«نظرة حب»: دراما خارج الزمن... والمنافسة

ورطة «الكليشيه» تُحاصر المسلسل من جميع جهاته

الحب ينثر سحره على مهل (بوستر المسلسل)
الحب ينثر سحره على مهل (بوستر المسلسل)
TT

«نظرة حب»: دراما خارج الزمن... والمنافسة

الحب ينثر سحره على مهل (بوستر المسلسل)
الحب ينثر سحره على مهل (بوستر المسلسل)

تُحسَب لباسل خياط العودة إلى الشخصية الآتية من الأحياء الشعبية بعد أدوار الثراء المُستهلَك. مع ذلك، يرتكب دعسة ناقصة. فبطولته لمسلسل «نظرة حب»، تأتي في سياق شبه «سلحفاتي». بالكاد يسير؛ خطواته ثقيلة. ليس رمضان 2024 ميدان نجوميته، ولا هو المتصدِّر بين أسمائه البارزة. يمكن الاعتراف بأنّ لدى العمل جوانب جديدة، أجملها فنّ سرد الحكايات على لسان رندا كعدي بشخصية «أم بحر» المُقعَدة. لكنّ ورطة «الكليشيه» تُحاصره من جميع جهاته.

مسرح الأحداث حيّ للبسطاء، يُسمَّى «حيّ النفق»، مقابل فيلا الزعيم. ولأنّ باسل خياط هو البطل، لا بدّ من مَنْحه امتيازات التزعُّم، فيبدو أشبه بقائد. يأتي ذلك مقابل ما هو أشدّ استهلاكاً في الطرح الدرامي: رجل السياسية اللبناني الفاسد المرشّح للانتخابات. تحوم القصة (تأليف رافي وهبي) حول حادث يعترض ابنته (كارمن بصيبص)، فتُحاك مؤامرة تُلبِّس «بحر» (خياط) التهمة. حلقات طويلة تدور بشكل مُفرَغ، وتتعامل مع المفاجآت كمَن يوزّع الفُتات لعشاق الموائد.

باسل خياط في دور ابن الحيّ الشعبي (لقطة من المسلسل)

هذا الصنف مضى عليه الزمن ولا يصلح للمنافسة في رمضان 2024. لم يعد المرشّح للانتخابات اللبنانية يُغري كشخصية درامية. «ديجا فو». لا يثير أي اهتمام تتبُّع صراعه على مقعد نيابي. هكذا مقاربات مكشوفة جداً، ومجرَّدة من لحظاتها المدهشة. عجزُها عن المجيء بجديد، مُتوقَّع.

ليس بإطلاق اسم «بحر» على شخصية باسل خياط، يحدُث التميُّز. على القصة أولاً تشريع الباب أمام الحدث المُنتَظر. وإنْ كان لقاء البطلين يشكّل لحظة التأجيج المرجوَّة، فذلك لا يخلو من كل ما يخطر على البال حين يتعلّق الأمر برجل فقير وامرأة ثرية. تتجلّى ذروة الاستهلاك بخلاصة نظرية «توأم الشعلة» وفق مؤلّفها البروفسور «كميل» (غبريال يمّين)، القائمة على رابط مخفيّ خاص بين شخصين، ضمن عدد محدود من البشر. تقول الخلاصة إنّ المستحيل هو قدر هذا الحب، والاستحالة مردُّها إلى الفارق الطبقي بين الحبيبَيْن.

كارمن بصيبص وميشال حوراني في لقطة من المسلسل

خيوط المؤامرة ليست من النوع الحابس للأنفاس، فالمسلسل (إنتاج «إيبلا»)، مباشر، لا يحيِّد عن المسار الواضح. مثل معظم الأبطال، تُحاط بـ«بحر» مظلومية يُسبّبها الطرف الشرير. يطلّ ميشال حوراني بشخصية «نبيل» مشكّلاً تحالفَ مصالح مع والد خطيبته، المرشّح الانتخابي «جلال» (بيار داغر). مقابل الخبث المُعلن، تُحمَّل شخصية «قمر» بالطيبة المفرطة، تأكيداً على السقوط في «الإكستريم»، حدّ أنها تُصدّق إصابتها باضطرابات نفسية، وفق خطّة والدها المرشّح وخطيبها مدير حملته، لزجِّها في مصحّة واستبعادها عن المشهد. لا حلول وسطى، فتنعدم الحياة خارج اللونين الأبيض والأسود.

اختصار الحلقات من 30 إلى 15، كان لينقذ ما يمكن إنقاذه. فلشُ الأحداث القليلة على مساحة عريضة، يُضخِّم الخواء. ذلك مع «ثقل» تُكثّفه الإضاءة الكئيبة من دون مبرّر طوال الوقت. فكاميرا المخرج حسام علي ليست دائماً مريحة. ثمة إحساس بالتلبُّد والأزمات. الأخيرة سقفُها منخفض، ولا تتعدّى حتى الآن ما هو في دائرة التوقّعات. «توأم الشعلة» يصيب «بحر» و«قمر»، فيُرجَّح تخلّيها عن خطيبها واختيارها مَن شعرت أنها تعرفه قبل لقائه. ليس صعباً تخمين الباقي: وقوف الأب سداً في وجه الحب.

الإضاءة كئيبة حتى في اللحظة الضاحكة (لقطة من المسلسل)

معظم الشخصيات تدور حول الحادث، والسؤال مطروح عما كانت لتفعل لولا وقوعه؟ لا تبرز أدوار خارج وجوه البطولة، فحضور كثيرين يوازي تقريباً غيابهم. غبريال يمّين استثناء؛ دوره يفرض التمهّل أمامه. يكاد يكون الوحيد الناجي من التوقّعات.

أمكن التعمّق بماضي «بحر» بعد وفاة شقيقته في الحرب السورية، وهروب زوجته وابنه. يُمرّر المسلسل هذه الخلفية، حتى الآن، مثل تفصيل عابر، مفضّلاً الإبحار في شبر ماء. عالم المراهنات والدراجات النارية ويوميات الحيّ الشعبي والأزمة في سوريا، مثيرة درامياً أضعاف ما استهلكته الدراما اللبنانية منذ سنوات، خصوصاً معزوفة رجل السياسة، وحديث الدوائر الانتخابية، وتبرير الوسيلة من أجل الغاية.

يُنتَظر الجانب الآخر لحضور نهلا داود بشخصية «كارمن»، المرشّحة المنافِسة لـ«جلال» والد «قمر». جانبُها على مستوى الأمومة والماضي. افتقاد المسلسل الطبقة الثانية للشخصيات والأحداث يُبقيه كما هو الآن: أقل من عادي.

المسلسل يوهم بالأحداث أكثر مما يُقدّم وقائع على وجودها، ويحوم حول نفسه أضعاف ما يأتي بجديد يقلب الطاولة.

الأحداث الخجولة، تُصعِّب الإقناع بأننا أمام قضية بحجم «جريمة منظّمة تطال شخصيات مرموقة»، كما يقول التحقيق في الحادث. يحدُث العكس؛ أي أنّ العمل يوهم بالأحداث أكثر مما يُقدّم وقائع على وجودها، ويحوم حول نفسه أضعاف ما يأتي بجديد يقلب الطاولة.

كارمن بصيبص وجه مريح يخلو من الافتعال. ثغرة المسلسل أنه حافظ عليها كما هي؛ بهذه التعابير اللطيفة والاعتراض اللائق. شخصيتها، حتى الآن، تُبقيها في المنطقة الآمنة. ثوبها نفسُه عليها، ولا بأس بتبديله. مع ذلك، حضورها مُنتَظر. ثنائيتها مع باسل خياط تتأخر في الجذب. والحب الوارد في عنوان العمل، ينثر سحره على مهل، مكتفياً بالأثر المحدود.

تحضُر أسماء من سوريا، منها هبة نور بشخصية «يسرا»، عشيقة «بحر» وملجؤه، إضافة إلى طلال مارديني بدور «عزّت»، مع جفرا يونس، وطيف إبراهيم، وجمال العلي، وآمال سعد الدين، وسارة بركة ومرح عيسى... ومن لبنان، روزي الخولي، ورانيا عيسى، مع ثلاثي البطولة: بيار داغر، ونهلا داود، وميشال حوراني. أداؤهم في محلّه بمسلسل خارج المنافسة.


مقالات ذات صلة

الخريطة الرمضانية للقنوات اللبنانية... سباق درامي وترفيهي مبكر

يوميات الشرق «بخمس أرواح» من الأعمال الرمضانية المنتظرة على شاشة «الجديد» (فيسبوك)

الخريطة الرمضانية للقنوات اللبنانية... سباق درامي وترفيهي مبكر

القنوات اللبنانية كشفت مبكراً عن برمجتها الرمضانية للعام الحالي، مع تنوّع بين مسلسلات جديدة وأعمال سورية ومعرّبة، إلى جانب حضور بارز لبرامج الألعاب والجوائز.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق الألعاب النارية تنتشر في الأحياء الشعبية بمصر (تصوير: عبد الفتاح فرج)

ألعاب نارية «ممنوعة» تؤرق أحياءً شعبية في مصر

ضبطت الشرطة المصرية نحو 15 مليون قطعة ألعاب نارية خلال 3 أشهر رغم العقوبات المشدّدة على الاتجار بها.

حمدي عابدين (القاهرة )
لمسات الموضة «برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)

«ديور» وبيوت عالمية أخرى تدخل سباق رمضان بروح مختلفة وألوان جديدة

اقتراب شهر رمضان الكريم، يكشف كثير من دور الأزياء العالمية عن مجموعات خاصة وحصرية بمناسبة هذا الشهر الفضيل، فيما أصبح يُعرف بـ«سباق رمضان».

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق زحام على شراء الفوانيس في أسواق السيدة زينب (الشرق الأوسط)

الفوانيس المستوردة تفرض حضورها في مصر بتقاليع مبتكرة

وسط زحام ميدان السيدة زينب العريق بالقاهرة وبين آلاف القطع من فوانيس رمضان تجوّل الشاب محمد فتحي بين شوادر وخيام الميدان باحثاً عن «فانوس الزيت».

محمد عجم (القاهرة )
يوميات الشرق تشديد على ضرورة الالتزام بكل الشروط والأحكام المعتمدة لضمان انسيابية تنظيم الإفطار (واس)

حوكمة إفطار رمضان في الحرمين لتعزيز الشفافية والتنظيم

أطلقت «هيئة العناية بشؤون الحرمين» آلية حديثة وموثقة لتنظيم برنامج إفطار الصائمين، خلال شهر رمضان، ضمن منظومة متكاملة تعزز الحوكمة والشفافية وترفع كفاءة التنفيذ

«الشرق الأوسط» (مكة المكرمة)

ساعة ذكية تتنبأ بانتكاسات الاكتئاب

تنذر اضطرابات النوم بزيادة خطر الانتكاس (إيفان أوبولينوف - بيكسلز)
تنذر اضطرابات النوم بزيادة خطر الانتكاس (إيفان أوبولينوف - بيكسلز)
TT

ساعة ذكية تتنبأ بانتكاسات الاكتئاب

تنذر اضطرابات النوم بزيادة خطر الانتكاس (إيفان أوبولينوف - بيكسلز)
تنذر اضطرابات النوم بزيادة خطر الانتكاس (إيفان أوبولينوف - بيكسلز)

أفادت دراسة جديدة، أجراها فريق من الباحثين من جامعة ماكماستر الكندية، بأن اضطرابات النوم والروتين اليومي للشخص، يمكن الآن رصد ذلك عبر ساعة ذكية تُرتدى على المعصم، قد تُنذران بزيادة خطر الانتكاس والعودة إلى عوالم الاكتئاب الحاد. وكشفت نتائج الدراسة أن أجهزة التتبع القابلة للارتداء قادرة على رصد انتكاسات الاكتئاب قبل أسابيع من عودتها.

ويعتمد الرصد الحالي بشكل كبير على الأعراض، التي عادةً ما تظهر لاحقاً مقارنةً بما يمكن رصده عبر الأجهزة القابلة للارتداء التي تمتلك قدرات تنبؤية مبكرة.

وتُسلط الدراسة المنشورة في مجلة «جاما سيكاتري»، الأربعاء، الضوء على طريقة بسيطة وفعّالة لمراقبة خطر الانتكاس لدى الأشخاص المصابين باضطراب الاكتئاب الحاد، حيث ترصد احتمالية الانتكاس قبل أسابيع أو أشهر من حدوثه.

يقول بينيسيو فراي، الأستاذ في قسم الطب النفسي وعلم الأعصاب السلوكي بجامعة ماكماستر: «تُبشّر التطورات في التكنولوجيا الرقمية وخوارزميات الذكاء الاصطناعي بإمكانات هائلة للوقاية من انتكاسات الصحة النفسية».

ويضيف في بيان: «تخيّل مستقبلاً تستطيع فيه ساعة ذكية تنبيه الأشخاص المصابين بالاكتئاب عبر رسالة بسيطة: (من المرجح جداً حدوث نوبة اكتئاب جديدة خلال الأسابيع الأربعة المقبلة. ما رأيك بزيارة طبيبك؟)».

يُذكر أن حوالي 60 في المائة من المصابين باضطراب الاكتئاب الحاد ينتكسون خلال خمس سنوات من بدء التعافي، حتى مع تلقيهم العلاج.

ويُعد اضطراب الاكتئاب الحاد حالة طبية شائعة وخطيرة تصيب ملايين الأشخاص حول العالم. ويؤثر الاكتئاب على كيفية شعور الشخص وتفكيره وأدائه، ويمكن أن يسبب أعراضاً مستمرة مثل انخفاض المزاج، وفقدان الشهية، والشعور بالذنب، وفقدان الاهتمام بالأنشطة.

تابعت الدراسة 93 بالغاً في جميع أنحاء كندا ممن تعافوا سابقاً من الاكتئاب، وارتدوا جهازاً لقياس النشاط الحركي عالي الدقة، لمدة تتراوح بين سنة وسنتين، مما أدى إلى جمع بيانات عن النوم والنشاط اليومي لهم.

وكشفت النتائج أن الأفراد الذين يعانون من اضطراب في النوم كانوا أكثر عُرضةً للانتكاس بمقدار الضعف تقريباً؛ إذ تبين أن مدة اليقظة الليلية بعد الخلود إلى النوم تتنبأ بزيادة خطر الانتكاس.

ويؤكد هذا البحث على الإمكانات غير المستغلة للتقنيات القابلة للارتداء في دعم المتعافين من اضطراب الاكتئاب الحاد، إذ تجمع هذه التقنيات البيانات تلقائياً، وتوفر رؤية مستمرة بين المواعيد الطبية.

ويشير الباحثون إلى وجود فرص لتطوير النظام الصحي، حيث يمكن للتنبيهات المستمدة من الأجهزة القابلة للارتداء أن تساعد الأطباء على توجيه الرعاية نحو الأشخاص الأكثر عُرضة للخطر، مما يحسن النتائج، ويقلّل من عبء النوبات المتكررة.


تصرف لا يستغرق دقيقة قد يعزز مزاجك

هناك تصرف بسيط مدته لا تتخطى الدقيقة يمكن أن يساعد في تعزيز مزاج الأشخاص (رويترز)
هناك تصرف بسيط مدته لا تتخطى الدقيقة يمكن أن يساعد في تعزيز مزاج الأشخاص (رويترز)
TT

تصرف لا يستغرق دقيقة قد يعزز مزاجك

هناك تصرف بسيط مدته لا تتخطى الدقيقة يمكن أن يساعد في تعزيز مزاج الأشخاص (رويترز)
هناك تصرف بسيط مدته لا تتخطى الدقيقة يمكن أن يساعد في تعزيز مزاج الأشخاص (رويترز)

كشفت عالمة نفس أميركية عن تصرف بسيط مدته لا تتخطى الدقيقة، يمكن أن يساعد في تعزيز مزاج الأشخاص وزيادة شعورهم بالسعادة.

وقالت الدكتورة ليندسي غودوين لموقع «سايكولوجي توداي» إن هذا التصرف يتمثل في «تقديم مجاملة صادقة واحدة يومياً لمدة أسبوع لشخص لا نعرفه جيداً».

ولفتت غودوين إلى أن تقديم مجاملة صادقة لشخص آخر قد يكون كافياً لإحداث تغيير ملموس في المزاج والشعور بالرضا لدى الطرفين.

وأضافت أن الشرط الأساسي هو أن تكون المجاملة محددة وتعتمد على سلوك أو ملاحظة حقيقية، بعيداً عن الإطراءات العامة، لافتة إلى أن الأبحاث تشير إلى أن المديح المحدد أكثر مصداقية وتأثيراً من العبارات العامة؛ لأنه يعكس انتباهاً حقيقياً للطرف الآخر.

أدلة علمية

وأشارت غودوين إلى وجود أدلة علمية على فائدة المجاملات للصحة النفسية لقائلها وللمتلقي.

وأشارت دراسة أجريت عام 2021 إلى أن الناس غالباً ما يستخفون بتأثير المجاملات على الآخرين، إذ يتوقع مقدمو المجاملة شعوراً بالحرج أو الرفض، بينما يُظهر المتلقون مستويات أعلى بكثير من السعادة والتقدير مما يتوقعه الطرف الآخر.

كما أظهرت أبحاث أخرى أن ممارسة أعمال اللطف الصغيرة بانتظام ترتبط بارتفاع مستويات السعادة والرضا عن الحياة.

ووفقاً لنظرية «التوسيع والبناء للمشاعر الإيجابية» لعالمة النفس الشهيرة باربرا فريدريكسون، تسهم المشاعر الإيجابية في توسيع أنماط التفكير وبناء علاقات اجتماعية أقوى بمرور الوقت. وعندما يعتاد الفرد البحث عما يستحق التقدير، يتحول تركيزه من رصد السلبيات إلى اكتشاف الجوانب المضيئة في محيطه.

كما تشير النظرية إلى أن المجاملة وإظهار التقدير للآخرين قد يخففان من حدة النقد الذاتي، إذ يصبح من الصعب الاستمرار في القسوة على النفس أثناء الاعتياد على رؤية الجيد في الآخرين.

لماذا نتردد في الإطراء؟

يرجع التردد غالباً إلى القلق الاجتماعي والخوف من التطفل أو إساءة الفهم. كما أن الثقافة السائدة تشجع على التنبيه عند وجود خطأ، لكنها نادراً ما تحث على التعبير عند ملاحظة شيء إيجابي.

مجاملات بلا مبالغة

تؤكد غودوين على أهمية تجنب المجاملات المبالغ بها. ولفتت إلى أن المجاملة المثالية «قصيرة، وواضحة، ولا تنتظر مقابلاً».


لماذا ترتفع معدلات التدخين بين المصابين بـ«طيف الفصام»؟

هل يشعر المصابون بـ«طيف الفصام» بانجذاب خاص نحو النيكوتين؟ (بكسلز)
هل يشعر المصابون بـ«طيف الفصام» بانجذاب خاص نحو النيكوتين؟ (بكسلز)
TT

لماذا ترتفع معدلات التدخين بين المصابين بـ«طيف الفصام»؟

هل يشعر المصابون بـ«طيف الفصام» بانجذاب خاص نحو النيكوتين؟ (بكسلز)
هل يشعر المصابون بـ«طيف الفصام» بانجذاب خاص نحو النيكوتين؟ (بكسلز)

نحو 70 في المائة من المصابين بـ«طيف الفصام» يدخنون السجائر... لكن لماذا؟ هل يشعر هؤلاء بانجذاب خاص نحو النيكوتين؟ أم إن التبغ يهدئهم بطرق لا توفرها مواد أخرى؟

في هذا السياق، يسلّط تقرير من موقع «سيكولوجي توداي» الضوء على الكيفية التي يؤثر بها التدخين في بنية الدماغ، ووظائفه لدى المصابين بـ«اضطرابات طيف الفصام».

ووفق التقرير، فقد أشارت أبحاث سابقة إلى أن المصابين بـ«طيف الفصام» قد يستفيدون أكثر من بعض تأثيرات النيكوتين، وأن انجذابهم نحوه يكون أقوى من المتوسط، غير أن هذه النتائج لم تكن شاملة. فالمواد المؤثرة في الدماغ غالباً ما تكون معقدة؛ إذ تجمع بين آثار إيجابية وأخرى سلبية.

ونجحت مراجعة منهجية نُشرت عام 2025 في تحديد التأثيرات الدقيقة للتدخين على المصابين بـ«اضطرابات طيف الفصام»، وبيّنت وجود اختلاف حقيقي في الطريقة التي يؤثر بها التدخين على أدمغتهم مقارنة بغيرهم.

بداية... ما «طيف الفصام»؟

يُستخدم مصطلح «طيف الفصام» للإشارة إلى مجموعة من الاضطرابات النفسية التي تتشارك خصائص وأعراضاً مع مرض «الفصام»، لكنها تختلف في شدتها، ومدتها، وتأثيرها على حياة المصاب. ويشمل هذا الطيف حالات تتراوح بين اضطرابات خفيفة في التفكير والإدراك والسلوك، و«الفصام» بوصفه الشكل الأشد والأكبر وضوحاً.

وتبيّن الأبحاث الحديثة أن هذه الاضطرابات ليست حالات منفصلة تماماً، بل تقع على خط واحد متدرّج، يختلف فيه المرض من شخص إلى آخر من حيث الشدة والتأثير. فهي تشترك في تغيّرات متقاربة بالدماغ، وقد تتشابه في بعض الأعراض، مثل صعوبة التفكير بوضوح، أو التحكم في المشاعر، أو تراجع التركيز والقدرات الذهنية.

التدخين واضطرابات «طيف الفصام»

حلّل الباحثون في هذه المراجعة 22 دراسة استخدمت وسائل مختلفة لرصد الخصائص البيولوجية لدى المصابين بـ«اضطرابات طيف الفصام». وشملت هذه الوسائل تقنيات تصوير الدماغ، مثل التصوير بـ«الرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI)» الذي يتيح مراقبة نشاط الدماغ خلال أداء مهمة معينة، والتصوير في حالة الراحة، إضافة إلى التصوير البنيوي الذي يسمح بدراسة حجم مناطق الدماغ، لا سيما فقدان «المادة الرمادية»، وهو أمر شائع لدى المصابين بهذه الاضطرابات.

وتلعب «المادة الرمادية» دوراً أساسياً في الوظائف المعرفية، ويؤدي انخفاض حجمها إلى تفاقم الأعراض وضعف القدرات الذهنية. ووجدت المراجعة أن المصابين بـ«اضطرابات طيف الفصام» الذين يدخنون يعانون انخفاضاً ملحوظاً في «المادة الرمادية»، مع تراجع واضح في مناطق مثل القشرة الجبهية الأمامية المسؤولة عن التفكير عالي المستوى، واللوزة الدماغية المرتبطة بتنظيم المشاعر، والحُصين المسؤول عن الذاكرة.

ويُعرَف التدخين و«اضطرابات طيف الفصام»، كلٌ على حدة، بارتباطه بتراجع «المادة الرمادية»، لكن اجتماع العاملَين معاً قد يفاقم هذا الأثر السلبي.

جانب غير متوقع

على نحو مفاجئ، أشار بعض النتائج إلى أن التدخين قد يساعد الدماغ والجهاز العصبي على تحسين التكامل الوظيفي. فقد وجدت إحدى الدراسات تفاعلاً أكبر بين شبكة الوضع الافتراضي في الدماغ والجهاز الحوفي لدى المشاركين المدخنين؛ مما يوحي بأن التدخين قد يُحسّن من مشكلة ضعف الترابط بين المسارات العصبية ومناطق الدماغ المختلفة.

ولوحظ هذا التأثير لدى المصابين بـ«اضطرابات طيف الفصام» وكذلك لدى غير المصابين.

كما كشفت دراسات أخرى عن أنماط عصبية مميزة لدى مرضى «طيف الفصام» المدخنين، تشير إلى وجود قابلية خاصة لديهم تجاه التدخين والنيكوتين. ويبدو أن لديهم حساسية أعلى للمكافأة، إلى جانب ضعف في المسارات العصبية المسؤولة عادة عن معالجة الآثار السلبية للتدخين.

وبعبارة أخرى، يجد هؤلاء المرضى المكافآت قصيرة المدى مُرضية، بينما يكون وعيهم أو استجابتهم للآثار السلبية طويلة المدى أقل.

الإقلاع عن التدخين

يُعد المصابون بـ«اضطرابات طيف الفصام» أكبر عرضة لبعض التحديات مقارنة بغيرهم، ويبدو أن النيكوتين يتمتع بجاذبية كيميائية عصبية خاصة لديهم، تحمل في طياتها آثاراً إيجابية وأخرى سلبية في آن معاً. فالتدخين قد يمنحهم شعوراً بالراحة والتنظيم النفسي يصعب تعويضه بمواد أخرى، لكنه في المقابل يؤثر سلباً على الدماغ وقد يؤدي إلى نتائج أسوأ على المدى البعيد.

ونظراً إلى المخاطر المعروفة للتدخين؛ بما في ذلك ارتفاع خطر الإصابة بسرطان الرئة، فإن الباحثين يشيرون إلى أهمية مواصلة دراسة تأثيرات التدخين على المصابين بـ«اضطرابات طيف الفصام» بشكل أعمق.

وقد تفتح هذه الأبحاث الباب أمام تطوير علاجات تستهدف هذه المسارات العصبية الخاصة، مثل الحساسية المرتفعة للمكافأة، مع تقليل الأضرار عبر إحلال بدائل أعلى أماناً محل النيكوتين.

ويشمل التعافي أيضاً التعامل مع الرغبة الشديدة المرتبطة بالاضطراب نفسه وبالأدوية المستخدمة لعلاجه، والتي قد تزيد الشهية وتؤدي إلى زيادة الوزن. ورغم ذلك، فإن الباحثين يؤكدون أن الإقلاع ممكن، وأن الجهود مستمرة لتعزيز جودة الحياة والأمل لدى المصابين.