خطى المتنبي الهاربة بين ميمين

عشر رحلات مضنية قام بها عبد العزيز المانع في مصر والأردن وسوريا

عبد العزيز يمتطي جمله متتبعاً خطى المتنبي في صحراء العرب
عبد العزيز يمتطي جمله متتبعاً خطى المتنبي في صحراء العرب
TT

خطى المتنبي الهاربة بين ميمين

عبد العزيز يمتطي جمله متتبعاً خطى المتنبي في صحراء العرب
عبد العزيز يمتطي جمله متتبعاً خطى المتنبي في صحراء العرب

في حقول الزيتون بالجوف ابتدأت الحكاية، حين أشار د. زياد عبد الرحمن السديري إلى نفر من الأكاديميين والأدباء السعوديين، كانوا في ضيافته، بأن «بسيطة»، التي ذكرها المتنبي في قصيدته الهاربة من الفسطاط إلى الكوفة... ها هي على مرامي عيونهم:

وجابت بسيطة جوب الرداء

بين النعام وبين المها

إلى عقدة الجوف حتى شفت

بماء الجراوي بعض الصدى.

د.عبد العزيز المانع

لقد أوحى هذا إلى د. عبد العزيز المانع المحقق الأكاديمي السعودي، بأن يقوم بتتبع خطى المتنبي الذي فتن به وبشعره، فراح يحقق سنة 1422هـ كتاب (المآخذ على شراح ديوان أبي الطيب المتنبي) لابن معقل الأزدي في خمسة مجلدات، كما حقق سنة 1427هـ كتاب (قشر الفسر) لأبي سهل محمد بن حسن الزوزني، وبعدها بعام حقق كتاب (الفسر الصغير في تفسير أبيات المعاني في شعر المتنبي) لأبي الفتح عثمان بن جني... العارف بشعر أبي الطيب، والغائص على درر لآلئه، أمهر من قائلها باعتراف المتنبي... لذلك قرر المانع منذ عودته من دعوة صاحبه سنة 2008م القيام بدراسة (ما لم يدرسه أحد قبله دراسة جادة) ظاناً أنه بمجرد الرجوع إلى ديوان الشاعر ومصادر رحلته، سوف تمكنه من إخراج بحثه المأمول، فتبين له أن ذلك وحده لا يكفي، وأنه لا بد من الاطلاع على الخرائط، ليتمثل قراءاته النظرية تمثلاً جغرافياً تطبيقياً، فعزم على السير على خطى المتنبي، مستعيناً بمركز أطلس إدارة المساحة العسكرية التابعة لوزارة الدفاع السعودية في تحديد الطريق.

الويز موزيل بالباس العربي

فأنى له الاطلاع على خط السير هذا، وخرائطه متوزعة بين أربع دول عربية، يحتاج تتبعه الوقوف الميداني فوق أراضيها، فقام متحمساً برحلات عشر مضنية ممتعة إلى (مصر والأردن وسوريا) بينما تأبى عليه - وقتذاك - الذهاب إلى العراق.

هنا تذكرت ما قرأته متفرقاً - قبل ذلك - من محاولات بعض الباحثين تتبع خطى رحلة المتنبي... ومن بينها ما أصدره يوسف الشيراوي سنة 2004م بعنوان (أطلس المتنبي أسفاره من شعره وحياته) معتمداً على ما ذكره بعض شراح ديوان الشاعر، وما قرأه من مقالات الأديب المصري أحمد رمزي الثلاث المنشورة في «رسالة» الزيات، وكذلك ما تناوله الباحث الفلسطيني يحيى جابر في بحثه الضافي، محاولاً تحقيق مسار الطريق الذي سلكه المتنبي في رحلة هروبه، وقد استضاء هؤلاء جميعاً بما ذكره أبو الطيب في قصيدته الهاربة من مواقع:

ألا كل ما شية الخيزلى

فدا كل ماشية الهيذبى

وقد ضرب المتنبي برحلة التيه ضرب القمار إما لهذا وإما لذا

إذا فزعت قدمتها الجياد

وبعض السيوف وسمر القنا

فمرت بنخل وفي ركبها

عن العالمين وعنه غنى

وأمست تخبرنا بالنقاب

وادي المياه ووادي القرى

وقلت لها أين أرض العراق

فقالت ونحن بتربان ها

هذه المواقع هو ما حاول ألويز موزيل قبل قرن، الوقوف الميداني عليها وهو الرحالة المستشرق النمساوي- التشيكي، الذي حل أول عهده بالشرق العربي في القدس سنة 1895م محاولاً إجادة اللغتين العربية والعبرية أثناء دراسته التوراة، حيث انتقل إلى بيروت مدرساً في معهد الآداب الشرقية، وكذلك درس في مدرسة الكتاب المقدس للآباء الدومينيكيين بالقدس، غير أن سحر الشرق وصحرائه الغامضة، الآخذة بألباب الرحالة الغربيين، جعله يفتتح سنة 1906م رحلاته في ربوع الشام (سوريا ولبنان والأردن وفلسطين) بالبحث الميداني لجغرافية المنطقة، والدراسة الاثنوغرافية لشعوب دولها، دون أن يخلو ذلك من الغرض السياسي، أثناء تحالف السلطنة العثمانية التركية والإمبراطورية النمساوية، في مواجهة التحالف البريطاني الفرنسي المتكالب على العالم العربي... غير أن موزيل ركز على دراسة القبائل.. أنموذجاً كتابه «أخلاق الرولة وعاداتهم» بعد ما عاش أربعة عشر شهراً متواصلة في ضيافة زعيمها نوري الشعلان وتحت حمايته، مخترقاً شمالي الجزيرة العربية نحو مضارب هذه القبيلة، التي أتقن لهجتها والتحدث بها والتزيي بزي أهلها، مستكشفاً بين 1908 – 1915م امتداد الصحراء العربية، كما فصل ذلك في كتابه «الصحراء العربية Arabia Deserta: A Topographical Itinerary» الصادر باللغة الإنجليزية في نيويورك سنة 1927م.

بريجيس بلاشير

اهتمام المستشرقين بالمتنبي

لقد ثمنت أكاديمية العلوم النمساوية المعلومات الجغرافية، التي جمعها موزيل خلال رحلاته إلى دول الشام، راسماً الخرائط بمساعدة رفيقه الألماني رودولف سبرغر، بمسح ما بين غزة والبحر الميت شمالاً والبحر الأحمر وتبوك جنوباً والعريش غرباً ووادي السرحان شرقاً.

كما أنه رافق سنة 1912 قافلة تجارية لعشائر عبدة وسنجار إلى النجف، ومن هناك راح يقف آثارياً على موقع الخورنق المذكور في قصيدة المنخل اليشكري الشاعر الجاهلي، ودارساً أثنوغرافية الجنوب العراقي واصفاً النجف وكربلاء في كتابه «الفرات الأوسط» وذلك بعدما قام بصحبة «البرنس» الأمير سكتس آل بوربون «العائلة الملكية الأوروبية» ومعهما رودولف توما سبرجر مساعد موزيل العلمي الدائم برحلة إلى دير الزور ليصدر كتابه عن الشام سنة 1927م.

فيا ترى كيف راوده تتبع طريق المتنبي الهارب من الفسطاط إلى الكوفة... وهو يمتطي سنام الإبل وظهور الجياد في شمال صحراء الجزيرة العربية... ومن ذا الذي أوحى إليه بذلك؟

هذا ما أغفلته الطبعة العربية عن نصها الإنجليزي المشار إليه، فيما ترجمه عبد الإله الملاح الصادر سنة 2010م بعنوان «في الصحراء العربية.. مغامرات موزيل في شمال جزيرة العرب بين 1908 و1915».

يذهب بريجيس بلاشير المستشرق الفرنسي الذي نال الدكتوراه بأطروحته عن حياة المتنبي وشعره في جامعة السربون سنة 1935م... يعدُّه تلميذه أندريه ميكيل دستور الدراسات (المتنبئية) في أوروبا بامتياز!... يذهب بلاشير في أطروحته هذه بأن الاستشراق الأوروبي خاصة (الفرنسي والألماني) اهتم بحياة المتنبي وشعره سلفستر دي ساسي الفرنسي وغيره... غير أنه يؤكد بأن المستشرقين الألمان كانوا أعمق في تناولهم حياة أعظم شاعر عربي وشعره... وفي طليعتهم المستشرق النمساوي جوزيف فون هامر بريجستال، الذي ترجم ديوان المتنبي ترجمة كاملة إلى اللغة الألمانية سنة 1850م بمقدمة دفاعية عن الشاعر العربي الذي نال إعجابه، ربما من نفس المخطوطة التي اعتمدها فريدرخ في تحقيقه الديوان بطبعة برلين العربية سنة 1861م، معتمداً على نسخة الواحدي في شرحه ديوان المتنبي، وهو ما أشار إليه موزيل في تتبعه الميداني خطى المتنبي بذكر المواقع في كتابه آنف الذكر.

أحسب أن هذا هو ما حفز موزيل على تتبعه ذاك، خاصةً وأن المستشرق الألماني (بوهلن) الذي أشاد بلاشير بتحقيقه في كتابه عن المتنبي، قدم هو الآخر دراسة نقدية سنة 1828م بعنوان (شرح شعر المتنبي الشاعر العربي المشهور) مركزاً على قصيدة المتنبي الهاربة (ألا يا ماشية الخيزلى) التي وصف فيها كما يقول (بوهلن) رحلته في بلاد العرب عقب خروجه من مصر، مستهدياً في ذلك كتاب «الصبح المنبي في حيثية المتنبي» للشيخ يوسف البديعي.

من هنا نجد المهاد الذي انطلق منه موزيل، وهو يخوض غمار الصحراء العربية، من دمشق إلى تبوك والجوف عابراً السماوة والرهيمة انتهاءً بالكوفة، واصفاً رحلة المتنبي من مصر إلى العراق سنة 961م بأسلوب شاعري كما ذكر ذلك في النص الإنجليزي لكتابه آنف ذكره (Arabia Deserta: A Topographical Itinerary) حيث وصل بموكب صغير على ظهور الجمال، عابراً القلزم! - أي البحر الأحمر - إلى (نخل) عند ممر النقب، وهذا ما آخذه عليه د. المانع في كتابه «على خطى المتنبي» مؤاخذاته البحثية الميدانية المدققة، وقد توجه المتنبي – يواصل موزيل – طريقه متوجهاً إلى الجنوب الشرقي نحو (وادي الغضى) فـ(وادي نجه) قريباً من (تربان) مروراً بـ(البويرة) بالقرب من (وادي القرى)... المختلف على موقعه، ومنهم موزيل الذي (توهم) أنه على مقربة من الحجاز في الطريق إلى المدينة (المنورة)!

حيث رأى المتنبي هناك النعام والظبا - كما يصف ذلك في قصيدته الهاربة... وفي الجوف شرب من مياه (الجراوي)، بينما سقى ركائبه في (الرهيمة) قبل أن ينتهي عائداً إلى مسقط رأسه في الكوفة.

فهل كان موزيل دقيقاً في وصف الطريق الذي سلكه المتنبي، رغم ريادته في تتبع خطاه قبل المانع بمائة عام؟

لقد ذكر (نخل) واصفاً إياها بالمستوطنة الواقعة في وسط شبه جزيرة سيناء، ومن صحراء النقب سلك المتنبي طريقه إلى (وادي عربة) المتصدع، إذ يمتد الطريق إلى شمالي الجزيرة العربية عند (تربان) وقد وصفها موزيل بأنها عين سقاية على بعد أربعين ميلاً شمال العقبة متوهماً - هو الآخر - بأن (وادي القرى) كما أسلفت القول – قريب من الطريق إلى المدينة (المنورة) كما أنه يعتبر (وادي نجه) قريباً من بلاد الرافدين.

ويواصل موزيل بأن المتنبي انطلق من نبع (تربان) إلى (القويرة) حول (حسمى) فـ(وادي إرم) حيث يرتفع شرق (القويرة) عبر المنحدر الحاد لنهاية جبال السروات، إذ دار المتنبي حوله قريباً من تلال (الكفاف) ليروي عطشه في (كبد) ويحتمل موزيل بأن المتنبي سار شرقاً إلى (صوار) التي تحمل اليوم - كما يقول - اسم (صوير) مستشهداً في ذلك بما ذكره الواحدي في شرحه ديوان المتنبي، وبعد المرور بمستوطنات (عقدة الجوف) حيث يوجد واد عميق نصفه مملوء بالرمال يقع جنوب شرقي واحة دومة الجندل ما أصبح معروفاً بـ(الجميعي) أما (الجراوي) فهو بئر ومزرعة منعزلة تقع على بعد ثلاثة أميال جنوب الواحة التي تتجول فيها الظبا والنعام، وبين قمم (اعكش) المنخفضة وجنوب النجف توقف المتنبي في (الرهيمة) حيث صدح المتنبي برائعته (ألا يا ماشية الخيزلى) وهو يشارف مطالع الكوفة.

رحلات المانع

أما د. عبدالعزيز المانع وقد عزم على تتبع خطى المتنبي سنة 2008م فإنه لم يكتف القيام برحلة واحدة، وإنما تجاوزها بعشر رحلات مضنية، قام بها في مصر والأردن وسوريا، إضافة إلى شمال المملكة العربية السعودية، ابتدأها من الرياض إلى تبوك ثم الاتجاه شرقاً إلى الجوف وصولاً إلى الحدود السعودية العراقية، في أقصى شرقي شمال الجزيرة العربية، وفي رحلة أخرى إلى تبوك ناقش ذوي الخبرة من أهلها في الأمكنة، مما يتوقع أن مر بها المتنبي في رحلته الخائفة المتوجسة القلقة، بين (حسمى) و(كبد) و(الكفاف) و(البوبرة) و(العلم) و(حوش) و(الشغور) و(الجميعي) و(صور) و(الجراوي) و(الأضارع) و(النقع) و(تربان) و(البياض) باحثاً عن جبل (إرم) الذي أقام عنده المتنبي شهراً ضيفاً على قبيلة فزارة... وفيه توقف المانع كما توقف المتنبي ماثلاً أمام خياري ناقته، متسائلاً: أين يتجه عندما قطع سيناء، وقد توسط بين (وادي المياه) و(وادي القرى) الذي توهم موزيل أنه يقع في الطريق إلى الحجاز مما دفع د. المانع – إلى التحقيق في بيت المتنبي:

وأمست تخبرنا بالنقا

ب وادي المياه ووادي القرى

مفنداً ما ذهب إليه موزيل بأن وادي القرى ربما يعني الحجاز في الطريق إلى المدينة (المنورة) أما وادي المياه فيعني أرض الجزيرة في العراق معتمداً - أي المانع - على ياقوت الحموي في «معجم البلدان» حين وصف دومة الجندل- دومة: من القريات من وادي القرى إلى تيماء أربع ليال... إنه وادي القريات كما يستنتج د. المانع قاطعاً على أن (دومة) تسمى وادي القريات أيضاً، وأن المتنبي حين ذكر وادي القريات في بيته سالف الذكر، وهو قادم من الشام قاصداً الكوفة عن طريق دومة الجندل الواقعة بوادي القرى كان قد أصبح في ملتقى الطريق بين الشام والكوفة.

ولتعذر الدخول إلى العراق لوقوفه على رهيما أو الرهيمة، استعان د. المانع بالمحقق والأديب العراقي هلال ناجي لدى د. علاء حسين الرهيمي عميد كلية آداب جامعة الكوفة، وقد وصف له المكان الذي تنتسب إليه جماعة الرهيمي وربما يقطنه بعضهم! وبهذا سد نقص عدم تمكن المانع من وقوفه الميداني عليه.

هذا ولم يفته الوقوف فيما يتوقع أنه موقع الفسطاط القديمة، بين جامع عمرو بن العاص وجامع أحمد بن طولون، حيث كان المتنبي يلقي قصائده الكافورية. ومنها فر عائداً إلى مسقط رأسه قبل يوم الأحد 19 من ذي الحجة سنة 350 هجرية.

يقول المانع في هذا السياق:

إذا كان المتنبي قدم من بلبيس - سيناء - أيلة والعقبة، متجهاً إلى الكوفة قد مر بـ(حسمى) فلا بد أن أبدأ من هناك انطلاقاً إليها من الرياض. موثقاً جميع مواقع خطى المتنبي في كتاب أنيق الطباعة مزود بصور رحلاته العشر المثيرة، صدر سنة 2017م بعنوان درامي (على خطى المتنبي) هذا الذي ملأ الدنيا وشغل الناس وما يزال.


مقالات ذات صلة

70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

ثقافة وفنون 70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

بعد جيلين صنعا مجد «دار الآداب»، وبمناسبة الاحتفال بمرور 70 سنة على انطلاقتها، تتحدث مديرة الدار رنا إدريس لـ«الشرق الأوسط» عن تاريخ وكواليس واحدة من أعرق...

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون «مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» كتاب جديد يضاف إلى سلسلة المؤلفات للباحثة والناقدة الدكتورة نادية هناوي.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
ثقافة وفنون «ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

صدر حديثاً عن «منشورات رامينا» في لندن كتاب «ألف باء الفن» للكاتب الأميركي إريك غريزيمكوفسكي، بترجمة محمد السعدي

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب «معرض بيروت للكتاب» يعود موحداً وبلغات عدة

«معرض بيروت للكتاب» يعود موحداً وبلغات عدة

عشرة أيام ثقافية جامعة، يعيشها اللبنانيون بفضل «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب» في دورته السابعة والستين، الذي ينظمه هذه السنة، «النادي الثقافي العربي».

سوسن الأبطح (بيروت)
كتب الكتاب السياسي في قلب المعركة الثقافية

الكتاب السياسي في قلب المعركة الثقافية

حقّق كتاب «نهب القرن» للبرلمانية الأوروبية سارة كنّافو، المنتمية إلى حزب «ريكونكيت» اليميني المتطرف، نجاحاً استثنائياً في السوق الفرنسية

أنيسة مخالدي (باريس)

70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

رنا إدريس
رنا إدريس
TT

70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

رنا إدريس
رنا إدريس

بعد جيلين صنعا مجد «دار الآداب»، وبمناسبة الاحتفال بمرور 70 سنة على انطلاقتها، تتحدث مديرة الدار رنا إدريس لـ«الشرق الأوسط» عن تاريخ وكواليس واحدة من أعرق دور النشر العربية وأقدمها. وهنا نص الحوار...

وضع سهيل إدريس وشريكة حياته عايدة مطرجي النواة الأولى لـ«دار الآداب»، ثم لعب الأولاد رنا وسماح ورائدة، كل منهم دوره في تطوير العمل وتحديثه. أما الحفيدة تالا فهي جاهزة لأداء المهمة، حين يطلب منها ذلك. 7 عقود من النشر والأدب سيحتفى بها في «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب» بدءاً من التاسع من الشهر الحالي، بالموسيقى والندوات والتواقيع. ويعقد حوار يوم الأحد المقبل، بين د. بلال الأرفه لي ورنا إدريس تتحدث فيه عن تجربتها.

تقول رنا لـ«الشرق الأوسط»: «الدار لم تستمر بالصدفة، كان ثمة تحضير مبكر لي ولإخوتي على العمل». وتكمل: «عشنا في الدار وكبرنا. شربنا الكتب مع الحليب. ولا أذكر أننا جلسنا على غداء، إلا وكان حديث عن كتاب أو ترجمة».

خلال حياته قسّم سهيل إدريس المسؤوليات. ابنته رنا تتسلم دار النشر، ابنه سماح يدير مجلة «الآداب»، زوجته الدكتورة عايدة لها الطباعة والمستودعات. وسهيل إدريس تفرغ بعد الأدب والترجمة، للقواميس حتى أنجز «المنهل» الفرنسي - العربي، بالتعاون مع جبور عبد النور.

سهيل إدريس

المجلة أولاً

«دار الآداب» ولدت من رحم مجلة «الآداب». عام 1953 أوكلت «دار العلم للملايين» إصدار المجلة إلى سهيل إدريس، وهو في أواخر عشريناته. بعد 3 سنوات تزوج ممن ستصبح شريكة حياته عايدة مطرجي. شعر أن طموحاته وجرأته تذهبان أبعد من الممولين، فشجّعته والدته وزوجته عايدة على شراء المجلة، ثم باعتا مصاغهما، واشتراها. هكذا صارت «الآداب تساوي ثقلها ذهباً». في السنة نفسها، أي 1956، ولدت «دار الآداب» للنشر. شعر سهيل إدريس أن المرحلة تحتاج نشر نصوص كبيرة، والرواية يجب أن تكون لها مكانتها، خاصة أنه أصدر روايته الأولى «الحي اللاتيني».

كان مركز الدار بناية درويش في «الخندق الغميق». في تلك المنطقة توجد غالبية دور النشر. انتقلت بعدها «الآداب» قرب الجامعة العربية حيث كان سهيل إدريس يدرّس الترجمة، ومن ثم إلى «طريق الجديدة»، منطقة منظمة التحرير الفلسطينية. تتذكر رنا كيف كان محمود درويش يسكن قريباً من هناك وليانة بدر ومثقفون فلسطينيون كثر يترددون على الدار.

سماح إدريس

الكتب وقود الحروب

الحروب لم تكن رحيمة بـ«دار الآداب». قصف الطيران الإسرائيلي عام 1978 منزل العائلة وقضى على مكتبة سهيل إدريس. احترقت كتب حملت إهداءات سيمون دوبوفوار، جان بول سارتر، ريجيس دوبريه، نجيب محفوظ، يوسف السباعي. وكان قبلها جزء كبير من أرشيف «دار الآداب» قد فقد خلال ثورة 1958.

«حزن والدي كثيراً على ضياع مكتبته. وانتقلت الدار إلى ساقية الجنزير». عاشت العائلة في دار النشر، أو العكس: «في فترة ما كان المنزل ودار النشر متقابلان، ووالدتي تترجم في الدار وتذهب لترضع سماح في الشقة المقابلة. الشيء نفسه بالنسبة للطبخ. كم من مرة احترقت الطبخة، وهي مشغولة في الدار». رنا عاشت الظروف نفسها: «جاء ذات مرة نزار قباني، وحين طلب منه أن ينتظر انتهائي من إرضاع ابنتي، قال ممازحاً: وهل أنا في حضانة!».

تتذكر رنا: «لم نجلس مرة إلى الغداء إلا وأسمع أمي وأبي يتحدثان عن ترجماتهما. تناقشا ذات جلسة، كيف يترجمان عنوان (الغريب) لألبير كامو ويميزانه عن عنوان كتاب كولن ولسون. وقررا بعد أخذ وردّ أن يسميا مؤلف الأخير (اللامنتمي)».

في البداية، انكبت الدار على ترجمة كتب الوجوديين، من سارتر إلى كامو وكولن ولسون. عنيت بالفكر اليساري، وكتب ماركيز، وماركس، وماو تسي تونغ، ومذكرات بن بلة: «اهتموا بسارتر بسبب موقفه المؤيد لتحرير الجزائر، وبيانه (عارنا في الجزائر)». تقول رنا: «كان أبي مصرّاً على ترجمته وتسويقه، لا لفكرة الحرية فقط، بل لأنها عنده مقرونة بالمسؤولية وليست مطلقة».

هذا انعكس على طبيعة منشورات المجلة التي شجّعت القوالب الجديدة في شعر نازك الملائكة والسياب وأحمد عبد المعطي حجازي.

كان سهيل إدريس جريئاً، حماسياً، نهضوياً في عروبته، من هنا خلافه مع رواد مجلة «شعر»: «كان حريصاً على اللغة العربية. ولا يرى النجاة إلا عبر الوحدة. رأى أنه إذا تم الاستفراد بنا واحداً وراء آخر فسنؤكل، وإذا لم نقف مع الجزائر وفلسطين فسيأتي دورنا جميعاً»، تقول رنا. واللغة العربية هي القادرة على جمعنا. «لهذا لم يكن ينظر بارتياح إلى مجلة (شعر)، وانفتاحها على العامية. شعر أن ثمة أيادي غريبة وراءها. ليست ريبة اتجاه كل كتّابها، وإنما لم يرتح لتوجهها السياسي».

بعد ثورة شمعون

بعد عام 1958، اهتمت الدار بطباعة الرواية العربية. نشرت لأصوات جديدة، أبرزها نجيب محفوظ، وروايات لحنان الشيخ وغادة السمان التي بقيت مع «دار الآداب» حتى زواجها من صاحب «دار الطليعة» بشير الداعوق. «ثم جاءت موجة حنا مينة، الذي كنا نطبع له من الكتاب 5 آلاف نسخة، ومن ثم تتوالى الطبعات. كولن ولسون كنا نطبع له 10 آلاف. لقد كان من بين الأكثر مبيعاً».

كما نشرت الدار كتب جبرا إبراهيم جبرا، ولكتّاب آخرين، واستمرت الترجمات. قرّر سهيل إدريس التوقف عن طباعة كتب سارتر بسبب موقفه السلبي من فلسطين. وبقي كذلك حتى عودة رنا من أميركا، حيث تمت مراجعة كتبه وإصدارها.

الحروب لم تكن رحيمة بـ«دار الآداب»... فقد قصف الطيران الإسرائيلي عام 1978 منزل العائلة وقضى

فلسطين أولاً

فلسطين بالنسبة للدار والمجلة قضية محورية. ومع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975 وضياع المكتبة الشخصية، بدأ القلق يكبر والإنتاج يتراجع. صار الهمّ الأكبر لسهيل إدريس أن تبقى المجلة في بيروت. «نظراً لعنف الأحداث، وبطلب من أصدقائه، اقتنع بأن يصدر المجلة من بغداد. لكنه كان العدد الأول والأخير الذي يصدر خارج لبنان، بسبب ضغوطات الرقابة الكثيرة التي تعرضت لها».

وهي تتبع مسار «الآداب»، تتذكر رنا إدريس ظاهرة أحلام مستغانمي: «لا يوجد كاتب حقق مبيعات في العالم العربي كما أحلام. كانت ظاهرة كما نزار قباني. (ذاكرة الجسد) أحدث دوياً آخر الثمانينات. من وقتها لم نعد نرى اسماً واحداً يحلّق في المبيعات. يمكننا الحديث عن ظاهرة إليف شافاك، مؤخراً، خاصة كتابها (قواعد العشق الأربعون)، ولكن ليس عن كاتب عربي».

رنا إدريس: الدم الجديد

عادت رنا إدريس عام 1986 من أميركا، بطلب من والدها، بعد أن مضت 5 سنوات وهي تحضر للدكتوراه. قال لها إن الدار بحاجة إلى دم جديد، ويمكنها إكمال الدكتوراه من لبنان، خاصة أن شقيقها سماح يتحضّر للذهاب إلى جامعة كولومبيا، وشقيقتها رائدة تزوجت وسافرت إلى أميركا.

عادت رنا متحمسة للتجديد. كانت موضة اليابان قد بدأت في نيويورك: «قلت لوالدي: كل شيء هناك ياباني. ويجب أن نفهم كيف زاوجوا بين التقليد والحداثة». كانت قد قرأت كتباً يابانية، واقترحت إصدار سلسلة من الأدب الياباني في 15 رواية. وهكذا كان. ترجم سهيل إدريس رواية كواباتا «حزن وجمال»، وترجمت عايدة رواية يوكيو ميشيما «البحار الذي لفظه البحر»، ومن بعدها صدر بالعربية كثير من الأدب المترجم عن اليابانية.


«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي
TT

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» كتاب جديد يضاف إلى سلسلة المؤلفات للباحثة والناقدة الدكتورة نادية هناوي.

ويضم الكتاب الصادر مؤخراً عن منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق مقالات غير موزعة بحسب تواريخ نشرها في الصحف والمجلات، ولكنها مرتبة بحسب ما تحويه من أفكار وآراء.

وهي تتوزع ما بين النقد الأدبي والبحث العلمي ومسائل النسوية والثقافة العربية والفكر والجمال. والغالب على المقالات أنها مخصوصة بالشأن العربي، كشفاً ومعالجة لظواهره الأدبية من شعر وسرد ونقد ونظرية أدبية وإبستمولوجيا، وما يتصل بذلك من موضوعات مجاورة للنقد الأدبي كالتاريخ والفلسفة والاجتماع والأنثروبولوجيا والفلسفة وعلم الجمال وتاريخ الأفكار. هذا فضلاً عن رصد الظواهر الثقافية المحلية خاصة، وظواهر الوضعين السياسي والحياتي في البلاد العربية بصفة عامة.

تقول المؤلفة في المقدمة: «درجتُ في كتبي السابقة على جعل كل واحد منها بوحدة موضوعية، تلتم فيها الأطراف، وتدار حولها الطروحات والأفكار. ولم ألجأ إلى جمع مقالاتي المتناثرة هنا وهناك ونشرها في كتاب مستقل كما يفعل بعض الزملاء النقاد.


«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية
TT

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

صدر حديثاً عن «منشورات رامينا» في لندن كتاب «ألف باء الفن» للكاتب الأميركي إريك غريزيمكوفسكي، بترجمة محمد السعدي، في إصدار عربي يقدّم للقارئ مدخلاً واسعاً وميسّراً إلى عالم الفن وتاريخه ومدارسه وأبرز فنانيه، ويتنقل بين النظريات والحركات الفنية والمتاحف والأعمال التي أسهمت في تشكيل تاريخ الفن وتحوّلاته عبر العصور.

ينطلق غريزيمكوفسكي في كتابه من فكرة أساسية تتمثل في تحرير الحديث عن الفن من الشعور بالرهبة الذي قد تثيره الكتب الفنية المتخصصة لدى القارئ الذي لا يمتلك تكويناً أكاديمياً في هذا المجال. ويشير في مقدمته إلى أن كثيراً من الكتب تفترض مسبقاً معرفة القارئ بمفاهيم مثل المنظور ونظرية اللون والخطوط والأشكال، في حين يسعى «ألف باء الفن» إلى البدء من هذه الأسس نفسها، وتقديم الأساليب والحركات والوسائط الفنية بطريقة يسهل فهمها، بالتوازي مع سرد حكايات عدد من أبرز الفنانين والتعريف بالمصطلحات الضرورية لفهم الأعمال الفنية ومناقشتها.

ويمنح هذا التصور الكتاب طابعاً موسوعياً مبسطاً، إذ لا يتعامل مع تاريخ الفن كسرد زمني متصل بقدر ما يفتحه أمام القارئ على هيئة موضوعات مستقلة ومترابطة في الوقت نفسه، بحيث يستطيع الانتقال بين الفنانين والمدارس والمفاهيم والمتاحف وفق اهتمامه الخاص. ويشبّه المؤلف الكتاب، في مقدمته، بمتحف يضم «قاعات» مختلفة لموضوعات تنتمي إلى أمكنة وأزمنة متباينة، بما يسمح للقارئ بالدخول إلى الفن من أبواب متعددة، من دون اشتراط معرفة مسبقة أو مسار قراءة صارم.

ويتوزع الكتاب على عشرات الموضوعات التي ترسم خريطة واسعة للفنون البصرية، بدءاً من نظرية اللون، وباوهاوس، والعلاج بالفن، والفن الجديد، والدادائية، والانطباعية، مروراً بالتكعيبية، والسريالية، والفن الحديث، والفن التجريدي، وفن عصر النهضة والمستقبلية، والباروك، والفن الشعبي، وصولاً إلى موضوعات مثل المنظور، ونظرية الجشطالت، وعناصر الفن ومبادئه، والنحت، والتصوير الضوئي، والألوان المائية، ورسومات الكهوف، وفن الجسد، والنسبة الذهبية وتحطيم الأيقونات.

ومن بين الموضوعات التي يتوقف عندها الكتاب «نظرية اللون»، إذ يشرح موقع اللون بين العناصر الأساسية للعمل الفني، وعلاقته بالخط والخامة والشكل، وكيف يستخدمه الفنان في توجيه عين المشاهد وبناء المزاج البصري للعمل، ثم ينتقل إلى مزج الألوان والألوان المتكاملة والجمعية والطرحية ودرجات اللون وتأثيراتها. كما يتناول مدرسة باوهاوس، التي أسسها والتر غروبيوس في ألمانيا عام 1919، ويشرح فلسفتها القائمة على الجمع بين الفنون الجميلة والحرف والتصميم، وعلاقتها بالصناعة والإنتاج الحديث، وصولاً إلى أثرها اللاحق في التصميم والعمارة.

ولا يتوقف «ألف باء الفن» عند الأعمال التي استقرت مكانتها في تاريخ الفن، إذ يفتح النقاش أيضاً على الأسئلة والخلافات التي رافقت بعض التجارب الفنية. ويخصص، على سبيل المثال، فصلاً لبانكسي تحت عنوان «بانكسي: فنان أم تهديد؟»، بما يضع القارئ أمام النقاش حول فن الشارع وحدود المؤسسة الفنية، كما يتناول إعادة التوظيف الفني وفن الجسد والفن العام، وهي موضوعات تكشف عن اتساع مفهوم الفن وتحولاته المستمرة.

ويستفيد الكتاب من الصور والرسوم في تقريب موضوعاته، إذ تحضر نماذج من أعمال فنانين ومدارس مختلفة إلى جانب الشروح، من «ليلة النجوم» لفنسنت فان غوخ وأعمال بول سيزان ومان راي وجورجيا أوكيف إلى أعمال دييغو ريفيرا وإدوارد هوبر وصور أنسل آدمز، بما يمنح القارئ فرصة للربط بين المفهوم النظري والمثال البصري.