الإزهار الأول للانطباعيين ما زال منعشاً بعد 150 عاماً

«شروق الشمس» لكلود مونيه ضمن معرض «باريس 1874... اختراع الانطباعية» في متحف أورسيه بباريس (أ.ف.ب)
«شروق الشمس» لكلود مونيه ضمن معرض «باريس 1874... اختراع الانطباعية» في متحف أورسيه بباريس (أ.ف.ب)
TT

الإزهار الأول للانطباعيين ما زال منعشاً بعد 150 عاماً

«شروق الشمس» لكلود مونيه ضمن معرض «باريس 1874... اختراع الانطباعية» في متحف أورسيه بباريس (أ.ف.ب)
«شروق الشمس» لكلود مونيه ضمن معرض «باريس 1874... اختراع الانطباعية» في متحف أورسيه بباريس (أ.ف.ب)

كان فصل الربيع في باريس، قبل 150 عاماً، وكان هناك شيء جديد يجري على قدم وساق، شيء جديد، شيء جذري. أصدرت مجموعة مؤلفة من 31 فناناً رداً على الصالون السنوي للفنون، الذي يقام تحت رعاية الدولة والمتميز بنظام هيئة محلفين نخبوي ولوحات تقليدية مزخرفة، عبر إقامة معرض مستقل للفن الحديث للغاية، أو هكذا تقول الرواية.

لوحة للفنان الفرنسي كاميل بيسارو في معرض «باريس 1874... اختراع الانطباعية» في متحف أورسيه بباريس (أ.ف.ب)

الآن، يتذكر متحف أورسيه هذه اللحظة من خلال معرض «باريس 1874... اختراع الانطباعية». وهذا المعرض، الذي نُظّم بالتعاون مع المعرض الوطني للفنون في واشنطن، حيث ينتقل هناك في الخريف، يُعد نجاحاً فائقاً لأشهر اللوحات الفنية المحبوبة والمرتبطة بالحركة الانطباعية. نجد هنا «إدغار ديغا»، مع لوحاته عن راقصات الباليه على المسرح وفي البروفة، في تنوراتهن القصيرة الشبيهة بالحلوى والشرائط السوداء تزين أعناقهن. وهنا أيضاً «بيير أوغست رينوار»، مع زوجيه البرجوازيين في ملابسهما المسائية الفاخرة، وهما يستمتعان بأمسية مسرحية لطيفة من موقعهما في بلكون يرتفع عن خشبة المسرح. وطبعاً، هنالك «كلود مونيه»، الذي يدعوه البعض «أبو الانطباعية»، بلوحاته المرسومة خارج الاستديو في الهواء الطلق، متميزة بضربات فرشاته القصيرة والحيوية، ورقعة ألوانه التي يغلب عليها اللون الأزرق الباهت. لكن المعرض يعبر أولاً وقبل كل شيء عن فحص دقيق للحظة تاريخية ذات تعقيد أكبر وتنوع فني أكثر مما هو مفهوم في المعتاد.

لوحة للفنان كلود مونيه في معرض «باريس 1874... اختراع الانطباعية» في متحف أورسيه بباريس (أ.ف.ب)

تؤكد القيّمتان على المعرض «آن روبينز» و«سيلفي باتري» على السياق لتوضيح كيف أن الفنانين وأعمالهم هم نتاج عصرهم. وما كان يجري خارج جدران ما صار يعرف ب‍«المعرض الانطباعي الأول» كان بنفس القدر من الأهمية لما كان يحدث في الداخل.

في أوائل أبريل (نيسان) 1874، بدأت المقالات في وصف معرض مثير، وغير تقليدي على نحو واضح، تظهر في صحف باريس. وفي الفترة من 15 أبريل إلى 15 مايو (أيار)، أعلنت الصحف أن الزائرين يمكنهم الحضور ليلاً ونهاراً لقاء فرنك واحد فقط. وجاء في مقال: «إن إضاءات الغاز الموضوعة بمهارة فنية سوف تُمكن محبي الفن الذين يشغلهم عملهم طوال النهار من المجيء (طوال المساء) وفحص الأعمال الفنية للجيل العصري». كانت أوقات العرض المسائية من الحداثة الحضرية حقاً آنذاك.

لوحة «القراءة» للفنانة الفرنسية بيرت موريسو في معرض «باريس 1874... اختراع الانطباعية» في متحف أورسيه بباريس (أ.ف.ب)

شُكلت الجمعية التعاونية التي نظمت المعرض (الجمعية المساهمة للفنانين، والرسامين، والنحاتين، والحفارين)، في العام السابق، وذلك لأسباب مالية بالأساس، إذ أراد الفنانون تحديد كيفية وميعاد عرض أعمالهم، وكذلك بيعها، إلى سوق مزدهرة من جامعي الأعمال الجدد. بمبادرة من رينوار، ومونيه، وكاميل بيسارو، وألفريد سيسلي، وإدوار بيليار، نمت الجمعية سريعاً. إذ دفع الشركاء مبلغ 60 فرنكاً في السنة في خزائن الجمعية، بهدف تمويل المعارض المنتظمة. أولى هذه الفعاليات كان في 35 شارع كابوسين بباريس، أسفل الشارع المزدحم بزوار الأوبرا المشيدة حديثاً، بواجهتها ذات العمدان والتماثيل الرمزية.

لوحة «السكة الحديدية» للفنان الفرنسي كلود مونيه في معرض «باريس 1874... اختراع الانطباعية» في متحف أورسيه بباريس (إ.ب.أ)

اليوم، يجتمع كثير من الأعمال من ذلك المعرض الرائد، وتعرض معاً للمرة الأولى منذ عام 1874، ما يكشف عن عرض مذهل. كانت ردود الأفعال على المعرض المبتكر مختلطة، فقد أشار النقاد إلى المجموعة باعتبارها «عُصبة من العدميين»، و«المعاندين»، حتى «المجانين». بينما أعرب آخرون عن تقديرهم لظهور أسلوب جديد بين أهم العارضين، وانبثقت تسمية «الانطباعيين» عندما وصف أحد النقاد كيف أن هذه الأعمال، مع ضربات الفرشاة الفضفاضة والتشديد على الفورية، تخلق الشعور بالتجربة، بدلاً من التمثيل المباشر. ركّز كثير من المراجعين اهتمامهم على لوحة «الانطباع، شروق الشمس» لمونيه (1872)، وهو منظر لشروق الشمس الضبابي فوق ميناء لو هافر، حيث تشرق الشمس البرتقالية البراقة عبر سماء بنفسجية ضبابية. برغم أن الفنان قد سمى لوحته في عجالة، إلا أن الوصف ظل عالقاً.

لم يحقق المعرض ناجحاً مالياً، وانحلت الجمعية بعد ذلك بوقت قصير. ثم أقيمت 7 معارض انطباعية أخرى، كل منها مختلف في الشكل والمضمون، نظّمت من قبل مجموعات مختلفة من الفنانين الذين يمارسون المهنة تحت المظلة الفضفاضة للمصطلح، (لم يظهر سوى «كاميل بيسارو» في المعارض الثمانية).

عرض افتراضي يأخذ زوار معرض الانطباعية إلى عوالم يطغى عليها التصوير الحرفي (جيمس هيل - نيويورك تايمز)

اليوم، يقيم متحف أورسيه، الذي يضم أكبر مجموعة من الفن الانطباعي في العالم، معرضاً يتحدى الأساطير حول أصول الحركة ورَجعِيَّة همومها الجمالية. غير أنه كان هناك جزء آخر للمعرض، يمكن النظر له باعتباره معرضاً مصغراً داخل المعرض الأصلي. ففي أسفل الردهة، كان ينتظرنا عرض «الليلة مع الانطباعيين»، وهي تجربة واقعية افتراضية تأخذ الزوار للهواء الطلق حيث يرسم الفنانون بحرية على ضفاف نهر السين، وإلى شرفة فندق في لو هافر حيث نرى مع مونيه غروب الشمس، وما وراءها. بعد 45 دقيقة، بهرني الذهول والارتباك. كان الفنانون كلهم قصيرين للغاية. بدا أن «سيزان» له لكنة آيرلندية. مشيت عبر الماء. وركض حصان عبر جسدي. تجسدت شخصيات شبحية صلعاء (زملائي المجربين في عالم الواقع الافتراضي) تلقائياً ثم اختفت. اصطحبتني مرشدتي الافتراضية، فنانة طموحة اسمها ماري، إلى أسطح منازل باريس حيث شاهدت الألعاب النارية تنطلق من الأعلى. كان أمراً ممتعاً، ولكن الاهتمام بالتسلسل القصصي والتصوير الحرفي الذي قدّمته التجربة الافتراضية بدا متعارضاً مع معرض مخصص لاستكشاف الأحاسيس والمعاني البسيطة المتضمنة أو الانطباع في مواجهة الواقع. وهذا يختلف في نهاية المطاف بالنسبة لكل ناظر. لا تزال اللوحات الأكثر شهرة تلهم الخيال وتقدم شيئاً جديداً مع كل زيارة، حتى بعد 150 عاماً على تنفيذها.

- خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

«تحت سماء واحدة»... فسحة لفناني الجنوب اللبناني في بيروت

يوميات الشرق شجرة من حياة مُستعادة (الشرق الأوسط)

«تحت سماء واحدة»... فسحة لفناني الجنوب اللبناني في بيروت

يبقى الفنّ قادراً على وَصْل الناس وحماية الرابط بينهم حين تتبدّل الأمكنة وتضيق الخيارات...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق معروضات متنوعة في معرض المتحف اليوناني الروماني (وزارة السياحة والآثار)

كنوز المتحف اليوناني الروماني في الإسكندرية إلى النور

تحت عنوان «الإسكندرية... هوية وثقافة عبر الزمن»، نظم المتحف اليوناني الروماني بالإسكندرية أول معرض أثري مؤقت له منذ إعادة افتتاحه.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق محمد سهيل يفتّش في الجسد عن أثر الآخر (الشرق الأوسط)

محمد سهيل يُعيد رسم معنى الاكتمال

عالم مكتظّ بأجساد ناقصة، لكنه ليس عالماً مستسلِماً للنقص.

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق ماهر عطّار وموريال واكد في معرض «خارج الإطار» للمصوّرين الناشئين (أرت ديستريكت)

بين البترون وبيروت... الفنّ التصويري والتشكيلي في تحية ومبادرة

المبادرة وُلدت من مبدأ بسيط: «إذا كنتَ لا تستطيع أن تزورنا، فنحن نزورك»...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق «الأبد هو الآن» يربط الحضارة بالفنون المعاصرة (لوحة من النسخة الماضية فيسبوك)

فنانات عالميات يتصدرن النسخة السادسة من «الأبد هو الآن»

يتعامل معرض «الأبد هو الآن» مع هضبة الجيزة بوصفها موقعاً أثرياً ومشهداً ثقافياً حياً يواصل إلهام البحث الفني والخيال المعاصر.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )

117 سنة من الحياة... أكبر معمِّرة في العالم تكشف سر عمرها المديد

إيثيل كاترهام أكبر امرأة في العالم (أ.ب)
إيثيل كاترهام أكبر امرأة في العالم (أ.ب)
TT

117 سنة من الحياة... أكبر معمِّرة في العالم تكشف سر عمرها المديد

إيثيل كاترهام أكبر امرأة في العالم (أ.ب)
إيثيل كاترهام أكبر امرأة في العالم (أ.ب)

في عالم تتعدد فيه النصائح والوصفات المرتبطة بطول العمر، يبدو أن سر العيش حتى سن متقدمة جداً قد يكون أبسط مما يتخيل كثيرون. فمع وصولها إلى عامها الـ117، تستعد إيثيل كاترهام للاحتفال بعيد ميلادها، حاملةً معها قصة حياة امتدت لأكثر من قرن وشهدت أحداثاً وتحولات تاريخية كبرى، إلى جانب نصيحة بسيطة تقول إنها كانت من أسباب وصولها إلى هذا العمر: تجنّب الجدال.

وتستعد كاترهام، أكبر معمرة في العالم، للاحتفال بعيد ميلادها الـ117 اليوم الجمعة، بعد عام حافل بالتجارب واللحظات المميزة، وفقاً لصحيفة «إندبندنت».

وأصبحت إيثيل كاترهام أكبر معمرة في العالم في أبريل (نيسان) 2025، عقب وفاة الراهبة البرازيلية إيناه كانابارو لوكاس عن عمر ناهز 116 عاماً.

وبعد فترة قصيرة من حصولها على اللقب، كشفت كاترهام عن سرها البسيط والعميق في آنٍ واحد لطول عمرها، قائلة إن تجنّب الجدال كان جزءاً من نهجها في الحياة.

وقالت: «لا أجادل أحداً أبداً، بل أستمع، وأفعل ما يحلو لي».

وتقيم كاترهام حالياً في دار رعاية هولمارك ليكفيو في لايت ووتر- ساري بإنجلترا، حيث ستقضي يوم ميلادها المميز برفقة أفراد عائلتها وأصدقائها.

وفي بيان لها، قالت: «شكراً لكم جميعاً على تهانيكم الرقيقة بمناسبة عيد ميلادي. حتى في سن 117، عشتُ العديد من التجارب الجديدة هذا العام، من مداعبة حيوان اللاما إلى الإمساك بيد الملك».

وكان الملك البريطاني تشارلز قد زار كاترهام في سبتمبر (أيلول) من العام الماضي، بعد وقت قصير من احتفالها بعيد ميلادها الـ116، وخلال اللقاء أمسك بيدها بينما كان يعرّف بنفسه.

وخلال لقائها بالملك تشارلز، استرجعت كاترهام ذكريات تعود إلى عام 1969، عندما حضرت مراسم تنصيبه أميراً لويلز، وكان حينها في الحادية والعشرين من عمره. وقالت له خلال اللقاء: «كانت جميع الفتيات مغرمات بك ويتمنين الزواج منك».

إيثيل كاترهام ولدت في 21 أغسطس 1909 في مقاطعة هامبشاير البريطانية (أ.ب)

حياة امتدت لأكثر من قرن

وُلدت إيثيل كاترهام في 21 أغسطس (آب) 1909 في شيبتون بيلينجر، في مقاطعة هامبشاير، وذلك قبل أربع سنوات تقريباً من اندلاع الحرب العالمية الأولى، وكانت ثاني أصغر أفراد أسرة مكوّنة من ثمانية أشقاء.

وتُعد كاترهام آخر من تبقى من رعايا الملك إدوارد السابع، الذي توفي في مايو (أيار) 1910، أي بعد أقل من عام على ولادتها.

وفي عام 1927، سافرت كاترهام إلى الهند وهي في الثامنة عشرة من عمرها، حيث عملت مربية للأطفال لدى عائلة عسكرية حتى بلغت الحادية والعشرين.

وفي عام 1931، التقت بزوجها نورمان خلال حفل عشاء في المملكة المتحدة. وكان نورمان ضابطاً في الجيش البريطاني برتبة مقدم، وتوفي عام 1976.

وعاش الزوجان في سالزبوري قبل أن ينتقلا، بحكم ظروف عمله، إلى جبل طارق ثم هونغ كونغ. وخلال إقامتها في هونغ كونغ، أسست كاترهام روضة أطفال، كما أنجبت ابنتين، توفيتا قبلها.

وامتدت سمة طول العمر أيضاً إلى أفراد آخرين من عائلتها؛ إذ عاشت إحدى شقيقاتها، غلاديس، حتى بلغت 104 أعوام.

نشاط حتى سن متقدمة

وعلى الرغم من تقدمها الكبير في السن، حافظت كاترهام على قدر من الاستقلال والنشاط لسنوات طويلة. فقد واصلت قيادة السيارة حتى بلغت 97 عاماً، كما استمتعت بلعب الورق (البريدج) خلال سنواتها المائة.

وفي عام 2020، نجت كاترهام من الإصابة بفيروس «كوفيد - 19»، وكانت تبلغ من العمر آنذاك 110 أعوام.

ومع بلوغها 117 عاماً، تواصل كاترهام تسجيل فصل جديد في قصة حياتها الاستثنائية، بعدما عاشت خلال أكثر من قرن أحداثاً وتحولات عالمية عديدة، من الحربين العالميتين إلى التطورات الهائلة التي شهدها العالم في مجالات التكنولوجيا والطب والنقل والاتصالات.

ومع ذلك، لا تحمل كاترهام وصفة معقدة لطول العمر، بل تختصر فلسفتها في الحياة في تجنّب الجدال، والعيش بالطريقة التي تختارها لنفسها.

أما لقب أكبر معمرة في التاريخ، فما زال من نصيب الفرنسية جان كالمينت، التي عاشت حتى بلغت 122 عاماً و164 يوماً، وفقاً لموسوعة «غينيس» للأرقام القياسية.


دراسة تحذّر: بعض أشجار المدن قد تزيد تلوث الهواء مع ارتفاع الحرارة

شجرة صفصاف باكية تظهر في حديقة هادئة في سانت نيوتس بإنجلترا (بيكسلز)
شجرة صفصاف باكية تظهر في حديقة هادئة في سانت نيوتس بإنجلترا (بيكسلز)
TT

دراسة تحذّر: بعض أشجار المدن قد تزيد تلوث الهواء مع ارتفاع الحرارة

شجرة صفصاف باكية تظهر في حديقة هادئة في سانت نيوتس بإنجلترا (بيكسلز)
شجرة صفصاف باكية تظهر في حديقة هادئة في سانت نيوتس بإنجلترا (بيكسلز)

لطالما ارتبطت الأشجار والمساحات الخضراء في المدن بتحسين جودة الهواء وتلطيف درجات الحرارة، باعتبارها من أهم الوسائل الطبيعية للحد من آثار التلوث والحرارة المرتفعة. غير أن دراسة حديثة تكشف جانباً آخر من هذه المعادلة، إذ تشير إلى أن بعض أنواع الأشجار قد تطلق مركبات متطايرة تسهم، في ظروف معينة، في زيادة تلوث الهواء وتكوين الأوزون على مستوى سطح الأرض، وهو ما قد يستدعي إعادة النظر في طريقة اختيار أنواع الأشجار المستخدمة في التخطيط الحضري، لا في أهمية المساحات الخضراء نفسها، وفقاً لصحيفة «إندبندنت».

وبينما تُسهم المساحات الخضراء في المدن في امتصاص الملوثات الغازية وتلطيف الأجواء، تُطلق بعض الأشجار أيضاً مركبات عضوية متطايرة قد تكون شديدة التفاعل كيميائياً، ويمكن أن تُسهم في تكوين الأوزون على مستوى سطح الأرض، وهو أحد ملوثات الهواء الضارة بالصحة.

ويشير باحثون من جامعة جينان في الصين إلى أن هذه المركبات المتطايرة تشبه في طبيعتها بعض المركبات الموجودة في الدهانات ومنتجات التنظيف وأبخرة الوقود.

ويقول العلماء إن ارتفاع درجات حرارة المناخ العالمي يجعل فهم هذه الانبعاثات الصادرة عن الأشجار، والتي غالباً ما يجري تجاهلها عند دراسة مصادر تلوث الهواء في المدن، أمراً أكثر أهمية.

وفي أحدث دراسة، أنشأ الباحثون نظاماً للمراقبة المباشرة للانبعاثات على منصة ترتفع 102 متراً (335 قدماً) فوق سطح الأرض، في أعلى برج الأرصاد الجوية في بكين، إلى جانب إجراء قياسات في مختبر يقع عند قاعدة المبنى.

وتتبّع العلماء الإشارات الكيميائية في الغلاف الجوي عدة مرات في الثانية، مسجلين بذلك ما وصفوه بـ«نَفَس» المدينة الكيميائي لحظة بلحظة، بما أتاح لهم رصد التغيرات في تركيبة الهواء ومتابعة مصادر المركبات المنبعثة.

وقاس الباحثون انبعاثات المركبات العضوية المتطايرة بدقة، وتمكنوا من تتبع مصادرها المختلفة، بما في ذلك الأشجار وحركة المرور والمنتجات الكيميائية وعمليات الطهي والأنشطة المنزلية.

وخلصت الدراسة إلى أن مادة الأيزوبرين الكيميائية، الموجودة أيضاً في المطاط الطبيعي، تُعد من أهم المركبات التفاعلية التي جرى رصدها، وأن الأشجار كانت المصدر الرئيسي لمعظم انبعاثاتها.

الحرارة تزيد من نشاط الانبعاثات

وتشير النتائج إلى أن الطقس الحار يزيد من انبعاثات المركبات العضوية المتطايرة في المدن، مما قد يجعل تأثير بعض الأشجار في جودة الهواء أكثر وضوحاً خلال فترات ارتفاع درجات الحرارة.

ووجد العلماء أن معدل التفاعل الكيميائي للمركبات المتطايرة المنبعثة من أشجار المدن يزداد بنحو سبعة إلى ثمانية أضعاف عند ارتفاع درجات الحرارة من 20 إلى 35 درجة مئوية.

وخلصت الدراسة إلى أن انبعاثات الأيزوبرين في بكين كانت الأعلى بين المدن التي شملتها الدراسة، إذ اقتربت من المستويات المسجلة في الغابات المعتدلة.

ويرى الباحثون أن ذلك يعود، بشكل رئيسي، إلى أنواع الأشجار التي زُرعت في بكين، والتي تضم أنواعاً معروفة بقدرتها على إصدار الأيزوبرين.

وتُعرف نسبة كبيرة من الأشجار المحلية في بكين بأنها تُصدر الأيزوبرين، ومن بينها الصفصاف الباكي (Salix babylonica) والحور الأبيض الصيني (Populus tomentosa).

وكتب العلماء: «قد تنطبق هذه النتيجة على مدن أخرى في شمال الصين، كما يتضح من متوسط انبعاثات مماثل أو حتى أكبر مُقدّر لمدينتي هاربين وتشانغتشون، حيث زرعت هاتان المدينتان أشجار الصفصاف والحور على نطاق واسع خلال العقود الماضية».

ويقول الباحثون إن العديد من المدن الأخرى في آسيا وأوقيانوسيا قد تواجه أيضاً ضغوطاً مماثلة على جودة الهواء نتيجة انبعاثات الأشجار، ولا سيما في ظل ارتفاع درجات الحرارة الذي قد يزيد من نشاط هذه المركبات وتفاعلاتها الكيميائية في الغلاف الجوي.

ومع ذلك، يحذر العلماء من أن نتائج الدراسة لا تعني الدعوة إلى تقليل المساحات الخضراء في المدن أو إزالة الأشجار المعمّرة، إذ تظل الأشجار والمساحات الخضراء عنصراً مهماً في تحسين البيئة الحضرية. وإنما تشير النتائج إلى أهمية اختيار أنواع الأشجار بعناية عند تخطيط المساحات الخضراء، مع إعطاء الأولوية للأنواع ذات القدرة الأقل على إطلاق المركبات العضوية المتطايرة التي قد تسهم في تدهور جودة الهواء.


«شبح لوكربي» يعود عبر «نتفليكس»

مشهد من الدمار بعد التفجير الذي تعرَّضت له الطائرة الأميركية فوق قرية لوكربي الاسكوتلندية (أرشيف الشرق الأوسط)
مشهد من الدمار بعد التفجير الذي تعرَّضت له الطائرة الأميركية فوق قرية لوكربي الاسكوتلندية (أرشيف الشرق الأوسط)
TT

«شبح لوكربي» يعود عبر «نتفليكس»

مشهد من الدمار بعد التفجير الذي تعرَّضت له الطائرة الأميركية فوق قرية لوكربي الاسكوتلندية (أرشيف الشرق الأوسط)
مشهد من الدمار بعد التفجير الذي تعرَّضت له الطائرة الأميركية فوق قرية لوكربي الاسكوتلندية (أرشيف الشرق الأوسط)

أعاد عرض المسلسل «The Bombing of Pan Am 103» المُنْتَج بالتعاون بين هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) ومنصة «نتفليكس»، شبح تفجير طائرة «بان إم» فوق بلدة لوكربي أواخر عام 1988.

وسلّط المسلسل الذي ركَّز على تفاصيل التحقيقات المشتركة بين الاسكوتلنديين والأميركيين، الضوء على فرضية «الخيط الإيراني - الفلسطيني»؛ حيث ظهرت الإشارة إلى مروان خريسات في سياق «العثور على شظايا الراديو المفخخ» ومقارنتها بالقنابل التي صمَّمها خريسات وصودرت في ألمانيا. وأعاد هذا الطرح الجدل القديم إلى نقطة الصفر: هل كان خريسات هو الصانع الحقيقي للقنبلة التي انفجرت فوق اسكوتلندا؟

وظلَّ خريسات، الذي وُصف في أدبيات الاستخبارات الغربية بـ«صانع القنابل البارع» لصالح «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين - القيادة العامة» بقيادة أحمد جبريل، لغزاً متحركاً لعقود؛ إذ اعتقلته ألمانيا الغربية ثم أطلقت سراحه، وطارده «الموساد» الإسرائيلي، قبل أن ينتهي به المطاف مكفَّناً بأسراره في العاصمة الأردنية، حيث تُوفي عن عمر ناهز الـ70 عاماً. وبعد وفاته، نفت ابنته تورطه في العملية.