ما أن رسم الرئيس الأميركي جو بايدن في مطلع الشهر الماضي «خطاً أحمر» لمنع أي عملية عسكرية واسعة النطاق في رفح بجنوب غزة، حتى سارع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى رفض أي قيود يمكن أن يضعها البيت الأبيض على حربه ضد «حماس».
بدا في حينه أن العلاقة بين بايدن ونتنياهو تنحدر إلى درك جديد، من دون أن تظهر على الإطلاق أي مؤشرات إلى الثمن الذي يمكن أن تدفعه إسرائيل إذا تجاوزت الخط الأحمر الذي وضعه الرئيس بايدن في 9 مارس (آذار) الماضي، حين صرح بأن غزو مدينة رفح المكتظة باللاجئين الفلسطينيين سيكون «خطأ فادحاً»، مضيفاً يومها خلال مقابلة مع شبكة «إم إس إن بي سي» الأميركية للتلفزيون أنه «لا يمكن أن نقتل 30 ألفاً آخرين من الفلسطينيين».
في ظلّ العمليات العسكرية الإسرائيلية المتواصلة بلا هوادة في غزة، وإصرار نتنياهو على اجتياح رفح، أعد بايدن طريقة للتراجع شيئاً فشيئاً عن خطه الأحمر، ليضع شرطين لمنح «ضوء أخضر» إذا التزمت إسرائيل بحماية السكان المدنيين وتأمين المعونات الإنسانية لهم.
وهذا ما يعيد إلى الأذهان خطاً أحمر سابقاً رسمه الرئيس السابق باراك أوباما عام 2012 حين أكد أن «الخط الأحمر بالنسبة إلينا هو عندما نرى كمية من الأسلحة الكيميائية تُحرك أو تُستخدم» من القوات السورية الموالية للرئيس بشار الأسد، محذراً من «عواقب هائلة» لتجاوز دمشق ذلك الخط الأحمر، فيما أوحى بأن الولايات المتحدة ستستخدم القوة العسكرية رداً على أي عمل من هذا النوع.
غير أن أوباما لم يأمر بأي رد فعل جوهري على الهجوم الكيماوي الذي وقع في 21 أغسطس (آب) 2012 وأدى إلى مقتل زهاء 1400 شخص، بينهم نحو 400 طفل، طبقاً لمعلومات أوردتها وكالة الاستخبارات المركزية «سي آي أيه». غير أن أحداً لم ير «العواقب الهائلة» التي تحدث عنها أوباما (وكان بايدن نائب الرئيس في عهده). وكان غيابها بمثابة «ضوء أخضر» لاستخدام هذه السموم المحظورة دولياً في أماكن عديدة خلال الحرب السورية.
نظراً إلى خبرته الطويلة سيناتوراً في مجلس الشيوخ ثم نائباً للرئيس فرئيس في البيت الأبيض، يبدو الخط الأحمر عند بايدن شبيهاً بالخط الأحمر عند أوباما، وموازياً لخطوط حمر أخرى خطها الزعماء السابقون للدولة العظمى، وبينهم الرئيس جورج دبليو بوش الذي توعد كوريا الشمالية بـ«الويل والثبور وعظائم الأمور» إذا اختبرت سلاحاً نووياً، وهي فعلت ذلك في عهده. وكذلك هدد إيران التي طوّرت برنامجها النووي على نطاق واسع بدءاً من عهده أيضاً.
“These are the heroes of WCK. These 7 beautiful souls were killed by the IDF in a strike as they were returning from a full day's mission. Their smiles, laughter, and voices are forever embedded in our memories.” - Erin Gore, CEO. Read more: https://t.co/4f38RQ1l4I pic.twitter.com/neAsSzKVP5
— World Central Kitchen (@WCKitchen) April 2, 2024
«خطأ كبير»
بالإضافة إلى التحذير العلني الذي أصدره بايدن لحكومة نتنياهو من خطورة إراقة المزيد من الدماء في غزة، فضلاً عن تزايد المخاوف العالمية من كارثة مجاعة، حاول الرئيس الأميركي خلال اتصالات هاتفية متتابعة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي الذي «يؤذي إسرائيل أكثر من مساعدتها» في نهجه الحربي ضد «حماس»، فقال إنه «يجب على نتنياهو أن يولي المزيد من الاهتمام للأرواح البريئة التي تزهق نتيجة الإجراءات المتخذة»، مضيفاً أن عدد القتلى في غزة «يتعارض مع ما تمثله إسرائيل (...) أعتقد أن هذا خطأ كبير».
وعندما سُئل عن رد فعله على تصريحات بايدن وعما إذا كانت القوات الإسرائيلية ستتوجه إلى رفح، أجاب نتنياهو: «سنذهب إلى هناك. لن نتركهم. كما تعلمون، لدي خط أحمر. هل تعرفون ما هو الخط الأحمر؟»، مؤكداً أن ما حصل في 7 أكتوبر (تشرين الأول) «لن يتكرر مرة أخرى». وأضاف: «دمرنا ثلاثة أرباع كتائب (حماس) (ونحن) على وشك الانتهاء من الجزء الأخير من الحرب»، مدعياً أن القتال «لن يستمر أكثر من شهرين» إضافيين، بل «ربما ستة أسابيع، وربما أربعة».
وحتى عندما حذر بايدن نتنياهو من استهداف المزيد من المدنيين في غزة، كرر دعمه العام لإسرائيل، قائلاً إن اجتياح رفح «خط أحمر، لكنني لن أتخلى عن إسرائيل أبداً. الدفاع عن إسرائيل لا يزال حاسماً». لكنه استدرك أنه «ليس هناك خطاً أحمر يؤدي إلى وقف إرسال الأسلحة لهم، ومنها القبة الحديدية لحمايتهم».
مساعدات إنسانية... وأسلحة

وهذا ما يؤكد أن تصريحات بايدن ترقى إلى النصح قبل أي شيء آخر، على رغم أن استهداف إسرائيل للقوافل الإنسانية الشحيحة التي تدخل المساعدات إلى المتضورين جوعاً في القطاع، أدت إلى مقتل نحو 200 من العاملين الإنسانيين منذ بدء حرب غزة في 7 أكتوبر الماضي، وآخرهم 7 من موظفي «المطبخ المركزي العالمي»، مما أضاف الكثير إلى العلاقة المتوترة أصلاً بين بايدن ونتنياهو.
وأكد مسؤولون أميركيون أن بايدن كان «غاضباً» شخصياً بسبب ضربة «المطبخ المركزي العالمي». وهذا ما دفعه إلى القول الثلاثاء إن «هذه الحرب من أسوأ الصراعات في الذاكرة الحديثة من حيث عدد القتلى من عمال الإغاثة»، مضيفاً أن «إسرائيل لم تفعل ما يكفي لحماية عمال الإغاثة الذين يحاولون تقديم المساعدة إلى المدنيين الذين في أمس الحاجة إليها».
لا تغيير
وعلى رغم ذلك، قال منسق الاتصالات الاستراتيجية لدى مجلس الأمن القومي جون كيربي إن لا تغيير في سياسة بايدن حيال إسرائيل، مضيفاً: «نحن لا نتردد في حقيقة أن إسرائيل ستستمر في الحصول على الدعم الأميركي للمعركة التي تخوضها» ضد «حماس».
كل المسألة اختصرها مؤسس «المطبخ العالمي» جوزيه أندريس بقوله بعد الهجوم: «يجب على الولايات المتحدة أن تفعل المزيد لإبلاغ رئيس الوزراء نتنياهو بأن هذه الحرب يجب أن تنتهي الآن»، مضيفاً أنه من الصعب فهم الموقف الأميركي لأن «أميركا سترسل قواتها البحرية وجيشها للقيام بأعمال إنسانية، لكن في الوقت نفسه الأسلحة التي تقدمها أميركا... تقتل المدنيين».

