إسرائيل تهاجم «الشفاء» مستهدفة تقويض دور «حماس» بالمساعدات

أعلنت قتل المبحوح وعدّته «مسؤول عمليات»

سيدة فلسطينية وأطفالها يفرّون (الاثنين) من قصف إسرائيلي استهدف وسط مدينة غزة (أ.ف.ب)
سيدة فلسطينية وأطفالها يفرّون (الاثنين) من قصف إسرائيلي استهدف وسط مدينة غزة (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تهاجم «الشفاء» مستهدفة تقويض دور «حماس» بالمساعدات

سيدة فلسطينية وأطفالها يفرّون (الاثنين) من قصف إسرائيلي استهدف وسط مدينة غزة (أ.ف.ب)
سيدة فلسطينية وأطفالها يفرّون (الاثنين) من قصف إسرائيلي استهدف وسط مدينة غزة (أ.ف.ب)

هاجمت إسرائيل (الاثنين) مجدداً مستشفى «الشفاء» وهو أكبر مبنى طبي في مدينة غزة لأكثر من 12 ساعة وحولت أروقته ومحيطه ساحة حرب، في عملية قالت مصادر بالفصائل الفلسطينية لـ«الشرق الأوسط» إنها تستهدف ضرب «سيادة حماس» في مدينة غزة وتقويض محاولاتها لـ«استعادة السيطرة» وممارسة دور بملف إدخال المساعدات في المدينة التي كانت معقلاً لنشاطها قبل 7 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

وأعلن الجيش الإسرائيلي، (الاثنين) أنه قتل خلال هجومه على مستشفى «الشفاء» العميد فائق المبحوح، وعدّه «مسؤول العمليات» في جهاز الأمن الداخلي التابع لحكومة «حماس»، كما أكد اعتقال آخرين وجّه إليهم تهماً بالعمل مع «حماس»، وأقرّ كذلك مقتل جندي تابع له.

وقال ناطق باسم الجيش الإسرائيلي: «إنه بعد ورود معلومات استخباراتية من جهاز الأمن العام وهيئة الاستخبارات العسكرية بشأن تواجد عدد من مسؤولي (حماس) في مستشفى الشفاء، وفي إطار مداهمة قوات الجيش وجهاز الأمن العام (الشاباك) المكان تم القضاء على المدعو فائق المبحوح، رئيس مديرية العمليات التابعة لجهاز الأمن الداخلي في منظمة (حماس الإرهابية)». وداهم الجيش الإسرائيلي «الشفاء» وطلب من المبحوح تسليم نفسه، لكنه رفض فاندلع اشتباك عنيف.

فلسطينيون يساعدون رجلاً أصيب (الاثنين) بعد قصف إسرائيلي على وسط غزة (أ.ف.ب)

وعرّف الناطق باسم الجيش الإسرائيلي، المبحوح بأنه كان «مسؤولاً عن قسم عمليات الأمن الداخلي، وعن أنظمة (حماس) في العمليات الروتينية والقتالية».

لكن بياناً عن «المكتب الإعلامي الحكومي» في غزة قال إن «المبحوح القيادي بـ(حماس) كان يتولى مهمة التنسيق مع العشائر، ووكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) لإدخال وتأمين المساعدات الإنسانية لشمال القطاع».

ونقل البيان أن «استهداف إسرائيل للمبحوح يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك بأنه يسعى بكل قوة إلى نشر الفوضى في قطاع غزة، وإلى منع تسهيل وصول المساعدات الإنسانية إلى مئات آلاف الجوعى في محافظتي غزة والشمال»، مشيراً أن «قتل المبحوح جاء بعد يومين من نجاح جهود إدخال 15 شاحنة مساعدات إلى شمال غزة».

«السيادة المتبقية»

وقالت مصادر فلسطينية في الفصائل في قطاع غزة لـ«الشرق الأوسط»: إن «عملية إسرائيل كانت تستهدف ضرب سيادة (حماس) المتبقية في المدينة». وأضافت أن «العميد المبحوح كان مسؤولاً عن عمليات الشرطة في قطاع غزة، بما في ذلك تأمين وصول شاحنات المساعدات وتوزيعها. وكان على اتصال مع (أونروا) ومع العشائر».

ورأت المصادر أن «إسرائيل لا تريد ذلك. لا تريد أي دور لـ(حماس)؛ فهي تستهدف سلطة الحركة، وتريد تعزيز الفوضى من خلال محاولة فرض جهات أخرى مسلحة كسلطة مسؤولة عن المساعدات».

وتحاول إسرائيل دفع عشائر وعائلات ومسلحين لتنظيم عملية توزيع المساعدات، لكن معظمهم يرفض الانخراط إلا «من خلال التنسيق مع أجهزة الأمن التي كان المبحوح أحد أهم المسؤولين فيها».

فلسطينيون يتجمعون (الاثنين) لتلقي مساعدات خارج مستودع لـ«أونروا» في غزة (رويترز)

وزعم الجيش الإسرائيلي أنه «تحرك بناءً على معلومات حول استخدام مسؤولين كبار في (حماس) للمستشفى مركزاً للقيادة والتخطيط لتنفيذ أنشطة».

وقال الناطق باسم الجيش الإسرائيلي دانييل هغاري: «نحن نعلم أن (مخرّبي حماس) أعادوا تجميع صفوفهم داخل المستشفى، ويستخدمونه لقيادة الهجمات ضد إسرائيل».

وبدأت العملية في حوالي الساعة 2:30 فجراً، حيث قامت قوات من اللواء 401 مدرع التابع للجيش الإسرائيلي وقوات خاصة أخرى، إلى جانب جهاز الأمن العام (الشاباك)، بتطويق المستشفى، قبل أن يندلع اشتباك مسلح واسع قُتل فيه المبحوح وآخرون، والرقيب الإسرائيلي ماتان فينوغرادوف (20 عاماً)، من الكتيبة 932 في لواء «ناحل».

ساحة حرب

وحوّل الهجوم الإسرائيلي مستشفى «الشفاء» ساحة حرب، وأظهرت لقطات فيديو تبادلاً لإطلاق النار في محيط المستشفى، والمناطق المجاورة، وقنبلة على جانب الطريق تم تفجيرها ضد مركبة مدرعة إسرائيلية.

وخلال الهجوم أجبر الجيش الإسرائيلي السكان المقيمين بالقرب من المستشفى وسكان حي الرمال القريب في مدينة غزة على إخلاء المنطقة والتوجه إلى «المنطقة الإنسانية» في المواصي على ساحل جنوب غزة.

ونشر المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي باللغة العربية أفيخاي أدرعي خريطة مرفقة بالإعلان للمناطق التي يجب إخلاؤها. وقال إنه «يتعين على المدنيين إخلاء المنطقة والتوجه جنوباً عبر الطريق الساحلية للقطاع».

نازحون فلسطينيون يفرّون (الاثنين) من منطقة قرب مستشفى «الشفاء» بغزة (أ.ف.ب)

لكن بعد ساعات عدة من بدء العملية، قال الجيش الإسرائيلي إنه «سيطر على المنطقة، حيث حاصرت القوات مباني عدة في مجمع الشفاء، وبدأت استجواب معتقلين في المستشفى». مؤكداً أنه اعتقل نحو 80 مشتبهاً بهم. وزعم الجيش أن بعض الذين تم القبض عليهم كانوا «عناصر في (حماس)».

وهذا ثاني هجوم واسع تنفذه إسرائيل في مجمع الشفاء. والعام الماضي نفذ الجيش هجوماً على المجمع في الخامس من نوفمبر (تشرين الثاني)، وعرض لاحقاً ما قال إنها أدلة تدعم إدعاءاته منذ فترة طويلة بأن «حماس» تستخدم مستشفى الشفاء كمركز عمليات وقيادة رئيسي، وأن المستشفى يقع فوق أنفاق تضم مقار لمقاتلي الحركة. واستكمل تدمير الأنفاق الواقعة تحت منطقة الشفاء في ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

لكن الفلسطينيين رفضوا اتهامات ومبررات إسرائيل، كما رفضت منظمة «الصحة العالمية» أن تتحول أي مستشفى أرض معركة.

دعوات وقف الحرب

وقال رئيس «المجلس الوطني الفلسطيني» روحي فتوح: إن «قيام جيش الاحتلال الفاشي بحصار وقصف مستشفى الشفاء في مدينة غزة للمرة الثانية بعد تدميره بالحصار الأول، وقتله العشرات من الأبرياء خلال حرب الإبادة والتطهير العرقي، هو رد واضح من حكومة نتنياهو على المواقف الدولية والأوروبية التي تطالب بوقف الحرب الوحشية الدموية على شعبنا الفلسطيني».

وأضاف أن «ما يحدث بالمرافق الطبية ومستشفى الشفاء هو جريمة حرب، وانتهاك فاضح وصارخ للقانون الدولي واتفاقيات جنيف».

وفي حين نفت الفصائل الفلسطينية استخدام المستشفيات لأغراض عسكرية، أدانت «حماس» اقتحام قوات الاحتلال لمجمع الشفاء وقالت إن ما حدث «تعبير عن حالة التخبط والارتباك وفقدان الأمل بتحقيق أي إنجاز عسكري غير استهداف المدنيين العزل».

واتهمت «حماس» المجتمع الدولي بالاستمرار في «إعطاء الضوء الأخضر لإسرائيل للاستمرار في الحرب».

أما «منظمة الصحة العالمية»، فأعربت عن قلقها بعد الهجوم على «مجمع الشفاء» محذرة من أن المعارك «تعرّض العاملين في مجال الصحة والمرضى والمدنيين إلى الخطر».

وأكد مدير المنظمة تيدروس أدهانوم غيبريسوس أن «المستشفيات يجب ألا تكون أراضي للمعارك». محذراً من أن «أي أعمال عدائية أو عسكرة للمنشأة تعرض للخطر الخدمات الصحية ووصول سيارات الإسعاف وإيصال الإمدادات المنقذة لحياة السكان».


مقالات ذات صلة

اتصالات مصرية لتنسيق المواقف بشأن غزة قبل انعقاد «مجلس السلام»

شمال افريقيا ترمب وقادة وممثلو الدول المشاركة في التوقيع على الميثاق التأسيسي لـ«مجلس السلام» في دافوس يوم 22 يناير 2026 (أ.ف.ب)

اتصالات مصرية لتنسيق المواقف بشأن غزة قبل انعقاد «مجلس السلام»

كثفت مصر اتصالاتها مع دول عربية وإسلامية لتنسيق المواقف بشأن المستجدات في قطاع غزة قبل انعقاد «مجلس السلام».

وليد عبد الرحمن (القاهرة )
المشرق العربي لافتة لـ«حماس» تحمل شعار «نحن الطوفان... نحن اليوم التالي» خلال تسليم دفعة من الأسرى الإسرائيليين (أرشيفية - أ.ف.ب)

بعد عامين من الحرب... ما حصيلة صفقات تبادل الأسرى بين إسرائيل و«حماس»؟

شهدت الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، التي استمرت لعامين، 3 صفقات تبادل أسرى بين تل أبيب و«حماس» التي اختطفت 252 شخصاً ما بين إسرائيليين وأجانب.

«الشرق الأوسط» (غزة)
شؤون إقليمية مطار بن غوريون في تل أبيب (أرشيفية - رويترز)

تقرير: «نزيف العقول» يُزعج إسرائيل ومخاوف من عدم عودتهم

تسود حالة من القلق في إسرائيل جراء هجرة أصحاب المهارات العالية والدخل المرتفع خلال الحرب التي شنتها تل أبيب على قطاع غزة بعد هجوم حركة «حماس» على إسرائيل.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي فتاة نازحة تسير أمام خيمة عائلتها وسط أنقاض بحي الزيتون في مدينة غزة أمس (إ.ب.أ)

مفوض «الأونروا»: معاناة غزة لا تُحتمل

وصف المفوض العام لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، فيليب لازاريني، ما جرى في قطاع غزة خلال الحرب الإسرائيلية بأنه «أمر يفوق الوصف».

عبد الهادي حبتور (الرياض)
شؤون إقليمية جنديان إسرائيليان يشغلان طائرة مسيّرة (الجيش الإسرائيلي)

فضيحة أمنية إسرائيلية... ضباط دخلوا مراهنات عالمية بناء على معلوماتهم العسكرية

 سمحت المحكمة المركزية في تل أبيب الخميس بنشر معلومات عن قيام ضباط بالجيش باستغلال مواقعهم الحساسة للدخول في مراهنات عالمية رابحة مادياً

نظير مجلي (تل أبيب)

محاولات «حماس» للاندماج داخل «إدارة غزة» تواجه رفضاً

يقوم الناس بملء خزانات المياه من صهريج متنقل في مخيم المغازي للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
يقوم الناس بملء خزانات المياه من صهريج متنقل في مخيم المغازي للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

محاولات «حماس» للاندماج داخل «إدارة غزة» تواجه رفضاً

يقوم الناس بملء خزانات المياه من صهريج متنقل في مخيم المغازي للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
يقوم الناس بملء خزانات المياه من صهريج متنقل في مخيم المغازي للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

تتحدث حركة «حماس» في خطابات عديدة عن أنها مستعدة لتسليم «لجنة إدارة قطاع غزة» مهامها فوراً، غير أن هذا الأمر لم يحدث إلى الآن في ظل رفض إسرائيل دخولها للقطاع، في حين يكشف مصدر فلسطيني تحدث لـ«الشرق الأوسط»، أن الحركة تحاول دمج عناصرها، لا سيما الشرطية، داخل اللجنة، وهذا يلقى رفضاً من اللجنة.

ذلك التشبث بالوجود في «اليوم التالي» للحرب من «حماس»، كما يراه المصدر الفلسطيني المقرب من اللجنة، يؤكده مصدر مصري مطلع في حديث لـ«الشرق الأوسط»، مشيراً إلى أن الحركة تقدم خطاباً علنياً مخالفاً للواقع، وتريد أن تضمن اندماج آلاف العناصر وتأمين رواتبهم، وهذا لا يلقى رفض اللجنة فقط، بل يلقى رفضاً إسرائيلياً - أميركياً واضحاً.

ويشير المصدر المصري إلى أن إسرائيل تنتهج أسلوب «حماس» أيضاً، وتعطل دخول اللجنة لتسلّم مهامها حتى الآن، وسط مساعٍ للوسطاء، لا سيما من القاهرة، لضمان عمل اللجنة بشكل مستقل كما هو متفق عليه.

وحاولت «الشرق الأوسط» التواصل مع الحركة للتعقيب إلا أنها لم تتلقَّ رداً، في حين أكدت أكثر من مرة في الأسابيع الأخيرة في بيانات رسمية استعدادها لتسليم مهامها لـ«لجنة إدارة غزة»، كما صرح الممثل السامي لـ«مجلس السلام في غزة»، نيكولاي ميلادينوف، في 17 يناير (كانون الثاني) بشأن عمل اللجنة قائلاً: «سنعمل مع الوسطاء وجميع الأطراف لتهيئة الظروف التي تمكن لجنة التكنوقراط الفلسطينية من تسلّم مسؤولياتها».

وسبق أن كشفت صحيفة «تايمز أوف إسرائيل» في 29 يناير الماضي، أن «إسرائيل تُقدّر أن (حماس) ستنقل شكلياً إدارة غزة إلى لجنة تكنوقراط فلسطينية جديدة، لكنها ستبقى مسيطرة فعلياً على الأرض في المدى القريب، مع بقاء عشرات آلاف المسلحين وأجهزة الأمن وموظفين رئيسيين».

ويعتقد أستاذ العلوم السياسية، والمتخصص في الشأن الفلسطيني والإسرائيلي، الدكتور طارق فهمي، أن «حماس» تريد أن تشتري الوقت وتنفذ خطة إشغال بتقديم خطاب علني مخالف لما تسعى له فعلياً، وهذا يهدد «اتفاق غزة»، كما تهدده إسرائيل برفض دخول اللجنة للقطاع.

ويرى المحلل السياسي الفلسطيني، عبد المهدي مطاوع، أن «حماس» تسعى للسيطرة على غزة من الداخل، مطبقة مقولة «تركنا الحكومة»، ولكنها فعلياً لم تترك الحكم، وذلك عبر كوادرها المنتشرين في الصحة والتعليم والشرطة، لافتاً إلى أن سعي اللجنة للاتفاق مع شركات أمن خاصة يؤكد المسار.

وأشار إلى أن «هناك مخاوف من أن الحركة قد تحرص على بقاء الأسلحة الخفيفة في أي اتفاق لنزع السلاح بخلاف دمج عناصرها في الشرطة، باعتبار أنه قد يُسمح لها بتكرار ما فعلته في انقلاب 2005 عبر عناصرها المسلحة بالسيطرة على القطاع».

يجلس صبي على كومة من الأنقاض والنفايات في مخيم المغازي للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

وهذا الرفض المحتمل لإدماج عناصر «حماس» يوازي تحركاً أميركياً لنشر «قوة استقرار دولية»، مع نزع سلاح «حماس»، وإعلان ذلك في اجتماع «مجلس السلام» الأول في 19 فبراير (شباط) الحالي، بخلاف دعم خطط للإعمار، وفق ما كشفه مسؤولان أميركيان كبيران لـ«رويترز» الجمعة.

وتشمل أجندة الاجتماع تقارير مفصلة عن عمل اللجنة الوطنية لإدارة غزة، التي أُنشئت مؤخراً لتولي الإدارة المدنية اليومية للقطاع خلفاً لـ«حماس»، والتي عقدت اجتماعها الأول في يناير وأعلنت تشكيلها.

ويعتقد فهمي أن واشنطن ستعمل على نشر «قوات الاستقرار» لدعم عمل اللجنة، ومنح القوات حق نزع سلاح «حماس» إن استمرت الحركة في المماطلة، بل قد تمنح إسرائيل حق تنفيذ عمليات موسعة في هذا الصدد، مؤكداً أن هذا سيتضح فعلياً عقب اجتماع «مجلس السلام» ورؤية مخرجاته، في ظل أولويات الرئيس الأميركي دونالد ترمب المرتبطة بملف إيران على مدار هذا الشهر.

ويرجح مطاوع أن يستمر ترمب وإسرائيل في خطتهما لتغيير هوية قطاع غزة بطرح ملف الإعمار، وبالتالي لا مكان لـ«حماس» بأي شكل، وأي حديث خلاف ذلك على أرض الواقع هو تهديد لـ«اتفاق غزة» وتعطيله، لافتاً إلى أن «حماس» تلعب على عامل الوقت، وأن هناك انتخابات بإسرائيل قد تأتي بتغيير يعطيها فرصة الوجود، وكذلك تلعب على مدة رئاسة الرئيس الأميركي، وأنها ستبقى بعدها، وهذا محض خيال لديهم، ولن يُقبل لا أميركياً ولا إسرائيلياً، و«سنعود للحرب مجدداً».


مصادر درزية غير متفائلة بحل أزمة السويداء في القريب المنظور

سوريون يرفعون لافتات في «ساحة الكرامة» المركزية بمدينة السويداء في جنوب سوريا 25 فبراير 2025 (أ.ف.ب)
سوريون يرفعون لافتات في «ساحة الكرامة» المركزية بمدينة السويداء في جنوب سوريا 25 فبراير 2025 (أ.ف.ب)
TT

مصادر درزية غير متفائلة بحل أزمة السويداء في القريب المنظور

سوريون يرفعون لافتات في «ساحة الكرامة» المركزية بمدينة السويداء في جنوب سوريا 25 فبراير 2025 (أ.ف.ب)
سوريون يرفعون لافتات في «ساحة الكرامة» المركزية بمدينة السويداء في جنوب سوريا 25 فبراير 2025 (أ.ف.ب)

مع حالة الترقب الشديد السائدة بين أوساط المراقبين والمحللين والسوريين عموماً، إزاء مصير أزمة محافظة السويداء، ذات الأغلبية الدرزية، والواقعة جنوب البلاد، لم تُبدِ مصادر في المحافظة تفاؤلاً بحلٍّ في القريب المنظور؛ لأن «مفتاح الحل بيد إسرائيل والولايات المتحدة»، وواشنطن «تتمهل ولا تمارس ضغطاً سياسياً على تل أبيب».

واتجهت الأنظار إلى السويداء، بعد النجاح الكبير الذي حققه الجيش الحكومي السوري في شمال وشرق البلاد بمواجهة «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)»، وتفكيك «الإدارة الذاتية» التي أقامها الأكراد هناك، لكن الوقائع تشير إلى استمرار حالة الاستعصاء السياسي بين الحكومة السورية من جهة، وشيخ العقل حكمت الهجري وما يُعرف بـ«قوات الحرس الوطني» التابعة له من جهة ثانية.

قادة «الحرس الوطني» في السويداء يتوسطهم الشيخ حكمت الهجري (أرشيفية-فيسبوك)

في ظل هذه التطورات، يلفت الانتباه غياب الحديث كلياً عن «خريطة الطريق» التي جرى الإعلان عنها من دمشق بدعم أميركي وأردني، في سبتمبر (أيلول) الماضي، لحل أزمة السويداء التي انفجرت في اشتباكات دامية خلال يوليو (تموز) الماضي، بين فصائل مسلَّحة درزية من جهة، ومسلَّحين من عشائر البدو وقوات أمن سورية من جهة ثانية، وسقط خلالها عشرات القتلى من جميع الأطراف، وتدخلت إسرائيل عسكرياً في الاشتباكات بزعم «حماية الدروز».

مصدر درزي في مدينة السويداء سبق أن جرى التواصل معه من قِبل شخصيات رسمية أردنية، منتصف نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، حيث كانت عمان تُجري تحضيرات لعقد اجتماع في المملكة لوفد من أهالي السويداء، من أجل بحث تطبيق «خريطة الطريق»، وجرت دعوته للمشاركة فيه، كشف أن آخِر اتصال تلقّاه من عمان مضى عليه نحو الشهر، وجرى خلاله الاطمئنان عليه، والاستفسار عن الوضع بشكل عام في السويداء، دون أن يتطرق الحديث إلى «خريطة الطريق».

وأضاف المصدر، لـ«الشرق الأوسط»: «لقد أوضحت، خلال الاتصال، للجانب الأردني أن الوضع في السويداء لا يزال على حاله، ولم يحصل أي تطور، فحالة الاستعصاء ما زالت قائمة».

وزيرا خارجية الأردن وسوريا والمبعوث الأميركي توم برّاك خلال مؤتمر صحافي بدمشق أعلنت فيه «خريطة طريق السويداء» سبتمبر الماضي (إ.ب.أ)

وفي اليوم نفسه، الذي جرى الكشف فيه عن التحضيرات الأردنية، نشر مصدر مقرَّب من الهجري، في حسابه على موقع «فيسبوك»، نفياً للمشاركة في الاجتماع بقوله: «لا علاقة للسويداء ولقائدها الشيخ الهجري بالوفد»، علماً بأن الهجري سبق أن رفض «خريطة الطريق» للحل.

المصدر الدرزي في مدينة السويداء، وفي تصريحه، رأى أن مفتاح حل الأزمة في السويداء «بيد إسرائيل وأميركا، ومن ثم يجب الضغط على تل أبيب من أجل الضغط على الهجري، وكذلك الضغط على شخصيات درزية داخل إسرائيل تدفع باتجاه تعطيل الحل، عبر تقديمها وعود الانفصال للهجري، من أجل التوقف عن ذلك، ومنهم أيوب قرا، ومندي الصفدي، وأكرم حسون... ».

وأضاف: «لديّ شعور بأن أميركا لا تتعامل بحزم مع موضوع تنفيذ خريطة الطريق، وتتمهل في ذلك»، لكنه استدرك بالقول: «هي تريد حل الأزمة، ولكن حالياً لا تمارس ضغطاً سياسياً من أجل ذلك».

مصدر آخر في مدينة السويداء عَدّ، لـ«الشرق الأوسط»، أن «خريطة الطريق» هي «الحل الواقعي والمفروض من المجتمع العربي والدولي للأزمة، لكن المشكلة تكمن في كيفية تطبيق هذه الخريطة، والجهة الوازنة في السويداء التي ستتبناها كتيار مواز للهجري، ولا سيما أن أصواتاً عدة تسعى لتبنّيها، لكنها تصطدم بحالة القمع السائدة».

كما «تخشى التيارات الوطنية في السويداء من تبنّي أي موقف بسبب حالة القمع من جهة، وعدم الثقة بالحكومة من جهة أخرى»، وفقاً للمصدر، الذي أكد أن «الجميع يدور في دائرة مغلقة».

استعراض عسكري لمقاتلين من «الحرس الوطني» بمدينة السويداء 26 سبتمبر 2025 (متداولة)

يُذكر أن الحكومة السورية بدأت، بعد الإعلان عن «خريطة الطريق»، تنفيذ بنودها، في مسعى لحل الأزمة، إذ فتحت طريق دمشق-السويداء، وأمَّنت الحماية له، مع إرسالها، بشكل يومي، قوافل المساعدات الإغاثية والإنسانية والطبية والطحين والمحروقات. كما أفرجت عن عشرات المحتجَزين الدروز، بالإضافة إلى عملها المستمر لإرسال رواتب الموظفين الحكوميين، وتعاونها مع لجنة التحقيق الأممية التي زارت المحافظة مرتين.

بَيد أن خطوات الحكومة لم تقابَل بالمثل من قِبل الهجري الذي استمر في إصدار بيانات مُعادية لدمشق، والمطالبة بانفصال السويداء عن الدولة السورية.

ويسيطر الهجري و«الحرس الوطني» على أجزاء واسعة من السويداء، ضِمن السعي لما يسمى «دولة باشان» في المحافظة بدعم من إسرائيل، بعد رفض «خريطة الطريق»، ومبادرات للحل أطلقها لاحقاً محافظ السويداء مصطفى البكور.


الدروز في إسرائيل يطلبون الحماية من الإجرام

مواطنون عرب يتظاهرون في إسرائيل احتجاجاً على انتشار الجريمة بالبلدات العربية (أرشيفية - أ.ف.ب)
مواطنون عرب يتظاهرون في إسرائيل احتجاجاً على انتشار الجريمة بالبلدات العربية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

الدروز في إسرائيل يطلبون الحماية من الإجرام

مواطنون عرب يتظاهرون في إسرائيل احتجاجاً على انتشار الجريمة بالبلدات العربية (أرشيفية - أ.ف.ب)
مواطنون عرب يتظاهرون في إسرائيل احتجاجاً على انتشار الجريمة بالبلدات العربية (أرشيفية - أ.ف.ب)

في أعقاب قتل الشيخ الدرزي نجيب أبو الريش (42 عاماً)، أعلن المجلس المحلي في بلدة يركا، الواقعة في شمال إسرائيل، الجمعة، الإضراب الشامل، الأحد المقبل، على خلفيّة جرائم القتل التي شهدتها البلدة مؤخراً، ضمن مسلسل أفعال منظمات الإجرام.

وقال عدد من قادة الطائفة العربية الدرزية في إسرائيل إن حكومة بنيامين نتنياهو، التي تتبجح في الحديث عن كذبة «حلف الدم مع الدروز»، وتهدد بحرب بحجة مساندتها للدروز في سوريا، وهي تعجز عن حماية سكانها الدروز، الذين يُقتلون برصاص تم الحصول عليه من مخازن الجيش.

وقال عضو الكنيست (البرلمان)، حمد عمار، وهو من حزب أفيغدور ليبرمان، إن الشيخ أبو الريش هو سابع مواطن درزي يُقتل بالجريمة المنظمة خلال السنتين، وهو الضحية العربية رقم 46 منذ مطلع هذه السنة، «فإذا لم يكن قتلهم بمثابة تعبير عن عجز الشرطة وتقاعسها فهو دليل على تآمر ضدنا. فلا يُعقل أن يُقتل هذا العدد الهائل من المواطنين والحكومة تتعامل مع الموضوع وكأنها تسجّل بروتوكولاً وتعد الجثث، تتقاعس عن القيام بدورها في اقتلاع الظاهرة».

مواطن عربي في إسرائيل يحمل لافتة تطالب بوقف الجرائم ضد العرب خلال مظاهرة في تل أبيب (أرشيفية - رويترز)

وكانت الساعات الأربع والعشرون الأخيرة قد شهدت عدة جرائم قتل أسفرت عن مقتل 6 مواطنين عرب من المواطنين في إسرائيل. وهم: محمد قاسم (48 عاماً) من الفريديس، ومختار أبو مديغم (22 عاماً) من رهط، والشيخ نجيب أبو الريش (42 عاماً) من يركا، وفريد أبو مبارك (20 عاماً) من شقيب السلام، وحسن أبو رقيق (60 عاماً)، ووفاء عواد (55 عاماً).

وعلى الرغم من اختلاف ظروف القتل التي يستخدمها القتلة، فإن ما يجمع بينها هو أن ضحاياها عرب. والحكومة تتعامل معهم من منطلق عنصري.

وأعربت لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية عن إدانتها الشديدة لهذه الجرائم وقالت إن «هذا التصعيد الخطير في جرائم القتل والعنف ليس حدثاً عابراً، بل نتيجة مباشرة لسياسات الدولة والحكومة والشرطة، المتمثلة في عدم ردع المجرمين وتركهم يعيثون فساداً». وأشارت إلى «غياب قرار حكومي رسمي وحاسم بسحق منظمات الإجرام، وانعدام خطط جدية لمكافحة الجريمة والعنف والابتزاز، إلى جانب اتباع سياسة شبه رسمية بعدم التعامل الحازم مع المجرمين، الأمر الذي يغيّب الردع ويمنحهم عملياً (حرية العمل) في ارتكاب الجرائم».

وشدّدت لجنة المتابعة على «تحميل الحكومة والشرطة المسؤولية الكاملة عن استمرار حالة الانفلات الأمني، في ظل التقاعس عن تفكيك عصابات الإجرام، وجمع السلاح غير القانوني، ومكافحة شبكات الابتزاز والسوق السوداء». وذكرت أن «الامتناع عن محاربة الجريمة من قبل أجهزة الدولة يُعدّ دعماً لها، وأن من يستطيع منع الجريمة ولا يمنعها، يُعتبر شريكاً كاملاً فيها».

متظاهرون عرب في إسرائيل يحملون لافتات تحمّل حكومة نتنياهو المسؤولية عن تفشي الجرائم ضدهم خلال مظاهرة في تل أبيب (أرشيفية - أ.ف.ب)

وطرح رئيس لجنة المتابعة، الدكتور جمال زحالقة، عدداً من المطالب التي ينبغي تبنيها والعمل لأجلها فوراً، وهي: تفكيك منظمات الإجرام بصورة منهجية وحاسمة، وكشف الحقيقة في جميع ملفات القتل دون استثناء وتسريع الإجراءات القانونية، وجمع السلاح غير القانوني، ومحاربة الجريمة الاقتصادية وتجفيف مصادر تمويلها، ومعالجة الجذور الاجتماعية والاقتصادية للأزمة من خلال استثمار جدي في التعليم، والتشغيل، والتخطيط، وتعزيز فرص الشباب.

وفي يركا، قال المجلس المحلي إن «الإضراب يشمل: المجلس المحلي، وجميع المؤسّسات التّعليميّة، بما في ذلك المدارس، والتعليم الخاص، والبساتين، والروضات، والحضانات، والحضانات البيتيّة وكل الفعاليات اللامنهجية. وجميع المرافق الصحية وصناديق المرضى، وجميع المحلات التجارية الكبيرة والصغيرة، والمصانع، ومعارض السيارات من دون استثناء».

وأصدر الشَّيخ موفّق طريف، الرَّئيس الرُّوحيّ للطّائفة الدُّرزيّة، بيانا جاء فيه: «بسم الله الرّحمن الرّحيم. قال تعالى: (مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ في الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً). استيقظ المجتمع صباح اليوم (الجمعة) على نبأ جريمة قتل أخرى مروعة الليلة الماضية راح ضحيّتها الشيخ نجيب أبو ريش من يركا. للأسف، لقد أضحى القتل في مجتمعنا إرهاباً منظماً ووَرَماً سرطانيّاً مزمناً متفشياً بشكل رهيب، لا يفرّق بين صغير وكبير وبين بلدة وأخرى بين شاب ورجل دين، يمرّ على آذاننا مرور الكرام وسطَ (تعوّدٍ) مجتمعيّ غريب. إنّ مسؤوليّة ضبط القانون وحفظ الأمان ومكافحة الجريمة تقع على الشّرطة والحكومة والمحاكم في مواجهة الإجرام والعنف. لا يُعقل أنْ تبقى مئات من عمليّات القتل مع صفر مُعتقلين وصفر عقوبات، وعدّاد الضّحايا مستمرّ. لا يُعقل أن يُقتل أبرياء لا ناقة لهم ولا جمل في وسط قراهم وفي بيوتهم وفي طريقهم إلى العمل. لا يُعقل أن تُزهق روح أبرياء دون أي رادع. علينا كمجتمع أن نُسمع صوتنا عالياً ضدّ العنف والقتل والجرائم، والتعبير الواضح والصريح رفضنا القطعيّ للعنف على اختلاف أشكاله، موصلين بذلك رسالةً واضحةً إلى الحكومة والسّلطات المختصّة لتعدل عن هذا الجمود وأن تقوم بدورها الأساسي والحفاظ على أمن المواطنين».