الكرملين يحذر أوروبا من «عواقب وخيمة» ويقر بأن البلاد في «حالة حرب»

هدد بـ«رد مناسب» على استخدام الأصول الروسية المجمدة لتمويل أوكرانيا

الرئيس الفرنسي مع المستشار الألماني ورئيس وزراء المجر في قمة بروكسل (إ.ب.أ)
الرئيس الفرنسي مع المستشار الألماني ورئيس وزراء المجر في قمة بروكسل (إ.ب.أ)
TT

الكرملين يحذر أوروبا من «عواقب وخيمة» ويقر بأن البلاد في «حالة حرب»

الرئيس الفرنسي مع المستشار الألماني ورئيس وزراء المجر في قمة بروكسل (إ.ب.أ)
الرئيس الفرنسي مع المستشار الألماني ورئيس وزراء المجر في قمة بروكسل (إ.ب.أ)

حمل وصف الكرملين للعمليات الجارية في أوكرانيا بأنها «حرب كاملة» تطوراً مهماً في آليات تعاطي موسكو مع الصراع. وفي تصريح نادر أقر الناطق باسم الكرملين ديمتري بيسكوف، الجمعة، أن روسيا باتت تخوض حرباً مفتوحة وشاملة في البلد المجاور، بعدما كانت موسكو تعلن أنها تواصل تنفيذ ما تصفه «عملية عسكرية خاصة»، بينما توعد الأوروبيين بـ«عواقب وخيمة» على خلفية مناقشة استخدام الأصول الروسية المجمدة في البنوك الأوروبية لتمويل أوكرانيا، وأكد أن موسكو سوف تتخذ خطوات مناسبة للرد على الخطوة التي وصفها بأنها «سرقة».

الرئيس فلاديمير بوتين مع المتحدث الرسمي باسم الكرملين ديميتري بيسكوف (أ.ب)

وهاجم بيسكوف بقوة مسار النقاشات الأوروبية في قمة بروكسل، ورأى أن الأوروبيين يقومون بعملية سرقة للأصول الروسية التي «تعود ملكيتها لأصحابها خلافاً لتصريحات القادة الأوروبيين بأنها ليست مملوكة لأحد».

وقال الناطق الرئاسي للصحافيين: «من السخافة الترويج بأن الدخل المتراكم للأصول الروسية المجمدة ليس ملكاً لطرف، بل يعود في ملكيته لأصحاب الأصول، وهؤلاء فقط يملكون الحق في التصرف بها». وأوضح: «سمعنا تصريحات من بروكسل مفادها أن أصولنا لا يملكها أحد. هذا حديث سخيف وغير صحيح، إنها بالطبع تعود في ملكيتها لأصحاب الأصول، ولا يمكن تبرير أي تصرف يخالف هذا المنطق».

أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية تتوسط عدداً من قادة الاتحاد الأوروبي في بروكسل (أ.ب)

ورد بيسكوف على تقارير تحدثت عن أن عدداً من البنوك الغربية تمارس ضغوطاً ضد مقترحات الاتحاد الأوروبي لتوجيه الأصول الروسية المجمدة لتمويل أوكرانيا، وما إذا كانت روسيا مستعدة لتطبيق عقوبات على تلك البنوك، مشيراً إلى أن النقاشات الجارية في بروكسل «عبثية» وزاد: «إذا جرى اتخاذ قرارات من هذا النوع فسيكون هناك بالتأكيد رد مناسب وعواقب وخيمة للغاية على كل الأطراف المعنية بهذا الموضوع».

وأوضح: «فيما يتعلق بتقارير وسائل الإعلام حول المخاوف المحتملة للبنوك، فإن الخدمة القانونية لأي بنك تدرك العواقب الكارثية لمثل هذه الإجراءات لمصادرة الأصول، هذه العواقب لن تطول فقط المصارف، بل سوف تمتد إلى البلدان المعنية وإلى الاقتصاد الأوروبي كله».

وشدد على أن موسكو «كررت هنا بالفعل أنه، بالطبع، إذا جرى تنفيذ مثل هذه القرارات، فسوف تترتب على ذلك عواقب وخيمة للغاية على أولئك الذين اتخذوها والذين نفذوها».

رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز عقب مؤتمر صحافي في اليوم الثاني من القمة الأوروبية (أ.ف.ب)

ووصف بيسكوف اقتراح الحد من واردات الحبوب والبذور من روسيا وبيلاروسيا إلى الاتحاد الأوروبي الذي نوقش أيضاً في قمة بروكسل بأنه «مثال آخر واضح على المنافسة غير العادلة»، ولوح في هذا الأمر أيضاً باتخاذ قرارات متكافئة معه محذراً من أن «المستهلكين في أوروبا سيعانون من ذلك».

وفي وقت سابق، قالت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، إنها قدمت اقتراحاً إلى القادة في قمة الاتحاد الأوروبي للحد من واردات الحبوب والبذور الزيتية ومنتجاتها إلى الاتحاد الأوروبي من روسيا وبيلاروسيا؛ وتشمل الإجراءات زيادة في الضرائب المفروضة على الواردات من البلدين.

ورد بيسكوف: «سيعاني المستهلك في أوروبا بالتأكيد جراء ذلك. لدينا كثير من الاتجاهات البديلة للإمدادات. هنا، بالطبع، يجب على الخبراء أن يأخذوا في الحسبان مدى التدفقات هناك، ومدى قدرتهم على التعويض عن هذه التدابير الحظرية الفعلية. وهذا مثال واضح جديد للمنافسة غير العادلة».

بدورها، قالت رئيسة البنك المركزي الروسي إلفيرا نابيولينا، إن موسكو أعدت خطة للتحرك في حال فُرض القرار المتعلق باستخدام الأصول الروسية المجمدة لدى أوروبا. وأوضحت أن «البنك المركزي سوف يتخذ الإجراءات المناسبة». وأضافت: «فيما يتعلق بإجراءات الاتحاد الأوروبي بشأن الأصول المجمدة، سيجري تبني القرارات المناسبة لحماية مصالحنا».

وفي غضون ذلك، حمل وصف الكرملين للعمليات الجارية في أوكرانيا بأنها «حرب كاملة» تطوراً مهماً في آليات تعاطي موسكو مع الصراع في البلد الجار بعدما ظلت الكرملين يردد طوال أكثر من عامين أن موسكو تخوض «عملية عسكرية محدودة في أوكرانيا تهدف إلى تحقيق أهداف جرى وضعها».

وقال بيسكوف، الجمعة، في مقابلة مع صحيفة روسية واسعة الانتشار إن «العملية العسكرية الخاصة في أوكرانيا تحولت بالفعل إلى حرب بسبب تدخل الدول الغربية».

وأضاف: «نحن في حالة حرب. نعم، لقد بدأت كعملية عسكرية خاصة، ولكن بمجرد أن تشكلت هناك شلة الحرب، عندما أصبح الغرب الجماعي مشاركاً في ذلك إلى جانب أوكرانيا، أصبحت بالنسبة إلينا بالفعل بمثابة حرب شاملة. وأنا مقتنع بهذا. يجب على الجميع أن يفهموا ذلك من أجل التعبئة الداخلية».

وأشار ممثل الكرملين إلى أن «جزءاً من الأراضي الروسية يقع الآن بحكم الأمر الواقع تحت احتلال نظام كييف، ويجب تحرير أراضي المناطق الجديدة وحماية الناس هناك».

وقال: «ظهرت في روسيا 4 كيانات فيدرالية جديدة، والشيء الرئيسي بالنسبة لنا هو حماية المواطنين الروس في هذه الكيانات وتحرير أراضي هذه الكيانات، التي يحتلها حالياً نظام كييف بحكم الأمر الواقع».

وشدد بيسكوف على أن روسيا لا يمكن أن تسمح بوجود دولة على حدودها لديها نية موثقة لاستخدام أي أساليب لانتزاع شبه جزيرة القرم منها، ناهيك عن أراضي لوغانسك ودونيتسك ومقاطعتي زابوريجيا وخيرسون التي انضمت إلى روسيا في عام 2022 نتيجة استفتاء عام هناك».

وحذر الناطق الرئاسي الغرب من أن «إرسال عسكريين أجانب إلى أوكرانيا ستكون له عواقب سلبية لا يمكن إصلاحها».

وأشار إلى أنه لا توجد حتى الآن معلومات دقيقة لدى الكرملين حول خطط فرنسا المزعومة لإرسال عناصر من قواتها إلى المناطق الأوكرانية المتاخمة لبيلاروسيا.

وأضاف بيسكوف: «ما زلنا هنا بحاجة للحصول على معلومات دقيقة. حتى الآن، على حد علمي، لا يوجد شيء محدد في هذا الشأن. على أية حال، قلنا مرات كثيرة إن إرسال بعض الوحدات العسكرية الأجنبية إلى أوكرانيا محفوف بعواقب سلبية للغاية، وقد يكون من المستحيل تلافيها أو إصلاحها».

وفي وقت سابق، قال عضو البرلمان الأوكراني أليكسي غونشارينكو، إن السلطات الفرنسية تدرس إمكانية إرسال بعثة عسكرية أوروبية إلى مناطق في أوكرانيا متاخمة للحدود مع بيلاروسيا من أجل إفساح المجال للوحدات العسكرية الأوكرانية الموجودة هناك بالتوجه إلى مناطق القتال.

من جانب آخر، قال سلاح الجو الأوكراني، الجمعة، إنه أسقط 92 من 151 صاروخاً وطائرة مسيّرة أطلقتها روسيا على أوكرانيا في هجوم خلال الليل. وذكر مسؤول كبير في قطاع الطاقة في وقت سابق، الجمعة، أن هذا هو الهجوم الأكبر الذي يستهدف البنية التحتية للطاقة في أوكرانيا منذ بداية الحرب.

وقالت شركة الطاقة الكهرومائية الحكومية الأوكرانية إن ضربة روسية أصابت أكبر سد في أوكرانيا، وهو سد محطة دنيبرو الكهرومائية في زابوريجيا، لكن ليس هناك خطر حدوث فجوات في السد. وأضافت: «هناك حريق في المحطة حالياً... تعمل أجهزة الطوارئ والعاملون المعنيون بالطاقة في الموقع للتعامل مع آثار ضربات جوية كثيرة».

أثر الضربات الروسية في زابوريجيا (أ.ب)

قالت وزارة الدفاع الروسية، الجمعة، إن الموجة الجديدة من الهجمات على البنية التحتية في أوكرانيا هي جزء من سلسلة هجمات انتقامية تهدف إلى معاقبة كييف على توغلاتها السابقة في الأراضي الروسية. وأضافت الوزارة في بيان أنها قصفت بنجاح عدداً من الأهداف التابعة لشبكات الكهرباء وتقاطعات لمسارات السكك الحديدية ومستودعات للذخيرة وأهدافاً أخرى، الجمعة.

نقلت صحيفة «فاينانشيال تايمز» البريطانية اليومية، الجمعة، عن مصادر مطلعة أن الولايات المتحدة حثت أوكرانيا على وقف الضربات على البنية التحتية الروسية للطاقة. وأضافت أنها حذرت من أن الضربات التي تحدث بطائرات مسيّرة قد تثير ردود فعل انتقامية، وترفع أسعار النفط عالمياً.

وعلق الكرملين على تقرير صحيفة «فاينانشيال تايمز» قائلاً إن الأمر يخص الولايات المتحدة، لكنه كان يفضل توجيه دعوة مختلفة إلى كييف. ورداً على سؤال حول التقرير، قال المتحدث باسم الكرملين: «هذا أمر يخص الولايات المتحدة. نفضل أن تدعو الولايات المتحدة نظام كييف إلى التخلي... قبل كل شيء عن النشاط الإرهابي ضد الأهداف المدنية والمنازل».

كما أعلن حاكم بيلغورد أن امرأة قُتلت، وأصيب آخرون بجروح، الجمعة، في ضربة على المنطقة الروسية الحدودية مع أوكرانيا التي تستهدف بهجمات كثيرة. وكتب الحاكم فياتشيسلاف غلادكوف عبر «تلغرام»: «ضربة جديدة أدت للأسف إلى مقتل شخص» موضحاً أن الضحية هي امرأة. وأشار أيضاً إلى «وقوع جرحى». وأظهرت معلومات أولية أن الضربة ألحقت أضراراً بثلاثة مراكز طبية ومنازل عدة على ما أضاف غلادكوف. وقالت وزارة الدفاع الروسية من جهتها إنها دمرت، صباح الجمعة، فوق منطقة بيلغورود 8 صواريخ أطلقت من منظومة فامباير للقاذفات الصاروخية مصدرها أوكرانيا. وتستهدف منطقة بيلغورود في الآونة الأخيرة بهجمات كثيرة تشن عبر مسيّرات وبضربات تنسبها روسيا إلى أوكرانيا، أسفرت عن سقوط أكثر من 10 قتلى في غضون أسبوع وفق السلطات المحلية. وتعهدت كييف إلى نقل المعارك إلى داخل الأراضي الروسية رداً على عمليات قصف كثيرة تطول أراضيها.


مقالات ذات صلة

واشنطن: الضربات ضد أوكرانيا «تصعيد خطير وغير مبرر» للحرب

أوروبا  رجال إنقاذ في مبنى سكني استُهدف بغارة جوية روسية بطائرة مسيرة (رويترز) play-circle

واشنطن: الضربات ضد أوكرانيا «تصعيد خطير وغير مبرر» للحرب

واشنطن تدين الهجمات الروسية المتواصلة والمتصاعدة على منشآت الطاقة وغيرها من البنى التحتية، وكييف تقول إن موسكو تحضر لشن هجوم كبير آخر.

«الشرق الأوسط» (لندن)
تحليل إخباري تظهر كلمة «الذكاء الاصطناعي» ونموذج مصغّر لروبوت والعلم الأميركي في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)

تحليل إخباري الذكاء الاصطناعي في الحرب الحديثة... ماذا عن «الداتا» المسمومة؟

يهدف الذكاء الاصطناعي إلى تسريع اتخاذ القرار في الحرب، واختيار أفضل وسيلة عسكرية للتعامل مع هدف ما. فماذا لو كانت المعلومة عن الهدف خاطئة بناء على «داتا» مسمومة

المحلل العسكري (لندن)
أوروبا رجال الإنقاذ الأوكرانيون في موقع غارة روسية استهدفت منطقة سكنية في خاركيف شمال شرقي أوكرانيا الأسبوع الماضي (إ.ب.أ)

4 قتلى بهجوم روسي قرب خاركيف الأوكرانية

أسفرت غارات جوية روسية ليل الاثنين - الثلاثاء عن مقتل 4 أشخاص على الأقل وإصابة 6 آخرين قرب خاركيف في شمال شرقي أوكرانيا.

«الشرق الأوسط» (كييف)
الولايات المتحدة​ وزارة الدفاع الروسية تنشر صورة تظهر نظام صواريخ «أوريشنيك» الروسي خلال تدريب بموقع لم يُكشف عنه في بيلاروسيا (أ.ب)

واشنطن تندد بـ«تصعيد خطر» بعد إطلاق روسيا صاروخاً فرط صوتي على أوكرانيا

ندّدت الولايات المتحدة باستخدام روسيا صاروخ أوريشنيك فرط الصوتي في هجوم على أوكرانيا الأسبوع الماضي، معتبرة أنه «تصعيد خطر ولا يمكن تفسيره».

«الشرق الأوسط»
شؤون إقليمية الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (إ.ب.أ)

زيلينسكي يطالب بمساعدة «الانتفاضة» في إيران

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إن على العالم أن يساعد الإيرانيين في البناء على الاحتجاجات من أجل إحداث تغيير لتحريرهم من «الحكم الذي جلب الشرور».

«الشرق الأوسط» (كييف)

فرنسا: حملة القمع الحالية قد تكون «الأعنف» في تاريخ إيران

شهدت عواصم عدة في العالم مظاهرات تضامنية مع الاحتجاجات الشعبية بإيران (رويترز)
شهدت عواصم عدة في العالم مظاهرات تضامنية مع الاحتجاجات الشعبية بإيران (رويترز)
TT

فرنسا: حملة القمع الحالية قد تكون «الأعنف» في تاريخ إيران

شهدت عواصم عدة في العالم مظاهرات تضامنية مع الاحتجاجات الشعبية بإيران (رويترز)
شهدت عواصم عدة في العالم مظاهرات تضامنية مع الاحتجاجات الشعبية بإيران (رويترز)

عَدّ وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم الأربعاء، أن حملة القمع ضد المتظاهرين في إيران قد تكون «الأعنف» في تاريخ البلاد الحديث، داعياً السلطات إلى إنهائها «فوراً».

وأسفرت الحملة عن مقتل 734 شخصاً، على الأقل، وفق منظمة «إيران لحقوق الإنسان» (IHR) غير الحكومية، ومقرها النرويج، والتي تُقدِّر أن عدد القتلى الفعلي قد يكون بالآلاف.

عشرات الجثث ملقاة على الأرض بمركز للطب الشرعي في طهران (أ.ف.ب)

وقال بارو، لإذاعة «إر تي إل» الفرنسية: «نشتبه في أن هذه الحملة قد تكون الأعنف في تاريخ إيران الحديث، ويجب أن تتوقف فوراً»، دون أن يؤكد حصيلة القتلى، وفق ما ذكرت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأوضح الوزير أن باريس تقدّمت بهذا الطلب إلى السفير الإيراني لدى فرنسا عند استدعائه، الثلاثاء.

احتجاجات مناهضة للحكومة الإيرانية في طهران (أ.ب)

ووصف بارو الوضع قائلاً: «من الصور القليلة التي وصلتنا، نرى متظاهرين يتعرضون لإطلاق النار من مسافة قريبة بأسلحة هجومية، وجثثاً مكدسة في أكياس داخل مستشفيات مكتظة، ونرى عائلات إيرانية مفجوعة، ونسمع صرخات استغاثة لا يمكن أن نبقى غير مُبالين بها».

صورة من مقاطع فيديو جرى تصويرها بين 9 و11 يناير 2026 من مشرحة تضم عشرات الجثث في كهريزك بمحافظة طهران (أ.ب)

عند سؤاله عن ضرورة تغيير السلطة في إيران، أكد جان نويل بارو أنه يعود للشعب الإيراني أن يقرر مصيره، و«هذا ما يجب أن تفهمه سلطات البلاد».

وأوضح بارو أن مسؤولية فرنسا الأولى تتمثل في «ضمان سلامة مواطنينا الذين يبلغ عددهم نحو 900 في إيران، وسلامة موظفينا وسفارتنا، وبالطبع، سلامة مواطنَينا سيسيل كولر وجاك باريس»، الخاضعين للإقامة الجبرية في السفارة.


عدد الوفيات يفوق المواليد في فرنسا للمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية

أشخاص يسيرون في ساحة تروكاديرو المغطاة بالثلوج بالقرب من برج إيفل بباريس مع اجتياح موجة برد قارس وتساقط الثلوج يوم 5 يناير 2026 (رويترز)
أشخاص يسيرون في ساحة تروكاديرو المغطاة بالثلوج بالقرب من برج إيفل بباريس مع اجتياح موجة برد قارس وتساقط الثلوج يوم 5 يناير 2026 (رويترز)
TT

عدد الوفيات يفوق المواليد في فرنسا للمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية

أشخاص يسيرون في ساحة تروكاديرو المغطاة بالثلوج بالقرب من برج إيفل بباريس مع اجتياح موجة برد قارس وتساقط الثلوج يوم 5 يناير 2026 (رويترز)
أشخاص يسيرون في ساحة تروكاديرو المغطاة بالثلوج بالقرب من برج إيفل بباريس مع اجتياح موجة برد قارس وتساقط الثلوج يوم 5 يناير 2026 (رويترز)

أظهرت أرقام رسمية أمس (الثلاثاء) أن فرنسا سجَّلت وفيات أكثر من المواليد في عام 2025، للمرة الأولى منذ ​نهاية الحرب العالمية الثانية، وهو تطور يقوض الميزة الديموغرافية التي لطالما كانت تتمتع بها فرنسا، مقارنة بدول الاتحاد الأوروبي الأخرى.

وأفاد «المعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية» بتسجيل 651 ألف حالة وفاة العام الماضي، بينما تراجعت حالات المواليد إلى 645 ألفاً. وانخفض عدد المواليد في فرنسا ‌بشدة منذ ‌جائحة «كوفيد-19».

وتتمتع فرنسا ‌تقليدياً ⁠بتركيبة ​سكانية ‌أقوى من معظم أوروبا، ولكن النسبة الكبيرة لكبار السن وانخفاض معدلات المواليد يظهران أنها ليست محصنة من الأزمة الديموغرافية التي ترهق المالية العامة في جميع أنحاء القارة.

وقال المعهد إن معدل الخصوبة انخفض إلى 1.56 طفل لكل امرأة ⁠العام الماضي، وهو أدنى مستوى له منذ الحرب العالمية، وأقل ‌بكثير من 1.8 المفترض في توقعات تمويل المعاشات التقاعدية، وفقاً لما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وفي عام 2023 -وهو أحدث عام ‍مع مقارنات الاتحاد الأوروبي- احتلت فرنسا المرتبة الثانية بمعدل خصوبة 1.65، خلف بلغاريا التي بلغ معدل خصوبتها 1.81.

وحذَّر المكتب الوطني للتدقيق العام ​الشهر الماضي من أن التحول الديموغرافي سيدفع الإنفاق العام إلى أعلى مستوياته في ⁠السنوات المقبلة، وذلك مع تآكل القاعدة الضريبية.

وقال الخبير الاقتصادي فيليب كريفيل، من «مركز بحوث سيركل ديبارن»: «نظراً لتقاعد الأجيال الكبيرة التي ولدت في الستينات، من المرجح أن تزداد التوترات في سوق العمل ومشكلات القوى العاملة بسرعة في السنوات المقبلة».

وعلى الرغم من أن عدد الوفيات يفوق عدد المواليد، فقد ارتفع عدد سكان فرنسا بشكل طفيف العام الماضي إلى 69.1 مليون ‌نسمة جرَّاء صافي الهجرة التي قدرها المعهد بما يصل إلى 176 ألف نسمة.


خيارات الأوروبيين لمواجهة أطماع ترمب في غرينلاند

رئيسة وزراء الدنمارك ميتيه فريدريكسن والمسؤول الغرينلاندي ينس فريدريك نيلسن خلال مؤتمر صحافي مشترك بالقصر الحكومي في كوبنهاغن الثلاثاء (أ.ب)
رئيسة وزراء الدنمارك ميتيه فريدريكسن والمسؤول الغرينلاندي ينس فريدريك نيلسن خلال مؤتمر صحافي مشترك بالقصر الحكومي في كوبنهاغن الثلاثاء (أ.ب)
TT

خيارات الأوروبيين لمواجهة أطماع ترمب في غرينلاند

رئيسة وزراء الدنمارك ميتيه فريدريكسن والمسؤول الغرينلاندي ينس فريدريك نيلسن خلال مؤتمر صحافي مشترك بالقصر الحكومي في كوبنهاغن الثلاثاء (أ.ب)
رئيسة وزراء الدنمارك ميتيه فريدريكسن والمسؤول الغرينلاندي ينس فريدريك نيلسن خلال مؤتمر صحافي مشترك بالقصر الحكومي في كوبنهاغن الثلاثاء (أ.ب)

تنص «المادة 42 - الفقرة السابعة»، من «معاهدة الاتحاد الأوروبي»، على ما يلي: «في حال تعرّضت دولةٌ عضو لعدوانٍ مسلّح على أراضيها، تلتزم الدول الأعضاء الأخرى تقديم العون والمساعدة بكل الوسائل المتاحة لها، وذلك وفق (المادة 51) من ميثاق الأمم المتحدة».

ومملكة الدنمارك عضو في «الاتحاد الأوروبي»، وبالتالي فإنها تحظى بـ«غطاء (المادة 42 - الفقرة السابعة)»، التي لم تفعّل سوى مرة واحدة في عام 2015 بطلب من فرنسا التي تعرضت حينذاك لموجة من الهجمات الإرهابية. بيد أن لجزيرة غرينلاند القطبية، التي يسعى الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، للاستحواذ عليها؛ إنْ سلماً أو باللجوء إلى القوة العسكرية، وفق ما أكده أكثر من مرة، وضعاً خاصاً؛ ذلك أنها لم تعد جزءاً من «الاتحاد الأوروبي»؛ بسبب نتيجة الاستفتاء الذي جرى في عام 1985 بحيث خسرت الانتماء إلى «الاتحاد الأوروبي» وتحولت إلى منطقة تتمتع بالحكم الذاتي داخل مملكة الدنمارك مع استمرار الروابط الدستورية والدفاعية بين الطرفين.

ورغم ذلك، فإن دول «الاتحاد الأوروبي» تعدّ نفسها معنية مباشرة بمصير غرينلاند؛ لسببين رئيسيين: الأول أن السيادة عليها تعود إلى الدنمارك؛ العضو في «الاتحاد الأوروبي». والثاني بسبب انتماء الدنمارك إلى «حلف شمال الأطلسي (ناتو)» الذي تنتمي إليه غالبية النادي الأوروبي، وبالتالي؛ فإنها تتمتع، كما الجزيرة القطبية، بضمانة «المادة الخامسة» بعكس «المادة 42 - الفقرة السابعة».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب متحدثاً للصحافة الثلاثاء قبل توجهه إلى مدينة ديترويت بولاية ميتشغان (رويترز)

حتى اليوم، اكتفى «الاتحاد الأوروبي» بالتصريحات؛ أبرزها جاء في بيان مشترك من 7 دول؛ هي: فرنسا، وألمانيا، وإسبانيا، وإيطاليا، وبولندا، والدنمارك، وأيضاً بريطانيا (من خارج الاتحاد)، يشدد على المبادئ الأساسية للقانون الدولي (احترم سيادة الدول وسلامة أراضيها، وحقوق الشعوب في تقرير مصيرها، وعدم جواز تغيير الحدود بالقوة...). والأهم أن البيان شدد على أن غرينلاند «تنتمي إلى شعبها»، وأنه «يعود إلى الدنمارك وغرينلاند وحدهما البتّ في المسائل التي تخصهما» مع التركيز على أهمية المحافظة على أمن القطب الشمالي وعلى دور «الحلف الأطلسي» في ذلك. وصدر عن «المفوضية الأوروبية» بيان شبيه ببيان «مجموعة السبع» هذه، التي تضم الدول الأوروبية الرئيسية السبع.

ترمب: الاستحواذ على غرينلاند «حاجة نفسية»

بكلام آخر، لم يتضح مطلقاً أن للأوروبيين خطة ما في مواجهة أطماع ترمب، الذي يبرر رغبته هذه بمنع الصين وروسيا من السيطرة على غرينلاند مما سيشكل تهديداً للأمن القومي الأميركي، مع إشارته إلى حاجة بلاده إلى ما يختزنه باطن الجزيرة من «معادن نادرة». ولم يتردد ترمب في تأكيد أنه يأمل إنهاء هذا الملف «خلال شهرين»، وأنه قد يجد نفسه مضطراً إلى الاختيار «بين الاستحواذ على الجزيرة، ومصير (حلف الأطلسي)»، في إشارة إلى التحذيرات الأوروبية التي نبهته إلى «انهيار الحلف» في حال أقدم على تنفيذ خطة الاستيلاء.

كل ما سبق استوعبه الأوروبيون. لكن ما فاجأهم ما نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» يوم 7 يناير (كانون الثاني) الحالي من تصريحات لترمب، في مقابلة طويلة استمرت ساعتين... فقد سُئل عن سبب عدم اكتفائه بإرسال مزيد من القوات الأميركية إلى غرينلاند، الأمر المتاح قانوناً بموجب اتفاق سابق مع الدنمارك، إذا كان هدفه التصدّي للتهديدات الأجنبية، فكان رده أنه لن يشعر بالارتياح ما لم يكن مالكاً للجزيرة. وقال ما حرفيته: «هذا ما أشعر أنه مطلوب نفسياً لتحقيق النجاح. أعتقد أن الملكية تمنحك أشياء لا يمكنك الحصول عليها؛ سواء عبر عقد إيجار ومعاهدة. الملكية تمنحك أموراً وعناصر لا يمكنك الحصول عليها بمجرد توقيع وثيقة، حتى لو كانت لديك قاعدة عسكرية». كذلك، فإن محللين أوروبيين يرون أن ترمب يريد أن يحفر اسمه إلى جانب الرؤساء الأميركيين الذين نجحوا في توسيع رقعة الأراضي الأميركية.

الخيارات الأوروبية: الدبلوماسية أولاً

يقول مصدر دبلوماسي أوروبي في باريس إن الأوروبيين «يجدون أنفسهم في وضع صعب، وعاجزين عن إيجاد وسيلة للوقوف في وجه رغبات ترمب؛ بسبب حاجتهم إليه في ملفَي أوكرانيا و(حلف الأطلسي). من هنا، فإنهم يسعون إلى اتباع استراتيجية مزدوجة تقوم، من جهة، على محاولة إقناعه بأنه يستطيع تحقيق كل رغباته من غير الحاجة إلى ضم أو احتلال غرينلاند. ومن جهة ثانية، يركزون على الأضرار المترتبة على (مغامرته)؛ إن على صعيد احترام المبادئ الدولية، أو مصير (حلف الأطلسي)، أو العلاقة بالدول الأوروبية، فضلاً عن توفير الحجج لدول أخرى مثل روسيا والصين للاحتذاء بما قد يقدم عليه ترمب».

الواضح أن الطرف الأوروبي لا يرغب مطلقاً في مواجهة واشنطن، وأنه يراهن على السبل الدبلوماسية لمعالجة المخاوف الأمنية الأميركية، من خلال التذكير بأن «معاهدة الدفاع الأميركية - الدنماركية»، القائمة منذ عام 1951، التي جرى تحديثها في 2004، تسمح أصلاً بتوسيع كبير للوجود العسكري الأميركي على الجزيرة، بما في ذلك إنشاء قواعد جديدة.

من جانب آخر، يدفع الأوروبيون باتجاه عدّ أن مسؤولية الدفاع عن غرينلاند وعن أمن القطب الشمالي تقع على عاتق «حلف الأطلسي» الذي تتزعمه واشنطن. وبمعنى ما، يريد الأوروبيون، ومعهم مارك روته، الأمين العام لـ«حلف الأطلسي»، سحب البساط الأمني من تحت رجلَي ترمب، فيما سلطات كوبنهاغن وغرينلاند تؤكد انفتاحها على أي استثمارات أميركية في الجزيرة القطبية. كذلك يسعى الأوروبيون إلى إقناع سكان غرينلاند بأنهم قادرون على ضخ استثمارات توازي أو تتقدم على وعود الاستثمارات التي يغدقها ترمب وفريقه عليهم. وتخوف الأوروبيين عنوانه احتمال أن يختار السكان الانفصال عن الدنمارك في استفتاء مقبل؛ مما يسهل «مهمة الإغراء التِّرَمْبِيَّة». ووفق مشروع أولي لـ«المفوضية الأوروبية»، فإن «بروكسل» تقترح مضاعفة المنحة السنوية المعطاة لغرينلاند.

ركاب طائرة حطت في مطار نوك عاصمة غرينلاند الاثنين (أ.ب)

عقوبات وانتشار عسكري

إذا تبين للأوروبيين أن الإقناع والتحذير لا يكفيان، فإن كثيرين يدعون إلى رفع سلاح العقوبات الاقتصادية في وجه واشنطن، مذكرين بأن «الاتحاد» يمثل الشريك الاقتصادي والتجاري الأول للولايات المتحدة، ويشكل سوقاً من 450 مليون مستهلك. وبفضل ما سبق، يستطيع الأوروبيون التأثير على الاقتصاد الأميركي؛ لا بل الذهاب إلى فرض عقوبات عليه، وصولاً إلى التهديد بإجراءات «انتقامية» تتراوح بين إغلاق القواعد العسكرية الأميركية في أوروبا، ومنع الأوروبيين من شراء السندات الحكومية الأميركية، وحتى استخدام ما تسمى «أداة مكافحة الإكراه» في «الاتحاد الأوروبي» التي تمنح «المفوضية الأوروبية» صلاحية حظر السلع والخدمات الأميركية في سوق «الاتحاد»، وفرض رسوم جمركية، وسحب حقوق الملكية الفكرية، ومنع الاستثمارات... بيد أن هذه الإجراءات ثنائية النصل؛ إذ إنها تصيب الاقتصاد الأوروبي في الصميم؛ بسبب التداخل بين الطرفين، وبالنظر إلى أن أي إجراءات سيكون الرد الأميركي عليها سريعاً. وللتذكير؛ فإن ترمب نجح في فرض اتفاقية تجارية على «الاتحاد الأوروبي» تتضمن فرض رسوم بنسبة 15 في المائة على الصادرات الأوروبية. وليس مؤكداً أن كل الدول الأوروبية ستوافق على عقوبات من هذا النوع.

إذا كان «آخر الدواء الكَيّ»، فإن المتاح لأوروبا استباق أي محاولة أميركية، بنشر قوة عسكرية أوروبية في غرينلاند، بحيث تعدّ ورقة ضمانات للجزيرة القطبية، ولتضع واشنطن في وضع حرج؛ حيث على قواتها أن تقاتل قوة «أوروبية - أطلسية». وهذا الخيار طرحه وزير الخارجية الفرنسي، جان نويل بارو، العام الماضي، وتبنته الحكومة الألمانية، وذكره مفوض الدفاع في «الاتحاد الأوروبي»، آندريوس كوبيليوس، الاثنين، حيث أشار إلى أن «الاتحاد» قادر على توفير مزيد من الأمن لغرينلاند إذا طلبت الدنمارك ذلك، بما في ذلك إرسال قوات وبنية تحتية عسكرية، مثل السفن الحربية، وقدرات لمكافحة الطائرات المسيّرة.

تجد أوروبا نفسها أمام «حائط» أميركي صعب الاجتياز، وأن «امتحان غرينلاند» ستكون له، دون شك، تبعات كبيرة على جانبي «الأطلسي»، وعلى مستقبل «الاتحاد الأوروبي»، وعلى كيفية تعزيز قدراته ليدافع على الأقل عن مصالحه وأعضائه.