«هدنة غزة»: جهود الوساطة تبحث عن «صيغة جديدة أكثر شمولاً»

مصر تشير إلى طرح أميركي لـ«استراحة» بدل «هدنة»

أفراد عائلة نازحة يجلسون بجوار خيام في مخيم بالقرب من مستشفى ناصر بخان يونس (إ.ب.أ)
أفراد عائلة نازحة يجلسون بجوار خيام في مخيم بالقرب من مستشفى ناصر بخان يونس (إ.ب.أ)
TT

«هدنة غزة»: جهود الوساطة تبحث عن «صيغة جديدة أكثر شمولاً»

أفراد عائلة نازحة يجلسون بجوار خيام في مخيم بالقرب من مستشفى ناصر بخان يونس (إ.ب.أ)
أفراد عائلة نازحة يجلسون بجوار خيام في مخيم بالقرب من مستشفى ناصر بخان يونس (إ.ب.أ)

يبحث الوسطاء في قطر والولايات المتحدة الأميركية ومصر، عن «صيغة جديدة أكثر شمولاً» لـ«هدنة» في قطاع غزة بين إسرائيل وحركة «حماس»، بعدما تعثرت جهود المفاوضات ولم تستطع إنجاز اتفاق قبل شهر رمضان كما كان مأمولاً.

وقال رئيس الهيئة العامة للاستعلامات في مصر، ضياء رشوان، في تصريحات متلفزة، مساء الثلاثاء، إن «هناك طرحاً أميركياً لوقف إطلاق النار في قطاع غزة من أسبوع لأسبوعين، لكن ليست بنفس شروط الهدنة الأول»”. وأوضح أن «هذا الطرح، لا يُشكل ضغطاً على إسرائيل، كونه يتضمن وقفاً لإطلاق النار غير مصحوب بانسحاب للقوات الإسرائيلية أو بتبادل للأسرى».

ووصف رشوان الطرح الأميركي بأنه «استراحة وليس هدنة»، مشيراً إلى أنه «خلال مدة الاستراحة سيتم عقد اجتماعات للتوصل إلى صيغة نهائية لهدنة بشروط كاملة، وتنقيح صفقة بين الطرفين». ولفت إلى أن «هذا الطرح يأتي تحسباً لتأزم الوضع خلال شهر رمضان، سواء في الضفة الغربية، أو حتى في غزة». وقال إن «هذا الطرح يتلافى تداعيات خطرة قد تحدث في رمضان، حيث قد تتفجر الأوضاع إذا ما نفذت إسرائيل عملية كبيرة ضد المدنيين في غزة»، مضيفاً: «هذه استراحة يتم خلالها تقريب وجهات النظر بين الجانبين».

دخان متصاعد بقطاع غزة بعد قصف إسرائيلي خلال الفترة الماضية (أ.ف.ب)

من جانبه، أكد المحلل السياسي الجزائري، محمد آدم المقراني، أن «الوضع معقد ومتغير». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الجهود الدبلوماسية المكثفة من قبل الوسطاء تشير إلى رغبة حقيقية في التوصل إلى حل؛ لكن العقبات ما زالت قائمة، وتتمثل في عدم الثقة بين الأطراف وصعوبة التوافق على الشروط المطروحة».

بينما رجح الخبير في الشأن الإسرائيلي بـ«مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، الدكتور سعيد عكاشة، «إمكانية الاتفاق على استراحة قصيرة»، لكنه أشار إلى أنها «لن تتجاوز خمسة أيام». وقال لـ«الشرق الأوسط»، إن «مثل هذه الاستراحة لا تحتاج لاتفاق، وقد يعمد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى تخفيف العمليات العسكرية في غزة، منفذاً نوعاً من هدنة غير معلنة». لكنه أوضح أنه «من الصعب أن يوقف نتنياهو الحرب مدة طويلة، في ظل الضغوط التي تتعرض لها حكومته في الداخل».

وتتوسط الولايات المتحدة وقطر ومصر في مفاوضات الهدنة بين إسرائيل وحركة «حماس» منذ يناير (كانون الثاني) الماضي، حيث عقدت جولات مفاوضات في باريس والقاهرة والدوحة، لكن هذه الجهود لم تثمر اتفاقاً حتى الآن. وسبق ونجحت الوساطة المصرية - القطرية، في وقف القتال لمدة أسبوع في نوفمبر (تشرين الثاني) أطلقت خلاله «حماس» سراح ما يزيد على 100 من المحتجزين لديها في حين أطلقت إسرائيل سراح نحو ثلاثة أمثال هذا العدد من الأسرى الفلسطينيين.

ووفق رشوان، فإن «المتابع للمفاوضات التي بدأت في باريس منذ أكثر من شهر ونصف شهر، ثم اجتماعات باريس الثانية ثم الدوحة ثم القاهرة، يتأكد أن الولايات المتحدة الأميركية تجد نفسها في حرج حقيقي ومتهمة بالتورط مع إسرائيل في الجرائم بغزة». وأضاف أن «الرئيس الأميركي جو بايدن كان لديه أمل أن الحكومة الإسرائيلية تقبل فكرة الهدنة لمدة 6 أسابيع، بحسب خطة باريس يليها هدن أخرى، لكن من الواضح أن واشنطن لم يعد لديها القدرة للضغط على تل أبيب»، مشيراً إلى «خلافات علنية ظهرت على السطح».

واستضافت القاهرة، الأسبوع الماضي، وعلى مدار أربعة أيام، جولة مفاوضات تستهدف الاتفاق على «تهدئة في غزة لمدة ستة أسابيع»، شاركت فيها وفود من «حماس»، وقطر، والولايات المتحدة الأميركية، وانتهت بمغادرة وفد «حماس» القاهرة «للتشاور».

وغابت إسرائيل عن جولة المباحثات الأخيرة في القاهرة؛ لأن «حماس» رفضت تنفيذ طلبها بتقديم قائمة بأسماء الأحياء من المحتجزين لديها، وهو ما أشارت الحركة لـ«صعوبته» في ظل استمرار القتال، لا سيما مع وجود المحتجزين في مناطق عدة داخل قطاع غزة.

الصورة تظهر القوات العاملة في منطقة البريج وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

يأتي هذا في وقت قال فيه مصدر مصري مطلع على سير المفاوضات، لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاتصالات مستمرة بين الوسطاء لتقريب وجهات النظر بين إسرائيل و(حماس)»، مؤكداً أن «الأمور لا تزال صعبة ومعقدة». وأوضح أن «الجميع يبحث عن صيغة توافقية في ظل تمسك الطرفين بمواقفهما».

وكانت قطر قد أكدت، مساء الثلاثاء، أن «إسرائيل وحركة (حماس) ليستا قريبتين من الاتفاق». وأوضح المتحدث باسم وزارة الخارجية القطرية، ماجد الأنصاري، خلال مؤتمر صحافي في الدوحة، أن «الجانبين لا يتفقان على لغة يمكن أن تحلّ الخلاف الحالي حول تنفيذ الاتفاق»، و«الوضع معقد للغاية على الأرض». وأكد الأنصاري في حواره مع شبكة «سي إن إن»، الثلاثاء، أن «هناك حاجة إلى صيغة جديدة هذه المرة». وقال: «جربنا صيغة الوقف اليومي (للقتال) في المرة الماضية، ولم تنجح؛ لأنه في النهاية سيختلف الطرفان على القوائم وكيفية تنفيذها. ونحن بحاجة إلى مرحلة أولى أكثر شمولاً تتيح لنا بعض الوقت لبدء المفاوضات للمراحل التالية».

وشهدت جولة المفاوضات الأخيرة خلافات بشأن تفاصيل صفقة تبادل المحتجزين من الجانبين إلى جانب «مطالبة حركة (حماس) بوقف كامل لإطلاق النار، بينما تصر تل أبيب على وقف مؤقت»، بحسب المصدر المصري المطلع الذي أوضح أن «حركة (حماس) كانت تريد مناقشة جميع مراحل إطار باريس سعياً إلى وقف كامل لإطلاق النار وانسحاب إسرائيل من غزة، بينما كانت تل أبيب تريد مناقشة المرحلة الأولى فقط».

وكان رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس»، إسماعيل هنية، أكد في كلمة بمناسبة، مساء الأحد، أن الحركة وضعت «ضوابط»، خلال المفاوضات، من بينها إنهاء الحرب، وانسحاب الجيش الإسرائيلي من غزة، وعودة النازحين إلى منازلهم وإدخال المساعدات الإنسانية.

لكن إسرائيل سبق وأعلنت «رفضها الانسحاب من غزة». وأكدت أن «أي هدنة لا بد أن تكون مؤقتة، وأنها عازمة على تحقيق هدفها بالقضاء على (حماس)».

مسعفون فلسطينيون مع آخرين يضعون الجثث داخل سيارة إسعاف بعد غارة جوية على مخيم المغازي في وقت سابق (رويترز)

من جانبه، أكد وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، الثلاثاء، أن «بلاده تواصل العمل من أجل وقف فوري ومستدام لإطلاق النار لمدة ستة أسابيع على الأقل، ضمن صفقة لإطلاق سراح المحتجزين في قطاع غزة». وأضاف، في منشور على «إكس»، أن «السلام ممكن، وهو ضروري، وعاجل أيضاً».

عودة إلى عكاشة الذي أشار إلى أن «الهدنة القصيرة أو الاستراحة قد تسهم في تخفيف الضغوط الدولية والأميركية على تل أبيب، وتظهر أن حكومة نتنياهو لا تستخف بمشاعر المسلمين».

وبشأن «المرحلة الأكثر شمولاً» يرى عكاشة أنها «تقدير لمطالب حركة (حماس) بوقف كامل لإطلاق النار»، مشيراً إلى «خلافات» سابقة بين تل أبيب و«حماس» بشأن قوائم الأحياء من الأسرى.

واتفق معه المقراني في أن «هناك تبايناً في المواقف بين طرفي الاتفاق ما يعقد الوضع على الأرض». لكنه قال إن «الجهود المبذولة من قبل الدول العربية والمجتمع الدولي، تشير إلى إمكانية التوصل إلى هدنة، ولكن ما زالت هناك تحديات وعقبات يتعين التغلب عليها».


مقالات ذات صلة

تلويح نتنياهو باستئناف الحرب في غزة يُعقّد محادثات «نزع السلاح»

شمال افريقيا فلسطينيون يسيرون بجوار الملاجئ وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)

تلويح نتنياهو باستئناف الحرب في غزة يُعقّد محادثات «نزع السلاح»

تحاول القاهرة أن تصل إلى تفاهمات بين حركة «حماس» والفصائل الفلسطينية والممثل الأعلى لقطاع غزة بمجلس السلام، نيكولاي ميلادينوف، لتثبيت اتفاق وقف إطلاق النار.

محمد محمود (القاهرة )
خاص أطفال فلسطينيون نازحون يتلقون الطعام من مطبخ خيري في مخيم النصيرات للاجئين وسط غزة يوم الاثنين (أ.ف.ب) p-circle

خاص «حماس» متشبثة بـ«جدول زمني» لالتزامات إسرائيل قبل «نزع السلاح»

بلورت «حماس» رداً على مطالبتها والفصائل الفلسطينية ببدء «نزع السلاح» وأكدت مصادر لـ«الشرق الأوسط» أن الرد يرتكز على «التشبث بجدول زمني» لالتزامات إسرائيل أولاً.

«الشرق الأوسط» (غزة)
آسيا رئيس كوريا الجنوبية لي جيه ميونغ (رويترز)

منشور للرئيس الكوري الجنوبي عن «المحرقة» يُغضب إسرائيل

أثار رئيس كوريا الجنوبية لي جيه ميونج خلافاً دبلوماسياً مع إسرائيل بعد أن شبه العمليات الحربية الإسرائيلية ضد الفلسطينيين بالمحرقة النازية (الهولوكوست).

«الشرق الأوسط» (سول )
المشرق العربي صورتان لآية سلامة بعد عمليات التجميل في مصر (الطبيب المعالج)

سيدة من غزة تروي قصة «استعادة» وجهها بعد الحرب

جاءت آية سلامة إلى مصر من أجل ترميم وتجميل وجهها بعد تشوهه في قصف إسرائيلي مطلع الحرب على غزة.

يسرا سلامة (القاهرة)
شمال افريقيا فتاة فلسطينية تحمل وعاء ماء في مخيم للنازحين بخان يونس جنوب غزة (أ.ف.ب)

«رد مشروط» من «حماس» يضع محادثات القاهرة أمام «اختبار صعب»

تقف محادثات القاهرة بشأن استكمال تنفيذ وقف إطلاق النار في غزة، على أعتاب نقاشات محورية بشأن مستقبل سلاح حركة «حماس» والفصائل الأخرى.

محمد محمود (القاهرة )

تلويح نتنياهو باستئناف الحرب في غزة يُعقّد محادثات «نزع السلاح»

فلسطينيون يسيرون بجوار الملاجئ وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون بجوار الملاجئ وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)
TT

تلويح نتنياهو باستئناف الحرب في غزة يُعقّد محادثات «نزع السلاح»

فلسطينيون يسيرون بجوار الملاجئ وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون بجوار الملاجئ وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)

تحاول القاهرة أن تصل إلى تفاهمات بين حركة «حماس»، والفصائل الفلسطينية، وممثل غزة في «مجلس السلام» نيكولاي ميلادينوف، لتثبيت اتفاق وقف إطلاق النار، بينما يلوِّح رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، باستئناف الحرب إذا لم يُنزع سلاح القطاع.

ذلك التلويح عدَّه خبراء تحدثوا إلى «الشرق الأوسط» نوعاً من التأثير على المفاوضات، وتعقيداً لها، وإفساداً لمسار أي تفاهمات، وأكدوا «أهمية استمرار المحادثات والضغوط الأميركية لدفع الاتفاق الذي يراوح مكانه من قبل حرب إيران التي اندلعت نهاية فبراير (شباط) الماضي».

وغداة انطلاق مفاوضات تشهدها القاهرة، قال نتنياهو خلال اجتماع للكابينت، إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يفهم أن ائتلافاً أجنبياً لن ينجح في نزع سلاح حركة «حماس»، مضيفاً أننا «سنضطر نحن إلى فعل ذلك»، وفق ما أوردته القناتان «14» و«آي نيوز 24» الإسرائيليتان.

كانت حكومة نتنياهو قد أعلنت في 16 فبراير الماضي، عبر سكرتيرها يوسي فوكس، منح «حماس» مهلة لمدة 60 يوماً لنزع سلاحها، محذرةً من العودة إلى العمليات العسكرية إذا لم تستجب الحركة.

عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، الأكاديمي المتخصص في الشأن الإسرائيلي، أحمد فؤاد أنور، يرى أن نتنياهو يحاول التأثير على محادثات القاهرة بهذه التصريحات سلباً، مما يعقِّد مسار المفاوضات ويُحرج الوسطاء ويضيف ضغوطاً على المحادثات. ولفت إلى أن إسرائيل جرَّبت من قبل مثل هذه التهديدات والتصعيد ولم تحصل على أسراها إلا عبر المفاوضات وعقد اتفاق لا تلتزم به حتى الآن، وما يتم حالياً هو محاولة للبحث عن صورة نصر بعد خسائر حرب إيران.

ويقول المحلل السياسي الفلسطيني، نزار نزال، إن نتنياهو يعود مجدداً للاشتباك مع الوضع في غزة مع قرب الانتخابات الإسرائيلية هذا العام. ويشير إلى أن «أنصاف الحروب التي يخوضها يريد أن يكملها معنوياً بهذا التلويح، لكنه يضع اتفاق غزة على المحكّ ويعقّد محادثات القاهرة بشأن «نزع السلاح».

خيام للنازحين الفلسطينيين جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

وتبحث مفاوضات القاهرة ملفات من بينها نزع سلاح «حماس»، ولم يصدر عن القاهرة والحركة أي بيانات بشأن نتائجها حتى، مساء الاثنين، غير أن مصدراً فلسطينياً أكد لـ«الشرق الأوسط» أن «وفد الحركة اجتمع مع السلطات المصرية والفصائل الفلسطينية وبانتظار عقد لقاء مع ميلادينوف».

ويُعدُّ نزع سلاح «حماس» أبرز بنود «خطة ميلادينوف» التي أعلنها في «مجلس الأمن» أواخر مارس (آذار) الماضي. وتتضمَّن موافقة الحركة الفلسطينية على تدمير شبكة الأنفاق، والتخلي عن السلاح على مراحل خلال 8 أشهر، على أن يتم انسحاب القوات الإسرائيلية بالكامل عند «التحقُّق النهائي من خلو غزة من السلاح». وتقول إسرائيل إنَّها لن تنسحب من غزة ما لم يُنزَع سلاح «حماس» أولاً.

ويتوقع نزال أن يتجه نتنياهو لاستئناف الحرب في غزة مهما كانت نتائج محادثات القاهرة أو مفاوضات إيران والولايات المتحدة، خصوصاً وهو يرفض دفع أثمان سياسية بالانسحاب من غزة حالياً، لافتاً إلى أن السيناريو الأقرب أن يستمر الاتفاق في حالة الجمود والمفاوضات بلا نتائج ومهدَّدة بأي تصعيد إسرائيلي محتمل. فيما يؤكد الأكاديمي المتخصص في الشأن الإسرائيلي، أحمد فؤاد أنور، أن مصر حريصة على إنجاح المفاوضات رغم هذه التصريحات السلبية، وإبقاء اتفاق غزة تحت دائرة الأضواء الدولية، ويشير إلى أهمية أن يتم الدفع بـ«لجنة إدارة غزة» للعمل من داخل القطاع سريعاً، لتفادي أي تهديد للاتفاق مع أخذ ضمانات من واشنطن و«مجلس السلام» بتنفيذ إسرائيل التزاماتها كاملةً.


24 قتيلاً وعشرات الجرحى جراء قصف بمسيّرات على مدن دارفور

نازحون سودانيون في تشاد ينتظرون لتقاسم حصص من مواد غذائية وزّعها برنامج الأغذية العالمي يوم 9 مايو 2023 (رويترز)
نازحون سودانيون في تشاد ينتظرون لتقاسم حصص من مواد غذائية وزّعها برنامج الأغذية العالمي يوم 9 مايو 2023 (رويترز)
TT

24 قتيلاً وعشرات الجرحى جراء قصف بمسيّرات على مدن دارفور

نازحون سودانيون في تشاد ينتظرون لتقاسم حصص من مواد غذائية وزّعها برنامج الأغذية العالمي يوم 9 مايو 2023 (رويترز)
نازحون سودانيون في تشاد ينتظرون لتقاسم حصص من مواد غذائية وزّعها برنامج الأغذية العالمي يوم 9 مايو 2023 (رويترز)

قُتل 24 مدنياً على الأقل وأُصيب العشرات، يومي الأحد والاثنين، في غارات منفصلة بطائرات مسيَّرة تابعة للجيش السوداني استهدفت مدن إقليم دارفور غرب السودان، الواقع تحت سيطرة «قوات الدعم السريع».

واتَّهم تحالف «تأسيس»، المدعوم من «الدعم السريع»، الجيش السوداني بقصف مدينة الضعين، عاصمة شرق دارفور، وبلدتَي السريف وتلولو، مما أسفر عن مقتل 15 شخصاً وإصابة 17 آخرين.

وتسببت غارة أخرى، مساء الأحد، في مقتل 9 أشخاص على الأقل وإصابة 12 آخرين بجروح متفاوتة، جراء قصف بطائرة مسيَّرة استهدف سوقاً في مدينة الجنينة بولاية غرب دارفور.

ودعا المتحدث الرسمي باسم التحالف، علاء الدين عوض نقد، في بيان نشره عبر «فيسبوك» إلى «تدخل المجتمع الدولي واتخاذ موقف قوي وواضح» تجاه مثل هذه الهجمات.

وأبلغ شهود عيان «الشرق الأوسط» بأن طائرة مسيَّرة قصفت مواقع بمدينة الضعين، مؤكدين سقوط قتلى وجرحى وسط السكان، وقالوا إنهم سمعوا دويَّ انفجار، صباح الاثنين، «أصاب الناس بحالة من الهلع والخوف».

بدوره قال «التجمع الاتحادي»، وهو فصيل رئيسي في التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة «صمود» الرافض للحرب، إن طائرة مُسيَّرة تابعة للجيش السوداني استهدفت سوق مدينة الجنينة، مما أسفر عن سقوط قتلى وجرحى.

وذكر البيان أن القصف أدى إلى اندلاع حريق هائل التهم السوق بالكامل، مشيراً إلى أن الإحصائيات الأولية تؤكد مقتل 13 شخصاً على الأقل، بينما تم العثور على جثث متفحمة لم يتم التعرف على هويتها حتى الآن.

وقال «التجمع الاتحادي»: «إن الجهات المسؤولة تتحمل المسؤولية كاملةً عن استهداف المدنيين والبنى التحتية المدنية»، مطالباً بفتح تحقيق دولي عاجل ومستقل، ومحاسبة كل المتورطين.

ولم يُصدر الجيش رداً فورياً على هذه المزاعم.

طفل سوداني يعاني سوء التغذية في لقطة تعود إلى يونيو 2024 (رويترز)

ومنذ أشهر، تشهد ولايات دارفور هجمات متكررة من مسيّرات تابعة لـ«الجيش السوداني» تستهدف مواقع عسكرية في عدد من مدن الإقليم، لكن بعضها استهدف بنية مدنية، مما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى، بينهم مدنيون.

«مؤتمر برلين»

في سياق الأزمة السياسية، توافقت القوى المدنية السودانية في الاجتماع التحضيري لـ«مؤتمر برلين»، الذي عُقد الأحد، في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، على خفض التصعيد والاتفاق على عملية سياسية يعمل عليها السودانيون.

ودقَّ المشاركون في الاجتماع ناقوس الخطر بشأن الوضع الإنساني الكارثي في السودان، مشددين على أنه لا يوجد حل عسكري، وأن العملية السياسية الشاملة هي خريطة الطريق الوحيدة لوضع أسس الانتقال الديمقراطي بقيادة مدنية.

يأتي «مؤتمر برلين» تزامناً مع الذكرى الثالثة لاندلاع الحرب في السودان، ويمثل امتداداً لسلسلة من المؤتمرات التي عُقدت في باريس ولندن وواشنطن، والتي هدفت جميعها إلى دعم العمليات الإنسانية، والدعوة إلى وقف فوري لإطلاق النار وإنهاء النزاع.

ودعت القوى المشاركة في المؤتمر، أطراف النزاع إلى تعزيز خفض التصعيد والحد من العنف، وبذل كل الجهود بالتنسيق مع المبادرات المطروحة لمنع تمدد النزاع في البلاد ومحيطها الإقليمي.

وشدد النداء المشترك على وقف الهجمات العشوائية وإلزام الأطراف المتقاتلة بالامتثال للقانون الدولي بشأن حماية المدنيين في كل أنحاء السودان.

وحضَّ المشاركون في الاجتماع التحضيري على ضرورة التعاون مع المبادرات الدولية والمحلية والجهود المنادية بإقرار هدنة إنسانية لتخفيف معاناة السودانيين، بما يشمل تسهيل وصول المساعدات الإنسانية بشكل آمن ودون عوائق في جميع أنحاء البلاد.

تحالف «صمود» يرحِّب

من جانبه رحَّب التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة «صمود» بقيادة رئيس الوزراء السابق، عبد الله حمدوك، بالمؤتمر المزمع عقده في 15 أبريل (نيسان) الحالي، والذي يهدف إلى مناقشة الوضع الإنساني في السودان.

وفي وقت سابق رفضت الحكومة السودانية، برئاسة كامل إدريس، تنظيم المؤتمر دون موافقتها والتشاور معها في الترتيبات المتعلقة به.

ويُعقَد المؤتمر بمبادرة من ألمانيا وبريطانيا، إلى جانب الاتحاد الأوروبي وفرنسا والاتحاد الأفريقي، مع مشارَكة لدول «الآلية الرباعية»، التي تضم المملكة العربية السعودية، والولايات المتحدة، والإمارات ومصر.

وأكد تحالف «صمود» انخراطه بإيجابية مع القوى والشخصيات المدنية السودانية المشاركة في المؤتمر لتعزيز جهود وقف الحرب في البلاد.

في المقابل رأى تحالف «تأسيس»، الموالي لـ«قوات الدعم السريع»، قصوراً في التحضيرات الجارية للمؤتمر وتعرقل ضمان مسار سياسي يتسم بالمصداقية والشمول.

وقال في بيان إن أي مسار يتعلق بالأزمة السودانية ينبغي أن يرتكز على خريطة الطريق التي طرحتها دول الآلية الرباعية بشأن وقف الحرب في السودان.

وجدد التحالف التزامه بالانخراط في أي مسعى دولي أو إقليمي، يقود إلى تحقيق السلام العادل والشامل والمستدام.


حوادث الانتحار في مصر لا تعكس ارتفاع أعدادها

سوق شعبية في محافظة الجيزة بمصر (الشرق الأوسط)
سوق شعبية في محافظة الجيزة بمصر (الشرق الأوسط)
TT

حوادث الانتحار في مصر لا تعكس ارتفاع أعدادها

سوق شعبية في محافظة الجيزة بمصر (الشرق الأوسط)
سوق شعبية في محافظة الجيزة بمصر (الشرق الأوسط)

يشعر المتجول بين مواقع التواصل الاجتماعي في مصر، مع تصدر واقعة انتحار «سيدة الإسكندرية» للترند، ومع الحديث عن وقائع مشابهة، بأن «الانتحار بات شائعاً»، في ظل محتوى يحذر من التعاطف، أو تقليل هيبة وحرمة الانتحار حتى لا يقع فيه آخرون، أو يحذر من زيادته، مع تردي الأوضاع الاقتصادية.

وألقت سيدة ثلاثينية، أم لطفلتين، بنفسها من الدور الـ13 في الإسكندرية، خلال بث حي على «فيسبوك» (لايف)، فجر الأحد، بعد شكواها من أوضاع اجتماعية، واقتصادية، ومعاناتها من الاكتئاب، ما سبب صدمة اجتماعية، وجدلاً واسعاً، أتبعه «حظر رسمي للنشر»، بأمر النيابة العامة المصرية.

ورغم عدم وجود إحصائية حديثة تكشف معدلات الانتحار في مصر، أو تقطع بما يوحي به «المحتوى السوشيالي» من تكررها، فإن بيان النيابة المصرية، الأحد، أشار إلى غير ذلك، مؤكداً أن «التداول الواسع لهذه الجرائم يسيء إلى صورة المجتمع المصري، ولا يعبر عن الواقع الإحصائي لنسب ارتكابها».

وتعد مصر من الدول التي لا تشهد حالات انتحار كبيرة عالمياً وفق منظمة الصحة العالمية، وإن كانت الأولى عربياً، وفق الإحصاء نفسه، فقد سجل معدل انتحار 3 إلى 3.4 شخص لكل 100 ألف نسمة في العام 2019، حين انتحر أكثر من 3700 شخص.

وشككت الحكومة المصرية آنذاك في هذا الإحصاء، مستندة في بيان لمركز معلومات مجلس الوزراء إلى أن مركز الإحصاء وثق في العام 2017 69 حالة انتحار فقط، وأن البنك الدولي وضع مصر في المرتبة 150 عالمياً من بين 183 دولة.

ورغم عدم وجود إحصائيات حديثة محلياً أو عالمياً لرصد منحنى الانتحار في مصر، صعوداً أو هبوطاً، فإن إحصائيات متوفرة حتى عام 2021 تشير إلى هبوط المنحنى، فقد رصد الباحث شريف هلالي في دراسة منشورة عبر موقع المعهد المصري للدراسات أن العام 2021 شهد 2584 حالة وفق ما أعلن عنه في ندوة للمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، بانخفاض أكثر من 1000 حالة عن إحصاء منظمة الصحة العالمية.

وكانت ذروة حالات الانتحار وفق الدراسة نفسها في العام 2009 حين سجلت 5 آلاف حالة.

منطقة وسط القاهرة (الشرق الأوسط)

ويقول أستاذ علم الاجتماع بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، وليد رشاد، إن معدل الانتحار في مصر مؤخراً أصبح غير معلوم، ولا يمكن البت فيما إذا كان قد زاد، أو قل في ظل غياب الإحصاءات، وهو ما يطلق عليه في علم الاجتماع مصطلح «Dark Number»، لكننا في المقابل نتعامل مع دلالات بخصوصه، أبرزها زيادة المعرفة بحالات الانتحار بعد تداولها عبر «السوشيال ميديا».

وأضاف رشاد لـ«الشرق الأوسط»: «كل حالة من حالات الانتحار تتطلب وقفة أمامها، لما تحمله من دلالات عميقة»، لافتاً إلى أن دوافع الانتحار اختلفت عبر الزمن، «من قبل كان الحب الضائع سبباً شائعاً، مع فشل الشخص في الارتباط بمن يحب، أما الآن فأصبح الانتحار بدافع الحب يأتي كنتيجة لفشل العلاقات».

وبخصوص الأوضاع الاقتصادية رأى رشاد أن الأوضاع الاقتصادية الضاغطة من ضمن دوافع الانتحار، لكنها ترتبط بالبنية النفسية الهشة، وغياب دوائر الدعم الاجتماعي من عائلة، وأصدقاء، وجيران، وزملاء في العمل، لافتاً إلى أن ذلك يعرف في علم الاجتماع بالانتحار نتيجة «الأنوميا»، وتعني الخلل في المعايير والقواعد التي تحكم العلاقات بين الأفراد.

وينظر الباحث في علم الاجتماع عصام فوزي إلى الانتحار في مصر باعتباره ظاهرة تتزايد وتتراجع متأثرة بالأوضاع الاقتصادية، والمزاج العام، لكنه أكد في الوقت نفسه أنه «لا يوجد عامل واحد يؤدي إلى الاكتئاب، ولا يكون هذا القرار فجائياً، إنما يمر من يصل إليه بمراحل عديدة ومتراكمة من الإحباط، واليأس، مع هشاشة نفسية، وعدم قدرة على المواجهة، واستكمال الحياة».

وأشار فوزي، الذي يملك أرشيفاً ضخماً من الصحف، والمجلات، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أنه لم يكن من الشائع في السابق تداول ونشر أخبار الانتحار ضمن صفحات الحوادث في الصحف، والمجلات المصرية، بل كان نشرها يرتبط فقط بالمشاهير، عكس الوضع حالياً الذي تنتشر فيه حالات الانتحار عبر «السوشيال ميديا» ما يوحي بزيادتها، لكن ذلك لا يمكن الاستناد عليه، ولا يعبر عن واقع إحصائي دقيق.

وبوجه عام، رأى الباحث في علم الاجتماع أن مصر واحدة من الدول التي ما زالت تحافظ على روابطها الاجتماعية، حتى لو بدرجة أقل من ذي قبل، فتظل «الحميمية الاجتماعية فيها، وجلسات المقاهي، وتجمعات العائلة من العوامل التي تقي من الوصول لمرحلة الانتحار، فضلاً عن طبيعتها، ففي دول لا ترى الشمس يدفع الجو العام إلى الاكتئاب، وتتزايد حالات الانتحار».