كشف أسرار اغتيال رجل الثورة الجزائرية كريم بلقاسم

تحقيق صحافي ينشر تفاصيل عملية القتل التي حصلت قبل 54 سنة في ألمانيا

كريم بلقاسم (وسط) رئيس وفد مفاوضات الاستقلال (ارشيف الصحافة)
كريم بلقاسم (وسط) رئيس وفد مفاوضات الاستقلال (ارشيف الصحافة)
TT

كشف أسرار اغتيال رجل الثورة الجزائرية كريم بلقاسم

كريم بلقاسم (وسط) رئيس وفد مفاوضات الاستقلال (ارشيف الصحافة)
كريم بلقاسم (وسط) رئيس وفد مفاوضات الاستقلال (ارشيف الصحافة)

نشرت مجلة «جان أفريك» السياسية الفرنسية، اليوم (الثلاثاء)، تفاصيل تُعرف لأول مرة عن ملابسات اغتيال رجل الثورة الجزائرية الكبير كريم بلقاسم، في غرفة بفندق في ألمانيا، بعد 54 سنة من وقوع الجريمة المسكوت عنها في الجزائر.

كريم بلقاسم بمعاقل الثورة في حدود عام 1956 (أرشيف المكتبة الوطنية بالجزائر)

وأكد التحقيق، الذي اعتمد على وثائق «حصرية» من أرشيف جهاز الأمن الألماني، حسب المجلة، أن الكوماندوس الذي تكوَّن من ثلاثة رجال مخابرات انتقلوا من الجزائر إلى مكان إقامة بلقاسم، حيث التقوه بعد أن أوهموه بأن انقلاباً «وشيكاً» يجري التحضير له لإسقاط الرئيس الراحل هواري بومدين الذي كان خصماً شرساً لكريم بلقاسم بسبب خصومات شخصية مرتبطة بالزعامة في أيام الثورة وبدايات الاستقلال.

وحسب المجلة، فقد ابتلع رجل الثورة الطعم، ووقع في الفخ لاعتقاده أن ساعة تصفية الحساب مع «العدو» حانت، فقتله أحد أعضاء الكوماندوس خنقاً بربطة عنق داخل غرفة فندق «إنتركونتننتال» بمدينة فرنكفورت الألمانية في 18 من أكتوبر (تشرين الأول) 1970 الساعة الثامنة صباحاً.

القادة الستة الذين فجّروا ثورة الجزائر ومن بينهم كريم بلقاسم جالساً إلى اليسار (مؤسسة الأرشيف الجزائري)

ووفق ما جاء في التحقيق، الذي أجراه الصحافي الجزائري فريد عليلات، فإن الوثائق التي حصل عليها بفضل رخصة «استثنائية» من السلطات الألمانية، تكشف عن أن التحريات حول الاغتيال السياسي تمت في ألمانيا وفرنسا وسويسرا ولبنان والمغرب، وهي بلدان كان قيادي الثورة يتنقل بينها منذ خروجه من الجزائر غداة الاستقلال. كما كان للشرطة الدولية بصمة في هذه التحريات، التي توصلت حسب «جان أفريك»، إلى كشف هوية عضوين من الكوماندوس، هما حميد آيت مصباح، ضابط بالمخابرات العسكرية الجزائرية، ومحمد أوسليماني، الذي يوضح التحقيق أنه أحد الكوادر السامين في الدولة، وأنه سافر إلى ألمانيا تحت الاسم الحركي «محمد دباعي». أما العنصر الثالث، فلم يتم تعريف على هويته الحقيقية أبداً، وفق المجلة، التي قالت إنه كان يحمل الاسم المستعار «محمد صلاح». مشيرةً إلى أن أعضاء الكوماندوس دخلوا ألمانيا بجوازات سفر مغربية، وأنهم تخلوا عن حقائبهم في محطة القطار بفرنكفورت، قبل التوجه إلى الفندق حيث كان لهم موعد مع كريم بلقاسم.

آخر صورة لكريم بلقاسم قبل اغتياله عام 1970 (أرشيف الصحافة الجزائرية)

وجاء التحقيق الأمني الألماني في 1400 صفحة، لم يطّلع عليها من قبل أي أحد، حسبما كتب الصحافي عليلات، الذي أفاد بأن التحري حول ملابسات اغتيال رئيس وفد «مفاوضات إيفيان» بدأ في 1970، واستمر حتى 2003. وكان الصحافي قد كتب على حسابه في الإعلام الاجتماعي في وقت سابق أن شخصاً واحداً تكفّل بخنق من كان أحد الستة، الذين أخذوا على عاتقهم تفجير ثورة التحرير ضد الاستعمار الفرنسي، يوم الاثنين، فاتح نوفمبر (تشرين الثاني) 1954.

الرئيس أحمد بن بلة (يسار) مع وزير دفاعه هواري بومدين في 1963 (أرشيف الصحافة الجزائرية)

ولفتت «جان أفريك» إلى أن أوامر اعتقال دولية أُطلقت ضد أعضاء الكوماندوس، من دون العثور على أي أثر لهم. مبرزةً أن السلطات الألمانية أرسلت نتائج التحقيق إلى الحكومة الجزائرية، التي رفضت نشرها للرأي العام المحلي، كما رفضت إعلان أسماء أعضاء الكوماندوس.

والمعروف في تلك الفترة أن بلقاسم كان قد أطلق حزباً معارضاً في السر عام 1967، سمّاه «الحركة الديمقراطية من أجل التجديد الجزائري»، بينما كان بومدين (توفي مريضاً في مشفى بموسكو نهاية 1978) يحكم البلاد بقبضة من حديد، منذ أن تسلم الحكم بالقوة، عقب تنفيذ انقلاب على الرئيس الراحل أحمد بن بلة في 19 من يونيو (حزيران) 1965. أما مدير المخابرات العسكرية فكان يومها الرجل القوي في النظام، قاصدي مرباح، الذي تعرض للاغتيال عام 1993 في كمين شرقي العاصمة الجزائرية، على أيدي متطرفين، وفق رواية رسمية ظلت دائماً محل تشكيك من طرف عائلة مرباح.


مقالات ذات صلة

الجيش الجزائري ينفّذ تمريناً بالذخيرة الحية يحاكي الواقع

شمال افريقيا الوزير المنتدب للدفاع أشرف على التمرين التكتيكي (وزارة الدفاع)

الجيش الجزائري ينفّذ تمريناً بالذخيرة الحية يحاكي الواقع

نفَّذ الجيش الجزائري، الخميس، تمريناً تكتيكياً بالذخيرة الحية نفَّذته وحدات اللواء السابع المدرع، مدعمة بوحدات من القوات الجوية والدفاع الجوي.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا رجال أعمال في السجن بتهم فساد (الشرق الأوسط)

ملف «الأموال المنهوبة» يتصدر جهود الانفراجة بين الجزائر وفرنسا

في وقت تسعى فيه الدبلوماسية إلى تجاوز الخلافات بين الجزائر وباريس يفرض ملف «الأموال والممتلكات المنهوبة» نفسه بصفته بنداً محورياً بالمحادثات بين البلدين

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الوزير المنتدب للدفاع خلال إلقاء كلمة على كوادر الجيش (وزارة الدفاع)

قائد الأركان الجزائري: التفوق العسكري لا يقاس بنوعية السلاح بل بالقدرة على الصمود

أكد الفريق أول السعيد شنقريحة، الوزير المنتدب لدى وزير الدفاع الوطني، رئيس أركان الجيش الجزائري، أن التفوُّق العسكري الحقيقي لا يُقاس بنوعية السلاح فقط.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الصحافي الفرنسي كريستوف غليز (من حسابه الخاص بالإعلام الاجتماعي)

باريس «مطمئنة» لطريقة تعامل الجزائر مع صحافي فرنسي مسجون لديها

قال وزير العدل الفرنسي جيرالد دارمانان، اليوم الثلاثاء، إنه «مطمئن جداً» إلى الطريقة التي يُعامل بها الصحافي كريستوف غليز في الجزائر حيث يُحتجز.

«الشرق الأوسط» (باريس)
شمال افريقيا رئيس هيئة الانتخابات يتابع إيداع قوائم الترشيحات (إعلام الهيئة)

«غربال النزاهة» يلاحق الأحزاب الجزائرية مع إغلاق قوائم الترشح للبرلمان

أغلقت «السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات» في الجزائر، أمس الاثنين، عند الساعة صفر، باب إيداع ملفات الترشح للانتخابات التشريعية، المقررة يوم 2 يوليو المقبل


«طمأنينة مؤقتة» لم تهدئ مخاوف المصريين من ارتفاع جديد لأسعار الوقود

اجتماع الحكومة المصرية الأسبوعي الأربعاء 20 مايو (مجلس الوزراء)
اجتماع الحكومة المصرية الأسبوعي الأربعاء 20 مايو (مجلس الوزراء)
TT

«طمأنينة مؤقتة» لم تهدئ مخاوف المصريين من ارتفاع جديد لأسعار الوقود

اجتماع الحكومة المصرية الأسبوعي الأربعاء 20 مايو (مجلس الوزراء)
اجتماع الحكومة المصرية الأسبوعي الأربعاء 20 مايو (مجلس الوزراء)

لم يتوقف الجدل في مصر بعد تصريحات نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية، حسين عيسى، التي تطرقت إلى تثبيت أسعار الوقود حتى نهاية العام المالي الحالي، أي إلى نهاية يونيو (حزيران) المقبل.

وفتحت التصريحات الباب أمام تأويلات عديدة، بعضها اعتبرها بمثابة «طمأنة» ولو مؤقتة بشأن ثبات الأسعار، فيما فسرها آخرون على أنها مقدمة لزيادات جديدة مع موعد الاجتماع الدوري لـ«لجنة تسعير المواد البترولية» في يوليو (تموز).

وقال عيسى خلال مشاركته في جلسة نقاشية عقدتها «غرفة التجارة الأميركية في القاهرة»، الثلاثاء، إن «الحكومة لا تعتزم إجراء زيادات جديدة في أسعار الوقود قبل نهاية العام المالي الحالي»، معرباً عن أمله في استمرار استقرار الأسعار خلال الفترة المقبلة.

وأشار في الوقت ذاته إلى أن الدولة تعمل على احتواء الضغوط المرتبطة بارتفاع تكاليف الطاقة العالمية، بما يحد من الحاجة إلى تحريك أسعار المنتجات البترولية مجدداً.

وأثار التصريح مخاوف مواطنين توقعوا، في تدوينات على مواقع التواصل الاجتماعي، أن الحديث عن تثبيت الأسعار يفتح الباب أمام زيادة جديدة في غضون الأسابيع المقبلة، واعتبروا أن التصريح يحمل «رسائل مشفرة»، ولم يبدد مخاوفهم من الاتجاه نحو تحريك أسعار الوقود مرة أخرى هذا العام.

طلب إحاطة

وكانت الحكومة المصرية قد رفعت، في 10 مارس (آذار) الماضي أسعار المحروقات بنسب تتراوح بين 14 و30 في المائة، وأرجعت القرار إلى «الوضع الاستثنائي الناتج عن التطورات الجيوسياسية في المنطقة، وتأثيراتها المباشرة على أسواق الطاقة العالمية، التي أدّت إلى ارتفاع كبير في تكلفة الاستيراد والإنتاج المحلي»، وفق بيان لوزارة البترول آنذاك.

وجاءت هذه الزيادة بعد 4 أشهر من أخرى أقرّتها الحكومة في أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي، بنسبة 13 في المائة، ووعدت بعدها بتثبيت الأسعار لمدة عام، ما لم تشهد المنطقة أوضاعاً إقليمية جديدة، قبل أن تندلع الحرب الإيرانية لترفع الأسعار بعد أسبوعين تقريباً من بدء النزاع.

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال جلسة سابقة في مجلس النواب (مجلس الوزراء)

وأمام المخاوف الشعبية جراء تصريح المسؤول الحكومي، تقدم عضو مجلس النواب حسن عمار بطلب إحاطة، الخميس، موجه إلى رئيس الحكومة، ونائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية، ووزير البترول والثروة المعدنية، مشيراً إلى «أن التصريحات رغم ما تحمله من رسائل طمأنة للمواطنين، أثارت حالة من الجدل والترقب بشأن مصير أسعار المحروقات خلال الفترة المقبلة».

وتساءل عما إذا كان استقرار الأسعار سيقتصر على الفترة حتى نهاية يونيو المقبل فقط، أم أن الحكومة تتجه لتثبيت الأسعار لفترة أطول تمتد حتى نهاية هذا العام، مشيراً إلى «أن الغموض حول مستقبل أسعار الوقود يثير مخاوف ارتفاع أسعار السلع والخدمات الأساسية».

وتساءل كذلك عن ماهية الأسباب التي لا تجعل الحكومة تتبنى سياسة تثبيت طويلة للأسعار يمكن أن تمتد لثلاث سنوات، موضحاً أن الاعتماد على «الطمأنة المؤقتة» لم يعد كافياً في ظل التحديات الاقتصادية الحالية، مطالباً بضرورة تبني استراتيجية واضحة ومستدامة لإدارة ملف الطاقة والأسعار.

التقلبات العالمية

أما أمين سر لجنة الطاقة بمجلس النواب، محمد الحداد، فقال إن تثبيت أسعار الوقود في ظل وضع إقليمي مضطرب يبقى صعباً للغاية، في ظل تقلبات أسعار النفط العالمية، وهو ما ينعكس على أعباء الموازنة المصرية ويترك تأثيره المباشر على أسعار الوقود في مصر.

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن الكثير من دول العالم أقدمت على رفع أسعار الوقود منذ اندلاع الحرب، وهو إجراء أقدمت عليه مصر في مقابل ضمان توفير الاحتياجات وضمان توفر احتياطي يكفي الاستهلاك المحلي في حالات الطوارئ، وبخاصة أن الدولة ما زالت ماضية في استيراد الاحتياجات.

وتواجه الحكومة المصرية ضغوطاً متزايدة في ملف الطاقة نتيجة تقلبات أسعار النفط العالمية، والتوترات الجيوسياسية في المنطقة، وارتفاع تكلفة تأمين احتياجات السوق المحلية من المنتجات البترولية، حيث اضطرت لرفع مخصصات استيراد الوقود إلى 5.5 مليار دولار خلال شهري مارس وأبريل (نيسان) الماضيين، وفقاً لتقديرات حكومية.

نائب رئيس الوزراء المصري للشؤون الاقتصادية حسين عيسى خلال مشاركته في ندوة الغرفة التجارية الأميركية بالقاهرة يوم الثلاثاء (مجلس الوزراء)

ويرى رئيس اللجنة البرلمانية للحزب «المصري الديمقراطي الاجتماعي» بمجلس النواب، محمود سامي، أن المؤشرات تشي بأن هناك زيادة جديدة في أسعار الوقود مع بدء السنة المالية الجديدة، مع تراجع قيمة الدعم الحكومي للمواد البترولية بصورة كبيرة، مشيراً إلى أن التوجهات الحكومية تستهدف إنهاء الدعم بشكل كامل في غضون عام، وهو أمر من الممكن أن يتحقق حال استقرت الأوضاع في المنطقة وحافظ الجنيه على قيمته أمام العملات الأجنبية.

وخفضت الحكومة مخصصات دعم المواد البترولية لتصل إلى 15.8 مليار جنيه (نحو 298 مليون دولار)، مقارنة بـ75 مليار جنيه في موازنة العام المالي السابق، بانخفاض يقارب 79 في المائة، وفقاً لمشروع الموازنة الجديد الذي عرضته وزارة المالية.

وقال سامي لـ«الشرق الأوسط» إن اتجاه الحكومة نحو خفض قيمة الدعم، ومن ثم زيادة أسعار الوقود، قد لا يحقق أثراً اقتصادياً إيجابياً في المجمل «لأنها قد تضطر إلى توسيع دائرة الدعم الاجتماعي للفئات الأكثر احتياجاً، وقد يفوق ذلك إجمالي مخصصات الدعم، إلى جانب الآثار التضخمية السلبية المترتبة على رفع أسعار الوقود».

آلية التسعير

ويقول الخبير في أسواق الطاقة، رمضان أبو العلا، إن مصر تعتمد على «آلية التسعير التلقائي» التي تحدد الأسعار بناء على سعر خام برنت وسعر صرف الدولار وتكلفة الإنتاج والنقل وفقاً لما كانت عليه خلال ثلاثة أشهر سابقة لموعد انعقاد اللجنة، وإن الاتجاه العام للجنة يبقى نحو الزيادة باستثناء تثبيت الأسعار مرة واحدة، متوقعاً اتخاذ قرارات زيادة جديدة مع خفض قيمة الدعم في مشروع الموازنة الجديد.

وهو يرى أن على الحكومة تغيير آليات التسعير بحيث تكون آنية وفقاً لمعادلة تعتمد بالأساس على سعر خام برنت؛ رافضاً في الوقت ذاته فكرة التثبيت لفترات طويلة.

فيما بشّر النائب الحداد المواطنين بإمكانية توقف زيادات أسعار الوقود عند ظهور آثار مسارات موازية تسلكها الدولة نحو التوسع في الاعتماد على الطاقة المتجددة، وتقديم تسهيلات تركيب الألواح الشمسية فوق أسطح المنازل، إلى جانب افتتاح محطة «الضبعة» النووية في عام 2028، ما سيقلل من الاعتماد على الوقود في المستقبل القريب.


مصر تلجأ إلى روسيا لتوفير «مخزون آمن» من السلع الاستراتيجية

وزير التموين المصري خلال لقاء رئيس شركة «ديمترا القابضة» في سوتشي الروسية يوم الخميس (صفحة مجلس الوزراء على فيسبوك)
وزير التموين المصري خلال لقاء رئيس شركة «ديمترا القابضة» في سوتشي الروسية يوم الخميس (صفحة مجلس الوزراء على فيسبوك)
TT

مصر تلجأ إلى روسيا لتوفير «مخزون آمن» من السلع الاستراتيجية

وزير التموين المصري خلال لقاء رئيس شركة «ديمترا القابضة» في سوتشي الروسية يوم الخميس (صفحة مجلس الوزراء على فيسبوك)
وزير التموين المصري خلال لقاء رئيس شركة «ديمترا القابضة» في سوتشي الروسية يوم الخميس (صفحة مجلس الوزراء على فيسبوك)

وسط مخاوف من استمرار تداعيات «حرب إيران»، تلجأ مصر إلى روسيا لتوفير «مخزون آمن ومستدام» من السلع الاستراتيجية في ظل المتغيرات العالمية الراهنة.

والتقى وزير التموين والتجارة الداخلية المصري شريف فاروق، الخميس، بعض ممثلي كبرى الشركات العاملة في قطاع الحبوب على هامش فعاليات «المنتدى الروسي الخامس للحبوب» بمدينة سوتشي.

ووفق إفادة لمجلس الوزراء، فإن اللقاءات تأتي في إطار «حرص الدولة على تعزيز الشراكات الاستراتيجية مع كبرى المؤسسات والشركات العالمية، وتنويع مصادر إمدادات السلع الغذائية الاستراتيجية، بما يسهم في دعم استقرار الأسواق».

واستعرض الوزير خلال لقائه أليكسي غريبانوف، رئيس شركة «ديمترا القابضة»، إحدى أكبر الشركات الروسية المتخصصة في تجارة الحبوب والخدمات اللوجستية، آليات تطوير التعاون «بما يتجاوز إبرام عقود توريد شحنات القمح الروسي، وصولاً إلى شراكات استثمارية استراتيجية بين الجانبين، ويسهم في دعم استقرار سلاسل الإمداد الاستراتيجية لمصر، ويعزز جهود الدولة في بناء مخزون استراتيجي آمن ومستدام من السلع الأساسية في ظل المتغيرات العالمية الراهنة».

وأكد الجانبان «متانة العلاقات الاقتصادية المصرية - الروسية، لا سيما في مجال الأمن الغذائي».

كما شهد الاجتماع مناقشة آليات إنشاء مركز لوجستي إقليمي لتجارة وتخزين الحبوب بالموانئ المصرية، لا يقتصر دوره على التخزين وإعادة التصدير فقط، إنما يمتد ليشمل مشروعات ذات قيمة مضافة للحبوب الموردة، مثل تصنيع الدقيق والمعكرونة وغيرهما من المنتجات الغذائية، إلى جانب مشروعات تصنيع الزيوت والأعلاف.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يصافح نظيره المصري خلال لقائهما بموسكو مايو 2025 (أ.ب)

وقال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في أبريل (نيسان) الماضي إن بلاده تدرس إنشاء مركز للحبوب والطاقة داخل مصر، وأشار حينها إلى أن «روسيا ستؤمّن إمدادات الحبوب للجانب المصري».

وتطرق اجتماع وزير التموين مع رئيس شركة «ديمترا القابضة»، الخميس، إلى سبل تبادل المعلومات والخبرات الفنية والتكنولوجية المتعلقة بزراعة وتخزين وتداول الحبوب، والاستفادة من التجربة الروسية المتقدمة في رقمنة قطاع الحبوب وإدارته اللوجستية، فضلاً عن بحث فرص الاستثمار المشترك في مشروعات الصوامع ومراكز التجميع والتخزين الاستراتيجي بمصر.

تنويع الموارد

أستاذة العلوم السياسية بالجامعة الأميركية، نهى بكر، أرجعت لجوء مصر إلى روسيا لتأمين مخزون استراتيجي من الحبوب إلى تنويع مصادر الاستيراد، موضحة: «مصر من أكبر مستوردي القمح في العالم، وكانت تعتمد تقليدياً على روسيا وأوكرانيا. وبعد الحرب الروسية - الأوكرانية تعطلت الإمدادات من أوكرانيا جزئياً، فاتجهت مصر لتعزيز التعاون مع روسيا بصفتها أكبر مصدر للقمح عالمياً».

وأشارت في حديثها إلى «الشرق الأوسط» إلى سبب آخر قائلة: «القمح الروسي غالباً ما يكون أقل سعراً من البدائل الأوروبية أو الأميركية، مع توفر مواصفات فنية مناسبة لصناعة الخبز المصري المدعم، فضلاً عن أن التعامل التجاري مع روسيا يتسم بمرونة في التعاملات المالية مثل فتح اعتمادات مستندية بالجنيه أو العملات المحلية؛ ما يشجع على التعاون».

وتابعت: «روسيا لديها فائض إنتاجي كبير، ويمكنها توريد كميات ضخمة؛ لكن الاعتماد على مورد واحد - حتى لو كان كبيراً - يخلق مخاطر جيوسياسية، كما أنه لا يحل الأزمة جذرياً؛ فأزمة سلاسل الإمداد تؤثر على خطوط الشحن من روسيا أيضاً».

وأضافت أن لجوء مصر إلى روسيا خطوة تكتيكية لتأمين احتياجات عاجلة بأسعار منخفضة، لكنه ليس حلاً استراتيجياً دائماً. وهي ترى أن الحل الأمثل الذي تعمل عليه مصر هو بناء شراكات متعددة مع دول مختلفة، مثل رومانيا، وفرنسا، والأرجنتين والهند، إضافة إلى روسيا، مع دعم الزراعة المحلية وتحسين التخزين والنقل.

وزير التموين المصري يستعرض جهود بناء مخزون استراتيجي آمن ومستدام من السلع الأساسية (صفحة مجلس الوزراء على فيسبوك)

تعاون استراتيجي

عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، رخا أحمد حسن، قال إن أكبر دولتين تستورد منهما مصر القمح هما روسيا وأوكرانيا، وأحياناً من فرنسا والهند، وإن هناك تعاقدات مع موسكو على الأسعار والنوعية ومواعيد التسليم، ويضيف: «أحياناً نستورد من روسيا زيوتاً وشعيراً وبعض السلع».

واستطرد متحدثاً إلى «الشرق الأوسط»: «لقاء وزير التموين بحث فرص الاستثمار في مشروعات الصوامع ومراكز التجميع والتخزين؛ لأن مصر ليس لديها عدد صوامع كافٍ». وتابع: «خلال العشرين عاماً الماضية تضاعف عدد الصوامع في مصر 4 مرات، لكن ما زالت بعض مناطق التخزين تحتاج إلى صوامع بدلاً من (الشِوَن) التي يؤدي التخزين فيها إلى فواقد».

ووفق «الهيئة العامة للاستعلامات» بمصر، في مايو (أيار) 2025، اكتسبت العلاقات المصرية - الروسية قوة دفع جديدة في عهد السيسي حتى باتت أكثر تميزاً في ظل الظروف الدولية الراهنة التي تتسم بعدم الاستقرار.

وحول علاقات التعاون بين مصر وروسيا، قال حسن إنها «علاقات متطورة، والتعاون الاستراتيجي بين البلدين وصل إلى مرحلة عالية جداً منذ محطة الضبعة النووية؛ لأن هذا المشروع سوف يربط مصر وروسيا لفترة طويلة، إلى جانب الروابط القديمة من صناعة وتجارة وتسليح، فضلاً عن مشروع المنطقة التجارية الروسية في المنطقة الصناعية بقناة السويس».

وتقيم روسيا عدداً من المشروعات التنموية الكبرى في مصر، من بينها «محطة الضبعة» شمال البلاد لإنتاج طاقة كهربائية بقدرة 4800 ميغاواط، إلى جانب «المنطقة الاقتصادية الروسية» في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس. ووقّع البلدان اتفاقاً لإقامتها في عام 2018 باستثمارات تبلغ 4.6 مليار دولار.


«وزاري دول الجوار» يرفض كافة أشكال التدخل الخارجي في الشأن الليبي

تيتيه تحضر اجتماع وزراء خارجية دول جوار ليبيا بالقاهرة (وزارة الخارجية المصرية)
تيتيه تحضر اجتماع وزراء خارجية دول جوار ليبيا بالقاهرة (وزارة الخارجية المصرية)
TT

«وزاري دول الجوار» يرفض كافة أشكال التدخل الخارجي في الشأن الليبي

تيتيه تحضر اجتماع وزراء خارجية دول جوار ليبيا بالقاهرة (وزارة الخارجية المصرية)
تيتيه تحضر اجتماع وزراء خارجية دول جوار ليبيا بالقاهرة (وزارة الخارجية المصرية)

أبدى وزراء خارجية مصر، والجزائر، وتونس «رفضهم لأشكال التدخل الخارجي كافة في الشأن الليبي»، معتبرين ذلك «عاملاً رئيساً في تأجيج التوترات، وإطالة أمد الأزمة».

واحتضنت القاهرة (الخميس) اجتماعاً لـ«وزراء دول جوار ليبيا»، في إطار «الآلية الثلاثية»، انضمت إليه المبعوثة الأممية هانا تيتيه. وشدد وزراء خارجية مصر بدر عبد العاطي، والجزائري أحمد عطاف، والتونسي محمد علي النفطي على أن «الحل السياسي الشامل يظل السبيل الوحيد لإنهاء الأزمة الليبية». وأكدوا على أهمية الدفع بالعملية السياسية قدماً تحت رعاية الأمم المتحدة، بما يفضي إلى إنهاء حالة الانقسام، وتوحيد مؤسسات الدولة الليبية، وتهيئة الظروف الملائمة لإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية بشكل متزامن، استجابة لتطلعات الشعب الليبي.

جانب من اجتماع وزراء خارجية مصر والجزائر وتونس بالقاهرة (الخارجية المصرية)

وأوضحّت وزارة الخارجية المصرية أن «حواراً مطولاً دار بين الأطراف حول مستجدات المشهد الليبي، وسبل تذليل العقبات التي تعترض مسار التسوية السياسية، حيث تم تبادل الرؤى، والتقييمات في هذا الشأن. وتناولت المناقشات آليات تعزيز التنسيق الوثيق بين دول الجوار، والبعثة الأممية، لضمان تكامل الجهود الإقليمية والدولية الداعمة لاستقرار ليبيا، وتجاوز التحديات الأمنية والسياسية التي تواجهها».

وشهد اللقاء تأكيداً على دعم مهمة المبعوثة الأممية، والمساعي المقدرة التي تضطلع بها البعثة لمعالجة الوضع الراهن في ليبيا، حيث شدد الوزير عبد العاطي على «الالتزام بتوفير كافة سبل الدعم لإنجاح جهود الوساطة الأممية، وتيسير الحوار بين الأطراف الليبية لتنفيذ خريطة الطريق، واستكمال المسار السياسي».

واستعرض عبد العاطي خلال الاجتماع محددات الموقف المصري الثابت، مؤكداً ضرورة التوصل إلى تسوية سياسية شاملة تستند إلى مبدأ الملكية الليبية الخالصة، مؤكداً ضرورة تضافر الجهود لإنهاء الانقسام المؤسسي عبر الإسراع بإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية بالتزامن في أقرب وقت ممكن.

وزير الخارجية التونسي يلقي كلمته (الخارجية المصرية)

كما شدد على «ضرورة الخروج الفوري والمتزامن لكافة القوات الأجنبية، والمرتزقة، والمقاتلين الأجانب من كامل الأراضي الليبية، باعتبار ذلك شرطاً أساسياً لاستعادة الدولة الليبية سيادتها، وصون الأمن القومي العربي».

وبحسب الخارجية المصرية، فقد جدد الوزراء دعمهم لجهود اللجنة الليبية العسكرية المشتركة «5+5» لتثبيت وقف إطلاق النار، و«العمل على انسحاب جميع القوات الأجنبية، والمقاتلين الأجانب، والمرتزقة من الأراضي الليبية في إطار زمني محدد، بما يهيئ الظروف لتوحيد المؤسسات العسكرية والأمنية الليبية».

وأعرب الوزراء في بيان أصدروه عقب الاجتماع «عن قلقهم إزاء التحديات الأمنية التي تشهدها ليبيا، بما في ذلك حوادث العنف، والاغتيالات السياسية»، مجددين دعوتهم للأطراف الليبية كافة إلى «التحلي بأقصى درجات ضبط النفس، وتجنب التصعيد، وتغليب المصلحة الوطنية العليا، حفاظاً على أمن وسلامة الشعب الليبي، وصون مقدرات الدولة»، مؤكدين «أهمية دعم الجهود الرامية إلى تثبيت وقف إطلاق النار، وتعزيز الاستقرار الأمني في مختلف أنحاء البلاد».

وأعاد وزراء الخارجية التأكيد «على مبدأ الملكية، والقيادة الليبية للعملية السياسية»، مشددين على أن «الحل يجب أن يكون ليبياً–ليبياً، ونابعاً من إرادة وتوافق جميع مكونات الشعب الليبي دون إقصاء، وبما يحفظ وحدة ليبيا، وسيادتها».

ولفت الوزراء إلى أن «التوصّل إلى التسوية السياسية المنشودة يقتضي اعتماد مقاربة شاملة تقوم على الترابط بين مختلف المسارات السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، مما يمكن من تحقيق الأمن، والاستقرار، والتنمية، والرفاه للشعب الليبي».

تيتيه ووزراء خارجية تونس ومصر والجزائر (الخارجية المصرية)

وأكد الوزراء «أهمية استمرار التنسيق والتشاور بين الدول الثلاث مع الأمم المتحدة والشركاء الإقليميين والدوليين، بما في ذلك جامعة الدول العربية والاتحاد الأفريقي، دعماً للجهود الرامية إلى تحقيق تسوية سياسية شاملة ومستدامة في ليبيا».

وانتهى اجتماع «الآلية الثلاثية» بالتأكيد على «مواصلة عقد اجتماعات آلية دول الجوار الثلاثية بشكل دوري لتعزيز التنسيق، والتشاور بشأن التطورات في ليبيا»، مع الاتفاق على عقد الاجتماع المقبل في الجزائر في موعد يتم تحديده عبر القنوات الدبلوماسية.

وسبق أن دعا الوزراء الثلاثة خلال لقائهم بالقاهرة في مايو (أيار) 2025 «الأطراف الليبية كافّة إلى التزام أقصى درجات ضبط النفس، والوقف الفوري للتصعيد، بما يكفل سلامة أبناء الشعب الليبي، كما شددوا حينها على ضرورة الإسراع في التوصل إلى حل للأزمة الليبية، وإنهاء حالة الانقسام السياسي، تجنباً لمزيد من التصعيد، وانتشار العنف، والإرهاب، واتساع دائرة الصراع».

ونقلت وزارة الخارجية المصرية عن المبعوثة الأممية «تقديرها للدور المحوري الذي تضطلع به دول جوار ليبيا»، مثمنة التنسيق المشترك، والتشاور المستمر ضمن الآلية الثلاثية. وأكدت «التزام الأمم المتحدة بمواصلة العمل الوثيق مع الشركاء الإقليميين والأطراف الليبية كافة لدفع مسار التسوية، وتيسير عملية سياسية شاملة تلبي تطلعات الشعب الليبي، وتؤسس لمرحلة من الاستقرار المستدام».