مثل «صفاء» (إلسا زغيب بأداء متفوّق)، بمقابل مَن تدّعي النجاة وهي تغرق (رنين مطر بأداء مجتهد لشخصية «تينا» المتستّرة على وجعها)، ومَن تُغنّي فواق الجراح الساخنة، فتؤدّي الفنانة ماريلين نعمان دوراً مكتمل الصدق والعفوية والبراعة والرقّة، يتيح للمسلسل مساحة دفء تبلسم الوحشة، وفسحة حميمية على وَقْع الموسيقى، بمثابة استراحة من ظلم الدنيا.

ماريلين نعمان مفاجأة المسلسل والموسم الرمضاني (حسابها الشخصي)

رجال المسلسل مؤثّرون في حياكة مصائر النساء، بعضهم يشكّل عناقاً (نقولا دانيال مجسّداً اللطافة الإنسانية، وإيلي متري مجسّداً بعفوية عذبة الكتف التي تُلقى عليها الرؤوس المتعبة، وطلال الجردي مقدّماً أحد أجمل أدواره بشخصية «رباح» النادم على الماضي والمُحتضِن قبل فوات الأوان)؛ وبعضهم يُعمّق الندبة، من «سيف» إلى «عقيل» (حسن حمدان بدور متقَن)، و«نبال». الممثل السوري مهيار خضور أمسك الشخصية، وإنْ لم تُفهم تماماً خلفيات وسواسه القهري (كدنا ننساه بعدما شدّدت عليه الحلقات الأولى، لمصلحة إظهار نوبات هلع تصيبه حين يشتدّ تسبّبه بالأذى). في الحلقات الأخيرة، بدا مستفزّاً، نذلاً، فصدّقنا استفزازه ونذالته، وهذا يكفي للاعتراف بالشطارة.

طلال الجردي بشخصية لن تُنسى قريباً (من بوسترات المسلسل)

مهيار خضور بدور مُستفزّ أحسن أداءه (حسابه الشخصي)

مرور الممثلة السورية ديما الجندي بشخصية «ورد» ترك لطفاً، من دون أن يحرّك ما يُذكر درامياً (حتى الآن). وبديع أبو شقرا بشخصية «جلال» أدّى بمهارة التخبُّط والتلوُّع والخسارة العاطفية مقابل بعض التعويض.

بديع أبو شقرا ماهر في تجسيد التخبُّط (لقطة مع ماغي بو غصن)

الأمومة في المسلسل نجمة أيضاً؛ مرةً بأحد أجمل أدوار نوال كامل بشخصية «رجاء»، ومرّة باستماتة «يسار» لاحتواء ابنتيها. ماغي بو غصن قدَّمت ذروة عطاءاتها التمثيلية. وفاؤها للشخصية يُحسب لها. منحتها ضميرها وقلبها، حيث الصدق والأمل بعدالة الأرض.


مقالات ذات صلة

كاريس بشَّار لـ«الشرق الأوسط»: «سَماهر» صدَمتني وأنا أغار منها

خاص الممثلة السورية كاريس بشَّار بشخصية «سماهر» في مسلسل «بخمس أرواح» (شركة الصبّاح للإنتاج)

كاريس بشَّار لـ«الشرق الأوسط»: «سَماهر» صدَمتني وأنا أغار منها

حديث خاص مع الممثلة السورية كاريس بشَّار عن شخصية «سماهر»، وتفاصيل عن الوصلات الغنائية المباشرة واللهجة الخاصة ببطلة مسلسل «بخمس أرواح».

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق تكسر رندة كعدي مع شخصية «مارغو» نمط الأدوار التي سبق أن جسّدتها (إنستغرام الفنانة)

رندة كعدي: دوري في «بالحرام» فرصة العمر

في المَشاهد الأولى، لم يتعرّف الجمهور سريعاً إلى رندة كعدي، وبدت كأنها قشّرت جلدها وأعادت تشكيل ملامحها...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق ريهام عبد الغفور وحمزة العيلي حصدا إشادات لافتة (الشركة المنتجة)

نقاد مصريون يقيّمون «نجاحات» و«إخفاقات» موسم دراما رمضان

حققت الدراما المصرية رقماً قياسياً في عدد المسلسلات المعروضة خلال رمضان، الذي وصل إلى 38 عملاً.

انتصار دردير (القاهرة)
الخليج خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز (واس)

الملك سلمان: السعودية بذلت جهوداً حثيثة لدعم السلام في العالم

أكد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز أن السعودية بذلت جهوداً حثيثة لدعم السلام في العالم، ومنها مواقفها تجاه الأحداث المؤسفة التي تمر بها المنطقة

«الشرق الأوسط» (جدة)
يوميات الشرق ترجع «الحوامة» في أصلها إلى تقليد شعبي قديم في منطقة نجد (تصوير: تركي العقيلي)

«الحوامة»… موروث نجدي بدأ من الجيران وكبر بالذاكرة

تعدّ «الحوامة» مشهداً اجتماعياً يعيد للأذهان دفء الأحياء القديمة، وبدأت فعالياتها التي انتشرت مؤخراً في أحياء عديدة بالعاصمة الرياض خلال العشر الأواخر من رمضان.

فاطمة القحطاني (الرياض)

مطعم شهير يجدّد الجدل حول مصداقية «الفوود بلوجر» في مصر

جدل في مصر حول دور المؤثرين في الدعاية للمطاعم (الشرق الأوسط)
جدل في مصر حول دور المؤثرين في الدعاية للمطاعم (الشرق الأوسط)
TT

مطعم شهير يجدّد الجدل حول مصداقية «الفوود بلوجر» في مصر

جدل في مصر حول دور المؤثرين في الدعاية للمطاعم (الشرق الأوسط)
جدل في مصر حول دور المؤثرين في الدعاية للمطاعم (الشرق الأوسط)

أثار مقطع مصوّر ظهر فيه صاحب أحد المطاعم الشهيرة في مصر منتقداً أحد صنّاع محتوى الطعام، جدلاً عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ليطرح مجدداً تساؤلات حول مدى أحقية «الفوود بلوجرز» في تقييم المطاعم.

واعترض صاحب المطعم في المقطع على فكرة قيام أحد «الفوود بلوجرز» المعروفين بتقييم الطعام في مطعمه، معتبراً أن تقييم المطاعم «ليس من اختصاص (الفوود بلوجرز)»، وأن تقييم المطاعم له متخصصون يمتلكون الخبرة والمعايير اللازمة للحكم على جودة ما تقدمه.

وقوبل فيديو صاحب المطعم بردود فعل متباينة؛ إذ دافع جانب من المتابعين عن رأي صاحب المطعم في ضرورة الفصل بين التجربة الشخصية والتقييم المتخصص، في حين رأى آخرون أن حديثه يحمل هجوماً على «الفوود بلوجرز»، وأن طريقة الرد قد تتحول في حد ذاتها إلى دعاية سلبية للمطعم.

ودافع متابعون عن حق صانع المحتوى في التعبير عن تجربته بوصفه مستهلكاً اشترى الطعام ودفع ثمنه، وليس باعتباره خبيراً أو ناقداً متخصصاً، وكتب أحدهم تعليقاً على الواقعة: «واحد شاري أكل بفلوسه وقرر يقيم تجربة الأكل»، مشيراً إلى أنه لم يقدم نفسه باعتباره «خبيراً»، في حين رأى أن تجاهل الفيديو أو الرد على ما ورد فيه كانا خيارين أفضل من نقل الخلاف إلى المستوى الشخصي.

ويعيد الجدل طرح مسألة الفارق بين نقل تجربة شخصية وتقديم تقييم مهني للمطاعم؛ ففي حين يستند الأخير إلى معايير وخبرة متخصصة، اكتسبت تجارب «الفوود بلوجرز» وزناً أكبر مع اتساع أعداد متابعيهم وتأثيرهم في اختيارات الجمهور.

لقطة من الفيديو المثير للجدل (إكس)

وترى مروة السيد، المدرّسة بقسم العلاقات العامة والإعلان في كلية الإعلام بجامعة القاهرة، أن «(الفوود بلوجرز)، شئنا أو أبينا، أصبحوا جزءاً كبيراً من صناعة الدعاية»، لافتة إلى أن المطاعم نفسها أسهمت في تعزيز هذا الدور عبر استقطاب صنّاع المحتوى والتعاون معهم، لدرجة أن «كثيراً منهم أصبح لديه حضور وشعبية وكلمة مؤثرة».

وتضيف لـ«الشرق الأوسط» أن الإشكالية لا تتعلق فقط بحق «الفوود بلوجر» في النقد، بقدر ما تتصل بالفاصل بين التقييم والإعلان، خصوصاً مع تحول صنّاع محتوى الطعام إلى إحدى أدوات التسويق للمطاعم، بحيث لا يكون المتابع دائماً أمام رأي شخصي مستقل، وإنما قد يكون أمام محتوى تجاري جرى الاتفاق عليه مسبقاً.

وتوضح أن «التعاون التجاري بين المطاعم وصنّاع المحتوى تختلف قيمته وفق عدد المتابعين، وطبيعة المحتوى المطلوب، وحجم التفاعل»، معتبرة أن «ما يهدم مصداقية صانع المحتوى هو أن تصبح الفلوس أول همه، وأن تبدو جميع المطاعم التي يزورها جيدة؛ لأن المتابع سيفقد ثقته به في النهاية».

وخلال السنوات الأخيرة انتشرت ظاهرة «الفوود بلوجرز» التي بدأت بشباب يرصدون تجاربهم في أحد المطاعم وتذوق ما يقدمه، ثم إبداء رأيهم فيما تناولوه، ونشر هذا الرأي في مدونات أو على صفحات «سوشيالية» مع الوقت أصبحت تحظى بمتابعات لافتة، وأصبحت الظاهرة «صناعة ضخمة» تدر مكاسب مادية على صنّاع المحتوى، وفي الوقت نفسه أصبحت وسيلة للدعاية تقوم بها العديد من المطاعم.

وترى خبيرة التسويق الرقمي داليا الشافعي أن قوة «الفوود بلوجر» ترتبط في الأساس بالثقة التي بناها مع متابعيه، وهي الثقة التي قد تتراجع عندما يشعر الجمهور بأن التقييمات الإيجابية مرتبطة بالتعاون التجاري أكثر من ارتباطها بالتجربة الفعلية.

وتقول داليا لـ«الشرق الأوسط» إن «خروج صاحب المطعم للتقليل من دور (الفوود بلوجرز) قد يتحول في حد ذاته إلى دعاية سلبية للمطعم»، موضحة أنه «كان من الممكن التعامل مع التقييم باعتباره تجربة شخصية، فمن الطبيعي أن يحب البعض المطعم، وألا يعجب آخرين».

وتضيف أن «التسويق في الوقت الحالي لا يمكنه تجاهل التأثير الذي باتت تتمتع به منصات التواصل الاجتماعي وصنّاع المحتوى، باعتبارهم قطاعاً مؤثراً في تشكيل آراء الجمهور وقراراتهم الشرائية».


مصر لحفظ كنوز «الكتبخانة الخديوية» برقمنة آلاف المخطوطات

دار الكتب المصرية أنشئت نهاية القرن التاسع عشر (دار الكتب والوثائق المصرية)
دار الكتب المصرية أنشئت نهاية القرن التاسع عشر (دار الكتب والوثائق المصرية)
TT

مصر لحفظ كنوز «الكتبخانة الخديوية» برقمنة آلاف المخطوطات

دار الكتب المصرية أنشئت نهاية القرن التاسع عشر (دار الكتب والوثائق المصرية)
دار الكتب المصرية أنشئت نهاية القرن التاسع عشر (دار الكتب والوثائق المصرية)

نظمت دار الكتب والوثائق القومية بمصر احتفالية بمناسبة مرور 156 عاماً على تأسيس «الكتبخانة الخديوية» التي تعد النواة الأولى لدار الكتب المصرية، وذلك بمقرها التاريخي في منطقة باب الخلق، وأبرز متخصصون ومؤرخون الدور الذي قامت به الدار في حفظ المخطوطات وكتب التراث حتى اليوم، مع التأكيد على رقمنة آلاف المخطوطات لحفظها ضمن مشروع عالمي.

وبينما أكد رئيس الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية، الدكتور أسامة طلعت، على أن التراث المصري من وثائق وآثار ومخطوطات يمثل حصن الأمة الأخير، مشيداً، خلال بيان للهيئة، بدور العاملين بدار الكتب والوثائق القومية وكوادرها المتتابعة في حمل هذه الأمانة العظيمة وصونها، شدد على أن التاريخ يؤكد قدرة مصر على تجاوز جميع التحديات، والحفاظ على ذاكرتها وتراثها الحي.

بينما أشار المؤرخ الدكتور أيمن فؤاد سيد إلى أن دار الكتب المصرية تعد أول وأقدم مكتبة وطنية أُنشئت في الشرق. وتطرق إلى تاريخ خزائن الكتب التي كانت تنتشر قديماً في المدارس والمساجد الجامعة، مستحضراً تجربة «دار الحكمة» ببغداد التي أسسها هارون الرشيد، و«بيت الحكمة» بالقاهرة في العصر الفاطمي، اللذين ضما أعداداً ضخمة من المخطوطات والكتب، وفق ما ذكره المؤرخون.

وعن قصة تأسيس «الكتبخانة الخديوية»، استعرض المؤرخ المصري بداية الفكرة التي تبلورت عند عودة البعثات المصرية من فرنسا (بعثة الأنجال عام 1844) والتي شارك فيها علي مبارك والخديوي إسماعيل، حيث اقترح علي مبارك إنشاء مكتبة وطنية على غرار المكتبات الأوروبية، وعليه صدر قرار التأسيس في مارس (آذار) 1870، وافتُتحت في 24 سبتمبر (أيلول) 1870 بالطابق الأرضي لقصر مصطفى فاضل بـ درب الجماميز»، وجمعت الدار عند تأسيسها مجموعات الكتب المتناثرة في المدارس والخزائن (باستثناء الأزهر)، إضافة إلى مكتبة مصطفى فاضل باشا التي اشتراها الخديوي إسماعيل، وكان من بينها أعرق المخطوطات.

وتابع أنه «مع ازدياد الرصيد وتأثره بالرطوبة، تقرر بناء المبنى الحالي لدار الكتب بباب الخلق في عهد الخديوي عباس حلمي الثاني، حيث وُضع حجر الأساس له عام 1897 وافتُتح عام 1904، وتولى إدارتها في البداية أربعة من المستشرقين الألمان، حتى تولى أحمد لطفي السيد باشا رئاستها كأول رئيس مصري لها عام 1916».

دار الكتب المصرية في باب الخلق (دار الكتب)

وأضاف فؤاد سيد لـ«الشرق الأوسط» أن «دار الكتب والوثائق القومية تعد ثروة قومية لما تضمه من مخطوطات ومجلدات تصل إلى 60 ألف مخطوط، وكانت قد بدأت تجميع نحو 16 ألف مخطوط ومجلد»، لافتاً إلى جهود متواصلة لرقمنة وأرشفة وتطوير البحث والإتاحة في دار الكتب ليمكن الاطلاع على محتوياتها بطرق آمنة مع حفظ التراث الخطي (المخطوط) وحمايته للأجيال المقبلة.

جانب من الفعاليات في دار الكتب المصرية (دار الكتب والوثائق المصرية)

وأوضح رئيس الإدارة المركزية لدار الكتب، الدكتور مينا رمزي، أن قطاع التحول الرقمي شهد تدشين معمل رقمنة جديد للمخطوطات بالتعاون مع جمعية المكنز الإسلامي، يجري العمل فيه على مشروع عالمي لرقمنة وإتاحة مجموعة «المصاحف المملوكية» النادرة وإصدار دليل استرشادي عالي الجودة لتسويقها دولياً، مع إنجاز 50 في المائة من العمل حتى الآن، كما أضاف رمزي أنه تم تطوير معمل المسح الرقمي بدعمه بستة أجهزة حديثة؛ ما أسفر عن رقمنة أكثر من 7 ملايين لقطة من أوعية المعلومات المختلفة، وربط 84 ألف مصدر رقمي متاح عبر القاعة الرقمية، فضلاً عن فهرسة ورقمنة أكثر من 4700 أسطوانة صوتية نادرة وتحويلها من النظام التناظري إلى الرقمي.

واستعرض رمزي، وفق البيان، اكتمال مشروع ترميز (بار كود) قرابة 60 ألف مجلد مخطوط؛ ما اختصر مدة الجرد إلى أيام معدودة، وسمح بتتبع حركة المقتنيات بدقة، وتطبيقاً لسياسة تداول المقتنيات والدورة المستندية الجديدة، لم تسجل الدار أي حالة فقد في رصيدها التراثي.


حسني أبو بكر يرسم يوميات مصر بعين المُراقب

أبو بكر يوظّف الشخصيات والديكور والإضاءة لتشكيل مشاهد تنبض بالدراما (الشرق الأوسط)
أبو بكر يوظّف الشخصيات والديكور والإضاءة لتشكيل مشاهد تنبض بالدراما (الشرق الأوسط)
TT

حسني أبو بكر يرسم يوميات مصر بعين المُراقب

أبو بكر يوظّف الشخصيات والديكور والإضاءة لتشكيل مشاهد تنبض بالدراما (الشرق الأوسط)
أبو بكر يوظّف الشخصيات والديكور والإضاءة لتشكيل مشاهد تنبض بالدراما (الشرق الأوسط)

من موقع المُراقب الذي يكتفي بالنظر ولا يتدخَّل، ظلَّ الفنان التشكيلي حسني أبو بكر، لسنوات طويلة، يتابع تفاصيل الحياة المصرية في الشوارع والحارات والنجوع والميادين. يرصد حركة الناس وعلاقاتهم وطرائق احتفالهم ومظاهر حزنهم، من دون أن يعرف في البداية أنّ تلك المشاهد العابرة ستتحوّل يوماً ما إلى مخزون بصري واسع يستعيده في لوحاته.

ومن هذه المَشاهد تشكّل معرضه «دراما مصرية»، المُقام حالياً في «غاليري سماح» بمدينة الشيخ زايد (غرب القاهرة)، والمستمر حتى نهاية سبتمبر (أيلول) الحالي.

لوحة لأبو بكر تستعيد أجواء الاحتفاء بالعائدين من الحج (الشرق الأوسط)

يقدّم الفنان نحو 20 لوحة تنشغل بالحياة المصرية في تنوّعها، وتضع الإنسان وتفاصيل يومه العادي في قلب المشهد.

يقول حسني أبو بكر: «اهتمامي بالناس في بلدي بدأ منذ طفولتي، فكنت أراقبهم، وأحتفي بمعرفة أحوالهم، وأتجوّل في أماكن مختلفة متابعاً الحياة من بعيد. وخلال ذلك، كنت أستمتع بالأجواء المصرية وحبّ الناس للحياة».

ومع اكتشاف حبّه للفنّ والرسم، أدرك أن ما اختزنته ذاكرته البصرية كان أكثر ثراءً مما يتصوَّر؛ فالبيئة المصرية تمنح الفنان مادة لا تنضب، وفق ما يضيف لـ«الشرق الأوسط»: «الحياة اليومية، والضحك والترفيه، والطقوس الاجتماعية، والحِرف، وأساليب البيع والشراء، والعلاقات الإنسانية بما تحمله من حبّ وجفاء ومودّة ومصالح، هي قلب أعمالي».

من هنا، وجد الفنان أنّ أمامه «قماشة واسعة» يستطيع من خلالها الاقتراب من المجتمع المصري بكلّ تناقضاته وتفاصيله، وأنّ تجسيدها بات شديد الأهمية. ويوضح: «أعمالي في المعرض محاولة لحفظ جانب من الذاكرة المصرية في زمن تتسارع فيه التكنولوجيا، وتتبدَّل الصور والمعلومات باستمرار».

الفنان التشكيلي المصري حسني أبو بكر (الشرق الأوسط)

وفي هذا السياق، يطرح سؤالاً محورياً: «مَن يستطيع حفظ شكل الحياة المصرية للأجيال المقبلة؟». ويجيب: «أرى أنّ ذلك دوري، ودور كلّ فنان مصري عاشق لبلده. ولذلك قرّرتُ أن أكون بمنزلة الموثّق أو المؤرّخ لها، لكن عبر أدوات الفنّ التشكيلي».

ويفسّر ذلك كيف يمكن للمتلقّي أن يعيش عبر لوحات المعرض تفاصيل الحياة المصرية من قرب، فيشاهد حِرفاً مهدّدة بالاندثار، وطرائق متنوّعة للاحتفال والحزن، فضلاً عن العلاقات بين الناس وإيقاع الحياة اليومية.

يقول أبو بكر: «لوحاتي كأنها سرديات اجتماعية لمصر؛ إذ يستطيع مَن يأتي بعد سنوات أن يعود إليها ليرى كيف كانت تعيش وتتحرّك».

ويبدو أنه، خلال ذلك كلّه، لم يتخلَّ عن موقعه مراقباً من بعيد، ما يساعده على إثراء مخزونه البصري. ويُعلّق: «صحيح، تمسّكت بالمراقبة فقط؛ لأن الابتعاد قليلاً عن الحدث يسمح برؤية الصورة كاملة، بينما يؤدّي الدخول في تفاصيل المشهد إلى رؤية أجزاء منه فقط؛ لذلك أراقبُ ولا أتدخّل، وأترك للمتلقّي أيضاً حقّ التفاعل مع اللوحة».

اختار أبو بكر لمشروعه عنوان «دراما مصرية» تأثّراً بعمله في التمثيل مدّةً، وانطلاقاً من مفهوم الدراما، بوصفها مساحة تتّسع لمختلف أنماط الحياة والسلوك الإنساني؛ فالحياة ليست مساراً واحداً، وإنما مزيج من الكوميديا والتراجيديا والحركة والفرح والحزن، وفق قوله.

لوحات أبو بكر تغوص في تفاصيل الحياة المصرية (الشرق الأوسط)

ومن هذا المنظور، يتعامل الفنان مع اللوحة كما لو كانت مشهداً سينمائياً، ويتقمّص دور المخرج الذي يوزّع أدوار الشخصيات داخل الكادر. في لوحاته أبطال وكومبارس، وإضاءة وديكور وملابس وإكسسوارات، وحوار صامت بين الشخصيات، لكنّ المخرج هنا لا يكتب الحوار، بل يترك الحياة نفسها تتولَّى أداء المشهد.

وتتجاوز هذه الرؤية الزمن الراهن لتصل إلى الماضي البعيد؛ فقد وجد أبو بكر، خلال دراسته للحياة في مصر القديمة، تشابهاً لافتاً بين كثير من أنماط السلوك آنذاك وبعض تفاصيل الحياة المصرية المعاصرة. ويقول: «تغيّرت الأشكال الخارجية، وتطوّرت الوسائل، لكن لا يزال الإنسان المصري يبحث عن الفرح، ويتعامل مع قسوة الحياة، ويمارس البيع والشراء، ويحتفي بالفنون والثقافة والعمران. باختصار، الحياة في مصر هي الحياة».

لوحة «بناء الأهرامات» تتخيّل تفاصيل الحياة اليومية حول ورشة تشييدها (الشرق الأوسط)

أمام لوحة «بناء الأهرامات»، وقف الفنان طويلاً يتأمّلها وكأنه يراها للمرة الأولى، وقال مشيراً إليها: «هذا العمل أعتزّ به كثيراً؛ لأنه يلخّص جانباً مهماً من الحضارة المصرية». وتابع: «الجميع ينبهر بالأهرامات، لكن تفاصيل الحياة التي أحاطت ببنائها تظلّ أقل حضوراً في الصورة الشائعة عنها. وفي هذا العمل، تخيّلت ذلك المشروع الضخم من الداخل: كيف كان المصريون يبنون، وكيف كانت الحياة تدور في محيط تشييد أحد أعظم الإنجازات في التاريخ الإنساني».

لوحاته ترصد الشخصيات وتفاصيل العلاقات الإنسانية في المجتمع المصري (الشرق الأوسط)

ولا يحصر أبو بكر اهتمامه في المحلّي والتراثي؛ فالفنان، في رأيه، «ابن زمنه» أيضاً؛ ولذلك لا يعزل نفسه عن الأحداث العالمية.

ويظهر ذلك، على سبيل المثال، في لوحة «سوق ديانا» التي يستعيد فيها أجواء مرتبطة بالتوتر بين إيران وأميركا وقضية مضيق هرمز، في إشارة إلى أنّ الفنان، مهما انشغل بالتراث والماضي، يظلّ جزءاً من عالم متشابك تفرض أحداثه نفسها عليه. يقول: «لا ينبغي للفنان أن يعيش داخل شرنقة منفصلة عن الواقع، فمواكبة الأحداث جزء من صدقيته تجاه زمنه».

يستخدم أبو بكر في معظم أعمال المعرض الأكريليك على الكانفاس، وهي الخامة التي يفضّلها؛ لأنها تمنحه القدرة على التركيز في الشخصيات والأحداث والتفاعلات، من دون إضافة عناصر قد تشتّت المتلقّي، كما يعتمد على مجموعة لونية تحافظ على بصمته الخاصة، حتى مع اختلاف الموضوعات.

لوحة «سوق ديانا» بألوانها الزاهية وطابعها الكرنفالي (الشرق الأوسط)

فاللون الصارخ أو المُبهج ذو الطابع الكرنفالي ليس هدفاً في حد ذاته، «وإنما ينبغي أن يوضع في المكان الذي يخدم فكرة العمل»، وفق قوله.

ولعلّ أكثر ما يراهن عليه أبو بكر في «دراما مصرية» هو البساطة، وأن يجد المثقّف والمتلقّي العادي على السواء مدخلاً إلى العمل. ويرتبط ذلك، كما يقول، بشخصيته نفسها؛ فهو يحتفي بالبساطة، ويرى أنها أقصر الطرق للوصول إلى الناس، ولذلك يفضّل أن تظلّ لوحاته مفتوحة على أكثر من قراءة.