«يوم واحد» وألفُ خفقة قلب

مسلسل «نتفليكس» يعيد للقصص الرومانسيّة سِحرَها وبريقَها

أمبيكا مود «إيما» وليو وودال «دكستر» بطَلا مسلسل One Day (نتفليكس)
أمبيكا مود «إيما» وليو وودال «دكستر» بطَلا مسلسل One Day (نتفليكس)
TT

«يوم واحد» وألفُ خفقة قلب

أمبيكا مود «إيما» وليو وودال «دكستر» بطَلا مسلسل One Day (نتفليكس)
أمبيكا مود «إيما» وليو وودال «دكستر» بطَلا مسلسل One Day (نتفليكس)

ما الذي يمنح مسلسلاً رومانسياً قصيراً إقامةً دائمة في قائمة مسلسلات نتفليكس الأكثر مشاهدةً طيلة 5 أسابيع؟ لا، ليس لمجرّد أنه رومانسيّ أو لأنّ حلقاته الـ14 قصيرة ومن الممكن مشاهدتُها خلال نصف يوم. أسبابٌ كثيرةٌ اجتمعت لتجعل من «One Day» (يوم واحد) مادّةً تلفزيونيّة ممتعة وثريّة.

ليست المرة الأولى التي تُقتبَس فيها رواية الكاتب البريطاني ديفيد نيكولز بهدف تحويلها إلى محتوى مصوّر. سنة 2011، وبعد عامَين على صدور الكتاب الذي تُرجم إلى 40 لغة وبيعَت منه 6 ملايين نسخة حول العالم، جرى تقديم القصة على هيئة فيلم من بطولة الممثلة الأميركية آن هاثاواي، غير أنّه لم ينل استحسان النقّاد ولا الجمهور. أمّا نسخة 2024 من الحكاية فتكاد تخلو من الثغرات والهفوات.

لا شيء يوحي بأنّ طريق «إيما مورلي» و«دكستر مايهيو» سيكون واحداً. هي الفتاة العاديّة الآتية من عائلة متواضعة في شمال إنجلترا، والتي تأخذ دراستَها ومستقبلَها المهني على محملٍ عالٍ من الجدّ، حالمةً بأن تصبح كاتبة. وهو الشابّ الوسيم ابنُ العائلة الثريّة، والذي لا يريد من الحياة سوى اللهو والشهرة والمال. غير أنّ تلك النظرة الثاقبة الأولى التي يتبادلانها ليلة تخرّجهما من جامعة إدنبرة، كفيلة برَسم مسارٍ سيمتدّ طويلاً بينهما.

لكنّه ليس مساراً عاطفياً تقليدياً، إذ إنّ إيما ودكستر لا يلتقيان سوى مرّة واحدة كل سنة. على إيقاع مواعيد الـ15 من يوليو (تموز) السنويّة، تسير حلقات المسلسل. لكلّ 15 يوليو حلقة، من 1988 حتى 1999، باستثناء الحلقتَين الأخيرتَين اللتَين تدمجان أكثر من سنة واحدة انتهاءً بعام 2007. وفي كلّ سنة تتوطّد العلاقة أكثر بينهما، متأرجحةً بين صداقةٍ وما هو أعمق، من دون أن يخلو الأمر من فترات بُعدٍ وخصام.

يسير المسلسل القصير على إيقاع لقاءات إيما ودكستر السنويّة (نتفليكس)

بعد التخرّج من الجامعة يذهب كلٌّ في اتّجاه، فتجول إيما مع فرقة مسرحيّة على مدارس إنجلترا. فيما يدخل دكستر عالم التلفزيون، مقدّماً فقراتٍ ترفيهيّة سطحيّة. أما في يوليو 1991، فيسافران معاً إلى اليونان ويكتفيان بالحبّ تلميحاً، مع أن لا شيء أقوى من الكيمياء التي بينهما.

يحمل الممثلان أمبيكا مود (إيما) وليو وودال (دكستر) المسلسل على عاتقَيهما. يقدّمان دورَيهما بإقناعٍ وسِحر، وهذا أحد الأسباب الرئيسية في نجاح العمل. رغم أنه لا تجارب دراميّة كثيرة في جعبة الممثلَين الشابَين، إلّا أنهما يشكّلان ثنائياً تلفزيونياً مثالياً، فتلتصق الشخصيّتان بجِلدَيهما.

يقدّم الممثلان ثنائياً استثنائياً على الشاشة (نتفليكس)

هو صاحب الكاريزما والذي لم يُصبه الجاهُ بالفوقيّة، والذي سيسامحه المُشاهد، كما إيما، على كلّ أخطائه لأنّ صدقَه يشفع له. يتنقّل وودال بين حالات دكستر بسلاسة، فيتساوى مستوى الإقناع في شخصية الإعلاميّ المشهور كما في وظيفة النادل عندما ينقلب به الدهر. نراه عاشقاً صامتاً، وولداً حزيناً على فقدان والدته، ونجماً غارقاً في الإدمان، ورجلاً طحنته خيبات الحياة.

بينه وبين إيما حواراتٌ طويلة لا يشوبها الملل، نظراً لذكائها ولصدقها في نقل هواجس شابّين في سنّهما خلال حقبة التسعينات. فالمسلسل ليس مجرّد فسحة رومانسيّة بل مساحة لطرح مواضيع عميقة. وما يزيد الحبكة عمقاً، إبداع أمبيكا مود في تجسيد شخصية إيما ببساطتها وفلسفتها.

قبل One Day عُرف ليو وودال من خلال دوره في مسلسل The White Lotus (نتفليكس)

أحد عناصر فرادة المسلسل كذلك، أنّه يواكب تطوّر الشخصيتَين. لكنّه، وإن نجح في ذلك على المستويَين النفسيّ والعاطفيّ، فإنه لم يوفّق كثيراً على مستوى الشكل. لا يبدو دكستر وإيما مقنعَين في الثلاثينات من العمر بسبب سنّهما الصغيرة. لكن فريق الممثلين المساعدين هنا لرفع المسلسل من جديد، وعلى رأسهم جوني ويلدون بدور «إيان» حبيب إيما، وإيسي دايفيس بدور «أليسون» والدة دكستر.

دكستر ووالدته أليسون التي يخسرها باكراً بسبب إصابتها بالسرطان (نتفليكس)

يعيش كلٌّ منهما علاقته العاطفيّة الخاصة فيتزوّج دكستر بفتاة ثريّة، وتُمضي إيما سنوات إلى جانب إيان. لكن رغم المسافات الاجتماعيّة والجغرافية المفروضة عليهما، لا ينقطع الخيط المتين والخفيّ الذي يربط قلبَيهما. وفي ذلك سحرٌ يجذب المُشاهد. هي قصة الحب التي تتنقّل بين الممكن والمستحيل، بين أدنى القرب وأقصى البُعد.

لا تعاني منصات البثّ من نقص في المحتوى الرومانسي، لكن «One Day» يشكّل علامة فارقة كونه يوازي ما بين الواقعيّة والحلم. لا يبخل المسلسل باللحظات العاطفيّة، من دون أن يغرق في سرديّة الحب الخياليّ والخارق. ولعلّ الجمهور المتلقّي بحاجة إلى قصصٍ من هذا النوع، لا تبالغ في المَشاهد الزهريّة ولا في تلك الرماديّة، بل تقدّم تجربة العيش والحب على حقيقتها، بالسِّحر والقلق اللذَين يرافقانها.

يقدّم المسلسل تجربة العيش والحب على حقيقتها، بالسِحر والقلق اللذَين يرافقانها (نتفليكس)

على الأرجح فإنّ المُشاهد سيتعلّق بحكاية إيما ودكستر، سيدعمها ويدافع عنها بينه وبين نفسه متمنياً لها الوصول إلى برّ الحب الهادئ بعد سنوات النكران والعثرات والفراق.

ممّا يساعد كذلك في الانغماس في المسلسل، نجاح الكاتبة التلفزيونية نيكول تايلور وفريق المخرجين، في نقل أجواء حقبتَي الثمانينات والتسعينات بتفاصيلها البصريّة والثقافيّة.

في مقابلة مع نتفليكس، تخبر الممثلة أمبيكا مود أنه كان عليها وشريكها ليو وودال، اكتشاف هواتف تلك الحقبة وأجهزة الكمبيوتر التي كانت رائجة حينذاك من أجل استخدامها في التصوير؛ فهُما لم يتعاملا معها من قبل نظراً لصغر سنّهما.

هي أول تجربة بطولة بالنسبة إلى الممثلة البريطانية أمبيكا وود (نتفليكس)

إلى جانب عنصرٍ جاذب آخر يتمثّل في الوفاء للبيئة الإنجليزيّة ولكنتِها، يكتمل المشهد بمجموعة من الأغاني التي تعيد بدورها إحياء تلك الحقبة، وهي تُحاكي في الوقت ذاته السيناريو عاكسةً معانيه وأحداثه لحناً وكلاماً. يمكن القول بالتالي إنّ «One Day» متعة للعين والأذن والقلب، رغم أنّ الغصّات فيه تكثر كلّما اقترب المسلسل من حلقاته الأخيرة.


مقالات ذات صلة

«باراماونت» ترفض استبعادها من سباق «وارنر»... وتُشكك في عرض «نتفليكس»

الاقتصاد شعار شركة «وارنر براذرز» خلال معرض «ميبكوم» السنوي لبرامج التلفزيون في مدينة كان الفرنسية (رويترز)

«باراماونت» ترفض استبعادها من سباق «وارنر»... وتُشكك في عرض «نتفليكس»

اشتدت حدة المواجهة في هوليوود مع إعلان شركة «باراماونت سكاي دانس»، يوم الخميس، تمسكها بعرض الاستحواذ الضخم المقدم لشركة «وارنر براذرز ديسكفري».

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد شعارا «باراماونت» و«وارنر براذرز» (رويترز)

«وارنر براذرز» تُجدد رفضها عرض استحواذ «باراماونت» وتتمسك بصفقة «نتفليكس»

جدّدت «وارنر براذرز ديسكفري» رفضها أحدث عروض الاستحواذ المقدمة من «باراماونت»، موجهة رسالة حازمة لمساهميها بضرورة التمسك بالعرض المنافس المقدم من «نتفليكس».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق أقوى مسلسلات 2025... عودة الوهج إلى دراما المنصات بعد سنتَين من الرتابة

أقوى مسلسلات 2025... عودة الوهج إلى دراما المنصات بعد سنتَين من الرتابة

في 2025 استعادت منصات البثّ بعضاً من تألّقها، بفضل مسلسلات شكّلت مفاجأة للجمهور والنقّاد. اخترنا لكم 7 من بين الأفضل.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق إميلي تتنقّل بين روما وباريس في الموسم الخامس من المسلسل (نتفليكس)

«إميلي» تعثَّرت في روما فمدَّت لها باريس حبل الإنقاذ

في الموسم الخامس من مسلسل «Emily in Paris»، الأزياء المزركشة والإعلانات التجارية تحتلُّ المساحة الكبرى.

كريستين حبيب (بيروت)
رياضة عالمية نتفلكس تعتزم إطلاق لعبة محاكاة كرة قدم خلال صيف 2026 (أ.ب)

«نتفلكس» تطلق لعبة كرة قدم جديدة بالتزامن مع كأس العالم

تعتزم شبكة نتفليكس إطلاق لعبة محاكاة كرة قدم «فيفا» عبر منصتها للألعاب خلال صيف 2026، بالتزامن مع كأس العالم المقررة في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك.

«الشرق الأوسط» (سان فرانسيسكو)

ما أكثر السمات المكروهة في المدير؟

يمكن لتدخل الإدارة أن يفسد بيئة العمل (رويترز)
يمكن لتدخل الإدارة أن يفسد بيئة العمل (رويترز)
TT

ما أكثر السمات المكروهة في المدير؟

يمكن لتدخل الإدارة أن يفسد بيئة العمل (رويترز)
يمكن لتدخل الإدارة أن يفسد بيئة العمل (رويترز)

بينما كان فيكتور ليبمان، المؤلف الحاصل على ماجستير في إدارة الأعمال، يتحدث مع سيدة عملت لسنوات عديدة في عدة مؤسسات مرموقة، وكانت خلال الحديث تسترجع مسيرتها المهنية، ذكّرت ليبمان بحقيقة إدارية جوهرية.

وكانت السيدة تستمتع بعملها في معظمه، وفق حديثها، ولم يمرّ عليها سوى مرة واحدة لم تُعجبها، وهي تتذكرها جيداً. وكانت السيدة تعمل عادةً باستقلالية تامة، لكنّ أحد المديرين قرر، حينها، التدخّل بشكل مفرط في تفاصيل مهامها اليومية، وأصبح متسلطاً بشكل مُفاجئ.

ووفق ما ذكره موقع «سيكولوجي توداي» المعني بالصحة النفسية والعقلية، فقد كان التأثير فورياً. ازداد إحباط السيدة من العمل، وتراجع استمتاعها به. وكان هذا مثالاً نموذجياً على أن تدخّل الإدارة بشكل مفرط في التفاصيل (الإدارة التفصيلية) يجعل الموظفين لا يستجيبون بشكل جيد.

التدخل المفرط

يكمن الفرق الرئيسي بين الإدارة الدقيقة (المعقولة) والإدارة التفصيلية (المفرطة) في الحاجة إليها. ومن الطبيعي أن يمرّ الموظف بأوقات لا يؤدي فيها عمله على النحو المطلوب، لذا يحتاج المدير، وقتها، إلى متابعة دقيقة لكيفية إنجاز المهام اليومية. وهذا من أساسيات الإدارة الجيدة.

ويختلف هذا تماماً عن الإدارة التفصيلية، حيث يتدخل المدير بشكل مفرط في أدق تفاصيل عمل الموظف، حتى وإن كان هذا الموظف كفؤاً في وظيفته.

وتُعدّ الإدارة التفصيلية المفرطة شائعة جداً. فعلى مرّ السنين، أُجريت العديد من الدراسات الاستقصائية حول هذا الموضوع، وتشير نتائجها عادةً إلى أن نسبة الموظفين الذين يشعرون بأنهم تعرّضوا للإدارة التفصيلية المفرطة في مرحلة ما من مسيرتهم تتراوح بين 60 و70 في المائة.

السيطرة في العلاقات

ويكره الناس الإدارة التفصيلية، لأنها تتعلق بمفاهيم الاستقلالية والتحكم. وسواء رغبنا في ذلك أم لا، فإن المديرين والموظفين تربطهم علاقة، فهم يلتقون باستمرار، وحتى في ظل العمل عن بُعد، يتواصلون بانتظام. وقليلون هم من يرضون بالخضوع للسيطرة في العلاقات، أو بالتدخل في تفاصيل حياتهم اليومية؛ فهذا يُؤدي إلى الإحباط والسخط. وليس من المستغرب أن تنطبق هذه الديناميكيات نفسها داخل بيئة العمل وخارجها.

ومن المعروف أن الإدارة التفصيلية تُؤدي إلى نتائج سلبية عديدة في العمل. وتشمل هذه النتائج عادة مشكلات؛ مثل: انخفاض الروح المعنوية، ونقص الابتكار والإبداع، وانخفاض الإنتاجية.


فنانون من مصر والسعودية والكويت يرسمون «صندوق الدنيا»

لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)
لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)
TT

فنانون من مصر والسعودية والكويت يرسمون «صندوق الدنيا»

لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)
لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)

استعاد فنانون من عدة دول عربية بينها مصر والسعودية والكويت والبحرين، فكرة «صندوق الدنيا» الذي يضم الحكايات الغرائبية والقصص القديمة والتراثية، عبر لوحاتهم التي جسدت مشاهد طبيعية من البيئات العربية التي يتداخل فيها الواقع مع الأسطورة مع التراث بطريقة جمالية وفنية مميزة.

المعرض الذي نظمه ملتقى عيون الدولي للفنون رقم 27 استضافه قصر الإبداع بمدينة السادس من أكتوبر (غرب القاهرة) التابع لوزارة الثقافة المصرية، ليوم واحد فقط، السبت، وضم نحو 60 عملاً لفنانين من أجيال مختلفة، يمثلون تجارب ومدارس فنية متنوعة.

ويشير منسق المعرض، الفنان مصطفى السكري، إلى الزخم الذي شهده المعرض بمشاركة أعمال لفنانين من عدة دول عربية، يعبّرون بأعمالهم عن رؤاهم الفنية وتراثهم والخصائص المميزة لبيئتهم سواء من السعودية أو الكويت أو البحرين أو الإمارات.

لوحة للفنانة السعودية عائدة التركستاني (الشرق الأوسط)

ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن «المعرض السابع والعشرين للملتقى انطلق من فكرة التنوع والمفاجأة والسحر الكامن وراء فكرة صندوق الدنيا الذي كان إحدى تقنيات التسلية القديمة، وقد تجسد في أكثر من عمل بالمعرض عبر التصوير والنحت والغرافيك وأشغال فنية بالحرق على الخشب».

وأضاف أن «فكرة صندوق الدنيا تقوم على أن كل صندوق للدنيا به حدوتة، وكل فنان أخذ الحدوتة التي رآها وقرر التعبير عنها بأسلوبه وتقنياته سواء بالرسم أو النحت أو بالخيوط أو غيرها من التقنيات، لمنح كل فنان مساحة كافية ليتخيل الحكاية التي يقدمها للمشاهد من صندوق الدنيا».

ويضم المعرض العديد من العمال التي تحتفي بالمرأة سواء في مشاهد شعبية أو تراثية أو حديثة، كما ارتكزت بعض الأعمال على أفكار مرتبطة بالبيئة الشعبية والحياة في الريف والحقول والحيوانات، بينما عبَّرت بعض الأعمال عن الحضارة المصرية القديمة عبر رموز وتفاصيل مختلفة.

لوحات عن المرأة في المعرض (الشرق الأوسط)

وجاءت الأعمال العربية معبِّرة عن حس فني مميز يستخدم الكتل والألوان بطريقة مميزة للتعبير عن حالة نفسية أو اجتماعية أو تراثية مرتبطة بالتراث والتاريخ الخاص بصاحب العمل.

ويبدو التنوع في المدارس الفنية واضحاً في الأعمال التي يميل بعضها إلى الأسلوب الكلاسيكي أو التعبيري أو التأثيري، فيما تجنح أعمال أخرى إلى التجريد والسريالية، ووفق منسق المعرض، «فقد اهتم الملتقى بالتنوع بين الأجيال والفئات المشاركة بالمعرض من فنانين كبار وطلبة وكذلك مواهب من ذوي الاحتياجات الخاصة، جاءت أعمالهم معبرة عن موضوع المعرض وعن القضايا التي تشغلهم والحكايات التي أرادوا أن يرووها بالريشة والألوان»، على حد تعبيره.


«البوستة»... طابع البريد يغادر الخطابات إلى فاترينة التذكارات

الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)
الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)
TT

«البوستة»... طابع البريد يغادر الخطابات إلى فاترينة التذكارات

الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)
الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)

يظل مشهد الفنانة شويكار وهي تتخلى عن زوجها الطيب الذي قام بدوره فؤاد المهندس، معللة غيابها بأنها «ذاهبة لإحضار طابع بوستة» في فيلم «الراجل ده هيجنني»، دالاً ومعبراً عن قيمة هذا الطابع ورمزيته وحضوره في الحياة اليومية للمصريين، خصوصاً في فترة الستينات من القرن الماضي، ولكن «طابع البريد» هذا لم يعد حاضراً بالقوة نفسها في الحياة اليومية، وربما انحصر حضوره في المخاطبات الرسمية.

حين توجه هاني محمد (48 سنة)، متخصص في البرمجيات، إلى مكتب البريد المجاور لمنزله في القاهرة وطلب طوابع بريد من موظفة المكتب، لاحظ نظرة مندهشة على ملامحها ألحقتها بحماس شديد مقدمة له أنواعاً مختلفة من الطوابع، وفهم منها أنه من النادر أن يطلب أحد طوابع بريد إلا من أجل المصالح الحكومية أو المعاملات الرسمية، وحين أخبرها أن الطوابع التي يريدها سيعطيها لأطفاله (7 سنوات - و10 سنوات) ليضعوها على خطابات يرسلونها لأصدقائهما، قدمت له طوابع تذكارية عن المتحف المصري وحديقة الحيوان ومعالم أخرى شهيرة بمصر.

يقول هاني لـ«الشرق الأوسط»: «كانت تجربة غريبة، فمنذ التسعينات تقريباً لم أحاول شراء طوابع بريد، لكنني وجدت أن الطوابع ما زال يتم تداولها، ولكن بشكل رمزي وتذكاري، فيما عدا المعاملات الرسمية والحكومية والبنكية التي تتطلب إلصاق الطوابع عليها كما فهمت من موظفي البريد».

عدد من طوابع البريد المصرية الحديثة (الشرق الأوسط)

وأكد مطلعون بهيئة البريد أن الطوابع موجود منها الكثير وما زالت تطبع بشكل تذكاري، عليها صور شخصيات أو أماكن أو أحداث أو مناسبات، وما زالت تقوم بدورها كوسيلة للتواصل والتوثيق والمقاصة المالية، وإن كان حضورها في المراسلات الشخصية بين الأفراد تراجع، ولكن دورها في الخطابات الرسمية والطرود والعديد من الأغراض الأخرى ما زال حيوياً.

ويعود إنشاء «البوستة» أو البريد المصري إلى عام 1865 في عهد الخديو إسماعيل، الذي اشترى حق امتياز البوستة الأوروبية، وظلت الطوابع تحمل الطابع التاريخي والتوثيقي في العهد الملكي وحتى الجمهوري وإلى فترة التسعينات والألفينات.

وهو ما رصده معرض استضافه المتحف القومي للحضارة المصرية تحت عنوان «أثر في طابع»، شاركت فيه جهات مختلفة، من بينها هيئة البريد، ونادي الرواد المصري لهواة جمع الطوابع، كما نظمت الجمعية المصرية لهواة طوابع البريد أكثر من معرض عن طوابع البريد وسماتها التاريخية والتوثيقية والنادر منها.

يعاود هاني محمد الحديث عما حصل عليه من طوابع بقيمة زهيدة نسبياً بعضها لا يتجاوز جنيهَين (الدولار يساوي نحو 47 جنيهاً مصرياً)، وبعضها يصل إلى 10 أو 20 جنيهاً، ويقول: «وجدت طوابع تحمل معالم شهيرة مثل المتحف المصري الكبير أو الأهرامات أو توت عنخ آمون، وأيضاً أخذت بعض الطوابع التي تحمل مشاهد وصوراً من حديقة الحيوان وأعطيتها لأبنائي الذين تحمسوا لفكرة إرسال خطابات لزملاء لهم».

أحد مكاتب البريد المصرية (الشرق الأوسط)

في حين يرى الخبير في الإعلام الرقمي و«السوشيال ميديا»، محمد فتحي، أن «توقّف الناس عن استخدام البريد الورقي لم يكن قراراً مفاجئاً، بل نتيجة طبيعية لتغيّرات كبيرة في أسلوب الحياة ووسائل التواصل، وأهم الأسباب السرعة والتكلفة والسهولة والراحة وتعدد البدائل الكثيرة من تطبيقات وبرامج كثيرة ومتاحة طوال الوقت»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الهاتف الذكي متاح دائماً، لا حاجة للذهاب إلى مكتب بريد أو انتظار مواعيد».

ولفت إلى أنه بخلاف الاستخدام الشخصي اتجه أيضاً عدد من الجهات والمؤسسات للتحول الرقمي واعتمدت على المراسلات الإلكترونية، مشدداً على أن «البريد الورقي لم يتوقف لأنه سيئ؛ بل لأن الزمن تغيّر وتحوّل من وسيلة تواصل أساسية إلى قيمة رمزية وحنين ثقافي».

من فعالية أقامها متحف الحضارة المصرية عن الطوابع (متحف الحضارة المصرية)

وفي أبريل (نيسان) 2025 نظمت الهيئة القومية للبريد احتفالية بمناسبة مرور 100 عام على إصدار أول طابع بريد تذكاري مصري، وهي المناسبة التي عدّها وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، الدكتور عمرو طلعت، «تعكس تفرد تاريخ مصر وعمق حضارتها»، مشيراً إلى أن «طوابع البريد المصري هي مرآة لحضارة مصر وتاريخها السياسي والاجتماعي والثقافي والفني على مدار أكثر من قرن ونصف قرن».

ولفت، في بيان للهيئة، إلى أنه منذ 2021 تم إدخال الرموز التفاعلية (QR Codes) على الطوابع البريدية لتوفير معلومات كاملة عن الطابع، بما يمثل خطوة تعكس توجه البريد نحو الرقمنة والاعتماد على التكنولوجيا الحديثة.

فيما أشارت أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس، الدكتورة سامية خضر صالح، إلى أن «التغيرات والتطورات المتسارعة في وسائل التواصل المجتمعي أدت لاختفاء المخاطبات الورقية وغياب طابع البريد بوظيفته التقليدية في حياتنا اليومية»، وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «قديماً كان الخطاب له دلالة مهمة على روابط اجتماعية ملؤها الدفء والحميمية، حتى كتبت من أجله الأغاني والأفلام وتغنى به الكثيرون، وكان من له قريب في الخارج يهرع كل يوم صباحاً إلى صندوق البريد ينتظر خطاباً من قريبه، لكن الآن التواصل يتم عبر الأجهزة الذكية وهي طبيعة العصر الذي نعيشه».